ربما بدا صعباً على المؤتمر الوطني، الحزب الرئيسي الحاكم في السودان أن يطلب من الأحزاب السياسية السودانية إعادة ترتيب صفوفها وأوضاعها المزرية سواء لأنّ الوطني يدرك أن هذه الأحزاب -لفرط توهانها السياسي- لن تقبل منه هذا الأمر- أو لأن الوطني باعتباره حزباً هو الآخر ويدرك مقتضيات وقواعد التنافس الحزبي وجد أن من الأفضل أن يهتمّ بنفسه ويرمم بيته من الداخل قبل أن يطلب ذلك من الآخرين.
الأحزاب السياسية هي الأخرى ستجد صعوبة -وهي بالفعل تجد هذه الصعوبة- فى فهم أية (نصيحة) من الوطني فى هذا الصدد، سواء لشعورها أن الوطني أصلاً هو الذي تسبب في حالها المزري هذا، أو لأنها لفرط ثقتها بنفسها- ترى أنها على ما يرام وأن المطلوب فقط أن يبسط لها الحريات اللازمة وسوف يرى منها العجب العجاب!
هذه المعادلة هي بمثابة تلخيص مختصر للأزمة الراهنة فى المشهد السياسي العام في السودان. أحزاب تعيش حالة التجاذب ما بين واقعها المأزوم المؤسف والذي لا تود الاعتراف به؛ ففضلاً عن أن تعتبره جزء رئيسي من الأزمة الماثلة ففي مخيلة الأحزاب السياسية السودانية -بلا أي استثناء- أنها فقط في حاجة الى حريات كاملة ووضع انتقالي كامل الدسم بحياد كامل، ثم انتخابات عامة ونزيهة لتحقق - حسب رؤيتها- الفوز الغالي الكبير وتتربع على سدة السلطة!
مكمن الخلل في هذا القصور السياسي المخل أن الأزمة بكاملها الآن إنما تكمن في طبيعة الحياة السياسية داخل هياكل هذه الأحزاب إذ يكفي فقط للتدليل على عقم الأزمة أننا الآن بصدد (75) حزباً سياسياً سودانياً مسجلاً لدى مسجل الأحزاب! ولا نعتقد أن هذا العدد المهول دليل عافية أو صحة سياسية.
صحيح أن جانب من هذا الرقم دلالة على انفتاح ديمقراطي وحريات سياسية فى إنشاء وتكوين الأحزاب؛ وصحيح أيضاً أن هذه هي الطريقة القانونية المثلى لإتاحة الفرصة لكل من يرغب فى ركوب مركبة العمل السياسي للحصول على تذكرة، ولكن بالمقابل فإن في ذلك مؤشر حقيقي على وجود حالة تشرذم سياسي واسعة النطاق وليس أدل على ذلك من أن مسلك الأحزاب نفسها اقترح إجراء عملية دمج فيها.
هذا يعني أن كثرة هذه الأحزاب سببها الرئيسي أن البعض لا يرضى بالبعض الآخر رغم مماثلة وتطابق الرؤى والأفكار. فكل من لم يعجبه الأداء فى حزبه وبدلاً من أن يسعى بالطرق الديمقراطية لكي يحقق راؤه، يخرج من الحزب ثم يسعى لإنشاء تكوين سياسي جديد، بذات الرؤى والأفكار، بل ربما كانت بذات الطريقة وكانت النتيجة أن الأحزاب تكاثرت ولكن جميعها تحمل ذات العلة وذات المرض السياسي الوراثي!
هذا الوضع المفجع لن تصلح معه ممارسة ديمقراطية راشدة، إذ أن خلاصة كل ذلك أنَّ ساسة بعينهم يسعون للوصول الى السلطة عبر الوسيلة الوحيدة المتاحة وهي الأحزاب، للإنتصار على خصوصهم -سياسياً- وللتدليل على صواب رؤاهم السياسية التى كانت مثار خلاف مع أولئك الخصوم والذين هم في الواقع حلفاء وأصدقاء الأمس!
وعلى ذلك فإن الأزمة الحقيقية الراهنة فى مشهدنا السياسي العام ليست أزمة فى بسط الحريات، أو فى الحوار الوطني الشامل نفسه؛ الأزمة الحقيقية فى كيفية تنظيم (الأسواق السياسية) بحيث ينال كل صاحب بضاعة سياسية جيدة ومطابقة للمواصفات حقه الكامل فى طرح بضاعته وأن يتاح أيضاً للذين يرغبون فى التعامل مع هذه البضاعة السياسية اقتناء ما يرون أنهم يفضلونه.
