الاثنين، 18 أبريل 2016

واشنطن وإستفتاء دارفور.. داعية الديمقراطية تحارب الديمقراطية!


بيان الخارجية الامريكية بشأن الاستفتاء الاداري الذي جرى في إقليم دارفور في الحادي عشر من ابريل الجاري، بيان مثير للإستغراب حقاً. صحيح ان الولايات المتحدة وبالنظر إلى كونها دولة عظمى ظلت وباستمرار لاعباً خفياً أو مستتراً في اي شأن خاص بأي دولة من الدول. ما من دولة من دول العالم في السنوات الفائتة او الراهنة ظلت بمنأى عن تدخلات واشنطن والتي في الغالب تأتي على نحو غاشم وضار بالأزمة، بل ان الولايات المتحدة وعلى وجه الخصوص في السنوات العشرين الماضية أصبحت باستمرار (جزء من الأزمة) وليست جزء من الحل في أي أزمة او نزاع داخلي أو دولي.
والأمثلة في هذه الصدد من الصعوبة بمكان تقع على حصر! ولكن وجه الغرابة في بيان الخارجية الامريكية بشأن عملية الاستفتاء الاداري له عدة وجوه: أولاً، الاستفتاء الذي يجرى استفتاء إداري وليس استفتاء سياسي مماثل للاستفتاء الذي أجري لصالح جنوب السودان في العام 2011 لتقرير مصيره، وهذا الاستفتاء الاداري بهذه الصفة القانونية المبسطة شأن داخلي بامتياز يخص أهل اقليم دارفور لاختيار الوضع الاداري الملائم لادارة اقليمهم، هل يردون إقليماً واحدا، أم نظام إداري فيدرالي مثل بقية ولايات السودان؟
استفتاء كهذا حتى ولو كانت لواشنطن (أطماع) أو (مصالح) تخصها أو حتى فلنقل استراتيجية للمحافظة على سخونة الازمة وعدم استقرار الاقليم لاستخدام ذلك كورقة ضغط في مواجهة الحكومة السودانية -حتى لو افترضنا ذلك- فهو استفتاء محلي يعطي مؤشراً للكافة- بما في ذلك واشنطن وبقية القوى الدولية- عن طبيعة الاوضاع في الاقليم، وآراء ومواقف أهل الاقليم ودرجة الأمن والاستقرار في الاقليم وما اذا كان صحيحاً أو خطأ ان الحركات المسلحة لديها قواعد جماهيرية أم لا؟
باختصار عملية الاستفتاء مفيد بصورة عامة وتعطي صورة معقولة لما عليه أمور في الاقليم بعيداً عن الدعاية الاعلامية والتقارير الكاذبة، ففي مثل هذا النوع من الأزمات فإن الضروري للغاية لأي طرف حتى ولو كان يستثمر في الازمة أن يلم إلماماً (واقعياً) بأوضاع منطقة الأزمة لكي يتجنب أي محاولة لخداع النفس وبناء استراتجيات على حقائق غير واقعية. الاستفتاء الاداري من حيث نسبة المشاركة وعدد المقترعين والحراك الذي صاحبه يعطي حقائق طبيعة مجردة، الكل في حاجة إليها.
ثانياً، الاستفتاء الاداري لم يكن سوى تنفيذ عملي محض لاتفاقية الدوحة للسلام 2012 وهي اتفاقية جرى التوقيع عليها في العاصمة القطرية الدوحة وفي حضور أطراف دولية واقليمية وتحوز على اعتراف دولي، ولم تعترض عليها واشنطن في حينها بأي وجه من وجوه الاعتراض أو التحفظ، فكيف يمكن قبول منطقها غير الموضوعي الآن بأن الظروف غير مواتية لإجراء استفتاء أو أنه لن يحقق الهدف المرجو منه؟ كيف تعارض واشنطن -من مجمل اتفاقية الدوحة التى يجري تنفيذ بنودها منذ لحظة توقيعها قبل نحو من 4 أعوام- بنداً واحداً وهو البند المتعلق باستفتاء الاداري؟ لما مارست واشنطن هذه الانتقائية المفضوحة في هذا التوقيت بالذات؟
ثالثاً، مع أن الفارق شاسع جدا ما بين الاستفتاء دارفور والذي جرى قبل ايام واستفتاء جنوب السودان الذي جرى قبل اعوام كون إن الاستفتاء الخاص بجنوب السودان خطير ومؤثر وتترب عليه نتائج ضخمة لأنه يتعلق بمصير دولة، بينما استفتاء دارفور إداري يتعلق بنظامها الاداري.
مع كل هذا الفارق فإن واشنطن كانت حينها -في العام 2011- عام استفتاء جنوب السودان تمارس الضغوط وتبذل الوعود الكاذبة للخرطوم لإجراء الاستفتاء الجنوبي في موعده، بل و تغاضت عن المعايير القانونية المتعارف عليها في مسعى كان واضحاً أنه يهدف إلى فصل جنوب السودان وقد حدث، فما الذي يجعلها الآن (تتململ) كل هذا التململ لمجرد اجراء إداري داخلي؟
مجمل القول ان واشنطن افتضح أمرها على نحو سافر، إذ لم يعد بالإمكان بعد الآن المتاجرة سياسياً ودولياً بأزمة دارفور، الاستفتاء نزع أكذوبة الحرب والابادة الجماعية والاغتصاب نزعاً من يد الدولة العظمى، ولم تجد مناصاً من الصراخ ومحاولة التشكيك في العملية!

0 التعليقات:

إرسال تعليق