حين أرادت مصر عبد الناصر في خمسينات القرن الماضي إجراء عملية انتخابات في مثلث حلايب باعتباره أرضاً مصرية، فإن السودان وقتها وكان رئيس وزراءه عبد الله خليل لم يفعل سوى تحريك قوة عسكرية نحو المثلث، دفعت الرئيس عبد الناصر وعلى الفورة للتخلي عن اجراء العملية الانتخابية في المثلث!
وعلى الرغم من ان موقف الرئيس عبد الناصر -وكان الرجل في قمة مجده الإقليمي والدولي- تمت فلسفته في سياق تحاشيه لأي صدام مع عمقه الاستراتيجي -السودان- إلا ان من المؤكد والموثق تاريخياً أن عبد الناصر ما أتخذ موقفه ذاك من فراغ قانوني! إذ انه ومهما قيل ويقال عن الرجل إلا انه كان رجل حسابات وحقوق وحقائق. وربما يأتي يوم بحسب خبير مصري تحدث لـ(سودان سفاري) حاجباً صفته، وتظهر الحقائق التى دفعت اشهر زعيم عربي في القرن العشرين، شديد العناد والصلابة، يقرّ للسودان بأحقيته بأرضه.
وقبل سنوات قلائل من الآن وحينما احتل الجيش الشعبي الجنوبي منطقة هجليج فإن الجيش السوداني سارع بإعادة الأمر إلى نصابه في ملحمة عسكرية تاريخية أعطت درساً بليغاً عصيّ على النسيان لدى الحكومة الجنوبية. فحوى هذين النموذجين ان السودان يملك (خيارات عديدة للغاية) لوضع الامور في نصابها بشأن نزاعه المتطاول مع مصر في مثلث حلايب، ولكنه -من بين كل تلك الخيارات- وضع الآن عبر القنوات الدبلوماسية (الناعمة) خيارين فقط على الطاولة المصرية إما التفاوض -ولدى مصر سوابق قديمة وحديثة جداً في هذا الصدد مع بلدان أخرى- وإما الذهاب إلى التحكيم الدولي –ولدى مصر أيضاً سوابق مع بلدان أخرى فيها– ولعل مما لا يتطرق اليه الشك قط، أن التفاوض أو التحكيم هما من الوسائل الدبلوماسية والقانونية المتحضرة، التى عادة ما تلجأ إليها الدولة عند نشوب نزاع فيما بينهما في اي شأن من الشئون، ولهذا فإن من الطبيعي ان يثور تساؤل مدهش ومحير إزاء رفض مصر المتكرر وبلا أدنى مبرر موضوعي أو غير موضوعي للجلوس لطيّ الملف هذا!
فلو قلنا ان مصر ترفض التفاوض على ارض تعتبرها من صميم حقوقها وتمثل سيادتها فإن واقع الحال يكذب هذا الأمر تماماً، حيث لم يجف بعد مداد إتفاقها مع المملكة العربية السعودية بشأن جزر (تيران وصنافير), هو اتفاق إنما تم عن طريق التفاوض وفي (سرية)، لا نود أن نقول (مريبة)! ولو قلنا ان مصر ترفض اللجوء إلى التحكيم حتى لا تظهر بمظهر المحتل، إذا ما أدت عملية التحكيم لخسرانها للمنطقة فإن مصر عانت هي الأخرى نفسها معاناة لا توصف من الاحتلال الاسرائيلي المذل والمهين ولم يكن أمامها من خيار -رغم انتصارها في حرب اكتوبر- سوى اللجوء إلى التحكيم بشأن تبعية منطقة طابا!
لقد رضيت مصر الجلوس للتحكيم مع كل ما كان يتضمنه التحكيم في مواجهة عدو استراتيجي هو اسرائيل، وترفض الآن قبول التحكيم في مواجهة من تطلق عليه (عمقها الاستراتيجي) السودان! التناقض البنيوي في الموقف المصري بشأن حلايب يثير الاستغراب حقاً فهذا المثلث المتنازع عليه إما أن تثبت تبعيته إلى مصر أو إلى السودان -عبر التفاوض أو التحكيم- فما الذي يجعل القيادة المصرية ترفض تقرير مصير هذا النزاع؟ من الجائز ان القاهرة في عهد مبارك ارتهنت المثلث (لمخاوف أمنية) خاصة بنظام مبارك. ومن الجائز أيضاً ان نظام الرئيس السيسي (المحاط بمخاوف الغضب الشعبي) يخشى ان يصبح موضعاً للنقد والمزايدة السياسية الداخلية بين قطاعات الشعب المصري؛ ولكن المفارقة في الحالتين، ان مبارك (ومخاوفه الأمنية) ذهب بثورة شعبية وإنطوت صفحته و السيسي (المحاط بمخاض غضب شعبي) ما يزال محطاً لذلك الغضب الشعبي منذ إطاحته برئيس منتخب شعبياً!
إذن لا نظام مباركة أفادته حلايب و لا نظام السيسي ستفيده حلايب، وحتى اذا كان السيسي يترسم خطى عبد الناصر في الاعتداد والكرامة، فإن من ما قاله عبد الناصر قديماً إنه (ليس هناك محظور من الكرامة إذا توفر عنصر الحق)!







0 التعليقات:
إرسال تعليق