دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الأحد، 31 يوليو 2016

محكمة الجنايات السينمائية ... كلاكيت تاني مرة


لاشك أن هذا الاسم عنوان الموضوع أعلاه هو الأنسب لمحكمة الجنايات الدولية ، بعد فضيحة الفساد التي هزت أركانها ، والتي تواجهها قاضية المحكمة دي غورميندي بتلقيها أمولاً ورشاوي لشراء شهود لاستخدامهم في الشهادة الزور ضد الرئيس السوداني المشير عمر البشير.

أما لفظة (كلاكيت) لمن لا يعرفها فهي مصطلح يستخدمه صُناع السينما والدراما للتمييز بين المشاهد التصويرية وتجميعها وترتبيها واعاداة تصويرها لمرة أخري أو مرات عديد ، وهذا بالضبط ما فعلته المحكمة الجنائية الدولية وهي تشتري شهوداً ، كانت قد أعدت لهم سيناريو شهادات تمثيلية ملفقة ، تم تدريبهم عليها جيداً ومن ثم يتم اخراج اجود المشاهد عبر وسائل الاعلامي للرأي العام.

وحسب معلومات وردت لصحيفة بوست ايفنج البريطانية فان قاضية المحكمة الجنائية الدولية دي غورميندي تلقت رشاوي ومبالغ مالية ضخمة ما بين الاعوام 2014 – 2015م تم تحوليها الي حسابها المصرفي في جزر فيرجن البنك الكاريبي ، وبلغت جملة هذه المبالغ 17 مليون دولار امريكي والهدف من هذه المبالغ هو شراء شهود تتمكن المحكمة من خلال شهاداتهم توجيه تهم للرئيس السوداني عمر البشير.

وكشفت مصادر الصحيفة الجهات التي تم عن طريقها تحويل هذه الاموال للقاضية غورميندي ، عبر شركة دولية باريتنج القابضة المحدودة ، وشركة المحيط الاطلسي وشركة سفر التكوين الدولية ، وتم توزيع هذه الاموال - حسب الصحيفة – من قبل القاضية لجماعات في ولايات دارفور وعناصر من الحركات الدارفورية المتمردة لجمع أدلة وهمية وشهود للادلاء بشهاداتهم ضد البشير من داخل معسكرت اللاجئين والنازحين بتشاد وعدد من ابناء دارفور بعدد من الدول الافريقية والاروبية.

وقد دعا رئيس المنتدي الافريقي د.ديفيد نيكوراس ماتسانغا ، القاضية دي غورميندي للاستقالة من منصبها ، وقال ان ذلك من شأنه أن يسمح للتحقيقات أن تأخذ مجراها المناسب ، لمعرفة الكيفية التي كانت تتلقي بها غورميندي المبالغ في حساباتها المصرفية.

ليس هذا فحسب بل وسبق ان قُدمت أدلة للمحكمة الجنائية الدولية تكشف تورط أوكامبوا في قضية رشاوي لإدانة الرئيس السوداني عمر البشير ، وشملت الادلة فيديوهات وتسجلات صوتية ، بالاضافة للبيانات المصرفية التي تبين حركة مبالغ مالية ضخمة داخل حساب اوكامبو المصرفي.

واعتمدت المحكمة الجنائية الدولية في إداعاءاتها ضد المسؤولين السودانيين علي عدد (75) شاهداً ، تم أخذ أقوالهم بواسطة مكتب المدعي العام للجنائية الدولية خلال الاعوام 2006 – 2007م ، وقام بعملية الاستجواب شخص يدعي أدر مان عفيفي من أصل فلسطيني ، وساعده في الترجمة المدعو ابراهيم هاشم (سوداني الجنسية) ، وساعدهم في ذلك عدد من أبناء دافور المتعاونين مع مكتب المدعي العام للجنائية الدولية ، منهم المدعو نور عزالدين ، وهو من انباء دارفور المقيمين في بريطانيا.

مما سبق يتضح لنا ان هذه المحكمة الجنائية الدولية ، محكمة سينمائية لا تحكم بين الناس بالعدل ، بل وفق اهواءها وأهواء من يدفعون لها المليارات التي يشترون بها ذمم القضاة والمحققين والشهود ، لتصبح المحكمة أداة طائعة في ايدي الساسة وأصحاب الاجندة الذين يملكون المال والسطوة في الدول العظمي.

واكتشف القادة الافارقة والعرب هذه الفضائح والاكاذيب ، فرفضوا تنفيذ طلبات تقدمت بها المحكمة لتوقيف الرئيس السوداني في العديد من زياراته الافريقية والعربية ، وأخرها زيارة الرئيس ليوغندا التي رفضت تسليم الرئيس السوداني ووهجت هجوماً لاذعا علي المحكمة الجنائية الدولية.

المحكمة الجنائية السينمائية الآن في مأزق كبير تحاول جاهدة إيجاد مخرج لها منه  بـ (كلاكيت تاني مرة) ولكن هيهات هيهات ان تفلح في الإقناع بعد ان انكشف القناع وافتضح المستور.

الخميس، 28 يوليو 2016

قمة كيجالي وتعميق جراح الجنايات الدولية!


بالإجماع رفض القادة الافارقة في قمتهم المنعقدة بالعاصمة الرواندية كيجالي الاسبوع الماضي استهداف محكمة الجنايات الدولية في لاهاي للقادة الافارقة. الرئيس البشير كان في مقدمة المشاركين فى القمة الافريقية التى جاءت اكثر سخونة فيما
يتعلق بالموقف من لاهاي وعملت على دعم وتأييد موقفها في القمتين السابقتين في أديس ابابا و جوهانسبرج الهادفة لذات الرفض.
القمة بحسب وزير الخارجية السوداني كلفت لجنة بمهمة السفر الى نيويورك وإبلاغ مجلس الامن -رسمياً- بموقف الاتحاد الافريقي من المحكمة. القمة قررت أنه في حالة عدم استجابة مجلس الامن لقرارات الاتحاد الافريقي فإن الاخير سوف يشرع فى إجراءات خروج جماعي من ميثاق المحكمة.
ولا شك ان موقف الاتحاد الافريقي ومع كونه داعماً لموقف وقرارات سابقة بهذا الصدد، إلا أنه هذه المرة يأتي في ظل تداعيات سيئة بعد ما رشح من ضلوع قادة المحكمة في جرائم رشوة وتحويل أرصدة وأموال فى حساباتهم الشخصية بما يرفع من وتيرة الرفض الافريقي الأشد للمحكمة.
ومن المؤكد ان السودان ومنذ بداية صدامه مع لاهاي استطاع ان يكشف للقادة الافارقة ان المحكمة الجنائية سياسية بامتياز وأنها تستهدف القادة الافارقة على وجه الخصوص ولهذا فإن قمة كيجالي تكتسب أهميتها وآثارها البعيدة للمدى وفق عدة مؤشرات خطيرة ومؤثرة للغاية:
 أولاً، الاتحاد الافريقي جسم اقليمي مؤثر يصعب للغاية على القوى الدولية الاستهانة به، فهو يقوم بمهام اقليمية مثل مهام حفظ السلام، و حلحلة قضايا الاقليم والمحافظة على الامن والسلم الدوليين. ومن ثم فهو مكمل لدور مجلس الامن فى هذه الناحية ولا يستطع مجلس الامن الدولي بحال من الاحوال التقليل من شأنه. هنالك خطأ شائع لدى الكثير من المراقبين، ان دول القارة الافريقية ليست سوى لقمة سائغة فى فم القوى الدولية.
هذه الحقيقة كانت في السابق حين كانت الدول الافريقية على قدر كبير من الضعف وحين كانت مصالح الدول الكبرى فى متناول يديها ولا تستطيع دول القارة الوقوف فى وجهها. الدليل على أن دول الاتحاد الافريقي باتت مؤثرة وتمتلك إرادة سياسية لا يمكن تجاوزها أنها ظلت تتحدى القوى الدولية الكبرى بشأن العديد من القضايا الهامة وعلى وجه الخصوص توقيف الرئيس البشير.
الرئيس البشير ظل مشاركاً بقوة فى كل المحافل الافريقية ضد رغبة القوى الدولية وضد إرادتها، حدث ذلك فى كينيا، وحدث فى جنوب إفريقيا، وحدث في يوغندا في حفل تنصيب الرئيس موسيفيني، و حدث في اديس ابابا ثم حدث الآن فى رواندا. لم تعد الدول الافريقية تهاب القوى الكبرى والقوى الكبرى هي تعرف ذلك جيداً الآن ولهذا فإن ما تقرره القمة الافريقية يتم أخذه مأخذ الجد!
ثانياً، عدم تعاون دول الاتحاد الافريقي  -دون استثناء- مع محكمة الجنايات الدولية في فى حقيقة الامر واقع ملموس الآن ومطبق على الارض. لم تجرؤ أي دولة افريقية على مخالفة قرار الاتحاد الافريقي ولو بتصريحات إعلامية، وهذا يعني ان دول الاتحاد الافريقي شرعوا فى إنزال قرارهم على أرض الواقع ولم يتبق سوى اتخذا قرار جماعي مماثل بالانسحاب من المحكمة.
ثالثاً، مجرد ابلاغ لجنة من الاتحاد الافريقي لمجلس الامن بوجهة نظر قادة الاتحاد الافريقي -بغض النظر بعد ذلك عن النتيجة- يعني ان الاتحاد الافريقي يمتحن إرادة القوى الدولية الكبرى ويضطرها للرضوخ، فالقضية ليست قضية قوة وضعف بقدر ما هي قضية إسماع صوت منطقي موضوعي له تأثيره على مجمل الرأي العام الدولي إن لم يكن اليوم ففي الغد القريب دون شك.
وأخيراً فإن قمة كيغالي المنعقدة فى هذا الظروف، إشتعال الحرب فى دولة الجنوب، تداعيات قصص المال والرشاوي في لاهاي، وضعت لبنة قوية على طريق التغيير المنهج الدولي الظلام فى التعاطي مع المؤسسات الدولية، فالعالم الذي يعتقد انه خرج من ظلام التاريخ والعصور المظلمة القديمة مطالب الآن باستعدال كفة العدالة الدولية فى كل شيء وإلا استخدم من ينظر اليه بكونه ضعيفاً ذات وسائل ضعفه لإجبار الاقوياء على الرضوخ لمطالبه!

نداء السودان .. التوقيع على خارطة الطريق


أخيرا استجابت مايسمى بقوى نداء السودان لصوت العقل وابدت استعدادها للتوقيع على خارطة الطريق التي تعرضت في الأونة الأخيرة لضغوط دولية كثيفة دولي كبير لحملها للانخراط في الحوار.
وقال بيان صادر عن قوى نداء السودان أن هناك مستجدات إيجابية في اتجاه الاستجابة لما طرحوه بشأن خارطة الطريق؛ عبر مراسلات ومقابلات مباشرة مع الآلية الرفيعة والاتحاد الإفريقي والمجتمع الإقليمي والدولي، وأكدت أن رؤاها حول الخارطة ستناقش من خلال لقاء مع أمبيكي يجري التحضير له، قالت إنه سيمهِّد للتوقيع عليها، معلنة موافقتها المبدئية على خارطة الطريق كونها ستحدد عقد الاجتماع التحضيري في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا، واطلاق العملية السلمية المتكافئة التي تؤدي لوقف الحرب واشاعة الحريات، وبحث بقية استحقاقات الحوار الوطني المنتج.
وقرر البيان الختامي لاجتماع المجلس القيادي لقوى نداء السودان الذي انعقد بباريس، تكليف لجنة بتأليف كتاب مفصَّل يُبين ممارسات النظام حول الأوضاع الراهنة في السودان، من أوضاع أمنية ومعيشية، وحصر قضايا الفساد التي تُثار في وسائل الإعلام، فضلاً عن متابعة النازحين واللاجئين والمعتقلين، وأكد البيان ، وقوف قوى نداء السودان مع المواطن في كل القضايا العادلة قاطعاً بأنها لن تكون طرفاً في أي حوار مع النظام لا يؤدي إلى حلول عادلة لكل القضايا الوطنية المهمة.
وأوضح البيان أن مجلس نداء السودان أقر هيكلاً كاملاً من مستويين، رئاسي وتنفيذي، يضم مجلساً قيادياً مكوناً من عشرين شخصاً من الكتل الخمس المؤسِّسة للنداء، يقوم بقيادة قوى نداء السودان، واحتفظ المجلس القيادي بحق التوسع في عضويته بما يحقق أهداف النداء، واتفق على أن تستمر إدارة المجلس بالتراضي الحالي إلى حين اعتماد الدستور واختيار رئيس الدورة الأولى، كما أقر المجلس مكتباً تنفيذياً يقوم بالعمل التعبوي الجماهيري والتواصل السياسي والدبلوماسي داخل وخارج السودان له رئيس ونائب ويتكون من ثمانية قطاعات.
ورغم إشارات البيان والتي توحي بإتفاق مكونات نداء السودان إلا أن الوقع يكذب ذلك فقد أقر الحزب الشيوعى بمواجهة المعارضة ضغوطا أمريكية كبيرة للتوقيع على وثيقة خارطة الطريق ورحج الحزب توقيع حزب الأمة القومى وقطاع الشمال على
الوثيقة. وأشار إجتماع لجنة الإتصال السياسى بالحزب والذى أنعقد بالمركز العام للحزب بالخرطوم الى ترجيح "أن قوى نداء السودان تسير فى اتجاه التسوية وهى حقيقة يجب ان ننظر اليها كواقع" و"أن حزب الأمة القومى وقطاع الشمال سيوقعان على خارطة الطريق".
وأقر المجتمعون بأن الحزب ظل يمنى نفسه بمد ثورى لإقتلاع النظام "وأن هذا أمر غير حقيقى وأن التظاهرات والوقفات الإحتجاجية ليست مدا ثوريا على الإطلاق وان الحزب ينتظر شيئا يطول إنتظاره". الى ذلك، قال القيادى طارق عبدالمجيد خلال الإجتماع أن "التسوية ليست ليست كفرا إن شارك فيها الحزب" كما تناول الإجتماع موقف المعارضة والحركات المسلحة من التوقيع على
خارطة الطريق و رحج الحزب "رضوخها للضغوط الأمريكية"، ووصف دعوة مكونات نداء السودان للحزب بانها "تهدف الى جر الحزب وتحالف قوى الإجماع الوطنى للتوقيع على خارطة الطريق".
فيما كشف حزب البعث العربي الاشتراكي، عن خلافات كبيرة ضربت اجتماعات نداء السودان أهمها الخلاف على منصب الرئاسة الذي رشح له رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي.وقال عضو القيادة القطرية لحزب البعث والناطق الرسمي للحزب محمد ضياء الدين في تصريح صحافي إن خارطة الطريق شرعنت لتمكين النظام بمباركة دولية. مشيراً إلى أن قبول مشاركة أحزاب من قوى الإجماع بدون مشاركة الاجماع كمؤسسة يعني أن هناك مواقف جديدة ستُعيد تشكيل الكيانات الجبهوية القادمة، مشيراً إلى أن البيان الختامي أغفل الحديث عن الخلاف حول الهيكلة وتسكين المواقع، كاشفاً عن صراع تفجر داخل قوى نداء السودان بسبب الخلافات بين تنظيمي الجبهة الثورية والذي أدى إلى التحفظ على ترشيح الصادق المهدي للرئاسة ليكون المقابل التحفظ على ترشيح مني أركو مناوي لرئاسة المكتب التنفيذي، متهماً في ذات الوقت الحركة الشعبية بسعيها خلف مواقع العلاقات الخارجية والمال في الهيكلة.
واعتبر ضياء الدين حديث البيان حول العمل التعبوي الجماهيري من أجل الانتفاضة مجرد حديث للاستهلاك السياسي يدحضه موقف الاجتماع من خارطة الطريق وخصوصاً بعد أن أشار لمستجدات إيجابية في الخارطة دون أن يحددها البيان. وعاب ضياء الدين على بيان نداء السودان عدم الإشارة للشروط اللازمة للتوقيع والجلوس مع وفد الحكومة ما يعني أن قوى نداء السودان ستجلس بدون أي إجراءات في اللقاء التحضيري مع الحكومة.

قوات حفظ السلام الدولية في جنوب السودان متهمة بغض الطرف عن أعمال عنف



سجلت الأمم المتحدة ما لا يقل عن 120 حالة اغتصاب منذ تصاعد موجة العنف الأخيرة في جنوب السودان، وهي تحقق في اتهامات لقوات حفظ السلام الدولية بأنها لم تفعل شيئا لمنع حصول ذلك. وقال نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان
حق “اننا نأخذ على محمل الجد الادعاءات القائلة ان قوات حفظ السلام لم تساعد الناس الذين يواجهون مخاطر”. اضاف “ستكون هناك عواقب وخيمة إذا فشلت (تلك القوات) بمهمتها”.

