دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الخميس، 27 أغسطس 2015

إسهام السودان في حل الأزمة الجنوبية.. معاني ودلالات!


      ساهم السودان ضمن مجموعة دول الجوار الأربع لدولة جنوب السودان في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الجنوبيين لإنهاء صراعهم الدامي الذي دخل عامه الثاني.
إجتماعات دول الجوار الجنوبي التي وصفتها مصادر دبلوماسية مطلعة بأنها كانت شاقة ومضنية أسفرت عن توقيع الفرقاء في جوبا على وثيقة الإيقاد المقترحة من قبلهم لوضع حد للحرب الجنونية الدائرة هناك.
وعلى الرغم من أن الطرف الحكومي في جوبا وقع على الوثيقة بالأحرف الأولى طالباً مزيداً من الوقت للتشاور والدراسة، إلا أن مجمل هذا التطور يعتبره العديد من المراقبين أمراً جديراً بالتقدير، إذ أن الحاجة ما تزال ماسة بشدة لإنهاء الصراع الجنوبي الجنوبي الذي أسفر عن مأساة إنسانية متصاعدة تفوق قدرة المنطقة على احتمالها.
إسهام السودان في تقريب شقة الخلاف بين الفرقاء الجنوبيين عبر مشاركة فاعلة من الرئيس البشير بحيث أمكن التوصل لهذه النتيجة الجيدة، إنما هو إثبات عملي مباشر على أن السودان على أية حال ورغم كل ما ظل يعانيه منذ ما يجاوز الخمسة أعوام من تصرفات الحكومة الجنوبية ودعمها للفصائل السودانية المسلحة التي تقاتل الحكومة السودانية حريص غاية الحرص على ترسيخ السلام والاستقرار في الدولة الجنوبية الوليدة.
ولا شك أن في هذا الموقف السوداني النبيل مغزى سياسي بالغ العمق والأهمية إذ ليس من المألوف أن يتسامى بلد فوق جراحه بهذا القدر ويسعى بجدية لإنهاء حالة الحرب في بلد مجاور، مع أن هذا البلد المجاور وعلى العكس تماماً يسعى لزعزعة استقرار السودان بدأب ومثابرة عجيبين؛ وذلك عبر دعم غير محدود لأكثر من 4 فصائل مسلحة ترفع السلاح في وجه الخرطوم، بل إن المفارقة إنه وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس البشير يشارك بفاعلية في اجتماعات دول الجوار الجنوبي ومجموعة الإيقاد كانت كل هذه الفصائل السودانية المسلحة موجودة على أرض دولة الجنوب وتقوم بهجمات على القوات الحكومية السودانية!
المغزى هنا يكمن في عدد من النقاط الإستراتيجية المهمة: أولاً، حرص السودان -كما أسلفنا- على استقرار الأوضاع في الدولة الجنوبية الوليدة بصرف النظر -في الوقت الحاضر- عما إذا كان هذا الاستقرار في جوبا يتضمن التزام جوبا بوقف دعمها للفصائل السودانية المسلحة الناشطة ضد الخرطوم.
فصلَ السودان ما بين الموقفين رغم ارتباطهما الوثيق، هو أبلغ دليل على حسن نية السودان وحرصه على علاقة حسن جوار حقيقية مع الدولة الوليدة للتأسيس في المستقبل القريب لعلاقة إستراتيجية قوامها التعاون المشترك. السودان ومن خلال خبرة وتجربة مماثلة مع بعض دول الجوار مثل تشاد وإفريقيا الوسطى وأرتريا لديه قناعة راسخة أن جوبا لا محالة عائدة إلى حقائق الواقع على الأرض لبناء علاقة جيدة تقوم على تعاون مشترك وقوات حدودية مشتركة ونفض الأيدي عن دعم حملة السلاح في مواجهة الخرطوم؛ وهي في حسابات السودان مسألة وقت وإدراك بالنسبة لجوبا.
ثانياً: حيازة السودان لثقة المجتمع الإقليمي والمجتمع الدولي بكون (يديه نظيفتين) نظافة كاملة بشأن علاقاته بدولة جنوب السودان وأنه غير متورط مطلقاً في دم فصائل جنوبية ناشطة ضد جوبا تتيح له وضعاً متقدماً ومهما للغاية يجعل منه بلداً محورياً في قضايا المنطقة وهذه نقطة إستراتيجية مهمة، من الطبيعي بل ومن المطلوب أن تحرص عليها الحكومة السودانية لأنها -باختصار شديد- تعزز مكانة السودان الإقليمية وتمنع عنه غوائل الاتهامات الظالمة التي ظل أسيراً لها طوال السنوات الماضية.
ثالثاً: نجاح السودان في التقريب بين الفرقاء الجنوبيين دليل دامغ على انه يحتفظ (بمسافة واحدة) من هذه الأطراف، وهذا يمنحه ميزة التأسيس لعلاقة مستقبلية مع كل الطيف السياسي في دولة الجنوب مهما تبدلت الأوضاع أو تغيرت الأنظمة! وأخيراً فإن السودان في الواقع يعطي المثال للحلول المحلية للأزمات السياسية وهو يمارسها الآن بشأن الحوار الوطني.

قانون مكافحة الفساد.. هوامش على نصوص مشروع القانون!


تسلم الرئيس السوداني مؤخراً مسودة قانون مكافحة الفساد سنة 2015م. المسودة التي اشتملت على حوالي 30 مادة سلمها له وزير العدل السوداني، الدكتور عوض الحسن النور، بعد أن فرغت اللجنة المكلفة بإنشاء مشروع القانون الذي يمكن اعتباره الاول من نوعه في السودان في تاريخه الحديث، من إنجاز المهمة في وقت وجيز.
اللجنة التي أنجزت مشروع القانون علاوة على مثابرتها الواضحة في صياغة القانون والفراغ منه بأسرع وقت ممكن حرصت حرصاً واضحا على محاولة التغلب على أي صعوبات إجرائية يمكن أن تعيق مفوضية مكافحة الفساد من القيام بواجبها خاصة في ما يخص الحصانات الإجرائية التي يعتبرها الكثيرون واحدة من أكبر معيقات عمليات التحقيق، حيث أجاز مشروع القانون إمكانية استدعاء أي شخص حتى ولو كان يتمتع بحصانة قانونية أو دستورية لسؤاله عن أي ادعاء أو اتهام أو شكوى رفعت في مواجهته.
كما بدا واضحاً -وهذه نقطة جوهرية مهمة- أن مشروع القانون فتح الباب واسعاً للمواطنين عامة بالتقدم بشكاواهم ضد أي شخص أو مسئول يشتبه في ممارسته لأي فساد، داعمين شكواهم –كأمر مهم– بالأدلة والمستندات اللازمة، ومن ثم لن تتردد المفوضية في مواجهة الشخص أو المسئول المعني بما يُراد في الشكوى، ولها الحق بعد ذلك في إحالة الأمر إلى الجهة القضائية المختصة.
ليس هناك أنى شك أن مشروع القانون الجديد احدث نقلة غير مسبوقة في مكافحة أي فعل يمكن إدراجه تحت وصف الفساد، كما أنه أعطى تعريفات قانونية محددة لوصف الفساد لأن ما يقال الآن إعلامياً بصفة عامة محض حديث فضفاض عام عن الفساد، والذي في اغلب الحالات يُراد به وصف الاعتداء على المال العام. وعلى ذلك وعلى الرغم من أن مشروع القانون ما يزال قيد الدراسة والإجازة عبر القنوات المختلفة ولم يصدر رسمياً من البرلمان، إلا انه ومن واقع سماته العامة يلاحظ عليه الأتي:
أنه لم يلغ دور الأجهزة القانونية العادية المختصة (نيابة قضاء شرطة) إذ أن دور المفوضية هو دور معاون أو مساعد لهذه الأجهزة، والمفوضية لا تفعل سوى أن تقوم بإحالة الموضوع بعد التثبت منه إبتداءاً إلى الجهة القضائية المناسبة لتقوم بدورها القضائي العادي وعلى ذلك ليس صحيحاً البتة أن إنشاء المفوضية جاء خصماً على اختصاص هذه الأجهزة أو مقللاً من دورها.
ثانياً، حق المفوضية في استدعاء أي شخص حتى أصحاب الحصانات، يتيح سرعة مطلوبة لانجاز أي تحقيق في الوقت المناسب دون الحاجة لإتباع الإجراءات المتعلقة برفع الحصانة المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية 1991وفي أحيان كثيرة فإن التحقيق يتطلب سرعة للوصول إلى الحقيقة لا تتوفر في الحالات العادية لأصحاب الحصانات.
ثالثاً، وجود المفوضية نفسها وصلاحياتها المنصوص عليها وكونها تتلقى شكاوي من مواطنين عاديين وكونها تستطيع استدعاء حتى ذوي الحصانات هو في حد ذاته سبب رادع لأي شخص أو مسئول يمكن أن يرتكب فساداً لأنه سيكون واضحاً أن الإجراءات سوف تطاله عاجلاً دون تأخير.
رابعاً، أعضاء المفوضية (بالضرورة) هم من رجال القانون ذوي الخبرة وهذا ادعى للوصول إلى الحقيقة بسرعة مناسبة وتكييف للوقائع وإحالتها إلى الجهة المختصة.
وأخيراً فإن صدور القانون -كما قال بذلك رئيس البرلمان- من المجلس الوطني وعدم إصداره عبر مرسوم جمهوري مؤقت نظراً لغياب البرلمان في إجازته السنوية لا شك انه أفضل لكي يصدر كقانون عادي بإجراءات برلمانية عادية حتى يحظى بالنقاش المطلوب وينال القدر المطلوب من الاهتمام.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

مناوي وحكومة طبرق.. عدم أخذ العظة من التاريخ!


لم يكن غريباً أن تلجأ حركة مناوي بعد فراغها من عملها المسلح في دولة جنوب السودان إلى نشاء (إسم عمل) جديد لها في الجارة ليبيا للعمل في ذات المجال الذي بات يستهويها تماماً، فقد سبقتها في هذا المضمار حركة العدل والمساواة في عهد القذافي. ومناوي لسبب غير واضح بات في الآونة الأخيرة يقلد ويقتفي أثر حركة العدل، ربما لأن الرجل خاوي الوفاض من الرؤى  والأفكار، أو ربما أدرك الرجل أن مضمار المقاولات الحربية أكثر ربحاً من غيره كونه يتيح لحركته أموالاً وعتاداً حربياً، وينأى به عن ضربات قوات الدعم السريع الموجعة التي فعلت الأفاعيل بحركة جبريل إبراهيم وجعلت منها عبر لمن يعتبر.
لهذا كله قلنا إن من غير المستغرب أن يلجأ مناوي إلى ليبيا، ولكن الغريب أن يغامر البعض في الجارة ليبيا بمثل هذا العمل الأخرق، إذ أن المفارقة هنا أن نظام القذافي الذي تهاوى كما تتهاوى أصنام الشمع تحت ضربات قوى الثورة الشعبية الليبية وجرب ذات هذه التجربة، قدم دعماً غير محدود للحركات الدارفورية المسلحة واستخدم بعضها -بجرأة واضحة- لقمع الثورة الليبية واصطياد قادتها، ولكنه كما كان متوقعاً لم ينجح في إبقاء نظامه على قيد الحياة، بل فارق هو نفسه الحياة في خاتمة غير قابلة للوصف.
لقد كان وما يزال الظن أن الجميع في الشقيقة ليبيا حينما قادوا الثورة ضد نظام القذافي كانوا يثورون ضد ممارسته الخاطئة وتصرفاته الطائشة، ومن المؤكد أن هؤلاء الثوار -وربما نسوا الآن أو تناسوا- ما كانوا لينجزوا مشروعهم الثوري هذا بالإطاحة بنظام القذافي لو لم يقف السودان داعماً لهم! فكيف بلغ ببعضهم الجحود لدرجة مقابلة الإحسان بالإيذاء؟
إن التصريحات التي صدرت عن الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني مؤخراً تحذر فيها (حكومة طبرق) من هذه الممارسة الشائنة هي في الواقع ما تزال في إطارها الدبلوماسي الناعم، ولكن إذا كانت حكومة طبرق ما تزال على موقفها الخاطئ هذا فإن عليها قبل الاستمرار فيه أن تقرأ بعناية الأحوال التي آلت إليها الحكومة الجنوبية في جوبا حين استخدمت ذات هؤلاء المرتزقة ضد السودان من جهة، وضد المتمردين عليها من قوى المعارضة الجنوبية من جهة أخرى.
أبلغ دليل على الفشل إنما يتمثل في اتساع نطاق الكارثة في دولة الجنوب دون حسم النزاع وفي الوقت نفسه خروج حركة مناوي من هناك -بعدما ضاق بها الوضع- وقبولها العمل في ليبيا! كم هي الخسائر البشرية التي خلفتها حركة مناوي خلفها؟ ما هي الفائدة التي جنتها حكومة جوبا جراء هذا العمل الخاسر؟
كما أن حكومة طبرق مطالبة بأن تقرأ في سطور المستقبل القريب حين تضطر في يوم ما لدفع فاتورة حركة مناوي هذه إذا ما تحقق لها النصر! ودفع فاتورة مضاعفة أخرى -بطبيعة الحال- إذا لم يكن النصر حليفها.
إن السودان ما يزال ينأى بنفسه عن استخدام (حق المعاملة بالمثل) حيال جيرانه، ولكن أثبتت الأحداث انه هؤلاء الجيران عادة ما يصابون بندم غير مجدي حين تصل بهم الأمور إلى المحطة الأخيرة وقد خسروا كل شيء.. حدث هذا لكثيرين من دول الجوار السوداني بوسع كل متابع للتاريخ المعاصر أن يجد أمثلة حية لهؤلاء!

الجنرال حفتر والحركات الدارفورية ولغز الذخائر المصرية!



الجنرال خليفة حفتر الذي يُعتبر أحد أبرز أطراف الصراع الدائر في ليبيا ما بعد القذافي يلعب حالياً لعبة محلية وإقليمية بالغة الخطورة، وهي لعبة إذ لم  تتداركها أفهام دول المنطقة وتنتبه إليها بقوة فإن من شأنها أن تفضي إلى مآلات وأوضاع معقدة للغاية على المستوى الإقليمي.
ومن المعروف في الآونة الأخيرة أن الجنرال حفتر يستعين بالحركات الدارفورية المسلحة في مسعى واضح يعيد إلى الأذهان الطريقة ذاتها التي اتبعها القذافي في سنوات سابقة كان يستخدم فيها حركة العدل والمساواة في زعزعة الأوضاع في السودان؛ وليس سراً في هذا الصدد أن دعم القذافي لحركة العدل بلغ ذروته حينما اندفعت الحركة لمغامرة انتحارية حينما حاولت اجتياح العاصمة السودانية الخرطوم عصر العاشر من مايو 2008م، وقد تناقلت وكالات الأنباء حينها أنه وبعد اندِحار الحركة أعادَ القذافي الاستعانة بها عقب تعرّض نظامه لثورة شعبية، وهي المهمة التي لم تنجح فيها الحركة واضطرت لمغادرة الأراضي الليبية سراً عقب السقوط المدوّي لنظام القذافي قبل أن يلقى زعيمها خليل إبراهيم حتفه في إحدى مناطق إقليم دارفور، وتهتزّ الحركة وتفقد عافيتها العسكرية والسياسية التي بلغت ذروتها بالهزيمة المدمرة في (قوز دنقو) أواخر ابريل الماضي على أيدي قوات الدعم السريع.
الجنرال حفتر يقتفي الآن أثر القذافي. وتشير مصادر دبلوماسية غربية في العاصمة المصرية القاهرة إن الجنرال حفتر عقدَ لقاءات عديدة مع قادة حركات دارفور المسلحة في القاهرة، وعقد لقاءات مماثلة بمدينة طبرق الليبية، فقد إلتقى بالمدعو (أبو بكر حامد نور) وهو أبرز مسئولي الإدارة والتنظيم بحركة العدل والمساواة إلى جانب (بشارة سليمان نور) المسئول عن ملف الاستثمار بحركة العدل، والتقى حفتر أيضاً بمسئولين مماثلين من حركة مناوي وعبد الواحد محمد نور.
هذه اللقاءات عُقدت بسرية كاملة حرص خلالها الجنرال حفتر وبصفة شخصية على تقديم إغراءات لا تقاوَم لقادة هذه الحركات؛ إغراءات تراوحت ما بين المال بكميات كبيرة إضافة إلى دعم سياسي ولوجستي لدفعهم للقبول للعمل كمرتزقة محترفين والقتال إلى جانب قواته.

