لم يكن لدى أحد سواء في السودان أو في دولة جنوب السودان أن منطقة أبيي المتنازع عليها بين الدولتين منطقة سودانية فسواء على صعيد حقائق التاريخ والوثائق العتيقة المحفوظة بعناية لدى الجهات المعنية في السودان أو حتى على صعيد ما يطلق عليه قانوناً بـ(فرضيات الأمر الواقع) فإن المنطقة تتبع جغرافياً وسياسياً وتاريخياً للسودان. ولكن لم تكن الحركة الشعبية الحاكمة في دولة الجنوب لتدع الأمور تمضي بسلاسة.
كل من راقب عن كثب سلوك الحركة الشعبية التي تحكم دولة الجنوب منذ العام 2005 وحتى قبل أن تتولى حكم الدولة الجنوبية الوليدة يدرك أنها خططت بعناية لإثارة نزاعات مزمنة ومعقدة مع السودان لأسباب تخصها وحدها.
ومع إدراك السودان لهذه الحقيقة ومعاناته المستمرة من تعنت جوبا في حلحلة القضايا مثار النزاع بين الدولتين على كل الأصعدة فإن السودان يدرك أيضاً أن جوبا وحدها هي التى سوف تضطر طائعة أو مكرهة في يوم ما للإقرار بحقيقة تبعية أبيي للسودان.
وزير الخارجية الجنوبية السابق (برنابا مريال بنجامين ) يمكن اعتباره (أول دليل مادي مباشر) قدم الدليل على تبعية أبيي للسودان، إذ من المعروف أن الرجل دفع ثمن بيان صادر عن وزارته حاول من خلاله التنصل من ممارسات أحد أبناء أبيي (لوكا بيونق) باعتبار أن الأخير سودانياً لكونه ينحدر من تلك المنطقة.
ومهما قيل بعد ذاك، فإن الرجل الذي يمثل قمة الدبلوماسية في بلاده نطق بلسان سياسي مبين -حتى ولو لم يكن يدرك ذلك- بتبعية أبيي للسودان! (بنجامين) لم يكتفِ بذلك فحسب، ففي 22 مارس الماضي وفي مؤتمر صحفي عقده بفندق كراون ببلاده أضطر الرجل ولم يكن قد أقيل وقتها للدفاع عن الأمر بلا جدوى حيث نفى صحة الأنباء المتواترة حول تبعية أبيي للسودان وقال إن المنطقة تتبع للرئاسة في الدولتين، وأضاف بمنطق مضطرب إن من حق حكومته معاملة مواطني أبيي كجنوبيين!
وزارة الخارجية الجنوبية نفسها ومع كل هذا الإرتباك لم تستطع نفيّ حقيقة البيان الصادر عن الخارجية الجنوبية بشأن ممارسة (لوكا بيونق) المنافية لحقوق الانسان باعتباره سودانياً وليس جنوبياً! أي إن الحكومة الجنوبية لجأت إلى حيلة ساذجة ومضحكة، فهي من حقها اعتبار مواطني أبيي جنوبيين، إذا لم يكونوا قد تورطوا في إنتهاكات حقوقية واعتبارهم سودانيين إذا تورطوا في إنتهاكات حقوقية!
الناطق الرسمي بإسم الخارجية الجنوبية (ميوين ماكول) لم يجد مخرجاً موضوعياً للخروج من هذا المأزق الكبير فأضطر للإقرار (بوجود أخطاء وتلاعب) على حد وصفه، من قبل من أطلق عليهم (بعض الأفراد) الذين وصفوا (بيونق) بكونه أجنبي! متوعداً بمحاسبتهم ومضيفاً إن وزارته قامت بإجراء تعديل في الوثيقة بإبتعاث وثيقة أخرى مصححة لما حدث!
هذه الواقعة المثبتة بوثائق رسمية وتصريحات مسئولين جنوبيين لديها دلالتين على قدر كبير من الأهمية. الدلالة الأولى، إن منطقة أبيي وحتى مع كونها تتبع للرئاسة في الدولتين ولم يتم حسم تبعيتها رسمياً حتى الآن، إلا أنها ومن خلال سلوك الحكومة الجنوبية ليست تابعة لدولة جنوب السودان بدليل إن الرئيس سلفا كير وبعد إقالته لوزير خارجيته (برنابا مريال) تردد، أو فلنقل تخوّف من تعيين دينق ألور في ذات المنصب باعتبار أن ألور من منطقة أبيي، وهذا بدوره يعني إن كل مواطن ينحدر من المنطقة هو محل شك في جنسيته ومن ثم ولائه ووطنيته، وهذا وحده كاف للدلالة على عدم تبعية المنطقة للدولة الجنوبية.
الدلالة الثانية، أن السودان -بالمقابل- لا يعاني من هذه العقدة مطلقاً فهناك (الآلاف) الذين يعملون في الحكومة السودانية وينحدرون من المنطقة ويتزاوجون مع بقية أهلهم السودانيين ولم يحدث -بطبيعة الحال- أن جرى إتهام أحد من المنطقة من قبل الحكومة السودانية وبأنه أجنبي! هذا بالإضافة إلى أن جوبا سوف فكر مائة مرة إذا ما تقرر إجراء استفتاء في المنطقة لحسم تبعيتها لخشيتها من النتيجة طالما أنها تخشى من مواطنيها حتى الذين هم من المقربين لديها في الحكومة والحركة الشعبية!






0 التعليقات:
إرسال تعليق