واشارت تقارير صحافية الى ان عناصر نيباليين وصينيين في قوات حفظ السلام الدولية شهدوا على هجوم ضد امرأة ارتكبه جنود من جنوب السودان بالقرب من قاعدة للأمم المتحدة لكنهم لم يتدخلوا على الرغم من النداءات التي أطلقتها الضحية.
وقال المتحدث ان قيادة بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان فتحت تحقيقا في ذلك.

وأورد معلومات عن عنف جنسي مارسه جنود من جنوب السودان بالزي الرسمي، بما في ذلك عمليات اغتصاب جماعي لمدنيين بالقرب من قاعدة للأمم المتحدة في جوبا وفي مناطق أخرى من العاصمة. واضاف ان بعض الضحايا كانوا من الاطفال.
وكانت جوبا مسرحا لمواجهات عنيفة بدأت في 8 تموز/ يوليو بين القوات الحكومية واخرى موالية لزعيم المعارضة رياك مشار. وادت المعارك الى مقتل نحو 300 شخص وأجبرت الاف المدنيين على اللجوء الى قواعد الأمم المتحدة.

ومنذ ذلك الحين، كثفت قوات الامم المتحدة التي يصل عديد قواتها الى 13,500 عنصر في كامل اراضي البلاد، دورياتها في محيط القواعد الاممية وفي العاصمة، بحسب ما قال فرحان حق. كما ترافق قوات حفظ السلام الدولية النساء اللواتي يخرجن من القواعد لجمع الحطب والتزود بالحاجيات.

الأربعاء، 27 يوليو 2016

لكي لا يسقط الجنوب في (فخ) الوصاية الدولية


* بعد أن قتل ما يقارب ال(نصف مليون) شخص، وتشردت ملايين أخرى من مواطني دولة جنوب السودان منذ إندلاع الحرب وازدياد وتيرة الصراع في الدولة الوليدة قبل ثلاثة أعوام.. ما زالت فرص تحقيق السلام في هذا البلد الذي إنفصل عن السودان في العام 2011م بعيدة المنال.

* أصبح حلم المواطن الجنوبي أن يعيش بسلام في ظل المواجهات العنيفة بين أطراف النزاع هناك، وتزايدت حدة الاستقطاب بين المعارضة المسلحة التي يقودها د. رياك مشار وبين السلطة الحاكمة والتي يقودها الرئيس سلفا كير ميارديت.
* المواطنون الجنوبيون الذين فروا من نيران البنادق وإشتباكات الأسلحة الثقيلة كانت وجهتهم نحو الدول(الجارة) للجنوب، وكان سعداء الحظ هم الذين أفلحو في عبور الحدود لأن هناك أعداداً أخرى سقطت ضحية للمواجهات قبل أن تقطع المنطقة الفاصلة بين الحرب والسلام.
* إتفاق السلام الذي وقع مؤخراً بين الأطراف وجاء ب(د. رياك) نائباً لرئيس دولة الجنوب ذهب الي حيث لا رجعة مع أول(طلقة) في المواجهات بين الطرفين.. وكانت أعنف مواجهات جرت في عاصمة الدولة جوبا فيما عرف بالمحاولة الإنقلابية، وإختفى د. رياك عن الأنظار وظل يتحدث في الميديا العالمية بأن الرئيس سلفا نفسه غير قادر على حمايته.
* الصراع فسره المراقبون بأنه بين قبيلتين (النوير ورمزها د. رياك مشار/ والدينكا ورمزها سلفا كير)، بيد أن بالجنوب قوميات أخرى كثيرة لم تصنف في إطار الصراع الدائر هناك. بعض المحللين طالبوا بإنفصال جديد يخرج أعالي النيل الكبرى من الدولة الوليدة لتنشأ دولة أخرى.. وهذا ليس بعيد عن سيناريو التقسيم الذي وضعته الدول العظمى لهذه المناطق، بل أن آخرين ذهبوا لأكثر من ذلك عندما تحدثوا عن مفهوم جديد تسعى له الدول الغربية وهو مفهوم (أرض بلا سكان).
* والناظر والمتأمل لواقع الدولة الوليدة اليوم يجد أن هذا المفهوم (أرض بلا سكان) هو المفهوم الأقرب للواقع.. حيث وجد أطراف النزاع دعم لا محدود في جانب التسليح، الأمر الذي وفر بنية عسكرية صارت وقوداً لا ينتهي للحرب الحالية.
* الأرقام الحقيقية للاجئين الجنوبيين بدول الجوار بالإضافة للذين لقوا حتفهم في هذه الحرب اللعينة، هي أرقام كبيرة إذا ما قورنت بأعداد السكان، ومن هذا مقاربة مع مفهوم (الأرض بلا سكان).
* ويعزز هذا المفهوم الدراسات الحديثة في مراكز البحوث الغربية الإستراتيجية التي صنفت الأرض إلى أرض (ناضبة الموارد) وأرض( بكر)، وهم يعلمون أن العالم كله مقبل نحو فترات تكون فيها (قطرة الماء) مثل (الكنز) دع عنك الأرض البكر الثرية بمواردها.
* وليس بعيداً عن مفهوم (الأرض بلا سكان) الدعوة التي أطلقها مسؤولان أمريكيان هما المبعوث الأمريكي السابق للسودان وجنوب السودان برنستون ليمان وكيت المكوبست مدير مركز أفريقيا للدراسات، وقد دعا هذان المسؤولان الأمريكيان إلى وضع دولة الجنوب تحت الوصايا الدولية.
* وطالب الأمريكيان بإبعاد كل من الرئيس سلفا كير ود. مشار قائد المعارضة المسلحة عن الحكم في الجنوب، على أن تحكم البلاد بواسطة إدارة مؤقتة تشرف عليها الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي إلي حين عودة الإستقرار.
* الوصايا الدولية في عرف الأكاديميين هي وجه جديد للإستعمار، ولا تختلف عنه كثيراً في الأهداف و (المألات).. لذلك على أهل الجنوب أن يفوتوا الفرصة بين يدي(الطامعين) في موارد الدولة البكر، وأن لا يقبلوا بالوصايا الدولية مهما كلفهم ذلك.
* الدعوة للوصايا الدولية كذلك ليست بعيدة عن وجهة نظر بعض المحللين الذين ربطوها بالزيارة الخاطفة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى أفريقيا ومقابلته التي أجراها مع بعض الرؤساء الأفارقة.. أن يصبح الحاكم في الجنوب من الأمم المتحدة تعاونه بعض إدارات الإتحاد الأفريقي هذا أمر ليس بالسهل وهو إرتداد للإستعمار القديم، وينبقي لقيادة الجنوب ونخبه ومثقفيه أن تقاوم هذا الواقع.
* السودان أعلن أن لا تدخل في الشأن الجنوبي، وظل واقفاً في منطقة وسطى بين الطرفين المتصارعين، لذلك السودان هو الأكثر تأهيلاً لقيادة وساطة (ناجحة).. لا تتركوا الجنوب، أعينوه بالرأي حتى لا يسقط في (فخ) الوصاية الدولية

تابان نائبا.. حين يستيقظ الماضي


كان متوقعا هذا الذي يجري في جوبا الآن.. والعالمون ببواطن الأمور يتحدثون عن أكثر من خمس سنوات من الخلاف المكتوم بين الرجلين.. ولئن بقي رياك مشار طرفا رئيسا في معادلة الخلاف.. فرجل آخر يتقدم الآن ليحل محل سالفا كير في طرف المعادلة الآخر..
إنه حليفه السابق تابان دينق.. والناس يذكرون المعركة الانتخابية الشرسة بين تابان وحرم مشار.. وظن الجميع بمن فيهم تابان أن ذلك عهد مضى.. فانخرط بحماس في المفاوضات.. وحقق لزعيمه ولمجموعته مكاسب جمة في قسمة السلطة المصحوبة بقسمة الثروة.. وتقديرا لبلائه الحسن.. ظن تابان رئيس فريق التفاوض عن مجموعة مشار أن من الطبيعي أن ينال حظه من الثروة بعد أن وضع كل السلطة في يد مشار.. فراح الرجل يتطلع لمنصب وزير النفط.. ففي جنوب السودان.. وحين يكون الحديث عن الثروة.. فلا شيء ذو قيمة غير النفط.. لذا كان تابان يمني نفسه بتلك الدجاجة التي تبيض ذهبا.. وزارة النفط.. ولكن تابان فوجئ.. كما فوجئ الكثيرون غيره.. بأنه قد أطيح.. وركنوه إلى وزارة المعادن.. صحيح أن مشار تحدث عن حيثياته في توزيع الحصص الوزارية بتلك الطريقة التي أبعدت تابان عن حلم عمره.. إلا أن الأخير رأى في حيثيات مشار.. كلمة حق أريد بها باطل.. ترسخت قناعة تابان.. أن ما فعله مشار بإقصائه من مكمن الثروة.. بإيعاز من جهة ما تأبى أن تنسى ما جرى أيام الانتخابات.. على حد زعم جماعة تابان.. لم يكن هدفه إنصاف جهة ما بقدر ما كان هدفه إقصاء تابان دينق. الأسبوع الماضي حين كتبنا عن إقصاء القائدين سالفا ومشار لصالح مالونق وتابان.. لم نكن نرجم بالغيب.. ولكن المعطيات كانت تترى لمن ألقى السمع وهو شهيد.. يمكن القول الآن.. إن نصف توقعاتنا قد أصابت.. أما النصف الآخر فهو رهين بتوفر ظروفه.. فالنصف الأول قد تحقق بفضل توفر ظروفه.. التي بدأت بالتهديد المباشر لمشار بإرعابه حتى وهو داخل القصر الرئاسي.. ثم قصف معسكره الرئيس.. ثم قصف منزله.. ثم الدفع بتابان ليتحدث لقناة الجزيرة عن تهدئة الأوضاع.. هل سأل أحد: لماذا تابان في تلك اللحظة يطل على الناس مبشرا بالهدوء.. ؟ مضى السيناريو.. خلاصته إبعاد مشار عن المسرح.. وبالفعل خرج مشار من جوبا في المرة الأولى.. ولكن الذين يدركون خطورة غياب مشار بذلوا كل شيء لإعادته إلى جوبا مرة أخرى.. فعاد.. بضمانة الأمم المتحدة التي لا تضمن نفسها.. ولكن ترتيبات ملونق تابان مضت كما هي.. الترهيب.. بل وأعنف مما كانت.. وعاد السيناريو إلى مساره المطلوب.. فغادر الدكتور رياك مشار جوبا مرة أخرى.. ثم جاء دور سالفا كير.. وكان مطلوبا من ذلك الدور أن يكون متسقا مع السيناريو الأساس.. سيناريو إقصاء مشار.. فجاء الإنذار الرئاسي.. لمشار بالعودة إلى جوبا.. بدا الأمر لوهلة وكأنه إنذار لموظف حكومي متغيب عن العمل دون إذن مع التهديد بالفصل من الخدمة..! كان مضحكا الإنذار.. ثم التهديد.. لكن الذي كان أكثر إثارة.. تعجل الجميع إحلال تابان محل مشار.. وكأن خلو المنصب هو وحده سبب كل مآسي جنوب السودان.. فلم يكن غريبا أن تصدر مجموعة مشار تحذيرا من دخولهم في حرب شاملة للدفاع عن أنفسهم في حال استمرار القوات الحكومية في مهاجمتهم، وتنفيذ مخططها لإطاحة مشار من منصبه وتعيين وزير المعادن، تابان دينق في محله..!
نقلا عن صحيفة اليوم التالي 26/7/2016م

الثلاثاء، 26 يوليو 2016

من يُحقِق مع المُحَققِين؟


مضى على خبر الصحيفة البريطانية التى كشفت عن مظاهر فساد في محكمة الجنايات الدولية أكثر من أسبوعين ولم تتصدى المحكمة ولا أحد قضاتها -رغم خطورة وحساسية الأمر- لنفيّ أو تفسير ما حدث! المدعية العامة للمحكمة (فاتو بنسودا)
حاصرها الصحفيين أكثر من مرة بغرض سماع إفادتها فى القضية ولكنها و (بهدوء ناعم) آثرت الانسحاب والصمت!
 وبالطبع لسنا في حاجة لإعادة تحليل الموقف برمته مقارنة بطبيعة تركيبة قضاة وموظفي المحكمة، فقد تناولنا ذلك ومنذ استهلال المحكمة لعملها (العام 2003م)؛ كما لا حاجة لنا لنفيّ أو إثبات الأمر هكذا بدوافع مزاجية، ولكن حتماً فإن الصمت -ليوم واحد أو يومين فقط- إزاء وقائع تطعن فى نزاهة وحيدية مؤسسة قضائية في أي بلد، دعك من مؤسسة قضائية دولية منوط بها ملاحقة ومحاكمة مسئولين كبار وإنزال عقوبات مؤثرة عليهم أمر في حد ذاته بمثابة جريمة بأي قانون عقوبات، في أي دولة يعاقب كل من يتستر على جريمة من الجرائم.
 كما أن الذي يوجه إتهاماً الى أي جهة يتعين عليه إيراد الدليل ويستلزم ذلك مقاضاته بتهمة إشانة السمعة والإضرار بتلك الجهة وبالتأكيد تتم هذه المقاضاة بسرعة فائقة وعلى نحو فوري إذا كان الاتهام يطال مؤسسة قضائية دولية.
 المحكمة الجنائية الدولية لا هي أقرّت بالفساد، ولا هي قامت بمقاضاة الجهة التى فجرت القضية! وهذا الموقف بلا أدنى شك يجعلها -في الحالتين- غير جديرة بأن تكون مؤسسة قضائية دولية. وبإمكاننا طالما ان الامر كذلك ان نتساءل عن السيناريو المتوقع في هذا الصدد.
 الوقع ان ما هو متوقع ان تراهن المحكمة على تجاوز الامر عبر صمود قضاتها وإلتزامهم الصمت والمضيّ قدماً في عملهم دون الالتفات الى القضية. هناك شواهد دالة على ذلك ابرزها تحاشي المدعي العام لتناول الامر إعلامياً، ربما اعتقاداً منها ومن بعض قضاة المحكمة ان الوقت كفيل بالقضاء على الشبهة وتناقص أهميتها وسخونتها! ولكن بالمقابل هناك ما يشير الى ان المحكمة حتى ولو أرادت التحقيق في الامر ومعالجة الخلل فهي لن تستطيع وإن استطاعت فسوف تحرص غاية الحرص على الوصول الى نتائج ايجابية ترسخ لبراءة قضاتها، ونستند في ذلك على عدة أمور:
أولاً، الجهة التى يفترض أنها تحاسب المحكمة هي الجمعية العمومية ممثلة فى مجموعة الدول المصادقة على ميثاق انشاءها، وطالما أنها (مجموعة دول) وتدرك خطورة الأمر واحتمال انهيار المؤسسة القضائية، فإنها سوف تحرص على ان تكون (السياسة والمصالح) حاضرة في منضدة المناقشة وسوف تجري (موازنات) ومحاولة (تنفيس) للحادثة وإبطالها، وهذه أمور تبرع فيها غالب اجهزة المخابرات، لأن من شأن إدانة القضاة المتورطين أو حتى الاستغناء عنهم ان يصيب ضمير المحكمة وسمعتها في مقتل، ولن تقوم لها قائمة بعد ذلك.
ثانياً، هناك ما يشبه الاستحالة فى ان يتصدى (قضاة آخرون) في ذات المحكمة للأمر تحقيقاً وتقصياً، إما لتورطهم هم أنفسهم بدليل سكوتهم طوال هذه المدة مع تطاير الرزاز عليهم، وإما لأنهم يخشون ان يتعرضوا لمشاكل هم في غنىً عنها وهم أيضاً -في الحالتين- ليسوا جديرين بأن يكونوا قضاة دعك من أن يكونوا قضاة دوليين يمثل أمامهم الرؤساء وكبار المسئولين.
ثالثاً، على فرض ان الصمت القائم حالياً ينطلق من أن موقف قضاة المحكمة سليم وأن المال المحول الى حساباتهم (لأغراض مواجهة المصروفات القضائية) فإن الامر يتطلب المسارعة منذ نشر الخبر لإثبات ذلك، فالشيء (المشروع) لا يحتاج لوقت طويل لإيضاحه للناس خاصة ان الثقافة الغربية والأوروبية ما فتئت تلاحق الناس بما يسمى بالشفافية ومكافحة الفساد وأنشأت لهذا الغرض مؤسسات دولية ومنظمات تصدر قوائم دورية وتصنيف دول العالم بمعيارها! لماذا تخلّى دعاة الشافية وسدنتها في الولايات المتحدة وأوروبا عن شفافيتهم فيما تعلق الأمر بمحكمة الجنايات الدولية؟