ضربة البداية:
كانت البداية لهذه العملية ومسرحها (وادي هور) وفي تلك المنطقة القصيّة المِفصَلية جرت عمليات الترتيب والتنظيم لإعداد قوات الحركات المسلحة للدخول إلى مسارح العمليات، وكان المال الذي يمتلك الجنرال حفتر قدراً مهولاً منه هو العنصر الحاسم في ترتيب العمليات، فقد وجدت مئات  الآلاف من الدولارات طريقها إلى قادة الحركات والجنود والقادة الميدانين؛ كما سلّم الجنرال حفتر كميات مهولة من الوقود لقادة الحركات ومواد غذائية عالية الجودة ومعينات لوجستيّة وعتاد حربي اجتهدت الحركات الدارفورية في استلامه ومن ثم انطلقت إلى داخل الأراضي الليبية لتمارس حرفتها الأثيرة إلى نفسها، القتل بلا هوادة!

محطات الوصول:
عقب استلام مندوبي الحركات المسلحة للأموال والوقود والمواد الغذائية فإن سيلاً جارفاً من قوات هذه الحركات بدأ يتدفق بكثافة على المناطق التي تتمركز فيها قوات حفتر، فقد دفعت حركة مناوي وحدها بـ28 عربة لاندكروزر محملة بالأسلحة والجنود واُسنِدت قيادتها للقائد الميداني (محمد هارون)، ثم أعقبتها أرتال أخرى من الحركات الأخرى التي كانت تعبر المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والسودان، مستغلة اتساع نقاط المنطقة وسهولة الطرق قبل أن تمرّ بمناطق (قزة) و (رديانة) الليبيتين, من ثم تزجّ بنفسها بقوة إلى مسارح العمليات بالمناطق الجنوبية لليبيا.

معسكرات الحركات الدارفورية في ليبيا:
لأنَّ الجنرال حفتر بات يعتمد اعتماداً كاملاً على مرتزقة الحركات الدارفورية المسلحة فقد وضع إستراتيجية طويلة الأمد لخدمة هذه الحركات، فأقام معسكرات أُعِدت خصيصاً إعداداً جيداً بمناطق الجنوب والجنوب الشرقي من ليبيا. وجود الأموال الكافية لدى الجنرال حفتر أتاح له الاستعانة بمعينات وأدوات جيدة وغالية الثمن لإقامة هذه المعسكرات التي تتوفر فيها كافة وسائل الراحة، الأمر الذي زاد من همّة ونشاط الحركات الدارفورية المسلحة، خاصة في مسارح العمليات الجنوبية في منطقة (أوباري) والمنطقة الجنوبية الشرقية ومنطقة بني غازي.

خسائر لحقت بالحركات الدارفورية:
كان أبرز الخسائر التي لحقت بالحركات الدارفورية في المعارك التي خاضتها، العثور على أجهزة الاتصال والهواتف النقالة وهواتف الثريا التي إعتادت الحركات الدارفورية المسلحة استخدامها. كما تم العثور على عشرات القتلى من هذه الحركات وتم التعرف على ملامحهم وسحناتهم وملابسهم، كما خسرت الحركات الدارفورية 3 سيارات عسكرية بكامل عتادها وأسلحتها عُثِرَ عليها مدمرة بالمدخل الغربي لمدينة (الكفرة) الليبية أواخر الأسبوع الماضي. كما أشارت مصادر الصليب الأحمر إلى وصول عشرات الجرحى من هذه الحركات الدارفورية إلى مستشفيات تقع في بعض المدن الجنوبية وتسيطر عليها قوات الجنرال حفتر.

اللغز الكبير المُحيِّر:
كانت أغرب أحد ألغاز هذه الحرب، الذخائر والأسلحة المستخدمة فيها بكثافة شديدة؛ فقد تم العثور على ذخائر مصرية الصنع! وكان أبرز دليل على أنها مصرية وجود ديباجات واضحة تقطع الشك باليقين  تشير إلى "دولة المنشأة والمصنع وتاريخ الصنع"، مما يصعب معه ضحد هذه الحقيقة، وهو ما يثير التساؤل أيضاً حول طبيعة العلاقة بين الجنرال حفتر وهذه الذخائر المصرية والأموال المهولة التي يستخدمها الرجل في حربه ويصرف فيها بسخاء على مرتزقة الحركات الدارفورية!

السودان والشركة الروسية.. حقائق من ذهب!


خطأ فادح وقعت فيه بعض وسائل الإعلام السودانية حين استوقفتها بعض المزاعم الاسفيرية -مع أنها باتت معروفة ومألوفة- عن ما أثير عن تعاقد وزارة المعادن السودانية مؤخراً مع شركة (سيبيرين) الروسية لإنتاج معدن الذهب في مربعين بالسودان.
يتجلى خطأ بعض الصحف السودانية في أنها أصغت لما أورده المدعو (صابون) وإتهاماته وتشكيكاته واستقالته! واعتبرت أن ما قاله (صابون) مغسولاً بالصواب وأن على الحكومة السودانية إثبات عكسه!
ليس من الحصافة في شيء أياً كانت الظروف والمبررات تصديق الآخرين والترويج لدعاواهم قبل مراجعة الجهة الحكومية المختصة حتى ولو استغرق الأمر وقتاً كثيراً. ففي ظل واقع إعلام اليوم فإن الانحياز للوطن وافتراض صحة ما تقوم به الدولة أفضل وأوجب من تبني (رأي فردي)، يتم وضعه في كفة ومصداقية دولة بكاملها في كفة أخرى.
لسنا هنا بصدد إعطاء الدروس الوطنية، فالإعلاميين والمنشغلين بحقل الصحافة والإعلام عموماً في السودان لا تنقصهم قط هذه الخصلة الثمينة والأثمن من الماس والذهب. ولكن إن شئنا الصراحة والوضوح فإن عجلة البعض في ترجيح كفة المستشار السوداني (صابون) كانت واضحة.
صحيح ربما كان نقص المعلومات الكافية من قبل الوزارة المعنية سبباً أو ربما كان حرص وزارة المعادن على مجمل العملية وضرورة وضعها في قالب مغلق لأسباب قدرتها، هو أيضاً سبب آخر ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً هنا -موضوعياً ومنطقياً- عقدت الحكومة السودانية عشرات وربما مئات الاتفاقيات المماثلة مع عشرات الشركات الأجنبية في مجالات المعادن والنفط والنحاس والعديد من المجالات الاقتصادية المهمة الأخرى، هل كانت في كل تلك الحالات تنشر -بالتفصيل- كل المعلومات الدقيقة عن تلك الشركات؟
ربما يقول قائل إن ذلك ضروري لأغراض الشفافية، ولكن بالمقابل -وهذا ما فات تماماً على البعض- أن الاتفاقيات المبرمة مع شركات أجنبية هذه عادة يتم عرضها على البرلمان، وفى أحيان كثيرة يطلع عليها قبل التوقيع (خبراء محللين) لا علاقة لهم بالسياسة، فما المشكلة إذن إذا كانت الاتفاقات يقف عليها ممثلي الشعب بدقائقها وتفاصيلها؟
وقد يقول قائل آخر أيضاً إن الاتفاقية الخاصة بالذهب مع الشركة الروسية (سيبيرين) ضخمة ومهولة ويتطلب توضح كامل للرأي العام، وهذا صحيح، ولكن بالمقابل فإن من المستحيل تماماً -نظرياً وعملياً- إيضاح كافة التفاصيل حول أمر كهذا ربما يسبب للشركة المعينة تعقيدات في الخارج، أو يجعل الحكومة السودانية حيال تعقيدات مع أطراف خارجية أخرى، ولهذا فحتى الآن ورغم كل الضجة المثارة فإن وزارة المعادن لم تكشف كافة التفاصيل بكاملها وإنما كشفت عن ما هو ضروري فقط لإحاطة الرأي العام بالحقيقة منعاً للتشكيك والضجيج المثار.
ولو راجع العديد من المراقبين صحف ووسائل إعلام الدول على مستوى العالم لن يجدوا تفصيلات كثيرة عن الاتفاقات التي يتم عقدتها مع الشركات الأجنبية إلا بالقدر المناسب ولعل اكبر دليل قاطع على صحة الاتفاقية ومصداقيتها حضور الرئيس البشير -شخصياً- لمراسم التوقيع وحضور ممثلي السفارة الروسية بالخرطوم وتوثيق الحدث وبثه على القناة الفضائية السودانية.
وكيف يمكن أن يتطرق الشك -مجرد الشك- لاتفاقية بهذه الدرجة وبحضور الرئاسة السودانية وبعد اتصالات وتفاهمات على أعلى مستوى مع موسكو؟

مسؤولون أفارقة: الإعلام المعادي يعكس صورة ليست حقيقية للسودان


أجمع مسؤولون أفارقة على عكس وسائل الإعلام المعادية للسودان صورة ليست حقيقية عنه في ظل تداعيات الحصار الاقتصادي، وأكدوا على أن مساندة ودعم حركات التحرر في أفريقيا ليست جريمة وإنما سعياً لتحقيق الحرية بالبلدان الأفريقية.

وأكد المسؤولون المشاركون في (المؤتمر التأسيسي لجناح المرأة بمجلس الأحزاب السياسية الأفريقية) الذي عقد بالخرطوم يومي 17، 18 أغسطس الجاري، على أن المرأة هي الضحية الأولى للحروب والنزاعات، وأشاروا إلى أهمية جناح المرأة بالمجلس لتعزيز وتمكين المرأة وتوسيع مشاركتها في كل المجالات، كما أشاروا إلى أن المؤتمر التأسيسي لجناح المرأة بالخرطوم كان ناجحاً.

وعبر رئيس مجلس الأحزاب السياسية الأفريقية ديفيد شاما، الأمين العام للحزب الحاكم بزامبيا، عن سعادته بزيارة السودان والمشاركة في المؤتمر، وأكد أهمية دور جناح المرأة بمجلس الأحزاب في القارة الأفريقية.



وأشار شاما إلى أن مجلس الأحزاب السياسية الأفريقية كان يضم في بداية تأسيسه الأحزاب الحاكمة فقط، ثم امتد بعد ذلك ليشمل بقية الأحزاب الأفريقية لتفعيل وتعزيز الحوار وصولاً للأهداف المرجوة، مشيراً إلى تكوين جناح الشباب في تشاد في العام 2014.
وأكد دور المجلس الكبير المنوط به نهضة القارة الأفريقية وإيجاد حلول لمشاكل القارة عبر التشاور وتبادل الخبرات بين الدول الأفريقية باعتبار أن مشاكل القارة لا يمكن حلها إلا داخل القارة لطبيعتها الأفريقية.
من جابنها، أكدت رئيس اللجنة العمومية لجناح المرأة بمجلس الأحزاب السياسية الأفريقية السفيرة جوزفين شيلوفيا مونبي، أن انتخابها لمنصب رئيس الجمعية العمومية لجناح المرأة جاء بموافقة خمسة أقاليم: (شمال وشرق وجنوب ووسط وغرب أفريقيا).

وأكدت أنها ستبذل كل ما في وسعها لتقدم جناح المرأة وتمكينها، مشيرة إلى أن رئيس بلادها ممن يدعمون المرأة وأن زامبيا هي الدولة الوحيدة التي تشغل فيها نائب الرئيس امرأة.

وقالت "سنعمل كنساء لإحداث تغيير كبير في القارة"، مضيفة أن هناك نساءً يتمتعن بخبرات واسعة ومعرفة أكثر ستتم الاستعانة بهن حتى يقوم الجناح بدوره المرجو.

الأحد، 23 أغسطس 2015

معهد روسي يصدر دراسة تقييمية للانتخابات السودانية الأخيرة!


أصدر المعهد العام الروسي -مقره موسكو- تقريراً مفصلاً عن الانتخابات العامة التي جرت في السودان في ابريل 2015. المعهد العام الروسي يحظى باحترام واسع النطاق داخل وخارج روسيا نظراً للسمعة الجيدة التي اكتسبها طوال سنوات طويلة عمل خلال على تدريب موظفي انتخابات لبلدان مختلفة وشارك في مراقبة ومتابعة العديد من الانتخابات العامة في بلدان عديدة حول العالم واصدر بعدها تقاريره وملاحظاته التي أعتبرها العديد من الناشطين السياسيين والأكاديميين موضوعية ومتوازنة.
تقرير المعهد الروسي صدر في أكثر من 15 صفحة، تناول بدقة وإيجاز غير مخل الخطوات التي قامت بها مفوضية الانتخابات العامة في السودان من أجل قيام العملية الانتخابية منذ بدايتها وحتى إعلان النتيجة. ويشير التقرير إلى أن العملية الانتخابية التي جرت في السودان في الفترة من 13 إلى 15 ابريل 2015 جرت وفق (المعايير الدولية لقانون الانتخابات) . وأورد التقرير إن عملية التصويت وعد الأصوات كانت على مستوى عال من الإعداد. كما أن المناخ الأمني العام للعملية الانتخابية كان جيداً بحيث لم يتعكر قط مناخ عملية التصويت التي اعتبرها التقرير (جرت بحرية تامة).
ويدلل التقرير على الحريات المتوفرة في السودان والتي لمسها عن قرب بممارسة بعض القوى السياسية السودانية المعارضة حقها الكامل في المشاركة أو عدم المشاركة في العملية باعتبار أن عدم المشاركة بمثابة مقاطعة للعملية وهي ممارسة ديمقراطية حرة.
التقرير أيضاً أشار إلى مراعاة السودانيين بوضوح تام لعاداتهم وتقاليدهم المحلية مشددين بتمسكهم بها. وأشاد التقرير بصفة خاصة بالقانون الانتخابي السوداني (قانون الانتخابات العامة) كقانون فيه مراعاة واضحة للمعايير الدولية في كافة مراحل الإجراءات الانتخابية من تسجيل وتصويت وفرز وإعلان نتيجة وفى هذه النقطة انتقد التقرير إحجام بعض المعاهد والمنظمات الغربية (الأوربية والأمريكية) التي امتنعت عن المشاركة في مراقبة العملية الانتخابية تحت المزاعم التي توارت خلفها ويعتبر التقرير اتخاذ مواقف كهذه من قبل (تسييس) معاهد المراقبة وإسباغ صفات سياسية عليها دون مبرر.
ووجه التقرير بعض الملاحظات ذات الطبيعة النقدية، إلى بعض الممارسات التي لاحظها مثل:
1-    مشكلة سلامة ومراقبة صناديق الاقتراع عقب قفل المراكز، باعتبارها في حاجة إلى تدعيم أكثر.
2-    عادةً ما تكون المراكز الخاصة بالاقتراع في مدراس، الأمر الذي ربما يعطل العملية التعليمية بكاملها خلال أيام التصويت.
3-    تعدد صناديق الاقتراع بحيث يتم تخصيص (صندوق مفرد) لكل مستوى انتخابي (الرئاسة، البرلمان، مجلس الولايات) .

