حرق منزل والي شرق دارفور من قبل مجموعة مسلحة لم تسعفها شجاعتها لاستكمال المواجهة إلى نهاياتها ومع كونها حادثة سالبة من الناحية الأمنية المجردة؛ إلا أنها وفي ذات الوقت تصلح لمقايسة الأوضاع في اقليم دارفور، فقد تضاءل النشاط المسلح من حرق للقرى والمدن والهجوم عليها وفي بعض الاحيان احتلالها ولو لساعات، إلى مجرد اطلاق الأعيرة النارية الموتورة و بيد مرتعشة على منزل واحد حتى ولو كان المنزل لحاكم الولاية، إذ ان الرقعة الجغرافية تقلصت من أميال إلى بعض أمتار مربعة وبالطبع فإن الفارق بين الرقعتين شاسع للغاية.
صحيح ان منزل والي الولاية أهيمته ودلالته السياسية، وصحيح ان الهجوم يمكن اعتباره نوعياً بدرجة كبيرة، ولكنه في المحصلة النهائية محض عمل إجرامي عديم النفع والجدوى وذلك لعدة إعتبارات من الضروري أن نشير لها تباعاً:
أولاً، الهجوم يعكس سلوكاً يائساً للغاية، فالمجموعة التى قامت به وبصرف النظر عن انتماءها أثبتت من حيث لا تدري ان العمل الميداني المسلح والقوات المحمولة على سيارات الدفع الرباعي والمدافع الخفيفة قد انقضى عهدها تمامهاً ولم يعد هناك امر متاح سوى الفرقعات ذات الصيت الاعلامي لعلها تعطي دفعة معنوية للمهزومين.
ثانياً، مهاجمة منزل والي الولاية فيه مؤشر على ان اليأس قد وصل بالحركات المسلحة -بعد الهزيمة الميدانية- إلى محاولة انتهاج عمليات الاغتيال النوعية، وهذا الاسلوب الذي بادرت به هذه المجموعة المسلحة يشكل خطورة بالغة على قادة الحركات المسلحة إذا ثبت إنتماء هذه المجموعة لأي واحدة منها، إذ من المعروف أن الميدان السياسي والعسكري في السودان لم يعرف قط -وفق قواعد الفروسية والتقاليد السودانية الراسخة- استهداف القادة. لم يعرف السودان طوال تاريخه عمليات الإغتيال السياسي، ومن ثم فإن اتجاه المجموعات المسلحة في دارفور إلى هذا المسار النوعي ضرره وخطره عليها أكبر .
ثالثاً، العملية نفسها لم تحقق أي هدف جدير بالاعتبار فقد استهدفت بعض الحرس وأضرمت نيران مما يستشف منها شعور عميق بالغضب ناتج بطبيعة الحال عن الهزيمة العسكرية واندثار الحرب ومحاولة إخافة الحكومة السودانية ولا شك إن هذا اسلوب لا مستقبل له، لأن قادة الحكومة لو كانوا يتخفّون من الحركات المسلحة لما استطاعت هذه المجموعة مطلقاً المرور بالشارع الذي يقع فيه منزل الوالي.
رابعاً، الهجوم -ومن حيث لا يدري المهاجمون- جاءت نتائجه لصالح الحكومة بأكثر من مما هو في غير صالحها سياسياً وأمنياً، فقد ثبت أن قادة الحكومة في السودان عامة وفي دارفور على وجه الخصوص (على اتصال سهل) مع سكان الاقليم، ولا يقيمون متاريس أو حواجز أمنية سميكة بينهم وبين جماهير الاقليم، كما تؤكد الحادثة ان قادة الحكومة لم يرتكبوا جرائم في حق أهل الاقليم قط، وإلا لكانوا أحاطوا منازلهم بحراسة مشددة وتحصينات قوية.
وعلى كل فإن حادثة الهجوم يمكن جعلها حادثة تاريخية يؤرخ بها لنهاية النشاط المسلح في اقليم دارفور وتحوله إلى نشاط اجرامي إرهابي بامتياز!