هذه في الواقع هي الأزمة الحقيقية التي سيظل هذا البلد يعاني منها لعقود حتى ولو فتح له فردوس ديمقراطي فى أعلى الجنان السياسي!
الأحزاب السياسية هي الأخرى ستجد صعوبة -وهي بالفعل تجد هذه الصعوبة- فى فهم أية (نصيحة) من الوطني فى هذا الصدد، سواء لشعورها أن الوطني أصلاً هو الذي تسبب في حالها المزري هذا، أو لأنها لفرط ثقتها بنفسها- ترى أنها على ما يرام وأن المطلوب فقط أن يبسط لها الحريات اللازمة وسوف يرى منها العجب العجاب!
هذه المعادلة هي بمثابة تلخيص مختصر للأزمة الراهنة فى المشهد السياسي العام في السودان. أحزاب تعيش حالة التجاذب ما بين واقعها المأزوم المؤسف والذي لا تود الاعتراف به؛ ففضلاً عن أن تعتبره جزء رئيسي من الأزمة الماثلة ففي مخيلة الأحزاب السياسية السودانية -بلا أي استثناء- أنها فقط في حاجة الى حريات كاملة ووضع انتقالي كامل الدسم بحياد كامل، ثم انتخابات عامة ونزيهة لتحقق - حسب رؤيتها- الفوز الغالي الكبير وتتربع على سدة السلطة!
مكمن الخلل في هذا القصور السياسي المخل أن الأزمة بكاملها الآن إنما تكمن في طبيعة الحياة السياسية داخل هياكل هذه الأحزاب إذ يكفي فقط للتدليل على عقم الأزمة أننا الآن بصدد (75) حزباً سياسياً سودانياً مسجلاً لدى مسجل الأحزاب! ولا نعتقد أن هذا العدد المهول دليل عافية أو صحة سياسية.
صحيح أن جانب من هذا الرقم دلالة على انفتاح ديمقراطي وحريات سياسية فى إنشاء وتكوين الأحزاب؛ وصحيح أيضاً أن هذه هي الطريقة القانونية المثلى لإتاحة الفرصة لكل من يرغب فى ركوب مركبة العمل السياسي للحصول على تذكرة، ولكن بالمقابل فإن في ذلك مؤشر حقيقي على وجود حالة تشرذم سياسي واسعة النطاق وليس أدل على ذلك من أن مسلك الأحزاب نفسها اقترح إجراء عملية دمج فيها.
هذا يعني أن كثرة هذه الأحزاب سببها الرئيسي أن البعض لا يرضى بالبعض الآخر رغم مماثلة وتطابق الرؤى والأفكار. فكل من لم يعجبه الأداء فى حزبه وبدلاً من أن يسعى بالطرق الديمقراطية لكي يحقق راؤه، يخرج من الحزب ثم يسعى لإنشاء تكوين سياسي جديد، بذات الرؤى والأفكار، بل ربما كانت بذات الطريقة وكانت النتيجة أن الأحزاب تكاثرت ولكن جميعها تحمل ذات العلة وذات المرض السياسي الوراثي!
هذا الوضع المفجع لن تصلح معه ممارسة ديمقراطية راشدة، إذ أن خلاصة كل ذلك أنَّ ساسة بعينهم يسعون للوصول الى السلطة عبر الوسيلة الوحيدة المتاحة وهي الأحزاب، للإنتصار على خصوصهم -سياسياً- وللتدليل على صواب رؤاهم السياسية التى كانت مثار خلاف مع أولئك الخصوم والذين هم في الواقع حلفاء وأصدقاء الأمس!
وعلى ذلك فإن الأزمة الحقيقية الراهنة فى مشهدنا السياسي العام ليست أزمة فى بسط الحريات، أو فى الحوار الوطني الشامل نفسه؛ الأزمة الحقيقية فى كيفية تنظيم (الأسواق السياسية) بحيث ينال كل صاحب بضاعة سياسية جيدة ومطابقة للمواصفات حقه الكامل فى طرح بضاعته وأن يتاح أيضاً للذين يرغبون فى التعامل مع هذه البضاعة السياسية اقتناء ما يرون أنهم يفضلونه.
هذه في الواقع هي الأزمة الحقيقية التي سيظل هذا البلد يعاني منها لعقود حتى ولو فتح له فردوس ديمقراطي فى أعلى الجنان السياسي!






0 التعليقات:
إرسال تعليق