فيما عدا هذه الملاحظات لم يتعرّض التقرير لأي ملاحظات يمكن القول أنها سالبة بشأن عملية التصويت. وعلى ذلك يمكن القول إن شهادة هذا المعهد الذي يتمتع بقدر وافر من الاحترام على المستوى الدولي هي شهادة موضوعية من شهود خبرة لديهم باع معروف في هذا المضمار، ذلك إن مراقبة الانتخابات العامة في بلد مثل السودان يواجه تحديات داخلية وإقليمية ودولية كبيرة، ويتعرض لهجمات من حملة السلاح وإنتقادات حادة من بعض المعارضين السياسيين الذين يستخدمون الإعلام الدولي لشن هذه الهجمات، هو أمر ليس سهلاً، خاصة وأن السودان بدا في السنوات الأخيرة حريصاً غاية الحرص على ترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة تجنباً لأي نزاع على السلطة قد يعصف بوحدته وتماسكه.
المعهد الروسي بشهادته هذه التي ساقها من واقع معايشة ومراقبة لصيقة قبل وأثناء وبعد العملية الانتخابية حظي بتقدير دولي خاص وقد اعتمدت وزارة الخارجية الروسية على تحليل المعهد للعملية الانتخابية السودانية والأرقام والملاحظات التي أبداها في إعلان اعترافها بالانتخابات العامة السودانية وأخرجت بياناً رسمياً في ذلك الحين أبدت فيه هذا الاعتراف من واقع اطلاعها على ملاحظات المعهد الروسي والتي خرجت بصفة رسمية مؤخراً.

عبد الواحد محمد نور .. في مراراته الخاصة!


من المؤكد ان عبد الواحد محمد نور -هذه الأيام- يبدي حرصاً بالغاً على حالة السكون والسكوت التى يعيشها منذ أشهر كونها حقت له حتى الآن في أسوأ الظروف النأي عن ضربات قوات الدعم السريع والتى رأى آثارها الواضحة على حركة جبريل ابراهيم وقطاع الشمال وحركة مناوي.
ومع أن نور الذي كان قريباً للغاية في العام 2006 من وضع توقيعه على إتفاق مع الحكومة السودانية في العاصمة النيجرية أبوجا قبل ان يتراجع -لأسباب بدت غامضة ومدهشة في ذلك الحين- ظل شديد التعنت في قبول اي حل تفاوضي مع الحكومة، إلا ان الوضع الراهن للرجل وقواته التي اصابها التكلس، وبدأت تتمزق داخلياً، يشي بأن خيار التفاوض ربما يقترب أكثر من ذهن الشاب الذي اكثر ما أضره وأضفى عليه هذا الموقف المتصلب غير المجدي، رفعه المبالغ فيه لسقف أحلامه ورغباته لما يجاوز عنان السماء.
إذ ليس سراً ان عبد الواحد ظل يتلقى وعوداً من قوى اجنبية وثيقة الصلة به بأنه ينتظره مستقبل سياسي باهر في الخرطوم. بعض اصحاب هذه الوعود كان وزير خارجية فرنسا في عهد الرئيس المثير للجدل (نيكولاي ساركوزي)، والوزير برنارد كوشنير! إذ المعلوم أن كلا الرجلين، ساركوزي وكوشنير، أنهما ينتميان لجذور صهيونية معروفة، غير أن عبد الواحد وعلى وجه الخصوص في صيف العام الماضي 2014 وعلى وجه التحديد في الثلاثين من يوليو منه جمعته جلسة أنس مع اثنين من (رفاقه) القدامى، على أيام دراسته الجامعية في الخرطوم أسرَّ إليهما –بمرارة قالوا إنها لم تكن معهودة لديهم– بأنه كاد ان يبلغ مرحلة اليأس من مجريات الامور حوله، وأن فرص وصوله الى أهدافه التى يراها مشروعه، بدأت بالفعل تتبدد إذ أن الحكم في الخرطوم -بنص تعبيره- يقوي في كل يوم، كما أن (جماعتنا) في المعارضة والعمل المسلح –بنص تعبيره أيضاً، تفرقوا واختلفوا، وأصبحوا بعيدين جداً عن مشكلة دارفور ومشاكل السودان كله! هذه الكلمات والعبارات هي كلماته وعباراته. ثم اضاف عبد الواحد بحزن ومرارة، إن خيبة الأمل الكبيرة جاءتهم من (مناضلين الجنوب)!
كل هذا التطور المكتوم وهذا الشعور المتصاعد بالفشل، لم يكن سوى أمر حتمي ومتوقع بالنسبة لعبد الواحد وإضاعته لعشرات الفرص بشأن الاتفاق مع الحكومة والتوصل الى حل سياسي لو جرى في العام 2006 لكانت حال الرجل غير حاله الراهن.
أما أسوأ ما في الامر ان عبد الواحد في هذه اللحظات يكابد مكابدة شديدة لتجنب أي احتكاك وبأي قدر ومن أي نوع مع الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع ويشير الرجل بذات المرارة على ان افضل انتصار له بالنظر للهزائم المتوالية حالياً على الحركات المسلحة هو أن يظل بعيداً عنها وان تظل قواته في مكانها حتى ولو لم تكن آمنة تماماً. ولا شك ان هذه الحالة السياسية المحزنة لحركة عبد الواحد هي نموذج مثالي للسياسي الذي يقرن الواقع بالحلم فيختلط عليه الاثنان ويجبره الواقع على دفع ثمن اخطائه غالياً!

فاقدوا الحوار لا يعطونه!


تتوجه سهام النقد الحادة هذه الأيام تلقاء حزب المؤتمر الشعبي بزعامة الدكتور الترابي. الشيء الغريب في هذه الانتقادات أنها موجهة -حصرياً- من القوى الحزبية المعارضة التى كانت تعرف في الماضي القريب بقوى الاجماع الوطني والتى كان الشعبي جزء منها وسداها.
والأكثر غرابة أن من منطق النقد الموجه للشعبي -الذي لم يفعل اكثر من كونه انحاز لمشروع الحوار الوطني- ان الحزب اتخذ لنفسه طريقاً سياسياً مخالفاً لقوى الاجماع وإرتضى الدخول في عملية الحوار من طرحها قبل عام ونيف وظل متمسكاً بها طوال هذه المدة وداعياً اليها.
ولا شك أن الهجوم الموجه للشعبي، وبعيداً جداً عن المكايدات السياسية وشعابها المتقاطعة في الساحة السياسية السودانية يعكس بوضح وبأسف بالغ سوء التقدير السياسي وسوء التعامل مع القضايا السياسية من قبل قوى سودانية معارضة ظلت وما تزال تعرض نفسها كبديل سياسي جاهز للحزب الحاكم! أولاً، لندع الشعبي ومواقفه ولتقديراته الخاصة وفقاً لمصالحه إذ لسنا معنيين بها بحال من الأحوال، ما هي العيوب الخلقية -اذا جاز التعبير- لمشروع الحوار الوطني التي تجعل هذه القوى ترفض التعامل معه؟
ما الذي يريده ويتمناه أي سياسي خرج للسوق السياسي أكثر من ان يجالس الآخرين ويطرح رؤيته ويجادل بشأنها ويسعى لإقناع الآخرين بها؟ هل السياسة هي الحصول على (كل شيء) من(منازلهم) و (مجاناً) وحسب التمنيات والرغبات؟ إن مائدة الحوار الوطني هي المائدة الوحيدة التي تتيح للساسة –كل حسب قدراته– المساهمة في بناء الدولة الديمقراطية.
ثانياً، هب أن تحالف المعارضة فشل في توحيد موقفه، ومن ثم بات معرّضاً للانهيار بسبب خلاف اعضائه ايهما أفضل؟ الاصرار على تباعد المواقف وترك السانحة التاريخية تروح هدراً، أم محاولة تجاوز الخلافات والاتفاق على دخول الحوار ولو من قبيل التجربة واختبار مصداقية الأطراف؟ ليس ذلك فحسب، فحتى لو كان وقوف الشعبي -وهو الاقدر على إيضاحه- مخالفاً لما أجمع عليه التحالف، فإن من الحصافة ان تتم عملية توافق داخل التحالف فقط لمجرد الظهور بمظهر موحد خدمة لقضية وطنية تاريخية قلما يجود بها الزمان.
ثالثاً، كيف لهذه القوى المعارضة التى تتفهم -بقدر من المرونة- مواقف بعضها ان تتفهم مواقف الاطراف الاخرى داخل قائمة الحوار؟ إن موقف القوى المعارضة التى  تهدر الآن وتعبث كما يعبث الصغار بالأشياء (الثمينة) يؤكد ان هذه القوى اخرجت نفسها بكامل إرادتها من مضمار القيام بالواجبات الوطنية الهامة التي لا تنتظر. وإذا كانت هذه القوى -حتى هذه اللحظة- تراهن على سقوط مفاجئ عبر انتفاضة أو عمل مسلح للسلطة الحاكمة في الوقت الذي منحتها الظروف تغيراً سلمياً بإسهامها ومشاركتها فهي بلا شك تنتظر ان تتدحرج الثمار من عليائها لتسقط -بكل سهولة ويسر- داخل فمها وهو المستحيل بعينه!

الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

محددات و(مهددات) الحوار الوطني!


على الرغم من وجود العديد من الازمات المحيطة بالأزمة السودانية طوال العقود المنصرمة إلا ان أعقد ازمة راهنة يمكن اعتبارها اكثر سوءاً من الازمة المحورية نفسها، هي أزمة الرغبة العارمة في إضفاء اكبر مسحة دولية عليها. القوى السودانية المعارضة –بدون مبررات منطقية– وجراء فقدانها لثقتها فى نفسها ثم ثقتها في خصومها الحاكمين لا تثق إلا في الطرف الخارجي وتدويل الشأن السوداني في كافة مناحيه.
تتردد الآن مطالبات هنا وهناك من قبل العديد من القوى السودانية المعارضة بضرورة نقل عملية الحوار الوطني بكاملها الى الخارج! بعض الذن يتحلون بقدر من الحياء الوطني، او يتخوفون من سطوة التاريخ يديرون اللعبة بأسلوب مختلف قليلاً، يطالبون بعقد (مؤتمر تحضيري) في الخارج ومن ثم ينعقد الحوار لاحقاً! مربط الفرس هنا بالنسبة لهؤلاء المتحذلقين، أنهم يبحثون عن(ضامنين) ووسطاء ومتخصصين في الضغوط و التهديد واستخدام الاوراق! ولهذا فإن مههدات مشروع الحوار الوطني الذي يعتبر الجميع بأن بذرته كانت سودانية وتم بذرها على أرض سودانية، هذه المطالبات بإحالة اوراق الحوار الى (المفتي الدولي)!
هناك العديد من المهددات الجدية والخطيرة الآن التي تحيط بعملية الحوار سببها مطالب ومواقف القوى السودانية المعارضة للأسف الشديد نوجزها في: أولاً، محاولة المطالبة بنقل الحوار الى الخارج، وهي محاولة القصد منها ليس فقط تدويل شأن سوداني داخلي قابل للحل الوطني الداخلي بسهولة ويسر؛ ولكن اعطاء قوى أجنبية ذات مصالح خاصة فرصة تاريخية للتدخل في الشأن السوداني الداخلي من أوسع أبوابه ولعل أكثر ما يدهش في هذا المنحى ان رجلاً بخبرة وقامة السيد الصادق المهدي وفي معرض تبريره لهذا النقل الخارجي يتحجج بأن الاتفاقيات السودانية كلها من نيفاشا الى أبوجا الى الدوحة الى أسمرا وغيرها جرت في الخارج!
المؤسف في الاستدلال الغريب، ان تلك التجارب ألقت بظلال سياسية سالب ومعروفة لا يتسع المجال هنا للاشارة إليها ومن المستحيل ان تغيب عن فطنة أي سياسي ولا شك ان مقترح الحوار الوطني في جانب منه يهدف إلى توطين الحل السوداني والتأكيد على قدرة الاطراف السودانية على حل أزماتها بمفردها وبمعطيات محلية ومكون وطني خالص.
ثانياً، من مهددات الحوار الوطني ايضاً تحويل علمية الحوار من كونها (مائدة سودانية مستديرة) لوضع اطار عام لحل شامل لصالح الوطن الى (عملية تفاوض) بين طرفين إثنين طرف حاكم وطرف معارض بهدف اجراء (مساومة تاريخية) غرضها الاول والأخير تقاسم السلطة والتراضي السياسي بين المكونات السياسية والمسلحة. هذا التصور يمكن اعتباره قاتلاً لمشروع الحوار الوطني لأنه -للأسف الشديد- إذا مضى على هذا النحو فهو يترك كل المجتمع السوداني صاحب المصلحة الاولى والأخيرة في العملية خارج سياق اللعبة، مع ابقاء الازمات، واتساع نطاق حيرته.
ثالثاً، ميل بعض القوى السياسية المعارضة نحو الاستقواء -ولو نظرياً- بالحركات المسلحة بغية المناورة بالقوة وبالسلاح –وهذا واضح من خلال التحالف الكاذب بين الثورية وبعض القوى السياسية– من شأنه ان يفرغ عملية الحوار من مضمونها الوطني ويصبح الامر محض تلاعب بتحالفات تكتيكية للحصول على أعلى قدر من المكاسب السياسية لصالح هذا الحزب أو ذاك.
وعلى ذالك فإن مهددات الحوار الوطني في الواقع أخطر على السودان من أي شيء آخر بمثلما ان (محددات) الحوار الوطني المتمثلة في دخول الحوار بأيدي نظيفة وبشعور طاغ بالمصلحة الوطنية والتخلص قدر الامكان من اجندات القوى الدولية الخارجية والرغبة الحقيقية الجادة في وضع حل نهائي مستدام للأزمة، هي المخرج الوحيد من كل هذا الوضع المزري الذي يتردى فيه هذا البلد دون ذنب جناه!

هزائم قطاع الشمال المتوالية.. عوامل ومقاربات!