الجنائية وافريقيا.. انسحاب جماعي قادم


يدور صراع بين الدول الأفريقية (ممثلةً في الاتحاد الأفريقي)، والمحكمة الجنائية الدولية التي تتخذ من "لاهاي" في هولندا مقراً لها، منذ سنوات، على خلفية اتهامات توجهها المحكمة لعدد من الرؤساء والقادة، ولمسئولين كبار في القارة، بلغت حد اتهامهم بارتكاب جرائم حرب، وجرائم إبادة، وجرائم ضد الإنسانية.
وفي أكدت قمة الاتحاد الأفريقي الـ”27″ والتي اختتمت أعمالها مؤخرا بالعاصمة الرواندية، كيغالي، التزامها بالإجماع الأفريقي الرافض لاستهداف المحكمة الجنائية الدولية للقادة الأفارقة، وأعلنت تمسكها بما خرج به الرؤساء الأفارقة خلال قمتي أديس أبابا وجوهانسبيرج الماضيتين.وأعلنت القمة رفضها القاطع لاتهامات المحكمة ضد الرئيس البشير، ونائب الرئيس الكيني، مُشيراً لإجراءات سيتم اتخاذها للتعامل مع القضية.وكلفت القمة لجنة وزارية للاتصال بمجلس الأمن الدولي، لتوضيح مواقف الدول الأفريقية في هذا الصدد وتقديم تقرير لقمة أديس أبابا القادمة في يناير المقبل في هذا الشأن .وأشارت القمة إلى أنه إذا لم يستجب مجلس الأمن لإرادة الدول الأفريقية حول القضية، فإن على اللجنة الوزارية وضع خطة للخروج الجماعي للدول الأفريقية من المحكمة الجنائية الدولية. الصراع بين الدول الأفريقية و"الجنائية الدولية" وصل إلى حد مطالبة البعض في الاتحاد الأفريقي بمقاطعة المحكمة، وعدم الامتثال لمطالبها بملاحقة عدد من هؤلاء المسئولين، بغية تقديمهم للمحاكمة أمام قُضاتها، بتُهم مختلفة لجرائم ترى المحكمة أنها وقعت في بلدانهم، وتستدعي مساءلتهم عنها وتقديمهم لمحاكمة عادلة أمامها باعتبارها جرائم يُعاقب عليها القانون الدولي بحسب "ميثاق روما".
ويرى الأفارقة أن تركيز المحكمة الجنائية الدولية على جرائم الحرب والمتهمين بارتكابها في أفريقيا، يقابله غضُ بصرها تجاه بعض الأطراف في دول أخرى،مثل: أفغانستان، وكولومبيا، لسنوات دون اتخاذ إجراءات فعلية تُذكر تجاهها. فعند تسليمه رئاسة الاتحاد الأفريقي لخلفه الرئيس التشادي إدريس ديبي في 2015، قال رئيس زيمبابوى "روبرت موغابى":إن "اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لم أره مطبقا ضد أي شخص جلده أبيض"، على حد قوله، وتساءل "هل الذين لديهم جلود بيضاء معفون من الوصول للمحكمة"، مشيرا إلى أن "جورج بوش وتونى بلير ارتكبا أعمالا فظيعة في العراق، واعترفا بأنهما ارتكبا أخطاء، كما قتلوا صدام حسين ورغم ذلك لم تتم إحالتهما للعدالة". وفي 31 يناير 2016، وبعد توليه رئاسة الاتحاد الأفريقي، أوضح الرئيس التشادي، إدريس ديبي، في ختام القمة الأفريقية الـ(26) المنعقد بالعاصمة الإثيوبية "أديس أبابا"، أن "القادة الأفارقة أيدوا مبادرة تهدف إلى انسحاب جماعي من المحكمة"، متهما الجنائية الدولية بأنها "تستهدف قارتهم بشراسة"، حسب تعبيره.وقال ديبي في هذا الصدد "لاحظنا أن المحكمة الجنائية الدولية تستهدف بشراسة أفريقيا، والقادة الأفارقة، من بينهم رؤساء حاليون، فيما يشهد سائر أنحاء العالم الكثير من الأحداث، والانتهاكات الفادحة لحقوق الإنسان، لكن لم يعبر أحد عن القلق إزاءها".واتهم رئيس الاتحاد الأفريقي، حينها، المحكمة صراحةً بـ"الكيل بمكيالين"، وأضاف "قررنا تنسيق موقفنا كي تدرك المحكمة الجنائية الدولية أهمية الموقف الأفريقي من هذه المسألة".

إلا أن توقيع 34 دولة أفريقية وتصديقها على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُبقي الأمر "معقداً"، في حال قررت المجموعة الأفريقية الانسحاب جماعياً من المحكمة، حيثُ لم يتخذ القادة الأفارقة قراراً ملزماً قانوناً بالانسحاب من المحكمة بشكل جماعي، تاركاً لكل دولة الحرية في اتخاذ قراره بهذا الشأن.
كل هذا الشد والجذب، بين الاتحاد الأفريقي من جهة، والمحكمة الجنائية الدولية من جهة ثانية، أدى لتباين موقف الطرفين وتباعدهما من قضية توجيه تهم لقيادات أفريقية وملاحقتهم جنائياً، ما أدى إلى تهديد الاتحاد الأفريقي بالانسحاب الجماعي من المحكمة، ما يضع مصداقية وجدية الدول الأفريقية وقادتها على المحك. ويمثل مدى استعداد القادة الأفارقة لتطبيق القوانين الدولية بشأن حقوق الإنسان، اختبارا حقيقيا للقارة الأفريقية، التي شهد تاريخها تجاوزات وانتهاكات كثيرة عبر العقود، التي تلت خروج الاستعمار منها، في دول تخضع بعضها لحكومات مستبدة، حسب مقاييس سجلات الحريات والتنمية المستدامة. فهل ينجح الاتحاد الأفريقي في "كبح جماح" بعض قادته الجامحين؟ وهل تنفذ الدول الأفريقية "وعيدها" بالانسحاب معاً من المحكمة؟! وهل يمكن أن تطال محاكمات الجنائية الدولية قادة وزعماء في دول كبرى، غير رؤساء أفريقيا؟ فمصداقية كل من دول الاتحاد الأفريقي والمحكمة الجنائية على المحك، على حد سواء.

الخميس، 21 يوليو 2016

جنوب السودان دولة فاشلة


لم يسبق في أفريقيا أن تطورت وانتقلت بسلاسة حركة تحرر من العمل الثوري إلى العمل الحكومي، وأن فشلت فشلاً ذريعاً على ما حصل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. وقصفت الأنظمة المتعاقبة في الخرطوم شعب جنوب السودان واتخذته رقيقاً. وفي السنوات الخمس التي تلت الاستقلال عن السودان، اكتشف مواطنو جنوب السودان أن حكامهم لا يختلفون عن حكام الخرطوم في الوحشية والفساد.

ومنذ الأسبوع الماضي، أضرمت القوات الموالية للرئيس سلفاكير ونائبه رياك مشار - الذي يقود فصيلاً منشقاً عن «الحركة الشعبية...» - النار في اتفاق السلام الذي أبرم منذ أقل من عام. وأجبرت الاشتباكات في جوبا (عاصمة جنوب السودان) عشرات الآلاف من المدنيين على الفرار أو الاختباء في الكنائس ومجمعات الأمم المتحدة. وقتل مئات المواطنين، فيما تقف قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة موقف المتفرج، مثلما فعلت في مناسبات كثيرة منذ اندلاع الحرب الأهلية بين القوات المتناحرة في 2013.

وما يحصل اليوم هو ذروة فشل قيادة جنوب السودان. وتقع لائمة الإخفاق على هذه القيادة وعلى عدد من المعدين الأجانب لعملية السلام التي أدّت إلى الاستقلال. وهو استقلال ما كان ليحصل لولا تدخل واشنطن ولندن ودول منطقة شرق أفريقيا، وإلزام الخرطوم التوقيع على اتفاق 2005 الذي مهّد الطريق لتقرير المصير. والدول التي ساهمت في إنهاء الحرب بين الشمال والجنوب، قاربت السلام الوجيز في الجنوب بنهج ساذج وأبوي. واليوم، تغض هذه الدول النظر عما يجري وكأنها غير معنية.

ويشعر الغرب والجهات المانحة بالعجز أمام معضلة هي من صنع أيديهم. ويبدو أن بلايين الدولارات التي بذلت لدعم الدولة الوليدة ذهبت هباء. وهذه الدول مترددة في بذل مزيد من الأموال لإنقاذ جنوب السودان من نفسه. وفي غياب الدعم الخارجي، لا يستطيع قادة البلاد وزعماؤها تمويل قواتهم ومؤسسات الدولة. وجنوب السودان مفلس. وهبط إنتاج النفط الى النصف نتيجة القتال بين قبائل الدينكا والنوير. جزء كبير من الإنتاج بيع قبل هبوط الأسعار، وما تبقى من عائدات نفطية على الجنوب أن يتقاسمها مع الخرطوم، التي تمتلك خطوط أنابيب التصدير. والحقيقة المرة مفادها أن السلام في جنوب السودان يشترى بواسطة التمويل الخارجي. ومصالح الصين النفطية في هذا البلد هي الأكبر. وتشارك قوات صينية في قوات حفظ السلام الأممية واثنان من جنودها قتلا هذا الأسبوع. وفي مقدور الصين أداء دور فاعل في إرساء السلام.

ولا شك في أن مبدأ الجزرة (المكافأة) هو جزء من الحلّ. بعض الجهات المنضوية في هذا الصراع متورطة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وينبغي أن تخضع للعقوبات. وتمسّ الحاجة الى إقرار الحظر على الأسلحة، الذي طال انتظاره ولكنه قيد النظر في مجلس الأمن. وفي وسع الاتحاد الأفريقي أن يأخذ زمام المبادرة، وأن يرسل قوات إضافية لحماية المدنيين. ويملك الاتحاد الأفريقي قوات احتياط لهذا النوع من الأزمات. فعدد قوات حفظ السلام الدولية (عديدها 12.000) في جنوب السودان غير كاف.

الأذكياء.. الأغبياء!


لم يكن الفيلسوف الفرنسي الساخر (برتراند راسل) بعيداً عن الحقيقة حين أطلق قولته الفلسفية الشهيرة (الأغبياء على يقين)! الرجل كان يحاكم العديد من حقائق الواقع في الحياة، وللمفارقات فكأنما كان الرجل يشير بطرف أصبعيه إلى القوى
التي تعبث بأمن و استقرار العالم وكأنها قطعة ارض صغيرة، تملكها و تلعب لها بأطراف أصابعها!
ولا شك أن مقولة (راسل) هذه تناسب العديد من المؤامرات الدولية التى تتم حياكتها بقدر من المكر والدهاء ولكن حالما يتم الفراغ من وضع آخر لمساتها تبدأ ثغرات الأخطاء بالظهور و تتكاثر ويتسع نطاقها، بحيث يتسع الرتق على الراتق كما يقولون. إنشاء دولة جنوب السودان واحداً من النماذج الصارخة التى تمت بما يشبه المؤامرات الدولية وسوء النية لتفضي بكاملها ولم يمر على التجربة نصف عقد من الزمان عن كارثة أمنية وإنسانية بالغة التعقيد.
الصراع الدامي و الأحداث الجارية الآن في دولة الجنوب لم تكن سوى نتاج لتفكير (أحادي الجانب) من قبل ذات هذه القوى الدولية التى اعتقدت أن الصراع الجنوبي مع السودان، صراع هوية و ثقافة و ديانة، ومن ثم فإن أفضل طريقة لمعالجته إنما تكون بإنشاء دولة جنوبية مستقلة!
إسرائيل ربما كانت تنظر إلى الأمر من زاوية مصالحها الخاصة لها وحدها، فهي ترى السودان كواحد من الدول الناهضة تحيط بها عبارة (دويلات) صغيرة ضعيفة ومنهكة بالحروب والصراعات, ويعزز هذه الفرضية محاضرة (آفي ديختر) وزير الأمن الإسرائيلي الأشهر في سنوات سابقة التى كشف فيها عن خطة تقسيم السودان إلى دويلات. أما الولايات المتحدة  الضامنة لأمن إسرائيل فهي كانت وما تزال  تنفذ الأفكار الإسرائيلية بالحرف ولكن أحداً من الطرفين لم يكن قد فكر بعمق في المكونات الاثنية الجنوبية و إمكانية تعايشها و احتمالها لبعضها! الصراع الجنوبي الجنوبي بدا أمراً مفاجئاً ومدهشاً للولايات المتحدة وإسرائيل وبقية الدول الأوروبية، فالفرقاء الجنوبيين لم يعطوا الفرصة لهذه القوى الدولية لكي ترسم خططها! إذ أن أي إقليم سوداني آخر شاهد أهله ما جرى في دولة جنوب السودان لن يخاطر مطلقاً بخوض ذات التجربة ولدينا اسطع دليل على ذلك، أن الأصوات الجنوبية نفسها بدأت ترتفع الآن و تتصاعد وهي تطالب بوحدة الدولتين!
مواطني دولة الجنوب الذي يلم يهنئوا بدولتهم و لم تذوقوا أمناً ولا استقراراً ولا خبزاً ولا مياه صالحة للشرب ولا صحة، ولا تعليم، رفعوا أصواتهم منادين بوحدة السودان بعد فوات الأوان! أدركوا للتو، أن التنوع أمر حيوي واستراتيجي لنهوض الأمم و استقرارها. ولكن الغريب أن الولايات المتحدة و إسرائيل ورغم كل ما بدا لهم واضحاً الآن جراء عدم الجدوى السياسية والأمنية من وراء إنشاء دولة الجنوب ما يزالوا يقدمون لدعم للحركة الشعبية قطاع الشمال و الحركات الدارفورية المسلحة!
واشنطن التى ما تزال تعتمد في كل أمورها الخاصة بالجنوب على السودان من إجلاء الرعايا و محاولة رأب الصدع بين الفرقاء في جوبا والمساعدات الانسانية ما تزال تدعم قطاع الشمال و الحركات السودانية المسلحة لتكرار ذات التجربة ! لا أحد يدري من أين كانت تتسقي هذه القوى الدولية يقينها وذكاءها بأن تجربة قيام دويلات سودانية تجربة ذات عائد أمني و سياسي لها وللمنطقة؟
 ربما يقول قائل غن الأمر يتعلق هنا بنظرية الفوضى الخلاقة ولكن ما يدحض هذه الحجة أن المجتمع الدولي يعيش قلقاً بالغاً حيال الصراع، خاصة بعدما اكتشف أن الصراع حتى لو انتهى بين الرئيس كير ونائبه مشار فهو لن ينتهي بين بقية المكونات الاثنية في دولة الجنوب على المدى القريب. بذرة التناقض بين هذه المكونات موجودة ومن الصعب أن يتخلى المجتمع الدولي عن النيران المشتعلة في المنطقة والتى قد تمتد إلى دول الجوار و تلتهم في طريقها بقية مصالح هذه القوى الدولية .
ترى ما مدى تناسب مقولة (راسل) مع ما خططت له إدارة بوش الابن وواصلت فيه إدارة أوباما وأوصل الجميع هذه النقطة الحرجة؟

نداء السودان في باريس .. البحث عن مخرج


للمرة الثالثة، تجتمع قوي نداء السودان في العاصمة الفرنسية باريس، بدعوة من مركز دراسات وبحضور قوي دولية وإقليمية كان من المفترض أن ينطلق الاجتماع أمس الاثنين، إلا أن تأخر وصول بعض
أعضاء المجلس العشريني (لنداء السودان) لباريس أسهم في تأجل انطلاق الاجتماع إلي اليوم الثلاثاء.
وصلت قيادات من تحالف قوي (نداء السودان) إلي العاصمة الفرنسية باريس، يوم أمس، لحضور اجتماعات تنطلق من (18 يوليو وتستمر حتي 23 من الشهر الحالي)، إلا إن تأخر  وصول بعض أعضاء المجلس العشرين للنداء، أخر انطلاق لاجتماع وبرغم ذلك عقد الحضور اجتماعاً غير رسمي، علمت (السوداني) تفاصيله؛ حيث ناقش الموجودين آخر التطورات الخاصة بخارطة الطريق، وشددوا علي اتخاذ موقف موحد بشأنها وبحثوا أهمية إكمال هيكل (نداء السودان)، وتسمية أعضاء  المكاتب المختلفة، ورسم خطة عمل  للمقاومة الجماهيرية إضافة إلي تكوين لجنة سميت بـ(صندوق التحرير) تعني بجمع المساهمات المالية من السودانيين.
اليوم سيناقش الاجتماع بعد اكتمال أعضائه، مقترح رئيس الآلية  الأفريقية رفيعة المستوي ثابو إمبيكي المتعلق بخارطة الطريق، والنظر في المستجدات الداخلية والخارجية، واستكمال العمل لتطوير التحالف، وحسم مقررات باريس وأديس أبابا الأخيرة، ومعالجة عدم تنفيذ خطة العمل.
ويعتبر هذا الاجتماع الرابع لقوي نداء السودان في العاصمة الفرنسية باريس، وأتت الدعوة من مدير مركز الحوار الإنساني السيد إيغور هودسون لقوي نداء السودان بمكوناته المختلفة لاجتماع عاجل حدد مكانه في مركز الدراسات الإنساني والذي يتكفل بكل التبعات المالية واللوجستية، في الفترة من 18/23 يوليو الجاري.
القوي الدولية في الطاولة
سيشارك في اجتماع بصفة مراقبين كل من المبعوث الأمريكي للسودان وجنوب السودان دونالد بوث، والمبعوث النرويجي والبريطاني ممثلين لدول التروكيا، وسيشارك في الاجتماعات كذلك ممثلون لدول الاتحاد الأوربي وألمانيا.
مؤخراً ظل المجتمع الدولي يمارس ضغوطاً كثيفة لحمل الأطراف المعارضة للتوقيع علي خارطة الطريق، وقال دونالد بوث عقب لقائه بمسؤولين حكوميين الشهر الماضي إن المعارضة ستوقع علي خارطة الطريق، كما رجح رئيس حزب الأمة القومي الإمام الصادق المهدي توقيع المعارضة علي خارطة الطريق بأديس أبابا، وكان التعجيل بالتوقيع لازماً، سيما وأن السادس من أغسطس المقبل هو الموعد الذي حددته آلية الحوار الوطني لانعقاد الجمعية العمومية وإجازة مخرجات الحوار الوطني.
الوصول والانقسام
وانقسمت المعارضة بالداخل حيال المشاركة في اجتماع (نداء السودان) بباريس، 18-23 الجاري، وأكدت سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عدم مشاركة الحزب في اجتماع "نداء السودان" وقال في بيان لها: "شاركنا قوي الإجماع في اجتماعها المنعقد بخصوص حضور اجتماع نداء السودان بباريس، وللأسف لم نتواصل لقرار المشاركة في الاجتماع"، وأضاف "عليه نحن في ظل عدم التوصل لقرار رغم رأينا بالمشاركة في الاجتماع، إلا أننا لن نشارك حفاظاً علي قوي الإجماع الوطني"