ترى أيهما كان الأسبق، عملية الإحلال والإبدال التي أجرتها مؤخراً قيادة الحركة الشعبية قطاع الشمال في تركيبة هيئة الاركان وأطاحت فيها برئيسها السابق عبد العزيز الحلو، وأحلت بدلاً عنه جقود مكوار في المنصب الذي لا يخلو من خطورة، أم عملية الحاق الهزيمة البالغة المرارة على قوات القطاع في منطقة (طرورة) بالانقسنا بولاية النيل الأزرق؟
ففي حالة أن الهزيمة سبقت عملية الاحلال والإبدال فإن من المؤكد أن الحركة الشعبية قطاع الشمال دخلت في نفق الفشل الكبير الذي ليس له قرار، فلا الحلو أفادها وحقق لها الانتصارات أو حتى مجرد ابقاء حية، ولا (جقود) قادر على تحقيق الفائدة ها وإحراز الانتصارات ومن ثم تصبح الازمة المتصاعدة داخل هذا الكيان أعمق من مجرد اجراء عملية احلال وإبدال حتى ولو كانت هذه العملية خصماً على تماسك القيادة، أما في حالة كانت عملية الاحلال والإبدال هي الأسبق، فإن النتيجة هي نفسها، فالحلو الذي يحفل سجله العسكري بوصفه رئيساً للأركان بعشرات الهزائم الموجعة حتى جعل من الحركة (مجرد مجموعات مسلحة) داخل فتحات الجبال وفى بعض الاودية بأقصى الجنوب الغربي بولاية جنوب كردفان أضطر زملاؤه في قيادة القطاع لعزله جراء هذه الهزائم المتولية ولكنه لحسن حظه أو لسوء حظه -سيان- طلب أن يكون مبرر التغيير ظروفه الصحية التي تمضي في تدهور مضطرد، وفى ذات الوقت فإن القائد الجديد (مكوار)، جرى وضعه في (اختبار قياسي وقاسي) يقتضي منه ان يتوسل بمعجزة من المعجزات لكي ويقف على الاقل مسلسل الهزائم المتوالية حتى تسترد قوات القطاع أنفاسها.
وسواء ان هذا أو ذاك او حتى جرت العمليتان متزامنتان فإن الحقيقة التى بات من المحتم  أن يق بها قطاع الشمال هي ان القطاع قابل للهزيمة والزوال، على المديين القريب والمتوسط، من جهة أولي فإن الهزائم المتوالية وهي على وجه التقريب فاقت الـ17 هزيمة في غضون عامين فقط لا سيما بعد دخول مشروع الجيش السوداني المعروف (بالصيف الحاسم) حيز التنفيذ، ودخول قوات الدعم السريع الى الملعب، هذه الهزائم قضت تماماً –ولأول مرة منذ اندلاع الحرب في العام 2011م– على ما يجاوز الثلثين من قوات القطاع سواء عبر العودة والانسلاخ ، او الاصابات الجسمية او الموت.
ومن جهة ثانية، فإن هذه الخسائر التى شملت مناطق مهمة في جنوب كردفان والنيل الازرق تسببت وعلى نحو غير مسبوق في خفض الروح المعنوية لقوات القطاع، وهذه في الواقع هي النتيجة الاكثر سوءاً والتى حيت بنقاش مطول وجاد في اجتماعات قيادة القطاع في الفترة الممتدة من 30 يوليو وحتى 5 اغسطس 2015م. انخفاض الروح المعنوية جراء الهزائم تضافرت معه عوامل الصراع الدامي الجاري بين الفرقاء الجنوبيين وما أحدثته من خسائر واحباط وانهيار مشروع السودان الجديد الذي كانت عناصر الحركة تخادع به قطاع الشمال وتمنيهم بتحقيقه في السودان.
ومن جهة ثالثة إن التقارب السوداني الامريكي والقناعات الامريكية المتزايدة بمعقولية اطروحات النظام القائم في السودان، قللت على نحو واضح من (القيمة الدفترية) -اذا صح التعبير- لقطاع الشمال مضافاً اليها خيبة الامل الامريكية الواضحة جراء ما يحدث من قبل الحركة الأم فى دولة الجنوب. لا شك ان تقلبات السياسة وتقاطع المصالح يلعب الآن دوراً ظاهراً في الحال البائس الذي ينجرف اليه حالياً قطاع الشمال

الاثنين، 17 أغسطس 2015

مشروع الحوار الوطني ما بين التمويل الوطني والقرض الأجنبي!


ما من شك أن الدعوة الهادفة إلى نقل الحوار الوطني من الداخل إلى الخارج بوجود أطراف دولية و إقليمية هي في الواقع بمثابة إفراغ لمشروع الحوار الوطني من مضمونه، ليس ذلك فحسب ولكن من المؤكد أن الذين ينادون بهذه الدعوة -وفي مقدمتهم السيد الصادق المهدي- زعيم حزب الأمة القومي – هم يسعون بمثابرة عجيبة لإجهاض عملية الحوار و القضاء عليها ذلك إن من المهم هنا أن نشير إلى بوضح وصراحة إلى أن هنالك - من بين القوى المعارضة- من يتخوف غاية الخوف من نجاح عملية الحوار! كيف ذلك؟
إن إنعقاد الحوار الوطني وخروجه بأية مخرجات مهما كانت سهلة أو شاقة منعاه تخطي كافة عناصر الأزمة السودانية، وهذا الوضع بالنسبة لبعض القوى المعارضة لا يحقق لها أهدافها، فحتى لو تم حل الحكومة القائمة استناداً على مخرجات الحوار أو تمت الدعوة لعقد انتخابات عامة مبكرة ولو بعد 5 أعوام فإن هناك قوى معارضة لن تحقق شيئاً ولن تحرز أي نجاح في اية انتخابات قادمة ما لم يتم القضاء نهائياً على خصومهم في السلطة! تعلم العديد من القوى السياسية المعارضة أنها بلا قواعد و أن المؤتمر الوطني هو صاحب الصيت الأعلى سياسياً ويملك خبرة طويلة ومؤثرة وان هذا واحد من أكبر المتغيرات المهولة التي طالت الساحة السياسية السودانية مؤخراً، وأنه وضع غير قابل للمعالجة على المدى القريب بفعل عدم قيام القوى المعارضة بواجباتها الوطنية والمحافظة على قواعدها طوال مدة تتجاوز الربع قرن من الزمان.
هذه القوى لن يكون لديها خيار إلا بإسقاط نظام الحكم وإقامة نظام على انقاضه ولهذا فهي مدركة غاية الإدراك أن مائدة الحوار الوطني بالداخل لن تحقق لها ولو مثقال ذرة من أهدافها. سبيلها الوحيد إلى النجاح هو أن يتم نقل الحوار الى الخارج و إضفاء مسحة دولية عليه على غرار اتفاقية نيفاشا 2005 وجعل المجتمع الدولي ضامناً للاتفاق ولكن السؤال الذي يبرز بقوة هنا، ما هي المبررات هذه القوى لنقل الحوار إلى الخارج؟
أولاً، الرغبة الشديدة في الاستقواء بالأطراف الوسيطة للحصول على أكبر قدر من المكاسب السياسية للاستفادة منها في المرحلة المقبلة، ففي ظل وجود وسطاء -كما يظن هؤلاء- بالإمكان الضغط على الطرف الحاكم لإجباره على تقديم تنازلات لا تستطيع القوى المعارضة الحصول عليها في حوار داخلي عادي بوجود أطراف سودانية خالصة. والمؤسف هنا أن القوى المطالبة بهذا الأمر تقر وتعترف علمياً بضعفها وعجزها البائن عن أن تمثل قواعدها -إن وجدت- وأن تدفع برؤاها بقوة .
ثانياً، تود القوى المعارضة نتيجة لضعفها وقلة حيلتها نقل الحوار إلى الخارج واستجداء المجتمع الدولي لكي يدفع معه عملية الحوار لتحويلها من عملية حوار إلى تفاوض، و لا شك أن المجتمع الدولي سواء كان مدفوعاً بأهدافه الخاصة أو لأي إستراتيجية تخصه، مستعد لهذا الوضع لأنه يتيح له التدخل الصريح في الشأن السوداني ويتيح له تحقيق أجنداته الخاصة.
ثالثاً، بعض القوى المعارضة تريد -عبر عملية نقل الحوار إلى الخارج- إضعاف المؤتمر الوطني واستغلال القضايا العالقة بين الحكومة والمجتمع الدولية خاصة فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية، أن تستثمر في  العلاقة المعقدة بين السودان والمجتمع الدولي للاستفادة من مآخذ المجتمع الدولي على الحكومة السودانية لاجترار عملية (مساومة تاريخية) كما يصفها ياسر عرمان. بمعنى أوضح فإن القوى المعارضة تراهن على أن يتحول منبر التفاوض مع قطاع الشمال في أديس أبابا إلى منبر المعارضة لمناقشة كل أزمات السودان وإجراء مساومة تاريخية.
بعض القوى المعارضة ربما تريد تكرار نموذج نيفاشا، وبعضها الآخر يريد أن يتم تكثيف الضغط على الحكومة السودانية لأقصى مدى. وهكذا، فإن نقل الحوار من الداخل إلى الخارج إنما هي محاولة (تكتيكية) تقوم بها بعض القوى السياسية والقوى المسلحة المغلوبة على أمرها لكي تجعل من أزماتها هي كقوى معارضة أزمة دولية تلفت نظر المجتمع الدولي، وهي محاولة بلا شك محكوم عليها بالفشل، إذ أن الموعد المحدد حالياً في العاشر من أكتوبر 2015 لانعقاد فعليات الحوار أصبح موعداً متاحاً للكافة ممن يودون المشاركة في الحوار ومعالجة أزمات هذا البلد ومن المؤكد أن الحوار الوطني في جوهره (كحوار وطني) قامت فكرته على تحاور السودانيين بأنفسهم بين بعضهم بضعاً، وهي قيمة وطنية خالصة ومطلوبة لذاتها لأنها على الأقل تضع أساساً متيناً للتفاهم الوطني بين الفرقاء السودانيين ومقدرتهم على حل مشاكلهم لوحدهم.

قطاع الشمال وقصة إجتماع عاصف!


عبر بيان مكتوب دفعت به الأسبوع قبل الماضي قالت الحركة الشعبية (قطاع الشمال) إنها شرعت في إجراءات تنظيمية داخلية من شأنها إحداث تغيير في بينتها تمكنها من تجديد هيكلتها وإعادة بنائها للتصدي لمهامها. وبحسب البيان، فإن من أبرز ما اتخذت من قرارات اعتمادها لتوصيات بتوسيع قيادة الحركة وتأييدها للحل الشامل والحوار، مشيرة لتطابق موقفها بهذا الصدد وموقف قوى نداء السودان. أما أكثر ما لفت الانتباه و أثار التساؤل من بين قراراتها هذه هو تعيين رئيس جديد لهيئة أركان جيشها (جقود مكوار) خلفاً لرئيس الأركان السابق، عبد العزيز الحلو الذي جرى ترفيعه إلى منصب القائد العام!
و لهذا فإن التساؤل و لا نقول الاستغراب بشأن ما تم يقتضي قدراً من محاولة استكناه الأوضاع داخل الحركة، و طبيعة الأفكار التي تدور حالياً في ذهن قادتها الثلاثة. وقبل أن نمعن النظر في هذا الصدد، فإن من المهم أن نقف قليلاً على الاجتماع المطول الذي عقده القادة الثلاثة في الفترة التي امتدت من 30 يوليو وحتى 5 أغسطس 2015 إذ يلاحظ بشأن هذا الاجتماع: أولاً، طوله النسبيّ بالمقارنة مع الاجتماعات السابقة التي درجت الحركة على عقدها وهي في الغالب تنعقد في العاصمة اليوغندية كمبالا أو العاصمة الجنوبية جوبا وقليلاً جداً ما تنعقد فى المناطق التي تدعي أنها تسيطر عليها.
وما من شك أن طول زمن الاجتماع  يشي عن صعوبة الأجندة وصعوبة الاتفاق حولها إ بخلاف الإحلال والإبدال في منصب رئيس الأركان وهو منصب بالغ الأهمية والخطورة فإن بقية القرارات والتوصيات عادية ومكررة وتتصل غالبها بقضايا التفاوض والحوار والتنسيق مع المجموعات السياسية الأخرى. وقضايا الأسرى  والإغاثة والقانون الدولي الإنساني. هل من الطبيعي أن يستمر اجتماع بين 3 قادة لأكثر من 7 أيام للحديث عن هذه القضايا المألوفة؟ من المؤكد أن قضية تغيير قيادة الأركان كانت هي محور الاجتماع ومدار الخلاف حوله، وعلينا في هذا المنحى أن نضع في الاعتبار حرص القادة الثلاثة على إخفاء خلافاتهم في هذا الظرف العصيب الذي تمر به حركتهم وهم ينتظرون جولة جديدة من المفاوضات في أديس لا يريدون أن يسبقوها بجملة معطيات سالبة!
ثانياً، قال البيان إن الاجتماع اصدر 22 قراراً في مدة الـ7 أيام هذه، الغريب والمريب هنا ليس عدد القرارات الكثرة بالنظر إلى الطول النسبي للاجتماعات؛ الغريب هنا (ما وراء ) إصدار 22 قراراً ضربة واحدة! من المرجح أن العملية عملية تمويه بارع لإخفاء القرار الأصلي المتعلق بتغيير قيادة الأركان، ولكن بالمقابل فإن هذه البراعة بدت غير ذات قيمة سياسية طالما أنها في غالبها ذات معنى!
ثالثاً، لو كان صحيحاً أن الحلو تم إبداله بمكوار لأسباب تتصل بظروف الحلو الصحية، فإن هذه السبب في حد ذاته يكفي لإضعاف الحركة، كون أن واحداً من أهم قادتها بلغ به ظرفه الصحي هذا المبلغ الذي يحول بينه وبين تولي المنصب المهم، وحتى ولو قيل أن مرض الحلو أمر شائع وذائع ومعلوم للكافة، فإن هنالك فارقاً كبيراً بين ذيوع خبر ما وما بين تأكيد الجهة المعنية لصحة الخبر! أما إذا كان الإبدال عادياً وفي ظروف عادية فإن الريبة تزداد حول ما إذا كان الحلو قد اخفق وتم إبداله أو أن هناك خلافات وصراعات أفضت إلى ذلك. في كل هذه الأحوال هناك إشارة واضحة إلى أن الحركة الشعبية قطاع الشمال على أية حال ليست على ما يرام.
وأخيراً، فإن الفترة الماضية من عمر الحركة لا شك أنها كانت صعبة ومريرة، ففي خلال عام كامل حتى الآن على الأقل لم تجرؤ الحركة على القيام بأي عمل عسكري -كما كانت تفعل في السابق- يمنحها ألقها القدم الذي انطفأ  في الأعوام الثلاث الأخيرة! أما قائد الأركان الجدد (جقود مكوار) فإن سيرته الذاتية وحدها كفيلة بالتنبؤ بأي مصير ينتظر القطاع في المرحلة المقبلة!

الحركات السودانية المسلحة وحاجتها الماسة جداً للحوار!


الحركات السودانية المسلحة ومهما كانت تقديراتها وأمانيها وأحلامها هي المعينة أكثر من غيرها بالحوار الوطني. وحين قررت آلية 7 + 7  الاتصال بالحركات المسلحة لدعوتها للحوار والتفاهم على ضماناته وموضوعاته، فهي فعلت ذلك من واقع إدراكها التام لشمولية الحوار من جهة، ولحاجة العديد من القوى المسلحة -حاجة ماسة جدا- إلى مخرج مما هي عليه في وقتها الراهن. وإذ جاز لنا هنا بموضوعية أن نعدد مزايا دخول هذه الحركات إلى منبر الحوار الوطني فإن بإمكاننا أن نرى:
أولاً، الحرب دون أدنى شك غير مجدية، فقد جربتها هذه الحركات بعضها دخل عامه العاشر وبعضها دخل عامه الخامس، ورغم كل ذلك لم يحقق أي طرف مسلح حتى هذه اللحظة ولو جزء من الصفر من أهدافه! لم تتمكن أي حركة مسلحة من احتلال مدينة إستراتيجية أو غير إستراتيجية ، ولم تنجح أي حركة مسلحة في اكتساب ثقة أهل أي منطقة من مناطق السودان، باختصار الحركات السودانية المسلحة مجتمعة لا تشكل بحال من الأحوال خرطاً ماحقاً على النواة الأمنية للسودانية، هي فقط تثير من حين لآخر البلبلة ولكنها لا تملك عملياً أن تفعل شيء ذي بال يضطر الدولة السودانية للجلوس معها لمراضاتها! إذن ما الحل؟
الحل بلا شك في التحاور ومحاولة الوصول إلى أهدافها ضمن سياق الحوار الوطني الشامل، فهي -أي هذه الحركات المسلحة- مهما بلغت مظالمهما ليس بأفضل أو لها أفضلية أو ميزة عن بقية المكونات السودانية الأخرى. رفع السلاح في حد ذاته جريمة مهما كانت مبرراته، وإذا تسامحت الدولة السودانية مع حملة السلاح في رفعهم السلاح ضدها كل هذه المدة فهذا لا يمكن اعتباره (ميزة سياسية تفضيلية) لهذه القوى المسلحة حتى ترفض الحوار وترفض الجلوس -كغيرها من الأطراف- لإيجاد حل شامل للأزمة.
ثانياً، الحركات المسلحة ثبت أنها لا تصلح مطلقاً لكي تكون مسئولة بالنظر إلى نموذج الحركة الشعبية في دولة جنوب السودان، أنظر كيف تصارعت ولا تزال تتصارع وتكاد تطيح بالدولة الجنوبية بكاملها، بل أنظر لأولئك الذين وقعوا لاتفاقية الدوحة من الحركات الدارفورية المسلحة! كيف اختلفوا مؤخراً ووقع بينهم انقسام كبير وصراع ما يزال دائراً! طبيعة تركيبة القوى المسلحة تجعل من إمكانية منحها ثقة كاملة في تحمل المسئولية ضرباً من الجنون، فهي لم تقم من الأساس على (رابط سياسي موضوعي) ولم يكن لها من منهج، ولا تصور ولا حتى أسباب منطقية لحمل السلاح نفسه، ولهذا فهي في حاجة ماسة جداً لكي تدخل في عملية حوار داخلي في حضور مكونات سودانية سياسية شاملة وجامعة للسودان كله حتى تكون على قدم المساواة مع الآخرين ومن ثم تدرك أن القضية الوطنية ومسألة إدارة الدولة وحل أزماتها ليست بهذه البساطة!
ثالثاً، الحركات المسلحة مرتبطة على نحو مؤسف ومخجل بقوى دولية عديدة بعضها مشبوه ولديه أجندة خاصة ضد السودان، ومن شأن دخولها إلى مائدة الحوار الوطني داخلياً وبين أطراف سودانية وطنية أن يجعلها تدرك فداحة إرتباطها المشبوه بهذه القوى الخارجية. ولهذا فإن الحركات السودانية هي المعينة أكثر من غيرها مهما كانت الظروف بدخول مائدة الحوار الوطني داخل السودان، لأنها مطالبة بفك ارتباطها الفوري والناجز بالقوى الأجنبية المشبوهة هذه وتلك التي قدمت لها المال وتنتظر المقابل! وإذا ما انعقدت أي عملية حوار خارج السودان وتم السماح لهذه القوى المسلحة بأن تطرح أطروحاتها المضطربة هذه والإستقواء بمن يمولونها، فإن هذه يمكن اعتباره أي شيء آخر عدا أن يكون حواراً وطيناً حقيقياً.

الأحد، 16 أغسطس 2015

امريكا تعترف ضمنيا بأن تقسيم العراق هو الحل النهائي.. فهل يتكرر السيناريو نفسه في سورية والسعودية ومصر واليمن وليبيا؟


بقلم: عبد الباري عطوان
تصريحات الجنرال رايموند اوبيرنو رئيس هيئة اركان الجيش الامريكي، الذي احيل الى التقاعد قبل ايام، وقال فيها ان تقسيم العراق هو الحل الوحيد لم تكن زلة لسان، وانما انعكاس لاستراتيجية امريكية تسير بخطى متسارعة في المنطقة العربية بأسرها، بدأت في العراق وامتدت الى سورية، وتتكرس في اليمن، ومن غير المستبعد ان تنتقل قريبا الى المملكة العربية السعودية كمرحلة لاحقة، بعد ان ينتهي دورها بشكل او بآخر في سورية واليمن.
نائب رئيس الوزراء التركي بولنت أرينج تحدث عن المخطط نفسه قبل شهرين عندما توقع تقسيم سورية الى ثماني او تسع دول، ومصر الى دولتين، والعراق الى ثلاثة، والسودان الى اربع، وليبيا الى خمس امارات او اكثر، ولم يتطرق الى المملكة العربية السعودية لتجنب اغضاب قيادتها، حرصا على التحالف القوي بين البلدين في الوقت الراهن.
من الواضح ان الولايات المتحدة الامريكية التي ظلت حتى عقد العشرينات والثلاثينات من الشهر الماضي تعارض التقسيم وتفضل الفيدراليات على غرار نموذجها التوحيدي، باتت اكثر ميلا وتبنيا للسياسات التي اتبعتها بريطانيا اوائل القرن الماضي، اي تقسيم المنطقة العربية الى كيانات ضعيفة، واقامة دويلة او امارة فوق كل بئر نفط يتم اكتشافه في الجزيرة العربية.
***
العراق طوال القرن الماضي نحج في تكوين دولة قوية بهوية عربية مستقلة، تذوب في اطرها المذاهب والقوميات، وصمد في وجه كل مخططات التقسيم والتفتيت، ولكن تآمر دول عربية عليه مع الولايات المتحدة والغرب، من خلال نصب مصيدة الكويت وحصاره وتجويعه، واغراق الاسواق بملايين البراميل من النفط، لتخفيض الاسعار الى اقل من عشرة دولارات للبرميل، وبعد ذلك احتلاله وبذر بذور التقسيم الطائفي له، والآن جاء وقت الحصاد، اي اقامة دول ثلاث وفق هذا التقسيم، واحدة سنية واخرى شيعية، ثالثة كردية، تحت ذريعة فشل هذه المكونات الطائفية والعرقية في التعايش، والحل الافضل هو الطلاق النهائي.
من المؤسف ان البديل الامريكي لنظام الرئيس صدام حسين كان بديلا طائفيا برموز مذهبية ومشاركة عملاء جرى تجنيدهم من قبل المخابرات الامريكية والبريطانية ومعظمهم من طائفة واحدة استغلالا لاحقادهم على النظام البعثي السابق، وبعد ان نجحت الخطة الامريكية في اسقاط النظام وتكريس التقسيم الطائفي، جرى الاستغناء عن هؤلاء جميعا دون استثناء، ولم يعد لهم اي دور في “العراق الجديد”، اين الدكتور احمد الجلبي، واين الدكتور اياد علاوي، اين الشريف علي بن الحسين، واين عدنان الباجهجي، وحتى اين نوري المالكي الآن، والقائمة طويلة.
في سورية تكرر السيناريو نفسه، وعملية التجنيد نفسها، والرموز متشابهة، بل متطابقة، والنتيجة دمار وشلل كاملين، فلا النظام استطاع حسم الحرب لصالحه من خلال تبنيه الحلول الامنية، ولا المعارضة المسلحة نجحت في اسقاطه طوال اربعة اعوام من الدعم الخارجي بالمال والسلاح، وجاء البديل للاثنين، اي النظام والمعارضة، تنظيمات اسلامية متشددة، وابرزها “الدولة الاسلامية”، استغلت هذا الشلل وبنت دولها وجيوبها واماراتها على الارض السورية، وباتت تشكل التهديد الاكبر للمنطقة بأسرها.
فاذا اخذنا “الدولة الاسلامية” كمثال، فان تحالف ستين دولة ضدها بقيادة الولايات المتحدة، وشن اكثر من خمسة آلاف غارة جوية في اقل من عام على قواعدها وتجمعاتها، يؤكد مدى قوتها وخطورتها في الوقت نفسه، بعد ان اقامت دولة امر واقع، ونجحت في تكوين حاضنة شعبية لها في زمن قياسي قصير في اقل من عام.
***
لم يقل لنا الجنرال اوبيرنو ما ذا كان تقسيم العراق الذي يقترحه يشمل “الدولة الاسلامية” التي تقام حاليا على مساحة تشكل نصف العراق ونصف سورية، الى جانب الدول الكردية والسنية والشيعية الثلاث المقترحة، ولكننا لا نستبعد ان تكون ضمنيا في صلب مخططات بلاده التي اعترفت قبلها بدولة الطالبان، واوعزت لحلفائها في السعودية وباكستان ودولة الامارات العربية المتحدة بالاعتراف، بها وفتح سفارات لها في عواصمها.
مخطط التقسيم والتفتيت الجديد الذي تنخرط فيه حكومات عربية بكل قوة، ما كان له ان يمر في ظل وجود عراق قوي بهوية توحيدية عربية جامعة، عراق عابر للطوائف والاثنيات، يجسد التعايش عموده الفقري.
نشاهد مخاضا جديدا في العراق يتمثل في ثورة للشباب على الفساد والظلم وسياسات الاقصاء.. ثورة ضد ثقافة من جاءوا على ظهر المخطط الامريكي، ومهدوا للدبابات الامريكية طريق الاحتلال، ونأمل ان تستمر هذه الثورة وتنتصر، وتجرف كل عفن السنوات الـ 12 الماضية التي بدأت بالاحتلال الامريكي.

الحوار الوطني ...مفاهيم تستعصى على المعارضة


في الوقت الذي تنتهج فيه الحكومة السودانية نهجا واستراتيجية يجعل من الحوار الوطني مفتاحا لكل مشاكل السودان تأبى المعارضة غير انتهاج وسلوك آخر غير ذلك وذلك بالتحالف مع حاملي السلاح وإسناد مليشيات الحركة الشعبية ومليشيات مناوي ومليشيات حركة العدل والمساواة شعبياً وتسويق قادة هذه المليشيات في الندوات الجماهيرية وتجميل سلوكهم في الوقت الذي تقوم فيه هذه المليشيات بالهجوم على بعض المدن ومهاجمة القوات المسلحة والمواطنين في بعض المناطق الآمنة.. ووقعت المعارضة جملة من الاتفاقيات السياسية مع الفصائل العسكرية لتتقوى بها.. وترفع من سقوفات مطالبها.

وتدليلا على سعى الحكومة للحوار وجه المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني برئاسة الرئيس عمر البشير، قبل يومين بتكثيف الاتصالات مع الأحزاب السياسية المختلفة في الداخل والخارج، لحثها على المشاركة في جمعية الحوار العمومية المقررة في العشرين من الشهر الجاري.وطلب المكتب ،المشاركة بفعالية في جمعية الحوار الوطني بشقيه السياسي والمجتمعي تمهيداً لانعقاد المؤتمر العام.وقال نائب رئيس الحزب للشؤون الحزبية إبراهيم محمود حامد في تصريحات صحفية، إن الاجتماع ناقش تقريراً حول الحوار بشقيه السياسي والمجتمعي، وأكد حرص الحزب على المضي قدماً وبصورة جادة في هذا الحوار للتوصل لثوابت وطنية ومصالح استراتيجية تقود لقيام دولة سودانية قوية.وأوضح محمود أن المكتب القيادي وجه بضرورة أن يتم الاتصال بكل القوى السودانية بالداخل والخارج للانضمام لعملية الحوار الهادف للوصول لوثيقة وطنية، وكشف أن ما أصدره الحزب من توجيهات سابقة بتقليص الجهاز التنفيذي للحكومات في الولايات أفلح في خفض حجم هذه الحكومات بنسبة 29%.

وبالمقابل فإن ومنذ الوهلة الأولى لإطلاق دعوات الحوار الوطني، أنقسمت أحزاب المعارضة إزاء تلك الدعوة بين الرفض والقبول والتردد والإشتراطات المسبقة، وتساوت في تلك المواقف، الأحزاب لمعارضة المنضوية تحت مظلة قوى "الإجماع الوطني"، وتحالف متمردي ما تسمى بـ"الجبهة الثورية".

وبدلاً من أن تؤدي دعوات الحوار الوطني إلى توحيد مواقف تلك الأحزاب عبر برنامج برنامج وطنى عريض وحقيقى يتجاوز النزعة الحزبية الضيقة، قادت دعوات الحوار الوطنى المعارضة إلى إنقسامات أعمق من ذي قبل.

وبحسب المراقبين، فإن أسباب الإنقسام المتأصل الذي يضرب القوى والأحزاب السياسية، تفسره عدة أسباب منها: ضعف البنية التنظيمية وغياب فاعليتها؛ وضعف القاعدة الجماهيرية لتلك الأحزاب، وتحولها إلى أحزاب نخبوية وحضرية بالأساس؛ غياب البرامج والبدائل السياسية لدى تلك الأحزاب؛ فضلاً عن الرهانات الخاسرة وإرتفاع سقف المطالب وعدم واقعيتها.
ولا تقتصر الخلافات بين قوى المعارضة التي دفعتها إلى التباطؤ في الدخول في الحوار، بطرح الاشتراطات المسبّقة رغم إستفادتها من توسيع هامش الحريات السياسية، وممارسة النشاط الجماهيري المفتوح، على الموقف من قضايا الداخل فحسب، وإنما تلعب بعض القوى الدولية والإقليمية أدواراً هدّامة في التأثير في قرارات تلك الأحزاب، ومواقفها من المشاركة فى الحوار الوطني، ترغيباً وترهيباً.
وترى الأطراف الخارجية، ذات المصالح الضخمة في السودان، أن إستجابة أحزاب المعارضة إلى الحوار الوطني، يعني نسف كافة الإستراتيجيات والرهانات المرسومة تجاه السودان منذ أمد بعيد، ونجاحها يتوقف على بقاء السودان مشدوداً من أطرافه.
عموماً فإن الشواهد والوقائع تؤكد بان قطار الحوار الوطني ماض إلى محطته الأخيرة بمن استغله ، حيث أن الظرف الإستثنائي الذي تمر به البلاد والتحديات المحلية والاقليمية والدولية تفرض على الجميع إستغلال هذا القطار الذي قطعا سيصل محطة الإتفاق والتوافق الوطني حول القضايا المصيرية للبلاد التي أسخنتها الجراح كثيراً ، لذا فالجميع هنا مطالب بالوصول إلى توافق سياسي أولا، مع التشديد على ضرورة التمييز بين القانون الساري والجوانب السياسية التي يجب التحاور حولها. فقوانين العقوبات والقانون الجنائي والأمن الوطني لا تلغى بجرة قلم، ولا تتم عليها أي إضافة أو تعديلات إلا بالتوافق السياسي الشامل، لأنه لا يمكن لجهة ما أن تلغي قوانين سارية إلا إذا حدث توافق سياسي في البلاد، ثم بعد ذلك توجد الآليات اللازمة لتحويل هذه الإرادة السياسية.

الخميس، 13 أغسطس 2015

إصلاح الدولة يبدأ من هنا...!!


أتى لقاء النائب الأول بقادة الاعلام مرتكزا على الثوابت التي تحدث عنها وثبة الحوار الوطني ، وهي إصلاح الدولة (في مجالات الاقتصاد والإدارة ومحاربة الفساد) بالإضافة إلي الحوار والوطني؛ والتراضي السلمي للوصول إلي حلول في كيفية حكم البلاد.
ومشروع إصلاح الدولة، الذي أقترعه النائب الأول للرئيس السوداني  يعد المشروع الثالث بعد مشروعي الحوار الوطني والمجتمعي اللذان يتوقع أو المطلوب أن تصب مخرجاتهما في (إصلاح الدولة) الذي قال السيد النائب الأول في خطابه أنه يشارك فيه كل الناس..
وبغرض المشاركة والمتابعة في ذلك الخصوص وبغرض (الوقفة مع الذات) بعد أكثر من ربع قرن مضي على الإنقاذ الوطني كان الاستهلال بالحديث عن (بوابة السودان الإلكترونية) التي تتيح المعلومة للمتابعة والوقوف على التطورات لكل من دخل عبر تلك البوابة.
وفي ذلك لأهل الإعلام والسياسة والبحث العملي بصفة خاصة فرصة نادرة وكبير للحصول على المعلومة الشيء الذي ظلت الصحافة – بصفة خاصة – تشكو منه وتعاني.
اللقاء التفاكري الذي أستمر لثلاث ساعات (15 -12) ظهراً الذي ابدع فيه النائب الأول رأياً وفكراً وتدفق معلومات علاوة على أريحية ،فتح هذا اللقاء الباب للجدل والإضافة والإشارة إلى أوجه القصور وإلا لما كان ذلك لقاء تفاكرياً.ومشروع (إصلاح الدولة) وقد كان أحد ما طرحه السيد الرئيس في خطابه المعروف بالوثبة اشتمل على جوانب مختلفة ولها خصوصيتها ولم يقصر الأخوة الإعلاميون في الحديث عنها قبل الإشارة إلى ضرورة اهتمام الدولة بالصحافة والإعلام بشكل عام وهو ما يؤرق أهل المهنة ويغض مضاجعهم.