جواز أفريقي


تم رسمياً إطلاق جواز السفر الأفريقي في قمة كيجالي بما يمثل خطوة سياسية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية هامة في إطار تحقيق مبدأ حرية التنقل بين دول القارة، ويقتصر الجواز الآن على رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية والممثلين الدائمين للبعثات
والدول، ويتوقع أن يحظى كل مواطن أفريقي بجواز سفر أفريقي عام 2018م، ويتبع ذلك إلغاء كامل للتأشيرة بين الدول الأفريقية قبل أو في عام 2020م، لقد تم إنجاز هذه الفكرة التي أجيزت ابتداء من عام 2014م، ضمن منظومة أجندة 2063م للقارة الأفريقية.
(2)
ويمثل إطلاق الجواز الأفريقي خطوة اقتصادية هامة لكونه يحرر حركة التجارة والإندماج الاجتماعي ويتجاوز القيود الإدارية والبيروقراطية التي تقلل من فرص التواصل الاقتصادي والاجتماعي بين المجتمعات الأفريقية، أن هذه الخطوة تسهم في حركة البضائع وتوفر الخدمات وترقية التجارة والحركة السياحية بين الدول الأفريقية، ومن جانب آخر فإن هذه الخطوة تشكل اجتيازاً للحواجز السياسية والتباعد بين ابناء القارة بسبب تراكمات سياسية أإلبها (استعمارية)، خلقت جفوة بين دول القارة وبين الشعوب وأدت إلى تقليص التواصل الاجتماعي والتلاقي الثقافي وبناء نسيج اجتماعي متماسك حيث عاشت المجموعات الافريقية في شبه عزلة سياسية واجتماعية واقتصادية، وتحرير حركة التنقل تمثل خطوة كبيرة في اتجاه إزالة وإذابة أسباب التباعد وخلق روح جديدة تتجاوز الحدود المصنوعة.
(3)
ولابد أن تأتي هذه الخطوة ضمن رؤية كلية للوحدة بين دول القارة، لقد استنزفت صراعات الحدود المفتعلة الكثير من طاقات وقدرات القارة الافريقية، كما أن الإجراءات الروتينية والمقيدة للحركة قسمت القارة إلى شمال وجنوب وشرق وغرب وكيانات متباعدة، قللت من فرص الاستفادة من التجارب الاقتصادية وتحقيق النهضة السياسية والاجتماعية الشاملة، ويتطلب كل ذلك إرادة سياسية ورؤية مستقبلية مدركة للتحديات ويبدو أن ذلك توجه واعد.

الثلاثاء، 19 يوليو 2016

دولة الجنوب... الثمار الدولية المريرة للتآمر ضد السودان!


 لم يكن أمراً مستغرباً أن تصل الأوضاع في دولة جنوب السودان -وهي بعد دولة وليدة- إلى ما وصلت اليه الآن، ولن يكون مستغرباً أن تصل إلى ما هو أسوأ في المستقبل القريب حقاً وسيظل غريباً لعقود وقرون طويلة جداً أن قوى دولية تزعم أنها ذكية و مدركة ولها إرادة قوية، اعتقدت ان بالإمكان  قيام دولة جنوبية مستقلة و محترمة، و قادرة على النهوض والتطور. وما من شك أن هذه القوى الدولية التى علمت على فصل جنوب السودان وفى مقدمتها الولايات المتحدة ثبت الآن أنها أغبى بكثير من ان يهابها البعض أو يعتقد أنها دولاً متقدمة.
الصراع الجنوبي الجنوبي الذي إنطلق بصفة رسمية بين الرئيس سلفا كير ونائبه مشار لم يكن سوى جبل الجليد لصراع عميق في النسيج الإثني للدولة الوليدة. الفصائل المعارضة في دولة جنوب السودان جميعها تعاني أزمة ثقة و أزمة هوية بين مكوناتها. الاتفاق بين مشار وكير لم يلب طموحات هذه المكونات ولا طموحات الشعب الجنوبي فهناك فساد مريع لم يسلم منه حتى مكتب الرئيس ممثلاً في زوجة الرئيس كير (ماري إيني) التى استولت على ملايين الدولارات من شركة اتصالات! الأزمة الراهنة في دولة الجنوب تتمثل في عدة أمور رئيسة تكشف جمعيها عن أن المؤامرات الدولية التى حيكت ضد السودان وما تزال تحاك إنما هي مؤامرات غبية و ضارة حتى بمن قاموا بحياكتها.
أولاً، لقد ثبت أن اختلاف الهوية او الثقافة ما بين السودان في عمومه والجنوب السوداني لم يكن سبباً منطقياً وموضوعياً لفصل الجنوب وإنشاء دولة مستقلة فيه. فأزمة الهوية زادت و اتسعت رقعتها. لقد فات على القوى الدولية ان المجتمع القبلي الجنوبي المحلي هناك أعقد و أشد تناقضاً فيما بينه بحيث يستحيل ان يتعايش هؤلاء تعايشاً سلمياً. بمعنى أوضح فإن صراع الهوية المفتعل بين السودان وجنوبه تحول بطريقة دراماتيكية إلى صراع هوية داخلي واشد ضراوة من أي صراع آخر .لقد كان محض تفكير سطحي و ساذج أن حل أزمة الصراع بين السودان وجنوبه بفصل الجنوب، فقد بات يتعين تقسيم الجنوب نفسه لتنشئ كل قبيلة دولة خاصة بها!
ثانياً، ثبت أيضاً ان الفرقاء الجنوبيين -بما في ذلك الحركة الشعبية نفسها- ليسوا على قدر المسئولية وأن كل النخب الجنوبية التي ظلت تعتقد أنها ذات شعور بالمسئولية ثبت أنها فاسدة و ترتكز على مكوناتها لقبلية و هؤلاء ليسوا أهلاً للقيام بمهام إنشاء الدولة والمحافظة على استقرارها بدليل ان الوليدة حتى هذه اللحظة لم تتجه لإنشاء جيش وطني محترف، و لم تنجح في المحافظة على البنية التحتية التى وجدوها في دولتهم.
ثالثاً، إن تفكير الولايات المتحدة الذي يسير خلف أمن دولة اسرائيل قادها إلى إنشاء بؤر حروب وفساد في مناطق مهمة من العالم و تعتبر دولة جنوب السودان نموذجاً لهذا الخلل الاستراتيجي المهول. إذ ما من شك ان الدولة الصهيونية وضعت خطة إستراتيجية لتقسيم السودان (محاضرة آفي ديختر) الشهيرة قبل سنوات بتقسيم السودان إلى 5 دويلات! وما من شك أن فصل جنوب السودان هو مقدمة لهذا التقسيم ولكن ثبت أن فصل الجنوب ضرره الأمني و الاستراتيجي أكبر بكثير من ما كانوا يتصورون!
رابعاً، رغم كل ا خلفه فصل الجنوب من أضرار أمنية ما تزال متفاقمة فإن ذات القوى الدولية التى عملت على فصله -للمفارقات- ما تزال تعتمد اعتماداً رئيساً على السودان (الدولة الأم) في محاولة حلحلة الأوضاع المتصاعدة في جوبا؛ إجلاء الرعايا الأجانب، التفاوض والتوسط بين الطرفين المتصارعين، استقبال اللاجئين، المساعدات الانسانية! المجتمع الدولي لم يزد عن الضغط على السودان و تحميله أعباء إضافية على ما هو عليه من أجل محاولة إعادة الاستقرار إلى الجنوب!
هل عقل أن يتحمل السودان كل هذا العبء، بعد أن تحمل لعقود حرباً أهلية طويلة؟ إن أزمة دولة الجنوب أزمة وقع في شباكها المجتمع الدولي، فقد قام بسذاجة بالغة بالسعي لفصل الجنوب وهو (يجهل) غاية الجهل طبيعة هذه الدولة الجنوبية. دولة لا تملك مقومات دولة، وحركة شعبية تصادف أنها هي التى عليها ان تحكم طالما أنها كانت هل التى تحمل السلاح. و الأمر المحزن ان القوى الدولية التى فعلت كل ذلك وقفت الآن عاجزة عجزاً مضحكاً عن الضغط على حلفائها الذين رعتهم منذ الحرب وأوصلتهم إلى الدولة!
ما تزال القوى الدولية الكبرى غير قادرة على السيطرة على قادة الحركة الشعبية الذين كانوا بالأمس القريب يجلسون الساعات الطوال ويستمعون إلى مسئولي هذه القوى الدولية. لقد صنعت هذه القوى الدولية بعبعاً مخيفاً تحول إلى خطر مخيف ينذر بتهديد السلم والأمن الدوليين ومع ذلك ما تزال ذات القوى الدولية تحاول دعم قطاع الشمال وحركات دارفور المسلحة

السودانيون بدولة الجنوب .. العودة من جحيم الحرب


بدأت الجمعة رحلات إجلاء المواطنين السودانيين من مدينة جوبا بدولة جنوب السودان ، بعد ما تم حصر وتسجيل أكثر من (2) ألف سوداني يرغبون في العودة الطوعية للبلاد.وتوقع السفير حاج ماجد سوار الأمين العام لجهاز شئون العاملين بالخارج مقرر اللجنة العليا
لمتابعة أوضاع السودانيين بمناطق النزاعات تسيير ثلاثة إلى أربعة رحلات يومية للإجلاء، مشيراً إلى إستمرار تواصلهم وتنسيقهم مع السفارة والمواطنين السودانيين بجوبا بعد الصراع الأخير بالجنوب، كاشفاً عن عرض خطة الإجلاء على اللجنة الفنية ومتابعة أوضاع السودانيين ببقية مدن دولة الجنوب.وأوضح سوار إن الوجود السوداني بجوبا يقدر ببعض الألاف وأغلبهم يعملون بالتجارة وبعض المنظمات، مؤكداً متابعة اللجنة وشروعها بالتنسيق مع السفارة في حصر وتسجيل الراغبين في العودة الطوعية من جوبا، مبيناً أن عمليات التسجيل فاقت حتى يوم الأربعاء ألفي مواطن سوداني.
والجمعة الماضي حطت طائرة تتبع لشركة "الأجنحة الذهبية" بمطار الخرطوم وهي تحمل عدد 78 شخصا من السودانيين العائدين للخرطوم من جحيم الأوضاع بمدينة جوبا، كدفعة أولى تبعتها دفعة ثانية في الثانية والنصف بعدد 50 شخصا آخرين على أن تستكمل الدفعات إلى أربع في أول يوم لعملية الإجلاء التي تستمر حتى غدٍ الأحد لتنقل 4 آلاف مواطن سوداني من عاصمة دولة جنوب السودان التي احترقت حرباً.
وضجت صالة الحج والعمرة بالقادمين وسط استقبال استثنائي اجهش فيه الكثير من العائدين نساء ورجالا بالدموع فرحا بالعودة للبلاد والنجاة من الموت المحقق الذي كان يترصدهم في القتال الذي دار بعاصمة حكومة الجنوب. وشهد اليوم الأول وصول أصحاب الأولوية من الأسر وكبار السن والحالات الخاصة تحسبا لأي طارئ بشأن تجدد الاشتباكات بالمدينة وكان الخاسر الأكبر من حرب "جوبا" بين قوات مشار وسلفاكير هم التجار السودانيين الذي يقدر عددهم بقرابة الـ(500) شخص بعد أن فاقت خسائرهم مليارات الجنيهات ومقتل وإصابة البعض منهم بحسب ما أفاد به زملاؤهم العائدين وأجمع غالبية العائدين بعدم العودة مجددا إلى جوبا مهما كلف الأمر لجهة ما سموه غياب الأمن والقانون هناك وسرد بعض القادمين وقائع وتفاصيل مأساوية خلال تلك الانفلاتات وقالوا إنهم عاشوا "كابوسا" وأياما "لا عادها الله".ولم تستبطئ الحكومة استعدادها لإجلاء أكثر من ثلاثة آلاف من رعاياها الراغبين في العودة إلى بلادهم، من جميع مدن دولة جنوب السودان. بل زادت من وتيرة الإجلاء، وقال وزير الدولة برئاسة مجلس الوزراء، جمال محمود في مؤتمر صحفي، إن الرحلة الأولى خُصصت للأسر والضعفاء وستليها أربع رحلات. وأكد مواصلة الجهود من قبل بعثة السفارة السودانية بمدينة جوبا، بجانب اللجان التي كونت لهذا الغرض حتى يكون كل السودانيين في مأمن وذلك تمهيداً لإجلائهم، لافتاً إلى أن حكومة الجنوب قد أبدت تعاوناً ملحوظاً في هذا الشأن.
وأشار الأمين العام لجهاز المغتربين السفير حاج ماجد سوار إلى أنهم اكتسبوا خبرات في إدارة الأزمات خاصة تلك التي تتعلق بعمليات الإجلاء بدءا من إجلاء السودانيين من سوريا ولبنان والأردن واليمن ومن ثم جوبا، مؤكدا تواصل العمليات إلى إجلاء آخر سوداني في الجنوب، مشيرا إلى حرصهم على سلامة وأمن كافة السودانيين بالخارج، والعمل على تذليل كافة العقبات التي تعترض طريقهم، ووجه سوار غرفة العمليات بالانعقاد الدائم طوال الأربع والعشرين ساعة توقع سوار الأمين العام لجهاز شؤون العاملين بالخارج السفير حاج ماجد، مقرر اللجنة، تسيير ثلاث إلى أربع رحلات يومية للإجلاء، مشيراً إلى استمرار تواصلهم وتنسيقهم مع السفارة والمواطنين السودانيين بجوبا بعد الصراع الأخير بالجنوب، كاشفاً عن عرض خطة الإجلاء على اللجنة الفنية ومتابعة أوضاع السودانيين ببقية مدن دولة الجنوب.وقال مدير إدارة الجاليات رئيس غرفة عمليات إجلاء السودانيين من مدينة جوبا الرشيد عبد اللطيف، إنه تم إجلاء عدد 128 شخصا إلى الخرطوم في رحلتين عبر طائرات مستأجرة من شركة "الأجنحة الذهبية" للطيران، وأشار إلى أن الخطوة تأتي في إطار خطة اللجنة بتنسيق مع السفارة السودانية بالجنوب بعد توجيهات من رئاسة الجمهورية في ضرورة الحفاظ على أرواح وسلامة السودانيين هناك. وأوضح الرشيد في تصريحات صحفية بمطار الخرطوم أمس أنه سيتم إجلاء كافة السودانيين المسجلين والذي قال إن عددهم قد ارتفع إلى 4 آلاف شخص بعد تسجيل 300 من مدينة توريت خلال ثلاثة أيام بتسيير 4 رحلات يومية، ونبه الرشيد إلى أن الرحلات الأوائل كانت أعطت الأولوية للأسر وكبار السن وأصحاب الحالات الحرجة تحسبا لأي مستجدات يمكن أن تطرأ على مستوى الأوضاع بالجنوب .

الأحد، 17 يوليو 2016

إلا مدينة رسول االله- هاني عسل


 يا إلهي!!
من كان يصدق أن يأتي يوم يضرب فيه الإرهاب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
اعتدنا على التفجيرات والعمليات الإرهابية في بغداد ودمشق وحلب وعدن، ومن قبلها القاهرة والعريش والدار البيضاء وسوسة، بل ووقعت تفجيرات سابقة في مدن سعودية، ولكن، لم يتخيل أي منا أن يقع انفجار أو هجوم انتحاري على بعد أمتار قليلة من قبر سيد الخلق وروضته الشريفة المكتوب عليها قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي”؟
أي نوع من البشر هذا الذي يجرؤ على القيام بعمل إجرامي كهذا في أطهر وأشرف بقعة على وجه الأرض؟
هل من قام بهذا العمل الحقير يمكن أن يكون مسلما حقا؟ هل هو إنسان؟ أم حيوان؟ أم ربما شيطان؟ هل يجرؤ الشيطان نفسه على ذلك؟
أي إسلام هذا الذي يحلل لهؤلاء قتل وإيذاء وترويع سكان المدينة وزائري مسجد الرسول؟
ترى ما الذي يقوله رسول الله لهؤلاء في قبره الآن، وهو الذي يسمع تحية كل من زاره ويرد له السلام بالمثل؟ ماذا يقول أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ المدفونان إلى جواره؟ وماذا يقول آل البيت وأهل البقيع؟
لقد اعتاد الزائر للمدينة على إحساس إيماني ونوراني لا يمكن وصفه أو التعبير عنه بالكلمات، لا يشعر به إلا من زار هذه البقعة الطاهرة المقدسة بنفسه، لدرجة أن المرء يخفف وطء قدميه وهو يسير في طرقاتها، تيقنا منه أن هذه الأرض هي نفسها التي سار عليها ذات يوم أشرف الخلق وصحابته الكرام رضي الله عنهم.
إن الزائر ليثرب ليستحيي من ارتكاب أي ذنب اثناء وجوده بها، بداية من فحش القول أو الغيبة والنميمة والنظرة الحرام، ومرورا بإلقاء الفضلات والبصق على الأرض، ونهاية بالتدخين، إدراكا منه أنه لا يليق أن يفعل ذلك في حضرة رسول الله.
إن الزائر لـ«طيبة» ليستحيي أن ينادي المؤذن للصلاة من مسجد رسول الله فلا يلبي النداء، أيا كان مكانه في المدينة، ومهما كانت مشاغله. إلى أي صنف من المخلوقات ينتمي هؤلاء الذين نفذوا هذا العمل الإجرامي الحقير؟
كيف تجرأ الواحد منهم على مجرد دخول أسوار الساحة الخارجية للمسجد النبوي وهو يضمر السوء لصاحب المسجد وحراسه وضيوفه؟
أيا كانت مصالح منفذي الحادث أو أهدافه، هل يمكن أن تكون هذه المصالح أو الأهداف على حساب تدنيس مدينة رسول الله وترويع زائريها؟ هل يمكن أن يكون عمل وضيع كهذا “جهادا في سبيل الله” أو نصرة للإسلام؟
طبعا لا يمكن فصل ما حدث عن خلفيات كثيرة لها علاقة بالتوتر السعودي الإيراني، والأزمة التي افتعلتها إيران بسبب موسم الحج المقبل، ولا عن الموقف السعودي تجاه ما يجري في العراق من تفجيرات وصراعات سياسية، ولا عن موقف الرياض من أحداث الحرب في سوريا، ولا من الوضع في لبنان، ولا عن موقف الرياض الداعم بقوة لمصر بعد ثورة 30 يونيو.
وإذا كانت تلك الجريمة الحقيرة قد استهدفت بصفة أساسية توجيه ضربة مؤلمة إلى اقتصاد المملكة في موسم عمرة العشر الأواخر من رمضان الذي يقترب زحامه من زحام موسم الحج، فإن وقوعها في توقيت متتابع مع عمليتين أخريين في جدة والقطيف معناه أن هناك رسالة سياسية “فاجرة” يتم توجيهها إلى المملكة، مفادها أن حربا قد بدأت، حربا قذرة، يراد لها أن تكون طائفية، لا إنسانية فيها ولا مقدسات ولا خطوط حمراء.
.. الطف بنا يا الله.

السبت، 16 يوليو 2016

دولة الكيان الصهيوني ... طلب مستحيل للإنضمام الأفريقي


في الشهور الماضية، تحركت إسرائيل على جميع المحاور للانضمام إلى الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب، مستغله احتياجات بعض الدول الإفريقية لإقامة علاقتها متشعبة معهم، ويقود هذا التحرك الدبلوماسي الرئيس الإسرائيلي «رؤوفين ريفلين» طالبًا في كل مقابلة
ولقاء مع زعيم إفريقي مساعدة بلاده لانضمام حكومة الاحتلال إلى الاتحاد الافريقي، الأمر الذي يرفضه عدد من الدول الإقليمية بالقارة على رأسها مصر والمغرب والجزائر.
كان آخر اللقاءات التي طالب الرئيس الإسرائيلي فيها بالانضمام للاتحاد الإفريقي، خلال لقائه برئيسة ليبيريا قبل ثلاثة أسابيع، التي تعهدت الأخيرة من خلال علاقتها بمساعدته في هذا الأمر، كما توجه ريفلين إلى ساحل العاج ليؤكد رغبة إسرائيل مجددًا في الحصول على مكانة مراقب بالاتحاد الإفريقي.ولم تبتعد كثيرا جولة نتنياهو الإفريقية عن هذه الحملة، فمن الواضح أن الجولة الصهيونية والتي شملت زيارة إثيوبيا، التي تحتضن مقر الاتحاد الإفريقي، وكان من بين الإغراءات الإسرائيلية للحكومة الإثيوبية اصطحاب رئيس الاحتلال 40 شركة إسرائيلية خلال زيارته لكسب مزيد من الدعم الإثيوبي في التوسع الإسرائيلي بإفريقيا مقابل مشاركة عدد من الشركات الإسرائيلية في مشاريع استثمارية ضخمة في إديس ابابا.

رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتانياهو، تمكن في محطته الإفريقية الأخيرة من الحصول على دعم إثيوبيا لمنح بلاده صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي. واعتبر رئيس الوزراء الإثيوبي، وفقا لتلفزيون "فرنسا 24"، أنه ليس هناك مبرر لحرمان إسرائيل من هذه الصفة، لكونها تعمل "بجهد كبير" في عدد من الدول الأفريقية. وقال رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ميريام ديسالين في مؤتمر صحافي مشترك مع نتانياهو: "إن إسرائيل تعمل بجهد كبير في عدد من البلدان الأفريقية، وليس هناك أي سبب لحرمانها من وضع المراقب". وأضاف "نريد أن تصبح إسرائيل جزءا من نظامنا الأفريقي، نأخذ موقفاً مبدئياً بجعل إسرائيل جزءاً من اتحادنا".

لكن لماذا تريد إسرائيل الحصول على عضوية الاتحاد الإفريقي؟ صحيفة “معاريف” العبرية أجابت على هذا السؤال بقولها إن دخول إسرائيل مظلة الاتحاد الإفريقي، سيكون له عدد من المزايا، موضحة أن “القارة السمراء تضم 54 دولة لهذا فحصول تل أبيب على دعم عشرات الدول الإفريقية وتأييد سياستها سيمثل أمر ذو أهمية استراتيجية كبيرة لها”.ولفتت إلى أن “علاقات تل أبيب بالمحافل الدولية ستكون المستفيدة الأولى من عضوية الاتحاد؛ ففي الماضي نجحت الدول العربية وعلى رأسها مصر في استمالة مواقف الدول الإفريقية للتضامن مع القضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي سيكون صعبا في ظل تواجد إسرائيل بالاتحاد”.وأشارت إلى أن”عضوية إسرائيل في الاتحاد الإفريقي لن تكون فقط عائقا أمام المساعي العربية للوقوف ضد تل أبيب ومناصرة الفلسطينيين في القارة السمراء؛ بل وستجبر الأخيرين على التوصل لاتفاق سلام مع تل أبيب”، مضيفة أن “بنيامين نتنياهو رئيس حكومة تل أبيب أعلن خلال جولته الإفريقية الأخير أن إسرائيل لديها الأن عدد من الفرص لتقريب دول القارة السمراء منها، وهي الدول التي اعتادت في الماضي دعم الجانب العربي والفلسطيني فيما يتعلق بالصراع مع تل أبيب، إلا أن في وقتنا الحالي تهتم هذه الدول بإقامة علاقات مع إسرائيل”.وقالت إن “تواجد إسرائيل في الاتحاد الإفريقي سيمهد الطريق لاتفاق سلام مع الفلسطينيين، وستدفع رام الله إلى التوقف عن اللجوء للحلبة الدولية كملجأ لهم وستضطر للتناقش مع تل أبيب على أساس ثنائي”، مضيفة أن “من بين المزايا التي ستحصل عليها تل أبيب كعضوة بالاتحاد هو الاستفادة من كتلة التصويت الإفريقية الضخمة التي تضم 54 دولة فى المحافل الدولية لتأييد القرارات التى فى مصلحة إسرائيل”.

عموما فأن مطالبة بعض الدول الإفريقية بانضمام إسرائيل إلى عضوية الاتحاد الإفريقي، غير واردة قانونياً، وهي مجرد استهلاك إعلامي ليس إلا". فإسرائيل ليست دولة أفريقية، والاتحاد الإفريقي واتفاقية تأسيسه الأولى في المنظمة الافريقية عام 1963، قبل أن يتحول إلى اتحاد في قمة سرت، لا تشير إلى امكانية دخول أعضاء من خارج القارة الإفريقية". و"ميثاق الاتحاد الافريقي يحدد شروط العضوية، وبالتالي مطالبات البعض بدخول هذه الدولة أو تلك إلى الاتحاد، تتناقض مع الميثاق، والحديث عن انضمام إسرائيل مجرد استهلاك إعلامي ليس إلا". وعليه فإذا كانت دولة الاحتلال( إسرائيل) تريد أن تعيش في سلام وتتواصل مع العالم، عليها أن تعطي الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمة القدس".و السودان ملتزم بالمبادرة العربية التي أطلقها العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، ووافق عليها العرب في قمة بيروت عام 2002".

عملاء في ثياب قضاة.. قصة الدمار العدليّ الشامل في لاهاي!


لمن ظلوا يتابعون بدأب ومثابرة خطوات ما يسمى بحكمة الجنايات الدولية ومنذ وضع ميثاق روما  العالم 1998م و حتى مباشرتها رسمياً لأعمالها عام 2003 فإن ما كشفت عنه صحيفة (ذي لندن إيفنينق بوست) -عبر وثائق دامغة- من رشاوي
وعمليات فساد تحت المائدة وتحت مطرقة العدالة في المحكمة في لاهاي يصبح مجرد حلقة من حلقات أسوأ تجربة قضائية دولية شهدها العالم في تاريخه الحديث المتحضر!
الصحيفة البريطانية تحدثت بمداد دامي عن رشا تلقتها القاضية (سيلفيا اردي فورمندي) والمدعي العام السابق (لويس مورينو أوكامبو) والمدعية الحالي (فاتو بنسودا) ، وضعت ما تبقى من نقاط فوق حروف المحكمة التى اتضح بجلاء الآن أنها لم تكن سوى (قطاع خاص) يعمل في مضمار العدالة الاستخبارية!
الأزمة التى تجاوزت مستوى الفضيحة ربما تطيح برؤوس هؤلاء المرتشين أو تفقدهم مناصبهم إذا ما تم تحقيق جدي و نزيه وربما تجعل من هؤلاء المفسدين الدوليين متهمين تاريخين تأنف الأنوف و تعف الألسن من ذكر سيرتهم وهم بهذا القدر من القذارة و الوضاعة، ولكن بنظرة خاطفة إلى الوراء قليلاً فإن أزمة المحكمة الجنائية الدولية كما قلنا لم تبدأ قط ساعة نشر هذه الوثائق المدمرة ولا ساعة إجراء التحويلات لتحويل الأموال الضخمة (17 مليون دولار) لحسابهم بطريقة سرية وهم يعتقدون أنهم (آمنون) من الانكشاف والفضيحة.
الأزمة -استراتيجياً- بدأت منذ أن تبين للولايات المتحدة أواخر العام 1998 أن العالم و الأوروبيين على وجه الخصوص عاقدين العزم على إنشاء قضاء جنائي دولي لملاحقة مجرمي الحرب. حينها بدأت تحركات أجهزة المخابرات الامريكية بخفة وذكاء لاستباق الدنيا بأسرها و (شراء قضاة) يعملون لصالح مصالحها!
لم تكن دولة مثل الولايات المتحدة ذات سجل إجرامي معروف ولها مصالح دولية مهمة معروفة لتدع أمراً كهذا يمضي وفق تخطيط الآخرين، إذ أن عليها أن تحكم سيطرتها على قضاة المحكمة منذ البداية ومنذ اللحظة الأولى. فهي دون شك سوف تحتاج لتصفية الكثير من الحسابات و تحتاج لترسيخ حماية ربيبتها إسرائيل التى لا يكف قادتها عن إرتكاب جرائم بشعة للغاية بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
وعلى ذلك فإن المعلومات التى كانت قد رشحت حينها -عام 1998م- ولم ينتبه لها الكثيرون إن واشنطن ظلت تعمل في صمت و سرية للبحث عن (قضاة) يعلمون لحسابها من أجل تحقيق هدفين اثنين فقط: الأول الائتمار بأمرها في مواجهة من تريد ملاحقتهم عبر أنحاء العالم وبحسب مزاجها ومصالحها. الثاني، الحيلولة دون القيام بأي إجراء يلحق ضرراً بإسرائيل المعروفة بجرائم تستوجب ملاحقتها.
ولم تكن مهمة واشنطن صعبة فقد توجهت تلقاء أمريكا الجنوبية وهناك وجدت بغيتها في شخصين بسهولة مدهشة (لويس أوكامبو) المحامي المشهور بعلاقاته النسائية المحب للخمر، الذي هو على شفير الإفلاس والتطلع إلى الثروة والشهرة؛ والقاضية (سيلفيا اردي) والتى تضاربت الروايات بشأنها وعن كيفية الوصول إليها ولكنها تطابقت بكونها تجمعها (صلة ما) بلويس أوكامبو!
ولم يستغرق الأمر سنوات، فقط بضعة أشهر وجرى الاتفاق تفصيلاً على كل شيء، ولهذا فإن توجيهات المحكمة منذ بداية عملها عام 2003 ولم تكن تحتاج لشرح، وتصريحات أوكامبو وتحركاته وإخفاقاته المتكررة لم تكن في حاجة لتحليل.
كان واضحاً أن محكمة الجنايات الدولية لم تكن سوى (قلعة عملاء أمريكيين). الخطأ القاتل المؤسف في طرقة اختيارهم أن ذكاءهم القانوني والاستخباري كان دون الوسط! أما كيف ظهرت الآن هذه الوثائق وتدهور الأمر حتى أصحبت المحكمة موضعاً للسخرية الدولية فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والهزة التى أحدثها هذا الخروج والتداعيات المرتقبة مرّغت أنف واشنطن و أطاحت بالمحكمة و تحول قضاتها الأجلاء إلى متهمين مدانين منذ الوهلة الأولى ولا سبيل لإثبات براءتهم!

خطة فصل الجنوب.. تقرير تشريح متأخر وحسرة غير مجدية!


ربما مثل القلق العميق الذي ظل يدفع المجتمع الدولي بإستمرار للوقوف على أطراف أصابعه متوجساً مما قد تحمله الأحداث المتفجرة في دولة جنوب السودان وآخرها حادثة القصر الرئاسي التى سقط جراءها المئات من الضحايا؛ ربما مثل هذا القلق
المفجع جزء يسير من حالة الندم والحسرة التى بدأت تحيط بالذين عملوا على فصل دولة الجنوب وصناعة الحركة الشعبية.
دورية الشرق الأدنى، وهي دورية أمريكية متخصصة تهتم بالأوضاع في الشرق أوردت في 17 مايو الماضي مقالاً مثيراً للشفقة من جهة ومثيراً في ذات الوقت للاستغراب من جهة أخرى.
الكاتب ذي التوجه اليميني المتطرف المعروف (نات فيرجسون) تناول باستفاضة الأوضاع السياسية والأمنية و الاقتصادية في دولة جنوب السودان، وبطبيعة الحال لم يكن المقال ليهمّنا في شيء لو أنه اقتصر على الأوضاع المزرية في الدولة الوليدة، فهي نتاج طبيعي لتخطيط من خططوا لهذه الدولة بسطحية وسذاجة و أعتقدوا أن الحركة الشعبية مؤهلة لإدارتها هم الآن يتجرعون مرارة حصادهم؛ ولكن ما يهمنا في المقال، أن الكاتب وجد نفسه مضطراً -وهذا ببيت القصيد الذي لا مناص منه- للحديث عن الحركة الشعبية قطاع الشمال، باعتبارها (ظلاً) للحركة الجنوبية الأم.
الكاتب وصف الحركة قطاع الشمال بأنها (صناعة سياسية عقائدية غير ناضجة) إبان فترة الحرب الباردة! كما أن دواخلها كانت تضج بخليط من أصحاب المصالح المشتركة، واستغلت جهل اللوبي الكنسي الغربي بالتركيبة العقائدية والإثنية للمكون العسكري والسياسي لقادتهم، مما دفعهم إلى تقديم دعم مالي وسياسي ساهم في تفكيك وإفساد مكوناتها إلى إثنيات!
الكاتب قال بصريح العبارة إن القس (سيرجي) الذي أتيحت له فرصة العمل في السودان لأكثر من 25 عاماً كان الأعلى صوتاً وأكثر إصراراً حين انعقد المؤتمر الشهير لدعم فصل الجنوب قبل عقد اتفاقية نيفاشا، وهو مؤتمر عقد في (ألينوي) الامريكية لهذا الغرض على أن انفصال الجنوب سيكون (كارثة) على الكنيسة بكل طوائفها قبل أن يكون واقعاً مادياً أو وسيلة ضغط على الشمال المسلم المتماسك. القس سيرجي بحسب الكاتب قال إن وجود الجنوب تحت إدارة الشمال المسلم هو الضمانة الوحيدة لاستمرار تدفق المسيحية في شرايين القبائل الجنوبية التى لا يجمعها إلا إرث طويل من الحروب!
ويبدي الكاتب حسرته الشديدة على (صرخات) القس سيرجي التي لم تجد أدنى أذن صاغية والآن وبعد فوات الأوان بدأ اليمين المسيحي (يتحسر) على عدم إصغائه للناصح المسيحي الصالح! والواقع إنه و مع أن مشروع فصل دولة جنوب السودان لم يعد موضع لأي خلاف حلو فشله الذريع، بعد مرور أكثر من 6 أعوام عالية حتى الآن، إلا أن ما يمكن استخلاصه من هذا (الاعتراف المتأخر) بالفشل عدة أمور:
أولاً، إن خطط ومشروعات اليمين المسيحي المتطرف خاصة في حقبة الرئيس الأمريكي (بوش الابن) كلها وإن بدت في حينها برامقة إلا أنها كانت تحمل في جوفها بذرة فشلها سوءا تمثل ذلك في فصل جنوب السودان أو معاقبة السودان ووضعه في قائمة الدول الراعية للإرهاب، أو محاصرة وغزو العراق أو غيرها من القرارات الغبية الغاشمة.
ثانياً، إن السودان مع كل ذلك قادر على مداواة جراحه لو تركته الدول الكبرى و شأنه و تعاملت معه بمنطق عقلاني رشيد وبعدالة طبيعية دون زيادة أو نقصان.
ثالثاً، إن السودان سيظل دون أدنى شك صاحب القدح المعلى في الإسهام في إعادة إصلاح الشأن الجنوبي سواء بحكم خبرته بمكوناته المختلفة أو لكونه الأكثر إداركاً لطبيعة النزاع. و على كلٍ فإن الأمر بالفعل يمكن اعتباره بمثابة إقرار جزئي متأخر باختلال الرؤى الغربية حيال أوضاع المنطقة ومدى الظلم الذي ألحق بالسودان!

الأربعاء، 13 يوليو 2016

دلالات زيارة نتنياهو الأفريقية



زيارة بدأها رئيس الوزراء الإسرائيلي من 4 يوليو وحتى 8 يوليو 2016م إلى الدول الإفريقية المحيطة بمصر والسودان، دشّنها بزيارة خاطفة إلى أوغندا وكينيا ثم زيارة رواندا، ويختتم الزيارة بعاصمة الاتحاد الإفريقي أديس أبابا وتقديم طلب منح اسرائيل صفة المراقب في المنظمة.
لهذه الزيارات دلالات عديدة، منها أن إسرائيل نسجت خيوطها جيدا في الحديقة الخلفية للدول العربية، واستطاعت احتواء الدول الأفريقية لصالحها لأول مرة من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك أن دولة الكيان الصهيوني أقنعت الأفارقة أخيرا أنها ليست كيانا إمبرياليا استيطانيا كما كان يروج اليسار الأفريقي في الستينات بسبب دعم اسرائيل لحكومة البيض العنصرية في جنوب افريقيا، ودعم إسرائيل للأنظمة الرجعية، مثل نظام الإمبراطور الحبشي هيلاسيلاسي. فإسرائيل في العقدين الأخيرين اتجهت لتحسين صورتها في أفريقيا فقامت اسرائيل بمد يد العون للدول الأفريقية والاستثمار فيها رغم أن عوائق الاستثمار فيها كبيرة؛ بينما تخلى عن الأفارقة جيرانهم العرب ليستثمروا أموالهم في شراء أندية كرة القدم في بريطانيا وفرنسا وأسبانيا.
فالدول الإفريقية أصبحت تنظر إلى مصالحها؛ فالأفارقة الذين وقفوا مع مصر والدول العربية في حروب الستينات والسبعينات قبضوا الهواء. فدول الطوق العربي استسلمت للكيان الصهيوني في «كامب ديفيد» و «وادي عربة»، وأقرت أن إسرائيل أصبحت أمرًا واقعًا وبقية الدول العربية اتجهت بالإجماع لقبول «مبادرة السلام العربية» التي قدمها ولي العهد السعودي آنذاك، فهد بن عبد العزيز، 1982، ثم ولي عهده، عبد الله بن عبدالعزيز، 2002. وفي نفس وقت التردد العربي، وجد القادة الأفارقة أن إسرائيل تعلن استعدادها لتزويدهم في مناطق الصراعات بالسلاح رغما عن القانون الدولي، وأنها تبدي استعدادها لنقل تقنيات الإنتاج الزراعي والحيواني الحديثة مجانا للأفارقة مقابل اعتراف الدول الافريقية بالكيان الصهيوني.
ما الذي يريده نتنياهو من زيارته الإفريقية؟
1. مياه النيل
الهدف الأساسي لزيارة نتنياهو الأفريقية هو مياه النيل، حيث تصر إسرائيل على حرمان مصر من الاستفادة من هذا النهر بكل الطرق. فرغم أن الحكومة المصرية الحالية مطبِّعة مع إسرائيل وملتزمة ببنود اتفاقية كامب ديفيد؛ إلا أن الإسرائيليين على قناعة أن الشارع المصري معادٍ لهم، وأنه إذا تم تغيير هذه الحكومة أو أرادت حكومة السيسي كسب ثقة الشارع فإن أقصر الطرق لذلك يكون على حساب العلاقة مع إسرائيل، وتجربة المجلس العسكري في 2012م خير شاهد. فالجيش أثناء حكمه غازل مشاعر الشارع بعدة طرق منها إلغاء اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل، وكذلك فعل الرئيس محمد حسني مبارك عندما استدعى السفير المصري في إسرائيل أثناء انتفاضة 2000م رضوخا لضغط الشارع.
فإسرائيل تعتقد أنها عبر إقامة علاقات قوية مع دول المنبع تقوم بابتزاز النخب المصرية الحاكمة المتعاقبة بأن أي تقليص أو إلغاء للعلاقة مع اسرائيل سيكون على حساب نهر النيل. فأي اهتزاز في علاقة مصر مع إسرائيل يعني دعم الكيان الصهيوني لعملية تمويل سدود جديدة في النهر الخالد وتحويل مصر إلى صحراء جرداء.
2. تعزيز الاضطرابات في السودان
السودان هو هاجس الكيان الصهيوني الكبير بعد عراق صدام حسين الذي كان يملك النفط والزراعة. ورغم أن السودان لا يملك ثروة نفطية كبيرة غير أن موارده الطبيعية وأراضيه الزراعية وانفتاحه على 8 دول تُفشل أي محاولة لحصاره؛ وأي استقرار في السودان هو تهديد جدي للكيان الصهيوني بإمكانية وجود اكتفاء ذاتي للدول العربية من المنتوجات الزراعية. فلو أن مصر مثلا زرعت مليون أو مليونيين فدان قمحا في شمال السودان لاستغنت تمامًا عن القمح الأمريكي والكندي. وكذلك الأمر يشمل السعودية، فرغم أنها تملك موارد مالية ضخمة إلا أنها في الأمن الغذائي تقع تحت رحمة الدول الكبرى، فيمكن أن يتم الضغط عليها بآلية «النفط مقابل الغذاء» كما فعلوا مع الرئيس صدام حسين، إذا ما خرجت المملكة عن تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة. فوجود السودان بجانب السعودية هو تهديد حقيقي لإمكانية استخدام هذا الابتزاز لو حصل لا قدر الله، إذا تم استثمار زراعي سعودي في السودان.
الغريب في هذا التآمر الإسرائيلي على السودان أن الحكومة السودانية وافقت على «مبادرة السلام العربية» في 2002م، وشارك مبعوث رئاسي سوداني في مشاورات أنابوليس في 2007م، وأظهر وزير الخارجية السوداني مرونة في إمكانية التطبيع الأحادي معها؛ لكن إسرائيل تصر إصرارًا على تفكيك السودان وتستضيف مكاتب حركات التمرد الدرافورية، وكانت سابقا داعما خفيا لتمرد جنوب السودان، وتولّت تسليحه منذ عام 1967م عندما أعلنت الخرطوم لاءاتها الثلاث، وأيدت الرئيس الراحل عبد الناصر.
3. بيع السلاح الإسرائيلي للأفارقة
تمثل السوق الإفريقية سوقا واعدة لتجار السلاح الصهاينة. فمشاكل القارة السمراء لا تنتهي، ونزاعاتها العرقية والاثنية والدينية لا تنطفئ، ولذلك فبيع السلاح الاسرائيلي للأفارقة هو تجارة مربحة للإسرائيلين. وقد ظهر السلاح الإسرائيلي في عدد من النزاعات الإفريقية الأخيرية، منها: حرب جزيرة حنيش بين إريتريا واليمن، حيث كان للسلاح الإسرائيلي الفتاك الذي كان بحوزة القوات الإريترية دورا مهما في رجحان كفتها على القوات اليمنية. وكذلك ظهر السلاح الإسرائيلي في الحرب الأهلية الدامية في جنوب السودان منذ عام 2013م، وكان سببا رئيسيا في صمود قوات الرئيس سلفاكير أمام تمرد قوي وعنيف قاده نائبه رياك مشار واستطاع عبر السلاح الاسرائيلي إحداث توازن مع التمرد واستمرت سيطرته على المدن الرئيسية في جنوب السودان.
وكذلك كان للسلاح الإسرائيلي دور بارز في تدعيم حكومة نيجيريا لصد هجمات بوكو حرام. وكان لمكالمة هاتفية اسرائيلية بين نتنياهو والسيد غودلاك جونثان، رئيس نيجيريا السابق، هدده فيها بأإسرائيل ستمتنع عن تسليح الجيش النيجيري دور بارز في إفشال نيجيريا في مجلس الأمن لمشروع قرار يدعو للاعتراف بالدولة الفلسطينية واعتبار الوجود الإسرائيلي في أراضي 67 احتلالا. وهذا الامتناع عن التصويت من نيجيريا هو مخالفة صريحة لقرار الاتحاد الافريقي الداعم للدولة الفلسطينية .
4. طمع إسرائيل في ثروات أفريقيا
دائما ما كان القادة الأفارقة يتحدثون في قممهم المتتالية أن خير افريقيا لا تستفيد منه أفريقيا بل دول خارج القارة. فالثروات الافريقية من بترول ومعادن هي تحت سيطرة الشركات الغربية الكبرى بعقود ظالمة وشروط جزائية كبيرة. وإسرائيل عندما تستثمر فيأافريقيا تدرك أنها تستثمر في مستنقع فساد، وهذا الفساد هو الحامي الرئيسي لاستثماراتها، فعبره يحقق المستثمرون الإسرائيليون أكبر الأرباح بأقل المجهودات. و أكثر ما تحب أن تستثمر فيه دولة الكيان الصهيوني في أفريقيا هو الثروة المعدنية، وخصوصا الذهب والنحاس، وكذلك التنقيب عن الماس واليورانيوم، حيث أن استخراج هذه المعادن من أفريقيا أرخص كثيرًا من دول أخرى.
5. تقليص النفوذ الإيراني والتركي
إسرائيل اليوم تعتبر جمهورية إيران هي المنافس الإقليمي الأول لها، حيث أن النفوذ السياسي والعسكري الإيراني يحيط بالكيان الصهيوني. وإيران هي من أكثر الدول استثمارًا في أفريقيا ونزاعاتها، ومن أكثرها دعما لحكوماتها. والدول الأفريقية كانت دائما تجد الجمهورية الإسلامية حليفا لها، واستطاع النظام الإيراني كسب نفوذ في دول مثل دول القرن الافريقي، وأثيوبيا، وحتى جنوب السودان، والجزائر. وكل هذا تعتبره دولة الكيان الصهيوني مهددا لها. ولذلك، فوجود إسرائيل القوي في أفريقيا سيشكل سدا للنفوذ الإيراني، والاستثمارات المالية الايرانية لن يضاهي نفوذها سوى استثمارات إسرائيل الكبرى في أفريقيا.
والأمر ينطبق على تركيا بدرجة أقل. فرغم أن النظام التركي تصالح مع إسرائيل لأسباب اقتصادية؛ إلا أن الخلاف بين البلدين في وجهات النظر لا زال مستمرا. وتركيا هي من الدول ذات الرصيد الاستثماري الكبير في أفريقيا، ولها دور كبير في تأهيل كثير من الكوادر الافريقية في السنين الأخيرة؛ إلا أن إسرائيل غير مرتاحة للنفوذ التركي، كونها تعتقد أن هذا النفوذ هو خطر مستقبلي عليها وعلى مصالحها. فمثلا، القاعدة العسكرية التركية في الصومال، ورغم أن عدد جنود القاعدة المفترضين ليس كبيرًا (حوالي 200 جندي)، ومهمة القاعدة الأساسية هي تدريب قوات الجيش الصومالي، إلا أن وجودها في خليج عدن هو إعلان أن تركيا أصبحت تتقاسم النفوذ في هذا الممر المائي الهام؛ إضافة إلى جملة القواعد العسكرية المعلنة والسرية في القرن الافريقي الأمريكية والفرنسية والإسرائيلية والايرانية.
ما الذي يجب على الدول العربية فعله؟
للأسف الشديد، جُبل العرب على التفكير الآني واللحظي، ولا زالوا يرفضون التفكير الاستراتيجي. فالدول الشرقية والغربية تضع خططا من اليوم وتصورات لوضعها عام 2030 و 2050م، ودولنا العربية أقصى مدى لخططها هو خمس سنوات، إن تم وضع خطط من الأساس.
على الدول العربية، وخصوصا مصر والسعودية، تعزيز استثماراتها في القارة السمراء وشراء نفوذ ومواطئ قدم فيها. فمصر مثلا تستطيع القيام بأدوار كبيرة في حل أزمات وحروب القارة الإفريقية، وعليها أن تتوقف قليلا عن النظر لأحداث الهلال الخصيب وتطوراته لتتجه لقارّتها في مبادرات صلح. ولمصر في نفوس الأفارقة عظيم الأثر؛ فهم يعتبرون الحضارة الفرعونية حضارة أفريقية، ويُكِنُّون لمصر عظيم الاحترام. فتدخلات مصرية إيجابية في حل نزاعات القارة أمر يدفع لنفوذ مصري في القارة.
وكذلك على الحكومة المصرية والسعودية الاستثمار في البنية التحتية في الدول الأفريقية. فمن العجيب مثلا أن يكون لشركة أوراسكوم المصرية في مجال الاتصالات أسهم في كوريا الشمالية في حين أنها تترك قارتها أفريقيا مسرحا لشركات الاتصالات العالمية مثل فودافون البريطانية وأورانج الفرنسية.
على الدول العربية الاتجاه لتصنيع السلاح بشكل حقيقي، ومحاولة كسب نفوذ عبر بيعه للأفارقة، وإنشاء مصانع حقيقية للسلاح لا مصانع تجميع القطع المنتشرة في الدول العربية. وهذا الأمر، إذا توفرت الإرادة السياسية، ليس مكلفا من الناحية المادية. فرغم أن موارد السودان قليلة نسبيا؛ إلا أنه اتجه لتصنيع سلاحه منذ 1998م، واستطاع تحقيق اكتفاء ذاتي في السلاح الخفيف والمتوسط. ولو لم يكن محاصرًا، ربما لكان استطاع الاكتفاء ذاتيا من السلاح الثقيل. واستطاع السودان تصدير سلاحه لمناطق النزاعات؛ ففي خطاب رسمي للرئيس السوداني قال أن السلاح الذي حسم المعركة ضد القذافي هو السلاح السوداني، وأن طرابلس تم إسقاطها عبر سلاح سوداني كامل. والسعودية (بمواردها المالية) ومصر (بمواردها البشرية) قادرتان على إنتاج سلاح عربي يضاهي السلاح الإسرائيلي والتركي والإيراني، وربما يتفوق عليهم. فليس سلاح الطيران هو السلاح الوحيد المهم، وهناك أسلحة كثيرة يمكن صناعتها محليًا وتصديرها مثل مضادات الدروع والمدفعية.
هذه الأفكار، وغيرها أفضل منها يمكن أن تتوصل إليه الدول العربية، بمقدورها أن تعيد أفريقيا إلى العرب، فقط إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك؛ فما الذي يمنعها؟!

الوجه القبيح للإغاثة الغربية


بقلم شعبان عبدالرحمن
عندما تحل المحن والكوارث تتدفق أفواج الإغاثة من كل حدب وصوب، لكن مافيا الاتجار بآلام الناس ومحنهم تتكاثر كما يتكاثر الذباب على الضحايا، متخذة شعارات إنسانية خادعة تسلب الألباب بدعايتها عن الرحمة والتراحم وحقوق الإنسان، ثم يفاجأ الناس بأن التبرعات الطائلة التي تجمعها تتحول مباشرة إلى حسابات خاصة بالبنوك، كما يفاجؤون بمنظمات ترفع شعارات الإنقاذ والإغاثة تتاجر في الضحايا أنفسهم.. في الأطفال والنساء، كما تتاجر حتى في قارورة الدواء وكسرة الخبز التي يتم تقديمها، إذ يتم تقديم إغاثات انتهت صلاحيتها وبفواتير باهظة يدفعها الخيرون لتلك المنظمات التي لا ترحم أحدًا. وبالطبع فإن هناك منظمات غربية تحترم رسالتها وتراعي ضميرها الإنساني وتركز عملها على إغاثة الناس دون أغراض أخرى، لكن قائمة مافيا الإغاثة تطول كما أن سجل المتاجرين بمحن وآلام المنكوبين متخم! ولا يستثنى من ذلك منظمات تطوعية أو منظمات دولية أو منظمات تابعة للأمم المتحدة التي اعترفت مؤخرًا بتورطها في توريد غذاء منتهي الصلاحية لإحدى المدن السورية المحاصرة، وتلك مصيبة كبري.
ففي سبتمبر الماضي تم التوصل في سوريا إلي اتفاق برعاية الأمم المتحدة لتخفيف الحصار عن مدينة الزبداني التي يسيطر عليها الجيش الحر، وقريتين شيعيتين تسيطر عليهما قوات النظام في شمال غرب البلاد. وبمقتضى هذا الاتفاق أرسلت الأمم المتحدة شحنة مساعدات تضم 650 صندوقًا من البسكويت عالي الطاقة فتبين أن نصف الشحنة منتهية الصلاحية أي فاسدة وبالتالي بدلًا من أن تغيث المحاصرين تقتلهم!
وقد اعترفت الأمم المتحدة بالواقعة وقال يعقوب الحلو، المنسق المقيم للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا: إنه «تم للأسف إبلاغ الأمم المتحدة أن 320 من أصل 650 صندوق بسكويت عالي الطاقة أرسلت إلى الزبداني ومضايا في إطار قافلة إغاثة في 18 أكتوبر من العام الجاري (2015م) كانت صلاحيتها منتهية بالفعل في سبتمبر 2015م»، وأضاف الحلو: «يمكننا أن نؤكد أن هذا كان نتيجة خطأ إنساني مؤسف خلال عملية التحميل». وتابع الحلو قائلًا: «وتجنبًا للمخاطر طلبنا من المجتمعات عزل البسكويت المنتهي الصلاحية، ونتخذ كل الإجراءات الممكنة لتعويض الشحنة في أقرب وقت ممكن».
ولم تكن تلك هي المرة الأولي التي تُكتشف فيها مواد إغاثية منتهية الصلاحية ضمن إغاثات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الغربية، لكن الملف متخم بوقائع وحوادث بل جرائم توريد أغذية ومواد إغاثية منتهية الصلاحية تارة ومشبعة بأشعة ذرية تارة، ولنترك الوثائق والشهود من داخل الغرب نفسه يتحدثون عن ذلك:
سادة الفقر
يقول جراهام هانكوك في كتابه «سادة الفقر» إن الغذاء المقدم من المجموعة الأوربية كهدية عادة ما تصحبه كثير من الشكاوى من المنتفعين، بناء على قول عضو البرلمان الأوربي «ريتشارد بالف» الذي قال: إنه من غير المقبول تمامًا أن نقوم بتصدير غذاء لا نأكله نحن أنفسنا. ويضيف الكاتب، في أعقاب انتشار الإشعاع الصادر عن حادث تشرنوبل في روسيا عام 1986م تحولت كميات من الأغذية الملوثة التي تعتبر غير قانونية في أوربا إلى شحنات إغاثة.
علاوة على ذلك في عام 1988م أجبرت مجموعة من الدول الإفريقية المسحوقة لرفض أغذية من المجموعة الأوربية لأنه ثبت أنها ملوثة تلوثًا خطيرًا، وينقل الكاتب مما قاله لآري سايمون المسؤول عن أوكسفام أميركا: في أوقات الكارثة تتدحرج إلينا كل أنواع القاذورات، حيث قدمت إحدى المنظمات التطوعية الأميركية الخاصة الغذاء للجوعى، 91 طنًّا من الأدوية والأغذية المنقذة للحياة إلى كمبوشيا إبان المجاعة الكبرى 1979-1980م، فكان الغذاء قديمًا لدرجة أن أصحاب حدائق الحيوان رفضوا إعطاءه لحيواناتهم، كما أن فعالية الأدوية كانت منتهية قبل خمس عشرة سنة! وقامت منظمات الإغاثة بشحن 800 حقيبة من أغذية الأطفال الفاسدة إلى معسكرات اللاجئين في هندوراس، كما شحنت 51 ألف طن من الأغذية الأوربية إلى مناطق موزمبيق المتأثرة بالمجاعة في إفريقيا، وعند وصول تلك الشحنة وجد أنها قديمة ومليئة بالحبوب المكسرة والأوساخ والطين وغير صالحة للاستهلاك، ومثال آخر شحنة من الذرة الشامية 62 ألف طن أرسلت كمساعدة إلى النيجر تبين بعد فحصها أنها لا يمكن أن تكون مقبولة حتى غذاء للحيوانات.
في سنة 1982م رفضت جيبوتي التي خربها الجفاف شحنة إغاثة من السوق الأوربية (974 ألف طن) التي كانت مصممة على فرض شحنتها الغذائية على الإفريقيين الجائعين بأي طريقة، وأخيرًا قبلت «زائير» الشحنة نفسها بعد عامين في 1984م.
وفي عام 1983م أوقفت المغرب استخدام 240 طنًّا من الشحوم لصناعة الصابون، تبين أن الزيت يحتوي على أربعة أضعاف لأعلى معدل جرثومي مسموح به، وفي العام نفسه أتلفت تونس 345 طنًّا من زيت شحوم أخرى أكثر خطورة لاحتوائه على نسبة عالية من البروكسيد ولتلوثه بالديدان في حين أن الشحوم الأوربية التي سمح ببيعها إلى ليبيا وهي دولة نفطية في عام 1986م وبسعر مخفض (16 بنسًا) كانت سليمة في صفقة تقدر بسبعة ملايين جنيه متضمنة 700 طن من لحوم مخفضة السعر.
إمبراطورية العقاقير
وقد ذكرت مجلة «الأوربية» الصادرة في بريطانيا عدد 27 سبتمبر 2001م تقريرًا عن بعض هذه الأخطاء، وأن الدوافع للمساعدات تنعش إمبراطورية العقاقير الدوائية وأوردت بعض الإحصائيات فقالت:
وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال الحرب الطاحنة في التسعينات مساعدات دوائية وطبية يعود تاريخ تصنيعها إلى الحرب العالمية الثانية!
حيث تؤكد منظمة «أطباء بلا حدود» أن60% من الأدوية التي وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال سنوات الحرب الأخيرة لم تكن صالحة، وبحسب بيانات المنظمة فإن 17 ألف طن منها لم يكن صالحًا أو موافقًا للمعايير العالمية وأن المتبرعين بها قد ربحوا 25 مليون دولار هي نفقات التخلص منها في بلادهم.
كما بلغت كلفة إتلاف المساعدات الدوائية غير الصالحة التي وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال سنوات الحرب (1992-1996م) قرابة 34 مليون دولار، بينما كانت قيمة هذه الأدوية الفاسدة في الكشوف الرسمية 17 مليار دولار بحسب تقديرات وتقارير منظمة أطباء بلا حدود.
منظمة «مشروع الأمل» الأميركية تبرعت لمتضرري حرب كوسوفا في ربيع عام 1999م بأدوية قيمتها المعلنة مليون ونصف المليون دولار، وعند فتح الصناديق في الميدان اكتشفت فرق الإغاثة أنها لم تكن أكثر من مواد تجميل وأقراص لتخفيف آلام الرأس.
كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن نصف الأدوية التي وصلت إلى متضرري حرب كوسوفا عام 1999م على هيئة مساعدات لم تكن صالحة بعد أن انتهت مدة صلاحيتها أو قاربت على الانتهاء.
إن حملات جمع التبرعات الدوائية في الدول الغربية والتي كانت تجرى لصالح البلدان المنكوبة في العالم الإسلامي كانت مناسبة انتهزتها بعض الشركات لتخليص مستودعاتها من العقاقير الدوائية الكاسدة والمتقادمة وغير المجدية.
وفي عام 2002م أرسلت الولايات المتحدة الأميركية عن طريق منظمة الغذاء العالمي التابعة لهيئة الأمم المتحدة 12 ألف طن من الذرة المعدلة وراثيًّا إلى زامبيا للتخفيف من آثار المجاعة، وعندما اكتشفت الحكومة الزامبية ذلك رفضت هذه المساعدات، وقال الرئيس الزامبي: أفضل أن يجوع الزامبيون ولا يأكلون أطعمة معدلة وراثيًّا!
وبعد أيام قلائل قبلت خمس دول إفريقية هذه المواد الغذائية المعدلة وراثيًّا بسبب شدة المجاعة.
وجه آخر لمافيا الإغاثة
ولنتوقف أمام بعض النماذج الصارخة من تلك المنظمات والمؤسسات التي ترفع شعار الإغاثة وتخفي خلف شعاراتها الإنسانية وجهًا قبيحًا يندي له الجبين الإنساني خجلًا:
في أواخر عام 1989م عندما وقعت البوسنة والهرسك على أيدي قوات الصرب التي ارتكبت بحق المسلمين أشرس حملة تطهير عرقي شهدتها أوربا في القرن العشرين، يومها هام أكثر من مليون ونصف المليون مسلم على وجوههم في الغابات والطرقات وداخل عربات القطارات والصالات الرياضية التي اتخذوها ملاجئ فرارًا من المذابح. حينها لاحت الفرصة للمنظمات الإغاثية الغربية المرتبطة بالكنيسة في جميع دول أوربا تقريبًا لتحاول التقاط هؤلاء اللاجئين المنكوبين، وبالفعل تدفقت هذه المنظمات إلى العاصمة الكرواتية «زغرب» حيث تجمع معظم اللاجئين البوسنيين، فكرواتيا تشترك مع البوسنة في حدود طويلة بل إن البلدين ظلا ضمن كيان واحد هو يوغوسلافيا الموحدة فترة طويلة امتدت لسبعين عامًا.
في تلك الآونة وخلال حرب التطهير العرقي الصربية ضد المسلمين كنت هناك أستطلع أبعاد تلك الكارثة التي حلت بمسلمي البوسنة. وتواترت الأنباء عن انعقاد مؤتمر إغاثي كبير في العاصمة الكرواتية زغرب شاركت فيه كل دول أوربا تقريبًا بزعم إنقاذ أهل البوسنة وإغاثتهم. وقد حضرت ذلك المؤتمر الذي افتتحه يومها رئيس الوزراء الكرواتي لكنني فوجئت بغياب سياسي أوربي واضح عن ذلك المؤتمر، بينما كان كل الحاضرين قساوسة وكرادلة يمثلون كل الطوائف المسيحية في أوربا، جاؤوا لاقتسام الغنيمة وبحث سبل التعامل مع هذا العدد الهائل من اللاجئين المسلمين ولم يكن هناك مسلم واحد يمثل أهل البوسنة سوى مسؤول بوسني وحيد حضر على استحياء، لكن وجود الشيخ جمال قطب مندوب شيخ الأزهر في ذلك الوقت الشيخ جاد الحق علي جاد الحق يرحمه الله ضمن وفد إغاثي مصري كسر حدة الموقف، حيث جلس بعمامته البيضاء بين عشرات القساوسة بعمائمهم السوداء مثل مفاجأة لهم حيث صدرت امتعاضات خافتة من بعضهم.
يومها استقر النقاش في ذلك المؤتمر على توجيه كل الإغاثات المرصودة من الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني الغربية إلى الكنائس لتقوم بتنظيم توزيعها وفق أجندتها.
وتحولت الكنائس في كرواتيا إلي ملاجئ للمسلمين وأماكن لتوزيع الإغاثة والبقية معروفة وهي اصطياد هؤلاء المنكوبين ومحاولة خلعهم من دينهم، تلك هي فلسفة الإغاثة الغربية في معظمها، لا شيء يقدم مجانًا وإنما بمقابل والمقابل المطلوب من المسلم هو عقيدته.. وهكذا يتكرر السيناريو نفسه مع كل محنة وكارثة تنزل بالمسلمين في أقطار الأرض، وما يلاقيه اللاجئون السوريون في أوربا اليوم مثال واضح.
وغني عن البيان أن هناك منظمات تمارس عملها الإغاثي بمهنية وضمير مهني إنساني راقٍ تكرس كل رسالتها للإغاثة وإنقاذ الضحايا بغض النظر عن دينهم.
كارثة تسونامي
وعندما اجتاحت كارثة تسونامي 13 دولة مطلة على المحيط الهندي في 24 ديسمبر 2004م كانت إندونيسيا من أكثر الدول المنكوبة، حيث فقدت نحو 285 ألف قتيل ومفقود وفق الحصيلة النهائية الصادرة عن وزارة الصحة الإندونيسية.
وعاشت إندونيسيا يومها أزمة حقيقية، حيث تسللت إلى هناك عشرات المؤسسات الخيرية الغربية، منها ما وصل للإغاثة ومنها ما هرع للتنصير أو خطف الأطفال وبيعهم في أسواق التجارة.
وقد أكدت الأمم المتحدة وجود مؤشرات على ذلك، ونقلت برايت لوند هينركسن، رئيسة وحدة حماية الأطفال باليونيسيف في إندونيسيا، عن الشرطة الإندونيسية تأكيدها ضبط حالة اتجار في طفل عمره أربعة أعوام.
ونسبت هينركسن إلى أحد العمال في منظمة غير حكومية مشاهدته لنحو 100 طفل رضيع تم نقلهم بقارب سريع في منتصف الليل في إقليم آتشيه (أكثر الأقاليم الإندونيسية المنكوبة). كما نقلت صحيفة واشنطن بوست الأميركية في عدد 13 يناير 2005م عن فينون بريوير رئيس منظمة وورلد هلب World Help التنصيرية العالمية الأميركية قوله في أحد المؤتمرات الصحافية، إن منظمته نقلت نحو 300 يتيم إلى خارج آتشيه، لكنه حاول نفي ذلك فيما بعد دون جدوى.
وقد أكد الأمين العام للمجلس الإندونيسي للعلماء د. زين شمس الدين معلنًا أنه شاهد متطوعي تلك المنظمة ينتشرون في آتشيه لاصطياد الأيتام.
وهو ما يعد دليلًا قويًّا على أن كثيرًا من منظمات الإغاثة الغربية تتجشم الصعاب بالذهاب إلى مناطق الكوارث والأزمات ليس بدافع الإغاثة وإنما بهدف التنصير عن طريق الإغاثة!
أطفال دارفور
لكن ما جري في دارفور منذ سنوات يعد مثالًا فجًّا ومفزعًا على عقلية التجارة في محن الناس والتكسب من آلامهم وتكديس الثروات على أشلائهم ومحاولة سرقة عقيدتهم بل وحشد الضغوط السياسية لسرقة وطنهم، ولم يعد الأمر سرًّا فقد كشفت الوقائع على الأرض والوثائق وشهادات المسؤولين السودانيين بأدلة دامغة أن معظم منظمات الإغاثة الغربية تدفقت إلى هناك بدافع التجسس والتنصير والاتجار في الأطفال وتحويل تلك المحنة الإنسانية إلى سوق تجارية من جانب وصفقة سياسية لابتزاز السودان ومساومته على مواقفه المعارضة للسياسات الغربية من جانب آخر.
وللتدليل على ذلك نتوقف أمام أشهر منظمتين غربيتين تعملان هناك:
الأولى: منظمة «أرش دو زوي» Arche de Zoé، والثانية: منظمة «التحالف من أجل إنقاذ دارفور» save darfour.
فمنظمة «أرش دو زوي» بمعنى قوس الحياة، هي منظمة فرنسية غير حكومية أسسها رجل الإطفاء الفرنسي أريك بروتو، في يناير 2005م برزت على السطح في إندونيسيا خلال كارثة تسونامي التي حدثت قبل تأسيس تلك المنظمة بشهر واحد (ديسمبر 2004م). وقد أحاطت تلك المنظمة نفسها منذ نشأتها بهالة من الدعاية عن دورها الإنساني الكبير في العناية بالأطفال المنكوبين وحازت بناء على تلك الدعاية ثقة قطاعات عريضة من المهتمين بالعمل الإغاثي في الغرب، وانخدع بتلك الدعاية العديد من الأنظمة في الشرق. فعند تأسيسها أعلنت تلك المنظمة أن هدفها هو إغاثة ضحايا إعصار تسونامي من الأطفال الإندونيسيين. كما قدمت نفسها عبر موقعها الإلكتروني على أنها منظمة غير ربحية تعمل لصالح اليتامى، لكن تلك المنظمة ظلت متخفية وراء شعاراتها البراقة عن العناية بالطفولة حتى تم اكتشاف حقيقة أنشطتها وأهدافها عندما تم ضبطها متلبسة بسرقة 103 من أطفال دارفور عند الحدود السودانية التشادية. فبعد انتهاء مهمتها في إندونيسيا بين الأطفال ضحايا تسونامي دون أن ينكشف شيء من أمرها توجهت إلى دارفور وسط حملة دعائية مكثفة عن مهمتها الإنسانية الجديدة لإنقاذ أطفال دارفور واستحثت العالم الغربي على سرعة التحرك عبر شعار رفعته وروجت له كثيرًا وبطريقة مكثفة، يقول: «أنقذوا أطفال دارفور في الوقت المناسب فسيموتون خلال أشهر». وبالطبع فإنقاذًا لهؤلاء الأطفال من الهلاك أعلنت على موقعها في يونيو 2007م اعتزامها نقل ألف طفل من دارفور إلى فرنسا على مراحل.
شعارات ظاهرها الرحمة
وصدق العالم شعارات تلك المنظمة التي يقطر ظاهرها الرحمة ويخبئ باطنها إجرامًا ووحشية بحق هؤلاء الأطفال، فلم يعرف أحد بعد أنها تخفي وراء تلك الكلمات أغراضًا تجارية وربحية بشعة من خلال الاتجار بهؤلاء الأطفال وبيعهم في فرنسا وغيرها من الدول الأوربية، فقد عملت على تجميع مئات الأطفال بدعوى إنقاذهم من الحروب. وفي إحدى عملياتها التي تم ضبطها وبالتالي فضيحتها في العالم قامت بتجميع 103 من أطفال دارفور تتراوح أعمارهم بين سنة واحدة و8 سنوات في مدينة أبيشي شرقي تشاد تحت لافتة «يتامى دارفور»، وفي سرية تامة قامت تلك المنظمة بالاتصالات بعائلات أوربية من فرنسا وبلجيكا الراغبة في استضافة هؤلاء الأطفال وامتلاكهم، واتضح من الخطابات المتبادلة بين المنظمة والأسر التي يتم ترويج الأطفال لها أن عمليات البيع هي لأطفال «لاجئين» وليسوا «أيتامًا» يتم البحث عمن يتبناهم، فقد ثبت أن آباءهم معظمهم أحياء يرزقون، وسارت صفقة البيع في طريقها دون أن يكشفها أحد ودفعت كل أسرة تريد طفلًا ما بين 1500 و8 آلاف يورو عن الطفل، لكن العملية برمتها انكشفت في اللحظات الأخيــرة يــوم 27/10/2007م عندمــا كان الجناة على وشك الإقلاع من مطار أبيشي بصحبة أولئك الأطفال على متن طائرة بوينغ مؤجرة من شركة «جيرجيت» الإسبانية. وقامت السلطات التشادية باعتقال الضالعين فيها وهم: تسعة فرنسيين ستة منهم أعضاء في المنظمة ومن بينهم أريك بروتو رئيس المنظمة، وثلاثة من الصحافيين، إضافة إلى طاقم الطائرة الإسبانية المؤجرة وهم سبعة من الإسبان (ثلاثة رجال وأربع نساء).
يومها تفجرت فضيحة مدوية للمنظمة التي ظلت تخدع الناس بسمو أهدافها وتفانيها في إنقاذ الطفولة بينما تقوم في الحقيقة بإخراج هؤلاء الأطفال من محنة إلى محنة أشد وأكثر إيلامًا، محنة الاستعباد والتداول كالسلع بالضبط وفي غالب الأحيان ينتهي بهم المقام إلى المشارح لتقطيعهم وبيع أعضائهم قطعة قطعة!
الفضيحة طالت الحكومة الفرنسية على أوسع نطاق وقد حاولت التبرؤ منها في البداية ولكن دون جدوى، فقد شوهد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يتوجه بسرعة إلى تشاد ويعود إلى باريس في اليوم نفسه وبصحبته المتهمون الفرنسيون بعد أن ضغط على النظام التشادي لتسليمهم له وعدم تقديمهم للقضاء ثم تواردت الأدلة عن علم السلطات الفرنسية بتفاصيل أنشطة هذه المنظمة الإجرامية، فقد أكد مصدر أمني تشادي أن المتهمين كشفوا أن سيليسيا (زوجة الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت، مطلقته حاليًا) تدعم تلك المنظمة ثم اتضح أن الرئيس نفسه يدعمها بدليل تحركه بسرعة لإنقاذ المتهمين من المحاكمة في تشاد.
وكشفت صحيفة «لوموند» الفرنسـية أن وزيــرة الدولــة بالخارجية خاطبت منظمة «أرش زو»، قبل انكشاف فضيحتها بثلاثة أشهر، خاطبتها لمساندة المنظمات الناشطة في مجال العمل الإنساني! ذلك ما ظهر وانكشف عن تلك المنظمة وما خفي كان أعظم.
المنظمات الغربية في دارفور
ولم تكن تلك المنظمة الفرنسية الوحيدة التي تقوم بنشاط مشبوه بين أبناء دارفور، وإنما هناك العشرات بل مئات المنظمات الغربية الأخرى تقوم بأنشطة مشابهة وتصول وتجول هناك تحت ستار الإغاثة، والإغاثة منها براء. ويبلغ تعدادها 258 منظمة أجنبية تضم حوالى 15 ألف عضو وهي تعمل – بالإضافة لعملها في دارفور – بين اللاجئين ومنهم حوالى 200 ألف نسمة يعيشون في تشاد على الحدود مع دارفور!
وتقول مصادر سودانية رسمية إن تلك المنظمات حصلت على إعفاءات جمركية تزيد عن 350 مليون دولار خاصة باستيراد الآليات.
ذلك في الوقت الذي لم يتجاوز وجود المنظمات الإسلامية غير السودانية 12.5% من عدد المنظمات العاملة هناك، وقد وصلت تلك المنظمات إلى المنطقة متأخرة عن المنظمات الغربية التي احتكرت مناطق تواجدها وتمنع غيرها من الدخول إلا بإذن منها.
وأثناء زيارة للسودان كشف لي مسؤول رفيع – خلال حوار مطول عن دارفور – أن عددًا من الدول التي وعدت بتقديم إغاثات عاجلة لدارفور لم توفِ بما وعدت ومنها دول عربية، وذلك استجابة للضغط الأجنبي حتى يتم إفساح المجال للإغاثة الغربية لتنفذ أجندتها الخاصة، كما كشف ذلك المسؤول أن سفيرًا أجنبيًّا في إحدى الدول العربية حاول الضغط على إحدى الجهات الإغاثية الكبرى التي سيرت عددًا من القوافل الإغاثية الجوية إلى دارفور بألا تقوم بتوصيل هذه الإغاثات إلى دارفور مباشرة والاكتفاء بتوصيلها إلى الخرطوم! والمعلوم أن الخرطوم تبعد عن دارفور آلاف الكيلومترات، وقد رفضت تلك الجهة بشدة طلب ذلك السفير ولو أجابت طلبه لتعرضت تلك الإغاثات إلى التلف ولتأخر وصولها أسابيع عديدة.. ماذا يريدون بالضبط من دارفور التي يتباكون عليها، هل فعلًا يريدون إغاثتها؟!
وتؤكد الوقائع الماثلة على الأرض أن تلك المنظمات الكثيرة المتزاحمة هناك لم تكن لإغاثة دارفور، فليس لمعوناتها أثر واضح على أهل دارفور بل إن برنامج الغذاء العالمي أعلن أن أغلب المانحين الغربيين لم يلتزموا بتعهداتهم تجاه دارفور، الأمر الذي يضع علامات استفهام كثيرة أمام الهدف من تواجد تلك المنظمات الغربية ودورها هناك.. هل حقًّا للإغاثة أم لتحقيق أجندات أخرى بعيدة عن الإغاثة والتراحم؟!
وقد لعبت المنظمات الإغاثية الغربية دورًا كبيرًا في تغذية الاضطرابات في السودان، منذ اندلاع أول تمرد عسكري في جنوب السودان عام 1955م، مرورًا بكل دورات الحرب الأهلية في الجنوب من عام 1962م وحتى 1983م، وما حدث في جبال النوبة، وانتهاء بما جري في دارفور.
ويرجع السبب في التركيز الغربي على السودان إلى امتلاكه لثروات طبيعية ضخمة ثم ظهور النفط بقوة، إضافة إلى العديد من الثروات المعدنية الأخرى أبرزها اليورانيوم والنحاس في دارفور، كما أن السودان معروف تاريخيًّا وجغرافيًّا بأنه بوابة الإسلام إلى العمق الإفريقي، لذا فقد كانت محاولة إغلاق تلك البوابة الهدف الأكبر للكنيسة العالمية.
ولذلك تم التخطيط بدهاء لإغراق السودان في غابة كثيفة من المشكلات والحروب الداخلية وفي الوقت نفسه مواصلة الضغط الغربي والدولي لمحاولة تركيعه وقبوله للأجندة الغربية والدخول في حظيرة المشروع الغربي الاستعماري، لكنه رفض وفضل المقاومة والصمود في ساحات تلك المعركة الطويلة.
الحرب على الإغاثة الإسلامية
من جهة أخرى فإنه في الوقت الذي يتم فيه إطلاق العنان للمنظمات والمؤسسات الغربية الإغاثية لتصول وتجول في بلادنا، وتمارس عمليات التنصير والخطف للمنكوبين في كل أرض مسلمة حلت بها كارثة يشن الغرب حملة شرسة ضد العمل الإغاثي الإسلامي، متهمًا إياه بتمويل الإرهاب. وقد قطعت تلك الحملة شوطًا كبيرًا في تجفيف الكثير من منابع العمل الخيري الإسلامي في كثير من بلاد العالم الإسلامي، ومن يتابع النشاط الإغاثي الخيري الإسلامي المنطلق من بلدان العالم الإسلامي إلى المناطق الإسلامية المنكوبة يجد أنه أصبح يعاني تضييقًا شديدًا سواء من السلطات المحلية التي تتعرض بدورها لضغوط متواصلة من الغرب أو من الحكومات التي توجد هذه المنظمات على أرضها لإغاثة شعبها، وقد أسفرت تلك الحملة عن طرد معظم المنظمات الإغاثية الإسلامية من باكستان وأفغانستان وبنجلاديش وكشمير والشيشان وغيرها، كما تم إغلاق مشاريعها التعليمية والاجتماعية والإغاثية التي يشهد الناس لها بأنها انتشلتهم من محنة حقيقية.
كما أن هذه المنظمات والمؤسسات تعاني الملاحقة داخل بلاد منشؤها من الحكومات التابعة لها بسبب الضغوط الغربية المتواصلة على تلك الحكومات، وقد تم وضع عراقيل ومعوقات كبيرة أمام نشاطها وحركتها سواء في تلقي التبرعات من الجماهير أو توصيل تلك التبرعات لمستحقيها في الأماكن الفقيرة من العالم.
حصار شديد
وقد روى لي عدد من قيادات العمل الخيري من أصحاب الخبرة الواسعة في العمل الإغاثي (رفضوا ذكر أسمائهم) أن مؤسساتهم تعاني من حصار شديد ومراقبات ومراجعات لسجلاتها ودفاترها من قبل وفود أمنية غربية، كما تعاني التضييق والمنع من العمل، برغم أن تلك المراجعات والمراقبات لم تسفر عن ضبط أي مخالفات لأنشطتها الإغاثية للمسلمين المنكوبين وأن العديد من المسؤولين في الدول التي يعملون بها أشادوا برسالتهم وبالإنجازات التي حققوها لكنهم عزوا موقفهم إلى الضغوط الغربية!
وهكذا تم شل العمل الإغاثي في كثير من المناطق والدول وما بقي من مؤسسات ذلك العمل فإنه يعمل تحت هواجس الخوف والاتهام بدعم وتمويل الإرهاب، كما أن بعض تلك المؤسسات الإغاثية الإسلامية اتجه للعمل تحت مظلة الحكومات، أي يقدمون ما لديهم من معونات مادية أو عينية للحكومات لتوزعها بمعرفتها، لكن النتيجة كما يؤكد معظم من تحدثت معهم أن جانبًا كبيرًا من تلك المعونات يضيع في الطريق حيث يذهب إلى جيوب المفسدين ولا تصل المعونات لمستحقيها كاملة.
وهكذا وبهذه الطريقة تم إفساح الطريق وإخلاء الميدان للمنظمات الإغاثية الغربية لتتحرك بكل حرية بين اللاجئين والمحتاجين المسلمين ليصيروا نهبًا لها!
ويقول أحد قيادات العمل الخيري: بعد حوالي 3 أسابيع من أحداث سبتمبر 2011م تم تشكيل فريق عمل من وكالات متعددة تحت اسم «عملية البحث الأخضر»، وهو اسم أطلقته وزارة المالية على حملة محاربة المؤسسات المالية الخيرية، ويتكون الفريق من خبراء ماليين من الوزارة ومن أفرع حكومية أخرى، واجتهد الفريق في تقصي كيفية التبرعات «الإسلامية فقط»! واستجيب له في توقيف 38 فردًا وتوجيه الاتهام إلى 26 آخرين وحجز حوالي 7 ملايين دولار داخل أميركا و16 مليون دولار عبارة عن تحويلات في طريقها إلى أوجه صرف مختلفة! وبعد أن نفخت هذه الجهات في أجهزة الإعلام وجعل العالم كله يلوك أخبار «تجميد الأموال للأفراد والمؤسسات الإسلامية داخل أميركا وأوربا»، بعد ذلك شعرت الإدارة الأميركية بتهيئة كافية للرأي العام العربي والإسلامي ليتقبل الخطوة القادمة – أو على الأقل يمكنه التعايش معها كأمر واقع! – فبدأت ترسل وفودًا أمنية للعواصم العربية والإسلامية بمطالب باهظة تدعو في محصلتها النهائية إلى تجفيف العمل الخيري، وتؤكد جميع البيانات والإحصاءات تجميد ما يزيد على 112 مليون دولار في كافة أنحاء العالم.
وبالطبع فإنها كلها أموال مسلمة، وليست العبرة بضخامة المبلغ أو ضآلته، إنما بالرمزية التي بدؤوا بها لتؤكد أن الإجراءات تطال كل الأنظمة في جميع أنحاء العالم.
حرية واسعة للمؤسسات الكنسية واليهودية
يقول أحد الخبراء بالعمل الخيري إنه مما يثير الدهشة أن التخوفات والاتهامات والشكوك توجه فقط للعمل الخيري الإسلامي دون غيره، بينما تلقى المؤسسات الكنسية واليهودية والصهيونية الدعم والتشجيع! فإحدى الإحصاءات بالولايات المتحدة الأميركية تكشف أن عدد المنظمات غير الربحية (التطوعية أو الخيرية) بلغ مليون ونصف المليون جمعية ومنظمة، ولها حق الحصول على نسبة كبيرة من الضرائب المستحقة على الأفراد والشركات والمنشآت، وكثير منها له الحق القانوني في العمل خارج الولايات المتحدة في ساحات النزاع والصراع، وتؤكد الإحصاءات أن 47% من هذه المنظمات يقوم على أساس ديني.
ويذكر كتاب «عطاء أميركا» الذي يصدر دوريًّا أن ثلاثة متبرعين فقط قدموا لهذه الجمعيات المسيحية أحد عشر مليار دولار تبرعات في عام 2000م وحده، وتسعة مليارات دولار في عام 2001م.
أما في الكيان الصهيوني فإن «مركز دراسات القطاع الثالث في إسرائيل»، يذكر أن القطاع الثالث «والمقصود به العمل الخيري» أنجز مشروعات عام 1995م وحده بلغت قيمتها 11 مليار دولار، وظل هذا القطاع محافظًا على ذلك الإنجاز حتى نهاية عام 2002م.
وتقدر بعض المصادر أن الكيان الصهيوني يحصل سنويًّا على مساعدات وهبات مالية تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار.
ويقول صاحب الكتاب: إن شهود عيان أثبتوا أن منظمات إغاثية تعمل مع منظمة «رؤية العالم» دأب العاملون فيها على تهديد اللاجئين من السلفادور بوقف الطعام عنهم إن لم يأتوا لحضور القداس البرتستانتي، كما ضرب الكاتب مثلًا بهذه الممارسات بما تم في الصومال، حيث لم يحتمل هذا الشعب المسلم بأكمله أن تتم فيه دعوة للنصرانية فأوسعهم ضربًا حتى غادروه!
::عن مجلة البيان العدد 343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر 2015م.