وبات واضحاً من خطاب الدولة الذي انتهجته في إعقاب تسمنها لدورة ثانية تمتد لخمس أعوام، اتجاه هذا الخطاب نحو حياة الناس ومعاشهم وقد سبقت مؤتمر النائب الأول لرئيس الجمهورية الذي انعقد أمس الأول جملة من التصريحات التي تناولت ذات الأمر. وفي أولها أحاديث السيد رئيس الجمهورية المتفرقة عن الأحوال الحياتية للمواطن؛ وعلي وجه التحديد الاهتمام بـ(قفة الملاح) الأمر الذي يعني أن الإصلاح الاقتصادي أضحي علي رأس أولويات الولاية الجديدة.
ومن بين التصريحات يستخلص المراقب أوجه الإصلاح الاقتصادي بداية بتكوين مفوضية لمكافحة الفساد تتبع لرئاسة الجمهورية؛ علي أن تمنح صلاحيات كبيرة تمكنها من أداء دورها بالوجه الأكمل؛ دون تقاطعات من الحصانات أو القوانين.رغم أهمية الإصلاح الاقتصادي وأثره المباشر في حياة الناس ومعاشهم إلا أن خطواته لا تسير بالصورة المطلوبة نسبة لتراجع الاقتصاد الكلي في أعقاب خروج (نفط الجنوب) وفقدان البلاد لثلاثة أرباع ميزانية البترول. هذا التراجع الاقتصادي كانت له آثار (مدمرة) علي المواطن البسيط، صاحب الدخل المحدود الذي باتت تهدده الأسعار وتفاجأه في كلمشرق شمس، وأصبح المواطن بين مطرقة التحرير ومعادلة العرض والطلب، التي جعلت المستلزمات الحياتية الأساسية وليس الكمالية في وضع أشبه بالمستحيل. لا نقول أن الدولة بطاقمها الاقتصادي وقفت (لا تحرك ساكناً) بل نؤكد إنها فعلت كل ما تستطيع للخروج من هذه الحالة وزادت أنشطة الصناديق المكافحة للفقر والمؤسسات العاملة في الحقل المجتمعي لتزيل بعضاً م هذا العبء.

عموما وبالرغم من وضوح الفكرة في وثيقة الإصلاح للدولة، إلا أن قضايا كثيرة تظل محل خلاف وجدل، فالمواطن يعلم علم اليقين أن التصورات والرؤى التي تُطرح من قِبل الحكومات لا غبار عليها نظرياً، فمعضلة وصعوبات التطبيق تظل هي الهاجس، لذا يظل التحدي الأصعب الذي يواجه الحكومة وهي تقدم خطتها وتصوراتها للإصلاح.هو أنجاز ما سيتم التوافق عليه من خطط وبرامج

إصلاحية.

لا يجيدون الفعل السياسي ولا ردّ الفعل السياسي!


بعدما أهدرت فرصة الحوار الوطني فى حينه وبمعطياته الأفضل العام الماضي، ثم أهدرت فرصة الاستحقاق الإنتخابي عن عمد وسبق إصرار، ودون مبررات منطقية مقنعة في ابريل الماضي؛ هاهي الآن قوى المعارضة السودانية -بكافة مسمياتها- توقف أنشطتها السياسية وتتوقف عن التفاعل مع القضايا الوطنية المختلفة.
هذا الموقف الذي ربما (أراحها) بدرجة ما في ظل البون الشاسع ما بين قدرات هذه القوى المتواضعة والتحديات السياسية الكبرى التى تواجهها، ولكن بالمقابل فإن موقف اللاموقف هذا يمكن اعتباره -بكل أسف- بمثابة الحجارة الكبيرة التى عادة ما توضع على الشق الأدنى من القبر قبل إهالة التراب!
صحيح ان التحديات الموجودة جسام وشاقة ولكن بلا ادنى شك ان هذه التحديات من أقصاها الى أدناها هي تحديات تتصل بالدرجة الاولى بمدى استعداد هذه القوى لتجديد نفسها وتغيير مفاهيمها التقليدية ومواكبة روح الواقع بكافة معطياته حتى ما كان مستغرباً لديها بحسب نظرتها. ففي الوقت الذي نجح فيه الوطني الى حد كبير في إدخال اصلاحات ملحوظة على بنيته وأحدث جرحاً وتعديلاً هنا وهناك وطوّر هياكله واتجه لإصلاح الدولة بجهده الذاتي وبمعاونة من يشاطرونه المسئولية وما فتئ يحقق نجاحات على صعيد علاقاته الاقليمية والدولية بحيث صار من المتعذر عملياً تجاوزه في أي تسوية او مساومة تاريخية قد تأتي؛ فإن قوى المعارضة بالمقابل ما تزال على ذات اوضاعها القديمة بل اكثر سوءاً وهي تنتظر فترة انتقالية ضنّت بها السنوات وحجبتها حقائق الواقع!
ولمن يريد أن يقف عن قرب على طبيعة الذهنية السياسية لهذه القوى (في مرقدها الحالي) بالداخل، فلينتظر عودة المهدي! قوى المعارضة المغلوبة على أمرها لا تجيد انتقاد ومخاصمة أحد كما تجيد انتقاد ومخاصمة الصادق المهدي! صحيح ان المهدي بما عُرف عنه من اخفاقات مهولة وأخطاء قاتلة لم يدع موضعاً لأحد كي يثني عليه، ولكن في ذات الوقت فإن القوى المعارضة حين تجعل من منصة المهدي، منصة مفضلة لإطلاق النار عليه إنما تكشف عن أقصى مكامن ضعفها، فهي لا تبدأ باتخاذ المواقف المضادة إلا حين يقف المهدي موقفاً، وليس أدل على ذلك من مواتها الحالي، وسباتها العميق، وما إن يطل الرجل حتى تصحو لا لشيء إلا لكي تتبارى معه فى نيران صديقة!
ومن المعروف في الوقت الراهن أن تحالف قوى الاجماع مات منذ اكثر من عام، كما أن كل الوثائق القديمة من لدن البديل الديمقراطي، ووثيقة الفجر الجديد، وإعلان باريس وإعلان أديس، ماتوا تباعاً بذات الداء؛ داء اتخاذ مواقف ورقية بعبارة كبيرة، في ظل شح الموارد اللازمة لسداد قيمة هذه المواقف نقداً.
كل قوى البعث بشقيه، الشيوعي، المؤتمر السوداني، العدالة، وبعض (الجيوب) الخلفية الصغيرة هي الآن (نائمة) ولا تملك مبادرة وطنية جادة ولا اطروحات سودانية ذات نفع، ولا تكلف نفسها -لولو لساعة- الاقتراب من قضايا السودان بنيّة وطنية خالصة تجتذب انظار المواطنين السودانيين. قوى تنتظر الفعل فقط لتصبح به مجرد نقطة في آخر السطر.

الصادق المهدي ومهامه الخارجية الثلاث!


قال السيد الصادق المهدي زعيم حزب الامة القومي في تصريحات لقناة الشروق من مقر منفاه الاختياري بالعاصمة المصرية القاهرة الاسبوع الماضي إنه سيعود الى السودان (دون الحاجة الى ضمانات) و (دون قيد أو شرط) وأنه أبلغ الحكومة السودانية -عبر اتصال بينهما- بذلك!
وكعادة المهدي ومنذ خروجه لما يقارب العام لم يشأ تحديد موعد قطاع لهذه العودة، غير ان الجديد هذه المرة بشأن (طبيعة مهام الرجل) التى إقتضت ان يمكث كل هذا الوقت في الخارج أنه حدد (عدد) المهام التى يقوم بها ولم يكملها أحد بعد، حيث حددها بأنها 3 مهام!
وهي المرة الاولى التى يكشف فيها الرجل عن (عدد) المهام دون ان يتطرق الى طبيعة المهام نفسها! ولا شك ان مجرد إقرار المهدي بأنه سوف يعود دون ضمانات، ودون قيود أو شروط يمكن اعتباره فى حد ذاته تطور ايجابي مهم، وإن كان من غير المفهوم إشارته الى (إبلاغه) للحكومة السودانية بذلك رغم أنه أكد في ذات التصريحات (ان النظام يتصرف كما يشاء ونحن نتصرف كما نشاء)! إذ أنَّ هذه الاشارة الإلتباسيّة والمرتكبة تشي بالكثير.
ولكن دعونا نتجاوز كل ذلك طالما ان المهدي ظل على الدوام يقول الشيء ونقيضه فى ذات العبارة الواحدة بحيث يصعب على أي مراقب التعامل مع تصريحاته بجدية، ولنمضِ بإتجاه محاولة تفكيك ذهنية المهدي الحالية وهو يقوم أو يحاول القيام بمهامه الثلاث التى أشار اليها.
فمن جهة اولى فإن النقطة المركزية بالنسبة للسيد المهدي هي الحوار الوطني، ومهما كابر الرجل وغالط بشأن نقاط نزاعه معه الحكومة السودانية فإن النقطة الجوهرية هي الحوار الوطني والكل يعلم الحماس المتقد للرجل لهذا الحوار وإتجاهه إليه. بل يمكننا ان نبدو أكثر مرونة مع الرجل ونقول انه ربما كان مقصده من إلتقاء الثورية في باريس وأديس لهذا الحوار.
حسناً، ما هي المعطيات المهمة (الموجودة بالخارج) التى من الممكن ان تخدم قضية الحوار الوطني هذه وتفكيك سلطة الحكومة السودانية؟ بمعنى أدق، هل هنا (زر) بالخارج يضع المهدي أصبعه عليه، أو تضع جهة أجنبية أبهامها عليه فينعقد الحوار الوطني؟ لو قلنا -جدلاً- إن هذا الزر السحري موجود فعلاً وأن المهدي قد اقترب من الضغط عليه، لماذا إذن جلس الرجل عقدين ونيف ولم يسع خلالها الى الضغط على هذا الزر السحري؟
لو قلنا ان المهدي -ضمن مهامه الثلاث- هذه يسعى الى استقطاب الحركات والقوى المسلحة الى الحوار -جدلاً أيضاً- لماذا لم يستعين الرجل بقوى سياسية أخرى، بل ولماذا لم يقم بهذا الدور التاريخي، إنطلاقاً من الخرطوم؟ واذا كانت العملية كلها (عملية اتصالات) ما الفرق في ان تجري في عاصمة الدولة نفسها؟ بل لو ان هذا كان صحيحاً -جدلاً أيضاً- لماذا اكتفى المهدي بتوقيع اعلان باريس وأديس، ومنذ ذلك التاريخ المشؤوم بالنسبة له وهو في القاهرة لا يغادرها إلا نادراً؟
ولو قنا ان المهدي يتفاوض مع الحكومة السودانية (عن بعد) على عدة أمور تهم السودان وقضية الحوار والمستقبل؛ هل يعقل لمن كان متاحاً له الجلوس الى الحكومة بالداخل ان يحقق (عبر الهاتف) ما عجز عن تحقيقه كفاحاً من الداخل؟
من المؤكد أن قضية المهام الثلاث التى اشار اليها المهدي ليست قضية استراتيجية ولا هي بكل هذا القدر من الاهمية، وهي لا تعدو كونها محاولة من السياسي الثمانينيّ الحائر لشغل الرأي العام. وأخيراً ترى إذا كان ما يقارب العام غير كافية لرجل ذي خبرة مثل المهدي لانجاز ثلاث مهام خارجية ما هو إذن معيار الخبرة والمهارة فى حزب الامة القومي؟

الثلاثاء، 11 أغسطس 2015

أسوأ ما ينتظر جوبا في الأيام المقبلة!


ربما كانت جوبا -بفعل التهديدات الامريكية الأخيرة- مجبرة لقبول أي حل للصراع الدائر بين الفرقاء الجنوبيين لإداركها ان عبارة (نفاذ الصبر) الواردة بوضوح على لسان المبعوث الامريكي  (دونالد بوث) مؤخراً ليست مجرد عبارة دبلوماسية معتادة، بقدر ما هي نقطة مفصلية يعصب المرور عليها مرور الكرام! إدراك جوبا لعمق هذه العبارة ومترتباتها الباهظة ربما يدفعها دفعاً الآن لقبول الحلول الحاسمة حتى ولو كانت لا تخلو من مرارة، غير أنها فى هذا الصدد سوف تجد مشقة بالغة في قبول أمرين:
الأمر الأول، في ظل فرضية وجود السودان كشريك اقليمي في عملية الحل المرتقبة فإن كل مزاعمها غير الصحيحة بشأن دعم السودان لفصائل مسلحة تقاتل الحكومة فى جوبا سوف تبدو للمجتمع  الدولي بأسره عارية تماماً من الصحة الامر الذي ينزع عنها أدنى حد من المصداقية ويقضي تماماً على اية إمكانية او حتى محاولة لتبرير دعمها للفصائل السودانية المسلحة المنطلقة منذ أكثر من 4 سنوات من عمق أراضيها.
لن يفوت السودان فرصته إقرار واشنطن بأنه شريك في السعيّ الجاد لحل الصراع لكي ينزع من جوبا هذه الورقة الصفراء تماماً. ولو كان صحيحاً ولو بدرجة 1% أن السودان يدعم فصائل جنوبية ضد الحكومة الجنوبية لما جلس الرئيس أوباما فى زيارته التاريخية الاخيرة الى أديس ابابا الى مسئولي دول الاقليم القريبين من دولة الجنوب بمن فيهم السودان والذي مثله البروفسير غندور، وزير الخارجية.
وجود السودان ضمن دول الاقليم مع غياب دولة الجنوب فيه تأكيد أمريكي ضمني ان السودان لا يفعل ما تفعله جوبا! هذا التطور الكبير يثير القلق الآن داخل طاقم الحكم في جوبا.
أما الأمر الثاني، فهو أن استعانة جوبا بالجيش اليوغندي لإدارة معاركها مع حملة السلاح ضدها، مع عجز هذا التحالف غير المشروع في إنهاء الصراع يفرض على جوبا -ضمن منطوق التسوية المرتقبة- إخراج الجيش اليوغندي من المعادلة، وهي نقطة على جانب كبير من الاهمية بالنسبة لكافة الاطراف لأنها تعني ان يوغندا -كما كانت تفعل سوريا فى لبنان فى السابق- تريد أن تجعل من دولة جنوب السودان منطقة نفوذ متقدمة للعب دور اقليمي لا يتناسب مع يوغندا مطلقاً ولا يحقق استقرار المنطقة.
هذين الأمرين بالطبع سوف يصبحان بمثابة (بعبع) مخيف للحكومة الجنوبية كونها سوف تضطر الى التخلي عن اوراق اللعبة بكاملها لصالح حل سياسي يستند الى تداول سلمي للسلطة مع إصلاحات داخلية عميقة. هذين الأمرين أيضاً -لمفارقات القدر- هما ما ظل السودان يرجوهما منذ سنوات من جوبا تمهيداً لتفعيل إتفاقيات التعاون المشترك وحلحلة القضايا العالقة المهمة بين الجانبين بمعالجة قضايا الحدود وكيفية تأمينها وكيفية استفادة البلدين من بعضهما.
خطأ جوبا المؤلم أنها أهدرت اكثر من 4 أعوام كانت كفيلة بأن تحقق انطلاقاً تاريخياً لكلا الدولتين، الخاسرة فيه هي وحدها دون شك.

الأحد، 9 أغسطس 2015

برنامج إصلاح الدولة.. الوجه الثاني لعملة الحوار الوطني!


يغفل الكثير من الساسة السودانيين الناشطين فى صفوف القوى المعارضة عن البرنامج الشامل الشديد الأثر والأهمية الجاري حالياً في السودان ومضي عليه اكثر من عام والمعروف بـ(برنامج اصلاح الدولة).
هذا البرنامج لو جد دعماً وتشجيعاً من قوى المعارضة السودانية منذ بدايته وعلى نحو موضوعي متجرد لكونه يتعلق بالدولة ككيان شامل لوصل الآن الى غايته المنشودة. المؤسف في الأمر ان برنامج اصلاح الدولة والذي بادرت به الحكومة السودانية فى سياق سعيها للإصلاح العام ما يزال مجهولاً من قبل القوى المعارضة، وربما كان البعض يتعمد تجاهله جرياً على العادة السياسية المعروفة، ذم كل ما تقوم به وتبادر به الحكومة!
برنامج اصلاح الدولة يمكن اعتباره -إجمالاً- برنامج اصلاحي شامل، تقوم فيه الحكومة بمراجعة مكامن الخلل، والنقص فى كل مناحي الحياة، سواء فى مجال الاقتصاد او الخدمة المدنية أو العدالة، أو المجال السياسي والمجالات الحقوقية وتلك الاجتماعية والثقافية ومجالات العلاقات الدولية.
ووفقاً لمتابعات (سودان سفاري) فإن عشرات اللقاءات والاجتماعات تم عقدها خلال الاشهر المنصرمة، كما تم رفع مئات التقارير المهمة المشفوعة بتوصيات لاستكمال عمليات الاصلاح فى مناحي عديدة، وقد ترأس النائب الاول للرئيس، الفريق بكري حسن صالح عشرات الاجتماعات بمكتبه فى هذا الصدد وصدرت عشرات القرارات الجمهورية المستجيبة لتوصيات بعض اللجان في عدد من المجالات، ويبدو ان الاهتمام المتعاظم لهذا البرنامج من قبل  الرئاسة السودانية بلغ ذروته تماماً حين عقد النائب الأول، الفريق بكري فى حالة توصف بأنها نادرة، مؤتمراً صحفياً محضوراً بالأمانة العامة لمجلس الوزراء السوداني المطل على النيل والذي لا يبعد كثيراً عن القصر الرئاسي (ظهيرة الاثنين 3/8/2015م) استعرض فيه بصورة مفصلة جهود الحكومة الرامية لإنفاذ الاصلاح الشامل لأجهزة الدولة.
الفريق بكري اشار الى قضية الحوار الوطني والشوط الذي قطعته بهذا الصدد، وأن الحكومة حريصة عليه وماضية باتجاه إنفاذه كما أشار الى جهود الاصلاح في علاقات السودان الخارجية ومحيطه الاقليمي والعربي الافريقي والمدى الايجابي الكبير الذي وصلت اليه هذه العلاقات وتطرق ايضاً الى المجال الاقتصادي والجهود التي بذلت وكيفية الوصول بهذه الجهود الى الغايات المنشودة وهي تحقيق الرفاه للشعب السوداني وإخراج الاقتصاد من وهدته وأزماته المتطاولة.
النائب الاول للرئيس طوّف بتأني وتفصيل على كافة القضايا الملحة والعاجلة التى يطالها الاصلاح حالياً مستشهداً بالعديد من الامثلة والنماذج والوثائق التى ربما كان الاكثر منها غائباً عن الكثير من المراقبين محلياً وعالمياً. غير أن الامر المحوري والأكثر اهمية بهذا الصدد والذي نحن بصدده الآن ان برنامج اصلاح الدولة في هذا الظرف تتجلى أهميته في عدة أمور:
أولاً، ان برنامج اصلاح الدولة يمكن اعتباره في الواقع أحد أهم عناصر قضية الحوار الدائر الآن. برنامج الاصلاح هو العامل الأساسي المساعد ولا نغالي إن قلنا إنه ربما كان العامل الاساسي الأوحد المتاح الآن والذي بإمكانه انه يهيئ الساحة السودانية ويسهل عملية الحوار، إذ أن الحوار في جوهره ما هو إلا سعي الدولة للإصلاح والارتقاء بها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والإجتماعية، فإذا تم قطع شوط مقدر في هذا البرنامج الاستراتيجي فإن ما يتبقى من الحوار سوف يقتصر على (إصلاح العلاقات بين القوى السياسية والقوى المجتمعية) ووضع قواعد مشتركة للعمل في مضمار مشترك واحد.
ثانياً، برنامج اصلاح الدولة -على اقل تقدير- يمكن أن يقلل من حدة الخلافات على طاولة الحوار حال انعقاده، إذ من المؤكد ان بعض المحاورين سوف يتطرقون لجوانب سالبة فى الدولة في أي مجال من المجالات، ولهذا فحين تكون عملية الاصلاح قد طالت تلك المجالات مسبقاً، فإن الخلاف في الرؤى حولها يكون في أقله.
ثالثاً، برنامج الاصلاح يتيح ثبات اجهزة الدولة وسيرها على مسار  موحد يستفيد منه الجميع، دون ان يتأثر بطبيعة النظام الحاكم، وهذا من شأنه ان يحقق الاستقرار المطلوب وهو بدوره ما يجعل من قضية التداول السلمي للسلطة أكثر مرونة وثباتاً لأنها تقوم على دولة راسخة.
وهكذا، فإن اصلاح الدولة فى الواقع هو الوجه الآخر لعملية الحوار الوطني.

الحوار الوطني .. محطة العاشر من أكتوبر


يدخل الحوار الوطني في العشرين من أغسطس الجاري، محطة مهمة من محطاته في طريقه نحو غاياته التي أعلنها رئيس الجمهورية المشير عمر البشير في خطاب (الوثبة) الشهير في يناير 2014م، الذي حدّد فيه القضايا التي سيناقشها الحوار الوطني الشامل، والأهداف التي يسعى تحقيقها.وهذه المحطة هي محطة العاشرمن أكتوبر القادم، والتي حددتها الحكومة موعدًا لانطلاق الحوار الوطني، بعدما أتفق رئيس الجمهورية المشيرعمر البشير وقادة الأحزاب خلال الاجتماع على بدء الحوار في 10 أكتوبر المقبل”، مع ترك الباب مواربا أمام أحزاب المعارضة للمشاركة في الحوار، في ظل وجود مساعٍ للاتصال بالمعارضة وإقناعهم بالمشاركة في الحوار”. ورغم وجود عقبات هنا وهناك، إلا أن الإرادة السياسية لدى الأحزاب المشاركة في الحوار جعلت بالإمكان تجاوزها. هذه الأحزاب شكلت لاحقاً آلية (7+7)، التي توصلت في التاسع من أغسطس من العام الماضى، إلى (خارطة الطريق) التي فُصّلت فيها آليات ومؤسسات الحوار الوطني، وأهدافها ومداها، وصولاً إلى مراحل ما يتم فيها تنفيذ ما سيتم التوصل إليه داخل آليات ومؤسسات الحوار الوطني، من ثم تلا إعلان خارطة الطريق تشكيل ست لجان باشرت عملها على الفور. على أن الدفعة الأكبر التي تلقاها قطار الحوار الوطني، كانت بصدور بيان الاجتماع الأخير لمجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي 16 سبتمبر الماضي، غداة المداولات التي تلت التقرير الذي قدمه رئيس الآلية الأفريقية رفيعة المستوى، والتي تولت زمام الوساطة بين الأطراف السودانية، وبين دولتي السودان وجنوب السودان ويرأسها ثامبو أمبيكي، وفق لمنصوص القرار (2046) والصادر عن مجلس الأمن الدولى بشأن القضايا العالقة بين الدولتين، منذ ما قبل الانفصال في يوليو 2011م كما شدّد البيان الختامي الصادر عن المجلس (السلم الافريقي) مؤخراً، على معالجة قضية المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق).على أن الحوار الوطني القائم الآن بالسودان، يعدُ الوسيلة المناسبة لحل شامل لقضايا البلاد، عبر التفاوض السلمي، وبعيداً عن الحلول العسكرية التي تورطت فيها حركات التمرد. ويرى مرقبون أن مشاهد وسيناريوهات مستقبل عملية الحوار الوطني التي دخلت مراحل متقدمة بعد الدعم الدولي والإقليمي، الذي أعقب بيان مجلس السلم والأمن الأفريقي، لا تخرج عن السيناريوهات التالية: السيناريو الأول، قيام الحوار الوطني الشامل بمشاركة جميع الأطراف، أحزاب حكومة الوحدة الوطنية، وعلى رأسها المؤتمر الوطني، وتحالف قوى الإجماع الوطني، والحركات الموقعة على اتفاقية السلام مع الحكومة، وكذلك متمردي الجبهة الثورية، وإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بضمانات من كل الأطراف بالتمسك بمخرجات ذلك الحوار. والسناريو الثاني أن يقوم الحوار الوطني ولكن من دون مشاركة جميع الأطراف كأن يتخلف هذا الطرف أو ذاك بحجج مختلفة، على النحو الذي شهدته البلاد في موقف الأحزاب من دعوة رئيس الجمهورية للحوار الوطني الشامل. وأما السيناريو الثالث فهو أن يواجه الحوار الوطني مزالق وعقبات، من قبل الدوائر التي ترى أن قيام الحوار الوطني الشامل وفق رؤية الآلية الأفريقية رفيعة المستوى، قد لا يحقق لها أهدافها، كما لا يضمن لها سقف الطموحات والمواقف التي بنتها تلك الدوائر على دعم الخارج والتحالف معه، أو استمرار الأزمات في البلاد معلقة وفي ذلك تكمن مصلحتها.

عموما فالحوار ليس نزهة, وهو أمر جد عسير, يتطلب الشجاعة وصدق النية منكم جميعاً حكومة ومعارضة وتقديم تنازلات ضرورية من الجميع ، ، ذ يتطلب الأمر من الجميع التوافق على الدستور والقوانين بحيث تكون الحارس لهيبة الدولة والضامن للحقوق والواجبات المتساوية لكل المواطنين دونما تمييز، فالوطن يسع الجميع

الحدث الإستراتيجي الضخم.. إتفاق اقتصادي من الذهب الخالص!


 بصرف النظر عن الارقام والنسب المئوية -رغم أهميتها البالغة- فإن مجرد إتجاه السودان مؤخراً باتجاه التأسيس لاقتصاد يتصل بالمعادن النفيسة وبالطبع في مقدمتها الذهب وما أدراك ما الذهب، يمكن اعتباره حراكاً اقتصادياً نوعياً في هذا الصدد، وفيه دلالة على أن هذا البلد المثابر الباحث عن قيمة اقتصادية لموارده، لم يعجز حين فقد جزء مقدر من نفطه وأرضه عقب انفصال جنوب السودان في استحداث موارد جديدة، والدفع بها ثانية باتجاه العالم.
ولا شك ان الاتفاق الموقع مؤخراً بين وزارة المعادن السودانية ونظيرتها الروسية للاستثمار في معدن الذهب وذلك عبر انشاء مصنع استخلاص الذهب بتكلفة (240 مليون يورو) لإنتاج 50 طن سنوياً جاء بمثابة ترجمة عملية قاطعة لهذا التحول الاقتصادي  الكبير الهادف الى تفعيل الموارد السودانية دون التقيد بمورد النفط وحده والزراعة.
دخول السودان الى مضمار انتاج الذهب يمثل انتقال تاريخي باتجاه حقل اقتصادي جديد من المحتمل ان يجعل من السودان -في مدى زمني قريب- ثاني دولة افريقية منتجة لهذا المورد بعد دولة جنوب افريقيا التى ما تزال تتربع على العرش الافريقي في هذا المجال.
وما من شك ان تقديرات الخبراء الاقتصاديين في السودان -عقب الحدث الكبير- تشير الى ان السودان وبعد مضيّ 6 اشهر من الآن موعود بأن يكون قد حصل على موارد اقتصادي يتجاوز بكثير عائدات النفط السنوية التي كان يجدها من النفط قبل انفصال الجنوب. غير أن مورد الذهب يتفوق على مورد النفط بإيجابيات اخرى ومزايا اضافية فهو :
1.    لا يكلف الكثير في صناعته كما يتكلف النفط وصناعاته المتفرعة. 2. سهل التصدير 3. شديد التأثير على ميزان المدفوعات. 4. يتيح للبنك المركزي -بسهولة- معالجة سعر صرف العملة والعمل على تثبيتها بسرعة قياسية على اعتبار أن الذهب فى حد ذاته يدخل كقيمة نقدية في اقتصاديات النقود، فحين يكون لدى البنك المركزي احتياطي جيد من الذهب فهو يمثل عنصر تثبيت لسعر الصرف.
من ناحية أخرى فإن دخول السودان الى مضمار كهذا مع دولة شديدة الاهمية ولها تأثيرها وصيتها الدولي مثل روسيا يمنح السودان في الواقع امتياز جديراً بالاعتبار على مستوى العالم، خاصة إذا رأينا ان علاقة السودان في مجال الاستثمار النفطي مع الصين واتخاذ البلد قدراً من الامتيازات السياسية على المستوى الدولي بعيداً عن مماحكات بعض القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة.
هذا التطور الاقتصادي الكبير إذا نظرنا اليه ايضاً في ظل تطورات اقتصادية واضحة بين السودان والولايات المتحدة مؤخراً بشأن تقليل قيود العقوبات الاقتصادية والدخول فى الاقتصاد الزراعي من الممكن ان نستشف منه ان السودان وضع قديمه على أرض صلبة حين بدأ في بناء علاقاته الدولية، خاصة معه الدول الكبرى على اساس اقتصادي مؤثر، إذ لا شيء أدعى الى ترسيخ العلاقات الدولية وتقويتها من العامل الاقتصادي باعتباره المجال الحيوية المؤثر الذي تدور عليه وحوله العلاقات الدولية.
إن اتفاقية صناعة واستخراج الذهب مع روسيا يمكن اعتبارها الحدث الاقتصادي الاستراتيجي الاكثر حضوراً في تاريخ السودان الحديث، خاصة اذا علمنا ان الاحتياطي المستكشف من الذهب في مناطق نهر النيل والبحر الاحمر تقدر بحوالي 46 ألف طن بما يفوق الترليون دولار! وهو دون شك مبلغ -مجرد ذكره- يمنح السودان بطاقة دخول تاريخية الى نادي الاقتصاد الدولي ولن يكون السودان -عقب هذا الاتفاق الكبير- كما كان في سالف أيامه الماضيات!

شهادة براءة أمريكية مهمة للسودان!


يثير الموقف الاخير لإدارة الرئيس أوباما بشأن الشعور بالحسرة والندم على الاوضاع المزرية فى دولة جنوب السودان جراء الاقتتال الاهلي الطاحن الجاري بين الفرقاء منذ حوالي عامين، يثير التساؤل بشأن طبيعة الاستراتيجية التى اختطها واشنطن حين عملت بجد ومثابرة على تحقيق انفصال الدولة الجنوبية.
هل يصح الاعتقاد هنا أن الدولة العظمى مضت باتجاه فصل جنوب السودان دون ان تكون لها استراتيجية واضحة؟ هل كانت تراهن على قدرة الحركة الشعبية -مع أنها لم تختبرها في أيّ محك عملي- على ادارة الدولة الوليدة دون مشاكل وتعقيدات؟
من المؤكد ان هذه الاسئلة اجاب عنها الرئيس أوباما -ضمناً طبعاً- في ثنيات جهوده الشاقة في العاصمة الاثيوبية أديس إبان زيارته الاخيرة لها أواخر يوليو الماضي. إذ ان الرئيس الامريكي بدا كمن كان يبحث لتوّه  عن (مخرج) مما يجري في دولة الجنوب من صراع طاحن فاق كل التوقعات ولم تجدي معه كافة التدابير والمعالجات وينذر بكارثة اقليمية ماحقة.
ويقول خبراء فى الشأن الامريكي إن الدبلوماسية الامريكية فى العادة لا تخوض فى شأن يهمها من الشئون قبل ان تجري قياساً دقيقاً لمدى امكانية نجاحها نجاحاً تاماً في هذا الصدد ولهذا يبدي هؤلاء الخبراء دهشة عارمة من أن يجلس الرئيس الامريكي الى مسئولين من دول الاقليم للتباحث معهم حول كيفية معالجة الازمة الجنوبية، دون أن يكون للرئيس أوباما -مسبقاً- رؤى محددة يريد ان يضعها كإستراتيجية لحل الازمة!
غير أن الامر الملفت بهذا الصدد ان الادارة الامريكية أدركت -متأخرة جداً- ان المفتاح والشفرة الاكثر أهمية للحل إنما تبدأ من السودان. صحيح ان وزير الخارجية السوداني البروفسير غندور الذي كان احد أهم شهود لقاء الرئيس أوباما، لم يشأ حتى هذه اللحظة ان يخوض لا إجمالاً ولا تفصيلاً فيما نُوقش وقيل، وهذه من خصائص الدبلوماسية المعروفة التي تتوخى الجد في الامور المتعلقة بقضايا بالغة الاهمية والحساسية كهذي، ولكن بالمقابل فإن وصول المبعوث الامريكي الخاص ( دونالد بوث) الى الخرطوم منتصف الاسبوع الماضي قادماً من جوبا ودخوله فى لقاءات ومباحثات مع المسئولين السودانيين، يعطي مؤشراً واضحاً على ان السودان يلعب دوراً مفصلياً فى إمكانية حل الازمة المتطاولة في دولة جنوب السودان خاصة وان وزير الخارجية الجنوبي برنابا بنجامين، الذي كان مقرراً ان يصل الخرطوم في ذات التوقيت أرجئت زيارته لوقت آخر.
واللافت أيضاً للنظر في هذا المنحى ان المبعوث الامريكي بوث، وقبل وصوله الى الخرطوم أرسل تحذيراً حاداً بدت فيه كل معالم الصرامة والحسم للفرقاء الجنوبيين بأن الفرصة القادمة هي الفرصة الاخيرة وأن صبر واشنطن والمجتمع الدولي أخذ في النفاذ!
إذن نحن أمام مؤشرات واضحة على إمكانية حل الازمة في دولة الجنوب، ولكن الامر الاستراتيجي البالغ الاهمية في هذا الصدد والأكثر اهمية من حل الازمة ومشاركة السودان في الحل؛ إن لجوء الادارة الامريكية الى إشراك السودان في الحل وجلوس الرئيس أوباما للأطراف المهمة في الاقليم –ومن بينها السودان– يعني ببساطة شديدة ان السودان ليس طرفاً بحال من الاحوال في الصراع الجنوبي الجنوبي، وألاّ صِحة البتة لمزاعم وإتهامات جوبا بدعم السودان للمتمردين الجنوبيين، ولو كان الامر غير ذلك لما جلست واشنطن الى السودان في غياب تام لجوبا!

حركة جبريل وحركة مناوي.. مصائر ومصائب متماثلة!


من الأمور المثيرة للاستغراب وظلت تستلفت النظر باستمرار أن حركة مناوي ولأسباب غير معروفة ظلت دائماً تقتفي أثر حركة العدل والمساواة جناح جبريل في العديد من المواقف والمصائر. دائماً حركة مناوي تأتي بعد حركة جبريل، ومع أن القاسم المشترك الأعظم بين الحركتين كما هو معروف هو نسيجهما الإثني، فإن التوجيهات السياسية لكل واحدة منهما –إن وجدت– تبدو مغايرة، على الأقل من الوجهة النظرية المحضة.
ما يهمّنا في هذا الصدد أن حركة العدل والمساواة وفي عهد قائدها السابق خليل إبراهيم جربت اللجوء إلى ليبيا القذافي وعملت بطريقة أو أخرى في خدمة نظام الرجل حتى قُبيل سقطوه بقليل لتعود محمّلة بالمال من هناك ويلقى زعيمها حتفه -في الطريق- وتواصل الرحلة سيرها إلى دولة الجنوب وتصبح (جزءاً) من منظوماته ومليشياته العسكرية.
حركة مناوي جاءت تالية أيضاً لحركة العدل والمساواة في الانضمام إلى دولة الجنوب وخوض الصراعات الداخلية بمقابل مالي. حركة مناوي غاصت في الصراع الجنوبي الجنوبي حتى أذنيها دون أن تحقق لنفسها شيئاً، هو ذات ما كانت وقعت فيه حركة جبريل إبراهيم التي (فقدت كل شيء) في معركة (قوز دنقو) في ابريل الماضي بحيث يمكن القول إن حركة جبريل رغم كل عناءها وتعبها وسفرها إلى طرابلس والعودة منها بالدعم والعتاد وخوضها للحرب الأهلية الجنوبية لم تخرج بشيء. خرجت بهزيمة مادية ومعنوية مدمرة لم تتعاف منها ولا ينتظر أن تتعافى منها أبداً.
أما حركة مناوي كما قلنا فإنها تأتي دائماً تالية لحركة جبريل إبراهيم فقد قررت السفر إلى ليبيا، متخذة ذات مسلك حركة جبريل -على أيام خليل إبراهيم- عسى ولعل أن تعود من هناك رغم الظروف العصيبة التي تعيشها ليبيا -حالياً- بعتاد وأسلحة تعيدها من جديد إلى الميدان في إقليم دارفور .
الغريب في حركة مناوي أنها أوشكت على أن تلقى مصير حركة خليل ولكن بصورة عكسية، فقد حدث الحدث في رحلة الذهاب بدلاً من رحلة الإياب كما حدث لحركة خليل، أما الأكثر غرابة فإن الحدث، حدث بأيدي قادة حركة مناوي أنفسهم حيث وقع صدام مدوي بين قسمين من الحركة؛ قسم كان مصمماً على الذهاب إلى ليبيا مهما كلف الأمر، وقسم آخر كان يقف معارضاً لهذا الموقف ولأن قائد الحركة -مناوي- وصلت به الأمور إلى هذا الدرك السحيق من الضعف وقلة الحيلة، فإنه لم يستطع كبح جماح قواه وترك الرصاص هو وحده سيد الموقف!
الخسائر البشرية كانت مهولة فقد سقط مئات القتلى من الطرفين ومن بينهم قادة ميدانين يعتبرهم مناوي من أفضل قادة الحركة العسكريين. والمفارقة هنا أن الحدث بدا مساوياً -في النوع والمقدار- لهزيمة حركة جبريل إبراهيم التي تلقتها في قوز دنقو على يد قوات الدعم السريع، ولو كان هناك فارقاً فهو أن حركة جبريل في (قوز دنقو) فقدت أضخم عتاد عسكري وصل إليها، في لحظات.
وعلى وجه العموم فإن (تشابه) المواقف ومجيء حركة مناوي باستمرار (في المرتبة الثانية) لحركة جبريل إبراهيم في كل حدث وكل كارثة أمر يدعو حقاً للتأمل!

الأربعاء، 5 أغسطس 2015

الحوار الوطني والجانب الخفيّ من الصورة!


يواجه حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان هذه الأيام انتقادات واسعة النطاق بشأن قضية الحوار الوطني، إذ يعتقد العديد من المراقبين وقادة القوى السياسية أن الوطني يماطل في ويشتري الوقت في تعامله مع هذه الأطروحة الإستراتيجية الهامة. ولهذا فإن من المهم هنا أن نتمعن في عجالة ونبحث بشيء من الموضوعية فيما إذا كان الوطني فعلاً يمارس تسويفاً بشأن الحوار الوطني بغرض الإجهاز عليه تدريجياً، أم أن حقائق الواقع السياسية في السودان التي لا تخلو من تعقيدات هي في الواقع التي تتسبب بهذه الحال؟
قبل الإجابة على هذا السؤال الهام دعونا نقف قليلاً عند اللحظة الراهنة في السودان، ونرى طبيعة التحديات التي يصعب وصفها إلا بكونها صعبة وقاسية التي يواجهها الحزب الحاكم ويتعامل معها بكثير من الجلد.  ليس مهماً الإشارة إلى العديد من النجاحات التي حققها الوطني في مجالات مختلفة وإستراتيجية في السودان والتي أتاحت له رغم كل الأزمات أن يظل متقدماً على أنداده في الساحة السياسية، ولديه قابلية التطور والاستمرار، فهذه أمور يتفق ويختلف الناس حولها ولن من المؤكد أن إحدى أعمق هذه النجاحات هو محافظته على قضية التداول السلمي للسلطة، وإصراره على أن تظل الانتخابات العامة -وحتى ولو شابتها عيوب ما- هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة.
السودان الآن يملك (جداولاً زمنية ثابتة) للدورات الانتخابية ودورات الحكم بغض النظر عن أي تطورات تجري فيه أو أية مستجدات وهي جداول زمنية تمنح شعوراً جيداً بالاستقرار سواء لمواطنيه أو حتى للخارج!
الحكومة السودانية فرغت لتوها من هذا العمل الشاق وبات واضحاً الآن أن الدورة الانتخابية المقبلة سوف تكون في (ابريل 2020) ومن ثم يمكن القول وبأقصى درجات الموضوعية إن وجود جداول زمنية للتداول السلمي للسلطة هو في حد ذاته بمثابة تدعيم وتقوية للحوار الوطني إذ أن معنى ذلك أن الحوار الوطني إذا انعقد في أي وقت يكون لزاماً عليه أن يضع في الاعتبار هذه الجداول الزمنية ويوليها احترامه لأنها أساس إستقرار الدولة السودانية، كما أن ذات هذا الوضع يسهل إلى حد كبير مقترحات الدستور وكيفية حكم الدولة باعتبار أن التجربة الماثلة تجربة عملية، رأى الكل مثالبها وايجابياتها.
أما إذا أردنا العودة للسؤال الذي أوردناه أعلى هذا التحليل فإن حقائق الواقع الماثلة في السودان، والقضايا التي لا تنتظر هي في حقيقة الأمر التي تؤخر وتبطئ من مسيرة الحوار الوطني وبإمكاننا تعداد بعضاً من هذه الحقائق بإيجاز:
أولاً، لا شك أن الوطني كحزب حاكم حصد لتوّه ثقة الناخبين (بنسبة معقولة) تفرض مقتضيات السياسة عليه أن يتأنى بعض الشيء في عقد فعاليات الحوار الوطني لضمان اتساع حلقة المشاركة من جهة، ولضمان نجاح الحوار نفسه، ومن الغريب هنا أن البعض ظل ينتقد انعقاد الحوار (بمن حضر) ويدعوا لإلتئام شمل الجميع، والآن وحين ظل الكل في انتظار مشاركة الكل، اعتبر البعض هذا الانتظار بمثابة تهرب ومحاولة للقضاء على العملية برمتها! الوطني يدرك مصاعب الحوار في الحالتين وربما لهذا اختار التأني كخيار أفضل من التعجل والركون لعبارة (بمن حضر)!
ثانياً، نسيت قوى المعارضة أنها وعند طرح الحوار في يناير 2014 هي التي (ماطلت) وسوّفت ودفعت باشتراطات، فقد كانت في ذلك الحين -قبل الانتخابات- أفضل بكثير من الوقت الراهن. ولهذا ليس من العدل في شيء لوم الوطني الآن وتناسي اللوم الأكبر على القوى المعارضة منذ أكثر من عام.
ثالثاً، العجلة في عملية الحوار نفسها ليست ضرورية بهذا القدر الذي ينادي به البعض، وهذه العجلة مرتبطة في أذهان البعض بتفكيك النظام والتغيير، وهو ما يدفعهم للشعور بالتأخير! وعلى كل فإن الحوار قضية إستراتيجية بالغة الأهمية في حاجة إلى قدر من الكياسة والتأنّي والاهتمام.

الاثنين، 3 أغسطس 2015

منظمة إرهابية مقرها نيويورك!


تهديد صريح بالقتل والتصفية الجسدية للدبلوماسيين السودانيين في أوروبا وجّهته مؤخراً منظمة صهيونية مغمورة وربما مستحدثة حديثاً للدبلوماسية السودانية.
المنظمة الصهيونية التي أطلقت علي نفسها (المحكمة الدولية لمعاداة السامية) قالت إن تهديد القتل الذي أرسلته للدبلوماسية السودانية مبني على حيثيات سلوك السودان الداعم للقرارات الدولية التي تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني، إذ أن المنظمة تعتقد أن دعم السودان لهكذا قرارات هو بمثابة معادة للسامية!
ولا شك أن الحكومة السودانية التي تدرك كيفية التعامل مع مثل هذه التهديدات الإرهابية اتخذت التدابير اللازمة لحماية دبلوماسييها في أوربا جرياً على النظرية الأمنية المتعارف عليها بأخذ مثل هذه التهديدات -حتى ولو كانت ساذجة- محمل الجد ولا شك أيضاً أن قرارات المنظمة وفق البيان الذي أصدرته هو الآن مثار دهشة في كافة الأوساط الدبلوماسية حول العالم، إذ أن تهديد الدبلوماسيين وتحويلهم إلى أهداف مشروعة ليس من الأمور المألوفة في العلاقات الدولية مهما كانت درجة العداء والخصومة بين أي طرفين.
كما أن بيان المنظمة الصهيونية هذا أثار انتباه العشرات من دول العالم، العربية والإسلامية والأوربية التي تؤمن بحقوق ومواقف الشعب الفلسطيني باعتباره شعب سُلبت أرضه وحقوقه منه بالقوة، وما إذا كانت هذه الدول في المستقبل القريب سوف تتلقي (تباعاً) تهديدات مماثلة تعتبرها المنطقة (معادية للسامية)! بل نتساءل بقوة ما إذا كان يتعين على أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين وغير الدائمين أن يكفوا منذ الآن عن التصويت على أية قرارات تصب في مصلحة الفلسطينيين لأن التهديدات سوف تطالهم!
كما أن التساؤل الأبرز يطل بقوة ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأكثر حديثاً عن الإرهاب والأعلى صوتاً في التحذير منه والادعاء بمكافحته انتهى بها المطاف بأن (تستضيف) على أرضها وفى مدينة نيويورك على وجه الخصوص منظمة إرهابية تجاهر علناً وفي وضح النهار  بالإعلان عن نشاطها الإرهابي المتسلح بوسيلة القتل والتصفية الجسدية؟ إذ أن المنظمة قالت ودون أن يطرف لها جفن إنها تتخذ من نيويورك مقراً لها!
ولسنا في حاجة هنا للإشارة إلى أمين عام المنظمة الدولية التي تتشارك منظمته الدولية المقر مع هذه المنظمة الصهيونية، السيد بان كي مون إذا كان راض عن هذا التطور الإرهابي الكبير أم انه يعتبرها (محكمة مستقلة)، ليست تابعة للأمم المتحدة تماماً كما هو الحال بشأن محكمة الجنايات الدولية!
إن السودان بطبيعة الحال لا تخيفه مثل هذه التهديدات بل على العكس يمكن للسودان أن يعتبر مجرد التهديد هذا بمثابة وسام وقلادة شرف قومية غالية الثمن يضعها في صدره كونه ولفرط اهتمامه الشديد بقضية الحق الفلسطيني، القضية المركزية العربية الإسلامية الأكثر حضوراً في الساحة الدولية، نال شرف المواجهة مع الصهيونية.
ومع أن السودان واجه هذه الصهيونية مئات وآلاف المرات  في حرب الجنوب المقيتة منذ الخمسينات وهزمها شر هزيمة، ثم واجهها في إقليم دارفور وهي تدعم الحركات المسلحة وتعينها وتدفعها دفعاً، وهزمها للدرجة التي هربت فيها هذه الحركات خارج الإقليم وفضلت العبث في أرض الجنوب والعمل كمرتزقة هناك وواجهها في جنوب كردفان وجعل قوات قطاع الشمال تختفي وتتخفى في كهوف الجبال العميقة لا ترى الشمس إلا لماماً؛ مع كل هذه المواجهات مع الصهيونية فإن السودان لن يكون جديداً عليه أن يحظى بمواجهة جديدة في ساحة أروبية رحبة! فقط على الدول الأوربية التي وصلتها هذه الرسالة الصهيونية أن تعيد قراءة أكذوبة معاداة السامية التي تخشى تبعاتها بدرجة تثير حقاً الدهشة!
إن السامية المزعومة لا تبيح القتل وملاحقة الآخرين على هذا النحو لمن يزعمون أنهم بلغوا الآفاق بشأن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان!