دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الخميس، 27 فبراير 2014

حركة العدل والمساواة نظرة من الداخل

الخرطوم/ لازم إبراهيم لازم
لا تزال قضية دارفور تمثل جانباً أساسياً في قضايا السودان الكلية ويمثل السلام الهدف الاستراتيجي الذي يسعي أليه مواطنو دارفور والسودان غير ان عناد الحركات واستمرارها الطويل افقدها هدفها الاستراتيجي وأصبح القتال ممارسة  حياتية واستمرارا لوجودها في مسيرة حافلة بالدماء أضاعت الكثير من الفرص للسلام وهذا ما دفع الكثير من قادة هذه الحركات للعودة للسلام عبر الانشقاقات المستمرة وحركة العدل والمساواة هي واحدة من حركات دارفور التي أثارت الكثير من الضجيج ولكنها تواجه أكبر التحديات بتغير أوضاع المشهد السياسي أخيراً فقدت حركة العدل والمساواة (69) من قياداتها الميدانية على رأسهم قائد أركانها العميد الركن عبد الله تية منشقاً عنها ، وقال العميد تية في اتصال هاتفي من (الصحافة) نحن كقيادات في حركة العدل والمساواة جناح كردفان بعد ان سمعنا خطاب الرئيس عقدنا حواراً مع بعضنا وجاءت نتائج الحوار انه حان الوقت لوقف الاقتتال ولا سبيل للحل الا عبر التفاوض وأرسلنا رسائل واضحة لرئيس الحركة بالتوجه نحو السلام، مبيناً أن القضية لا تحل بالسلاح لأنهم قد وصلوا إلى ما فيه الكفاية من العمل العسكري والمعارك ولم تسفر عن نتائج سوى الدمار.
مشيراً إلى أن ما تبقي من حركة العدل والمساواة بقيادة د. جبريل إبراهيم ليس لها من طريق سوى الحوار لقناعتنا بذلك خلال التجربة ونحن قدنا اتصالات واسعة لعودة بقية أبناء الولاية من الحركة وابدوا رغبتهم للعودة، قاطعاً بأنهم لن يسمحوا لياسر عرمان بالتحدث باسم الولاية وهو يجمل أجندة خارجية معللاً ان القضية وصلت حدتها والحل الشامل أصبح واقعاً وموجوداً في السودان.
وفي سياق متصل فإن الحركة فقدت أثناء الحرب الدائرة الآن بأعالي النيل في دولة جنوب السودان أكثر من (500) فرد تم أسرهم على يد قوات مشار النائب الأسبق للرئيس سلفاكير.
وقال الأسير العائد الذي تم تجنيده قسراً بالحركة علم الذين الهادي أدم في حديث لـ(الصحافة) لقد تم تجنيدي قسراً في ديسمبر 2011م من مناجم الذهب بكردفان، وتم نقلنا إلى وادي (تمساح) بالقرب من بحر العرب بجنوب السودان مبيناً أن الرحلة كانت صعبة وفقدت الحركة خلالها قائدها خليل إبراهيم ولم يلغ الجنوب بقتله الأبعد مرور (15) يوما من مقتله ولفت علم الدين إلى أن الحركة تعيش في صراع داخلي منذ تولي رئيسها الحالي جبريل إبراهيم في ديسمبر 2011م.
أدت إلى انقسام وسط الفصائل والبعض منها تمكن من العودة إلى وادي هور في دارفور عقب التوقيع على وثيقة كاودا تمت تصفية عدد من الميدانيين على خلفية رفضهم للوثيقة واتخذ القرار دون مشاورة القادة أقرت بأن هذا القرار ملزم للجميع مبيناً ان الحركة أصبحت عاجزة عن دفع رواتب الجنود والناظر إلى حركة العدل والمساواة منذ تحسن العلاقات السودانية التشادية ظلت بلا مأوي نسبة لوجود قوات مشتركة بين الدولتين وبدأت العلاقة تتدهور بين الحركة ودولة تشاد منذ (مايو) 2010م عندما قامت تشاد بطرد زعيم الحركة خليل إبراهيم ولم تكن له وجهة غير الرجوع إلى العقيد القذافي الذي ظل يدعم الحركة، وظل خليل بالأراضي الليبية حتى انهيار نظام العقيد ثم عاد إلى الأراضي السودانية متسللاً إلى دارفور تاركاً وراءه قتلي واسري من قواته على يد الثوار الليبيين. ولم ينتظر طويلاً قرر نقل معسكره إلى جنوب السودان خوفاً على ما تبقي من جيش الحركة في ظل انعدام تام للإمداد العسكري والزاد الذي يضمن له وصول القوات بسلام إلى جنوب السودان دون ان تتعرض إلى القوات المسلحة التي سيطرت على معظم معسكرات الحركة، هنا بدأت تبحث عن جيوش ودروع بشرية تمكنها من نيل ذلك وفي هذه النقطة قال: الأسير علم الدين أن الحركة قامت بأسرهم قسراً اثناء وجودهم بمناجم الذهب بولاية شمال كردفان وكان عددهم (500) شاب يعملون في منطقة الوادي الأخضر مضيفاً انها قامت بنهب (17) عربة لوري وعدد من اللاندي ومحلات الوقود تشوينا للرحلة وبعد ان توجه الموكب من كردفان إلى جنوب السودان قتل خليل إبراهيم في اليوم الثاني من أسرهم في تمام الساعة الثانية صباحاً ولم يفارق الحياة الا في تمام الساعة السادسة صباحاً ولسرية الأمر أوكل دفنه لقوة خاصة ووري بين منطقة أم جرهمان والتوم بشارة بدارفور عند منطقة قوز قنطار وسط غابة من السدر، وواصلت القوة سيرها عبر الشريط الحدودي لولاية شرق دارفور وغرب كردفان في ظل ضغط جوى اضعف قوة الحركة حتى وصلت القوات جنوب السودان هي تفقد عدداً من جيوشها على رأسهم قائدها خليل إبراهيم.
إذن إلى أين مصير حركة العدل والمساواة بعد إن فقدت نظام إدريس دبي وتلاشي نظام العقيد القذافي وموت مؤسسها وانقسام جيشها.

مفاوضات أديس.. جولة التوقعات

بقلم: السفير حاج ماجد سوار
إن التوقع بشأن جولة المفاوضات المزمعة بين الحكومة والحركة الشعبية- قطاع الشمال، تفرض موضوعياً قراءة المعوقات التي أضرت بالعملية التفاوضية السابقة، ولعل أبرزها هو التوقيت الذي جرت فيه، حيث ارتبط توقيت الجولة ومجيئها عقب خطاب الرئيس عمر البشير الذي أعلن فيه الحوار مع أربعة محاور.
فيما كان من الأفضل للمفاوض الحكومي أن يتم الحوار ثم تعقبه المفاوضات، لأن الحوار المطروح يبدأ بالسلام، وبالتالي كان ضمنياً سيناقش قضايا الحرب، مما كان يتيح للوفد أن يمضي برؤية ذات إجماع من القوي السياسية التي ستشارك في الحوار الوطني، ويتأسس علي ذلك موقف مريح في التفاوض ما يجعل الساحة الداخلية موحدة بشكل اكبر.
إن الطرف الآخر ممثلاً في قطاع الشمال حاول أن يستغل هذه السانحة وتحصل علي نصائح من خبرائه ومستشاريه، وتلكأ في مسألة التفاوض بطرح قضايا تعجيزية لجهة أنه ينتظر نتائج الحوار الداخلي والإشارات التي تخرج عنه، لجهة أن القطاع يعول علي جبهتين لإسناده الأول هو الجبهة الثورية التي بدأت تتمزق، ويعول أيضاً علي تحالف المعارضة الذي بدأ يتآكل، والملاحظ أن الجولة السابقة افتقد فيها قطاع الشمال السند العسكري خاصة بعد انقضاء شهر العسل بينه وبينه حكومة جنوب السودان.
اعتقد إن الجولة المقبلة ظروفها أفضل خاصة إذا قرأ قطاع الشمال الساحة لأن كل ظروفها ليست في صالحه، وهو ما تؤكده بعض المعلومات بأن ثمة نقداً لاذعاً من اركو مناوي ضد قطاع الشمال ووصفه بالانتهازية، كما أن هناك مجموعات مقدرة من أبناء النوبة القيادات تعمل الآن علي الأرض وتتحرك سياسياً لسحب البساط وتقويض تفويض ياسر عرمان ومسانديه من قوي اليسار الموجودة في قطاع الشمال...
كذلك فان زيارة الوسيط الأفريقي ثابو أمبيكي للخرطوم ومقابلته للرئيس عمر البشير واطلاعه علي رؤية الرئيس لتحقيق السلام جعلت من الصورة واضحة وتأكد من جدية الحكومة لإيجاد حل سلمي للمنطقتين..
اعتقد أنه كان ينبغي علي الخرطوم وما يتوجب حالياً أن تستعين بالخبراء والمستشارين في الملفات المطروحة سواء سياسية أو أمنية أو إنسانية والاستفادة من التجارب والاتفاقات السابقة في بروتوكول المنطقتين أو اتفاقية جنيف 2000م، واعتقد أن ضم الوفد جزء من الأحزاب المشاركة في الحكومة بهدف توسيعه.
في تقديري أن أهم التحفظات التي قدرها مفاوض الحكومة هي تلك المرتبطة بمحاولات البعض لتوسيع القضية وإضافة مناطق أخري مثل حديث ياسر عرمان عن دارفور والشرق برغم أن لكل منهما منابر واتفاقيات، مع أن قرار مجلس الأمن واضح في تحديد اختصاص التفاوض، بالإضافة إلي تحفظ حول ما ينبغي أن تكون عليه الترتيبات الأمنية، ففي السابق كان ذلك المحور المساهم الأكبر في انفصال الجنوب حيث جعل قوات الحركة الشعبية مفصولة عن الجيش، وبالتالي ما يجب مراعاته مستقبلاً أنه ينبغي إلا تكون قوات قطاع الشمال مفصولة.
عموماً.. إن أهم قضية هي الاعتراف بخصوصية جنوب كردفان والحكومة تقر بذلك، وبالتالي فلا حرج في أن يطرح الوفد التمييز الايجابي.

"أبو عيسي وكمال عمر".. حلفاء الأمس خصوم اليوم

الخرطوم: الزين عثمان
حين تنعكس الصورة علي وجه رئيس تحالف قوي الإجماع فاروق أبو عيسي في كل أنشطته فإن الجزء الآخر يرسم وجه الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي كمال عمر الصاعد إلي المسرح السياسي السوداني عقب نيفاشا والمفاصلة.
مسارح المؤتمرات الصحفية رئيس التحالف علي يمينه كمال.. نصوص الهجوم علي الحزب الحاكم ألفاظها متشابهة وربما مترادفة بدا عمر كأنه مفتون بصورة (أبو عيسي).
ثمة حميمة بين الرجلين بدت ماثلة للعيان لدرجة أنه يمكنك ملاحظة أنه حتي الغياب يأتي متفقاً عليه.. الشاب بميوله الإسلامية بدا وكأنه يتماهي مع توجهات الثمانيني الاشتراكية.. حتي وقت قريب تنعكس كاميرات وأقلام الذاهبين بكاميراتهم  لرسم مشهد الحراك السياسي الجديد عقب خطاب القاعة علي انفصال جديد واختلاف في المواقف والاتجاهات... أبو عيسي يخبرك عن انفتاح تحالف الإجماع علي صور جديدة بينما يمضي عمر بخطوته نحو تشكيل تحالف إسلامي جديد لمواجهة (العلمانيين في الانتخابات القادمة).
ما جمع تحالف الإجماع ذاته ما يفرقه الآن ويجعل علاقة أبو عيسي وكمال في المحك، ليس علي الجانب الاجتماعي وإنما حين تضعه في إطاره السياسي؛ الأمر هنا يبدو مختلفاً حوله فالتحالف قام علي أساس إسقاط بنيان الحزب الواحد المسيطر، ومضي في هذا الاتجاه، وكان حزب كمال هو الأكثر إصراراً علي إنجاز المتفق عليه بين قوي جوبا قبل أن يرتد علي عقبيه ويذهب في اتجاه إخوان الأمس، لدرجة أن عمر الذي لم يترك للوطني شيئاً سرعان ما تواءم لسانه مع لغة جديدة هي لغة الهجوم علي حلفاء الأسبوع السابق المتهمين بالحصول علي أموال الغرب من أجل مواجهة الإسلام السياسي.
ربما الخطاب الجديد للشعبي في حال قراءاته مع التصريح المنسوب لأبوعيسي حول مغادرة الشعبي للتحالف بأنها لم تكن كما ينبغي، يبدو وكأنه إعادة لنزاعات اليمين واليسار في السياسة السودانية وتبني المواقف علي هذا الأساس؛ فالناظر لحالة التقارب بين منظومات المعارضة (الشعبي، الأمة والاتحادي الأصل) في مقابل المتمسكين بالضفة الأخرى للنهر (شيوعي بعثي وناصري مع إضافة قوي السودان الجديد) تبدو المواجهة كأنها مواجهة يسار علماني ويمين يدعو للدولة الإسلامية بعد أن صارت الدولة المدنية مجرد اسم دلع للعلمانية وفقاً لكمال في حواره المنشور.
المتداول في صحف الخرطوم يخبرك عن تباين كبير في مواقف القوي السياسية السودانية في ما يتعلق بسيناريو مشهد الحوار؛ ففي الوقت الذي أعلنت فيه أحزاب الأمة والاتحادي والشعبي دخولها في حوار مع المؤتمر الوطني، أعلن الحزب الشيوعي رفضه الحوار ما لم تتوافر له المقومات التي تدفع به نحو غاياته.
"إيقاف الحرب وتهيئة المناخ للحريات وإزالة القوانين المتعارضة مع الدستور وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وإلغاء القرارات الاقتصادية التي طبقت في سبتمبر من العام الماضي"، تلك هي "متطلبات الحوار" التي تضاف لها قضية النزاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق وإيصال المساعدات الإنسانية إلي المتضررين.. تلك هي مطلوبات ما قبل الجلوس عند أهل الإجماع.
بينما حزب الأمة في بيانه المنشور أمس يتناول ما أسماها بـ"إجراءات بناء الثقة" تشمل وقف الحرب، وفتح ممرات آمنة للإغاثة، وإطلال سراح المعتقلين السياسيين، والعفو عن المحكومين في هبة سبتمبر 2013م، وإطلاق الحريات العامة بما في ذلك تجميد النصوص القانونية المقيدة للحريات والسماح للصحف الموقوفة بالصدور ووقف الرقابة علي الصحف.
وهو الأمر الذي يجعل من الاتجاهين وكأنهما اتجاه واحد وأن ما تم الآن هو فقط مجرد حالة تفكيكية لتحالف الإجماع الوطني لا أكثر ولا أقل، وكأن الاختلاف في عملية الجلوس إلي موائد الحوار هو اختلاف في الدرجة أو اختلاف تقديم وتأخير، وهو الأمر الذي يشير إلي انعدام حالة الثقة بين مكونات السياسة السودانية أو بين المتصارعين حولها، فذات الأجندة التي يدفعها الإمام الصادق من أجل النظام الجديد هي ذات الأجندة التي تسعي لتحصيلها قوي الإجماع الوطني في سبيل الوصول إلي تسوية تعبر عن حالة من الاستقرار السياسي، هي مطلوب الكل في الوقت الراهن أو في المستقبل المنظور .
ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام الآن هي اشتعال المواجهات الإعلامية بين مكونات المعارضة عقب خطوة الحكومة ودعوتها للحوار؛ فبعد الهجوم الذي شنه ألو عيسي علي الشعبي معتبراً أن خروجه من التحالف الحلف المشتركة، رد عمر بأنهم في الشعبي لم يكونوا أول من سن سنة الحوار مع الحكومة وسبقهم عليها آخرون من المعارضة، فهم لم يأتوا بالجديد...
ملاحظة أخري هي أن ثمة صوت احتجاج بدا عنيفاً علي خطوة الحوار من مكونات التحالف متجاوزين خطوة المغادرة إلي خطوة عملية القبول بهذا مبدءاً وهي الرؤية التي دعمتها الخطوات الأخيرة والتراشفات الإعلامية؛  فالصحف أمس بدت واحدة من أدوات تصفية حسابات التحالف السابق وإعادة الجدل حول العلاقة بالشعبي وتأثيراتها علي مسار المعارضة، بينما لم تخل حتي منابر الإجماع من الهجوم علي كمال عمر، وهذه المرة كان اللسان لإبراهيم الشيخ عضو هيئة رؤساء قوي الإجماع الوطني ورئيس حزب المؤتمر السوداني.. الأمر دفع بأحد الشباب للقول بأنه من الغد ربما تصدر السلطات قراراً بفتح المنابر السياسية والندوات للقوي المعارضة لتبادل الاتهامات والمواجهات.
افترق المحاميان  (فاروق وكمال) بقرار حزب الشيخ الأخير وهو افتراق لا يبدو أنه نهائي، وربما يتم اللقاء قريباً وفي مسرح آخر، فالتوصيف الوحيد لمسارات السياسة والتحالفات السودانية هو أنها مسارات اللا مسار.

قوات التدخل «السريع» والتفاوض «البطيء»

بقلم: خالد حسن كسلا
هل دائماً الناس في بلادنا هذي تنفعل بالسلبيات وتكون في حالة هدوء تام إذا قام البعض بإيجابيات في غاية الأهمية؟
قوات التدخل السريع يخبرنا قائدها اللواء عباس عبد العزيز بأنها دمّرت سبعين بالمائة من قدرات حركات التمرد، وأنها سحقت متمردي العدل والمساواة والجبهة الثورية في جبال النوبة الغربية.
وظننت أن يخرج المواطنون خاصة أبناء جبال النوبة وبالأخص من فقدوا أعزاءهم في هجمات المتمردين ويهتفوا بأعلى صوتهم لا للتفاوض وحده مع قادة التمرد والمتحدثين باسمه دون أن تقوم الدولة بواجبها تجاه حماية المواطن.
تبقى المفاوضات من جانب الدولة تعبيراً سياسياً عن قبولها لها من جانبها، واعتمادها كسبيل للحل السلمي الذي هو أفضل من الحل العسكري، لكن إذا سار التفاوض بهذه الطريقة البطيئة وبوضع المعوقات أمامها كما رأينا أخيراً ما حدث في أديس أبابا فما ذنب الذين يتعرضون للمآسي من  هجمات المتمردين؟!
وهل يشجع المجتمع الدولي استمرار بلاوي التمرد في القارة الإفريقية؟! إنه لا ينظر إليها من زاوية التشجيع أو غيره، لكنه يحسب حسابات متطلبات تحقيق مصالحه، بغض  النظر عما سيخلفه من آثار سلبية على صعيد «الإنسان الإفريقي» وحتى أمثال ياسر عرمان ونصر الدين الهادي لا يضعون في حساباتهم أن ما يصبون إليه يقتضي سفك دماء المواطنين في جبال النوبة. وقد حكى مولانا هارون في برنامج «بمنتهى الصراحة» الذي يقدمه الأستاذ خالد ساتي بفضائية الخرطوم، حكى كيف أنه أقنع عبد العزيز الحلو حينما كان نائبه كوالي لولاية جنوب كردفان بأن يتضامنا لتحقيق إنجازات أمنية واقتصادية في الولاية، ويقول مولانا هارون إن الحلو بعد أن راقت له الفكرة، اجتمع به نصر الدين الإمام الهادي وياسر عرمان، وتحول بعد ذلك «180 درجة» على حد قول مولانا. إذن ابن الإمام الهادي، وابن عمنا «الرويبضة» كلاهما لا يمهه أن يعيش مواطن جنوب كردفان في أمن واستقرار، ولو كان هذا التمرد يطلق صواريخ الكاتيوشا التي تغنمها إسرائيل من عمليات «المزاح» التي يقوم بها حزب الله اللبناني في مزارع شبعا وليس في عمق تل أبيب، ولو كان يطلقها في حي الملازمين بأم درمان أو بيت المال قرب مساكن آل المهدي، أو كان يطلقها في ولاية الجزيرة قرب حلة سعيد حيث عشيرة ياسر عرمان، هل كان يسرهما الحال أي نصر الدين وعرمان؟! مؤسف جداً أن يكون جزاء أبناء النوبة الذين حاربوا مع الحركة الشعبية قرابة ربع القرن ومنهم من قتل ومن جرح، هو قتل أسرهم وأهاليهم بالكاتيوشا وبالاعتداءات بأسلحة التفتيش التي يحملها المتمردون على أكتافهم. ليس هذا هو الذي خرج من أجله أبناء النوبة.. لقد ساروا وسروا وراء سراب النضال، وراء أسطورة النضال التي أغرى بها قرنق أعداداً كبيرة جداً من أبناء الجبال لإقناعهم بالانخراط في صفوف قواته، لمحاربة «قوات الشعب المسلحة»، لكن  بعد انفصال الجنوب أصبح ذووهم هم المتضررون بجيش قرنق، ويضاف إليه قوات حركات دارفور التي طالما وجدت الدعم من الحركة الشعبية.
قوات التدخل السريع أم المفاوضات البطيئة يا مواطني جنوب كردفان والنيل الأزرق؟!
نصر الدين الهادي ليس من جبال النوبة يحرض الحلو على إشعال الحرب في جبال النوبة. عرمان ليس من جبال النوبة، ويضع العوائق أمام مسار التفاوض في أديس أبابا. إذن نتساءل: أين أبناء النوبة الذين يستوعبون أن مناطقهم داخل دائرة المطامع الغربية؟! أين خميس جلاب أين كودي أين عفاف تاور أين تابيتا بطرس؟!  أين نساء النوبة المتعلمات المثقفات؟! أين مسيراتهن العفوية؟! لماذا تخلو طرقات كادوقلي وتلودي والدلنج والخرطوم من مسيرات أبناء النوبة تندد بنزيف الدم المستمر بنيران قوات الجبهة الثورية وبتعطيل المفاوضات بواسطة «الغرباء»؟! ما علاقة الحزب الشيوعي بجبال النوبة حتى يقود وفد التفاوض بشأنها من جانب المتمردين الشيوعي عرمان؟! إن الشيوعية الغبية تحمل بذور فنائها الفكري، فماذا يمكن أن يقدمه منسوبوها لبعض قضايا البلاد؟! جبال النوبة ينتمي إليها البروفيسورات والدكاترة والمهندسون والقضاء وكبار الاقتصاديين والأكاديميين مثل بروفيسور خميس كجو كندة، فهل هي في حاجة لعرمان ليجلس حول شأنها مع ممثلي الدولة؟! لكن  صبراً أبناء النوبة إن موعدكم انتصارات قوات التدخل السريع التابعة للقوات المسلحة. إن التدخل السريع أفضل لأبناء النوبة من التفاوض البطيء. من أجل أطفال ونساء وشيوخ النوبة راهنوا على التدخل السريع، واحتقروا التفاوض البطيء الذي يريد عرمان أن يبني به مجده. أي مجد لمن ذهب إلى التمرد في سبتمبر 1986م؟!. ذهب بعد ثلاثة أشهر مضت على عمر الحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، إنه كان يناضل ضد الديمقراطية.

موسفيني يتظاهر بدور صانع السلام نهاراً ودور المحارب ليلاً في جنوب السودان

بقلم/ الباحثة ليسيلي ارني ورنر
نشر موقع افريكان اريقيومنت بتاريخ 31/1/2014م في جنوب أفريقيا المتخصص في الدراسات الأفريقية مقالاً بعنوان ((موسفيني يلعب صانع السلام في النهار ومقاتل بالليل في جنوب السودان)).
تقول الباحثة مع اندلاع الحرب في جنوب السودان في منتصف شهر ديسمبر 2013م قامت حكومة جنوب السودان بدعوة قوات الدفاع الشعبية اليوغندية للتدخل في جنوب السودان، في هذا الشأن تبرر يوغندا تدخلها كان في البدء بهدف إجلاء رعاياها والبالغ عددهم 200ألف  يوغندي وتأمين الدوائر الحكومية في جنوب السودان ثم قام الرئيس اليوغندي موسفيني لاحقاً بذكر الحقيقة الكاملة بأن الجيش اليوغندي يشارك مع الجيش الشعبي في جنوب السودان لمحاربة المتمردين بقيادة الدكتور رياك مشار.
تؤكد الباحثة ورنر بأن الجيش اليوغندي شارك بعدد من الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة والسيارات العسكرية إضافة إلى أكثر من 1600 من المقاتلين الذين لعبوا دوراً هاماً ومؤثراً في استعادة المدن والحاميات العسكرية من أيدي المتمردين، وان البرلمان اليوغندي وافق بأثر رجعي على الوجود اليوغندي في جنوب السودان بهدف حماية الجالية اليوغندية وضمان الأمن اليوغندي ومنع الإبادة الجماعية وغيرها من الفظائع ضد الإنسانية في جنوب السودان.
تشير الباحثة بأن التدخل اليوغندي في جنوب السودان بهدف تأمين مصالح يوغندا وتطلعات موسفيني وبكل تأكيد فان ذلك يهدد جهود الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية ((الإيقاد)) التي يوغندا عضواً فيها والهادفة إلى إيجاد الحلول وإيقاف الحرب وتحقيق السلام في جنوب السودان.
تطالب الباحثة من مجموعة الإيقاد بالضغط على يوغندا لسحب قواتها من جنوب السودان بحيث لا يمكن أن تتبع هذه الازدواجية في المعايير ترسل قواتها للقتال وتفاوض مع المتمردين من خلال أسلوب سيطيل من عمر الحرب الدائرة في جنوب السودان، وان إشكالية الرئيس موسفيني يتخوف على سلطته وعلى أمن بلاده وان جنوب السودان اذا لم يستقر فستنتقل شرارة عدم الاستقرار إلى يوغندا حيث ان الأمن الوطني ليوغندا أصبح أكثر إرتباطاً بأمن جنوب السودان، فقد سبق وان صرح الرئيس موسفيني في عام 2012م اذا قامت حرب شاملة بين السودان وجنوب السودان فان يوغندا ستتدخل إلى جانب جنوب السودان.
يذكر بان الرئيس اليوغندي توجه اليه الاتهامات في تصفية جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 2005م وكذلك فقد قام بتصفية الجنرال جورج أطور قائد الحركة الديمقراطية لجنوب السودان المعارض لحكومة جنوب السودان بعد دعوته لزيارة كمبالا ثم قام بنصب كمين له في الاستوائية الوسطي عند عودته من يوغندا في ديسمبر 2011م.
يشار بان موسفيني مارس ضغوطاً على دول شرق أفريقيا بشأن التدخل العسكري في جنوب السودان في حالة رفض مشار اتفاقية الصلح والوساطة ووقف إطلاق النار التي تتوسط فيها مجموعة الإيقاد، وتؤكد الباحثة بأن المطامع والطموحات الشخصية للرئيس موسفيني تتمثل بان يعيش جنوب السودان في مثل هذه الفوضى ويبقي عليه كما هو عليه حالياً من صراعات وحروب وليس التوصل لحلول سياسية مستدامة تنهي بمجبها الحرب في جنوب السودان.
يذكر بان موسفيني تربطه علاقات متينة بالحركة الشعبية لتحرير السودان تمتد لأربعة عقود تقريباً ولعبت يوغندا دوراً محورياً في دعم جنوب السودان بعد الثورة الأثيوبية حيث قدمت يوغندا ليست فقط المساعدات المالية العسكرية إلى الجيش الشعبي لمحاربة حكومة السودان، بل حتى ان قوات الدفاع الشعبية اليوغندية شاركت في العمليات القتالية المباشرة في جنوب السودان في المقابل تقوم الحركة الشعبية بدعم يوغندا في محاربتها ومطاردتها لجيش الرب اليوغندي بهدف وقف نشاطاته التي تنطلق من جنوب السودان.
تقول الباحثة بأنه بصرف النظر عن حماية اليوغنديين في جنوب السودان وضمان الأمن القومي اليوغندية، فان يوغندا تري بان تدخلها أصبح ضرورياً لمنع فظائع الإبادة الجماعية وغيرها ضد الإنسانية.
وهي تصريحات كررها وزير الدفاع اليوغندي كريسبوس كيونجا ((يجب أن يتعلم الأفارقة الدفاع عن أنفسهم، رأينا ما حدث في رواندا.
والملايين من الناس قتلوا يجب الا نسمح بتكرار ذلك مرة أخرى.
تختم الباحثة بالقول بأنه بينما يستعد المجتمع الدولي لإحياء الذكرى 30 للإبادة الجماعية في رواندا هذه الإشارات الواضحة تبين التدخل اليوغندي في الشأن الجنوب سوداني وان تصريحات يوغندا بشأن منع الإبادة الجماعية في جنوب السودان ليست ذات معني وجديرة بالاحترام فإذا كانت يوغندا جادة في تحقيق السلام في جنوب السودان فينبغي أن يكون تدخلها عبر مظلة الإيقاد وليس تدخلاً مباشراً بعيد عن أي مظلة إقليمية أو دولية.

ابتزاز الوفد الحكومي

بقلم: محمد حامد جمعة
انطلقت مباحثات "أديس أبابا" اليوم بين الحكومة وقطاع الشمال أم أخرت، فإني آمل أن تظل معروضة ومفتوحة حال انعقادها أمام الإعلام المحلي.
وآمل ألا تستجيب الحكومة (للحركة في حركتين) التي أتاها "ياسر عرمان" ووفده في الجولة السابقة، حينما ثار الرجل في وجه الإعلام ونعته بخدمة خطوط الحكومة ودعمها بحملة علاقات عامة، وهي جملة تجنيات من المتمرد الصغير طالت الإعلاميين.
ولا أزال حائراً في أسباب السكوت عليها لأن "عرمان" هذا هو أكثر سياسي يوظف الإعلام في مخططاته وتكتيكاته وكان هو السبب الأول لإجهاض اتفاق "مالك عقار"، لأن مساعدي الرجل سربوا النصوص مبتسرة وملونة للخرطوم.
وحدث ما حدث من إهدار فرصة سينتهي آخر الأمر بالفرقاء إلي العودة إليها، ولن يخرج أي اتفاق قادم مع (قطاع الشمال) عن ذاك الاتفاق الملغي!
لا يوجد  ما يستحق الإخفاء في أمر المفاوضات، صحيح أن إستراتيجيات التفاوض ومطلوبات الكر والفر الحواري تتطلب بعد الخصوصية، لكن في الغالب الأعم فإن وقائع ما يجري وحواشيه ومتونه لا يمكن أن تخفي الحقيقة أني أتوجس من أن الحكومة لسبب أو لآخر تعرضت لعملية ابتزاز أو (قرصة إذن) بشأن التغطية الإعلامية.
وقد لاحظت أنه وبعد عودة الوفد ومن الجولة الماضية أن حالة من الجفاء والتوجس قامت بين رئيسه البروفيسور "غندور" والإعلام، حيث لم يعقد مؤتمراً صحفياً لتقديم الخلاصات أو الشرح الإضافي، ولم يحدث أي تحرك آخر رغم أن (البروف) أجري نشاطات كثيرة وكبيرة ذات صلة بملف التفاوض!
في الجولة الماضية التي نعت فيها رئيس وفد المتمردين الإعلاميين الوطنيين ووفد الحكومة بكثرة الثرثرة والنشر، أحصيت فيها (8) تصريحات لأعضاء بوفد القطاع إلي جانب(4) لـ"عرمان" نفسه و(6) لقادة سياسيين من الحركة الشعبية، موزعين بين القاهرة وباريس وكمبالا، يتحدثون عن دعم وسند عرض (الحل الشامل) وليس المنطقتين، فضلاً عن (5) أخبار مفبركة عن قصف حكومة لبعض مناطق الحركة بجبال النوبة قتل فيه (شخص) ودمرت طاحونة ونفقت (7) بقرات ومعزتان!! فيما بالمقابل أكتفي "غندور" ببيان واحد أثناء المفاوضات وقبل تعليقها بساعات، فمن يستخدم الإعلام ويوظفه، وهي إحصائيات تملكها قيادة الوفد.
وكان يمكن أن تستخدم في ردع تخرصات المتمردين وتضجراتهم التي أوصلوها للوساطة و"أمبيكي" الذي خشيت أن يطالب السلطات السودانية بحظر النشر.
ويحدث ذلك والطرف الآخر يبتدر الحملة الإعلامية بمهرجان الكتروني للتوقيع علي وثيقة تطالب بالاتفاق علي موقف تفاوضي موحد حول الحل الشامل، وأن وحدة القوي السياسية والحركات المسلحة حول الحل الشامل تعزز من الموقف التفاوضي لكل قوي التغيير، فيما تضم قائمة الموقعين كامل أطقم ومناديب وعضوية (قطاع الشمال)، مع حذف اسم "ياسر عرمان"، وكأنما يظن هؤلاء أن رؤوسنا (قنابير).

حركة التحرير والعدالة .. تحريك سكون الدوحة

الخرطوم: محمد حمدان
في الوقت الذي انشغل فيه الرأي العام السوداني والمهتمون بتحليل ومتابعات الحراك السياسي الجاري، والحديث عن لقاء مرتقب بين قيادتي حزبي المؤتمر الوطني والشعبي، غادر الأمين لحركة التحرير والعدالة بحر إدريس أبو قردة بهدوء إلى ميدان قواته بالقرب من محلية كتم بولاية شمال دارفور، في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، ليعود للتو ويواجه أجهزة الإعلام بالمثير عن الأوضاع، ليرمي بالحجر في البركة الساكنة.
يبدو أن وزير الصحة الاتحادي بحر إدريس أبو قردة، اغتنم الفرصة الحاضرة، لينفض الغبار عن حركته التي خبت شعلتها بعد الانشغال بالاستوزار والوظائف والمحاصصة مع الحكومة، وفقاً لاتفاقية الدوحة.
فالرجل ربما اختار أن يدق ناقوس الخطر عبر زواية تشكل أساس بناء اتفاقية الدوحة، وركناً مهماً من أركانها معضداً موقفه بزيارة ميدانية وقف فيها على آخر تطورات الأوضاع بجيش حركته في موقفه بين الغضب والإهمال، فأبو قردة في حديثه أمس بدار حركته بالخرطوم، استطاع ان يوصل رسالته إلى الجهات لايت يرغب في إيصال الصوت إليها، وربط نجاح الاتفاق بتنفيذ الترتيبات الأمنية، فقد اعتبر أن التحدي الأساسي للحركات الثورية، يكمن في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية، ويمثل حجر الزاوية، وحال عدم تنفيذه، فإن عواقبه تبدو وخيمة على كافة الأوضاع.
ومضي محملاً الحكومة السودانية مسؤولية تأخير التنفيذ، إذ أعتبر أن التباطؤ والتأخير في إحصائية عددية قواته، ونقص الترتيبات المالية، أهم عاملين وراء تأخير الاتفاق، مشيراً إلى أنهم قدموا إحصائية للحكومة بعدد 21 ألف جندي، إلا أن الحكومة كذبت تلك البيانات وطالبت بالوقوف ميدانياً على تلك العددية، وعندما وصلت إلى الميدان وجدت أن العدد فاق 40 ألف جندي، مما دعاها إلى العودة مجدداً وقبول ذات الإحصائية التي قدمتها حركته، واستطرد، "تم الاتفاق على استيعاب أربع كتائب، ثلاث منها في الجيش، والأخرى في الشرطة، على أن يتم الاتفاق على معالجة بقية أوضاع القوى بواسطة مفوضية إعادة الدمج والتسريح المعروفة بـ(      )، مشيراً إلى أنه قابل قائد قواته عبد الله بندة، واتفق معه على ضرورة تسريع الخطي في الترتيبات الأمنية، بل رهن تحول حركته إلى حزب سياسي بتنفيذ الترتيبات الأمنية، غير أن الرجل أشار إلى دوافع أخرى حتمت عليهم التحرك لإنجاز المهام الموجودة للمساهمة في الحراك السياسي الجاري.
أبرز تلك القضايا استفتاء الإقليم والانتخابات والدستور.
ونفي أبو قردة حديث أحد قيادات الحكومة عن الاتفاق على عدد 76 ضابطاً، مشيراً إلى أنهم يعملون وفقاً لما ورد باتفاقية الدوحة، غير أنه أشار إلى جانب آخر يحمل الرفض ضمنياً للاندماج في المؤسسات النظامية المعروفة، منوهاً إلى التزامهم مع الحكومة على نزع سلاح المليشيات ومن ثم دمج قواتهم وفقاً لاتفاق الدوحة، مطالباً الحكومة بالجدية في تجهيز المبالغ المطلوبة لتنفيذ عملية الترتيبات الأمنية ليحول المواقف إلى المحك العملي للوقوف على وجه التقصير.

الأحد، 23 فبراير 2014

قادة الثورية ... تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ..!!

مرة تجددت الخلافات والمواجهات بين قيادات الجبهة الثورية وهذه المرة أخذتت الخلافات ثلاثة اتجاهات الأول بسبب الصراعات بين حركات دارفور وقطاع الشمال حول رئاسة المجلس للدورة الجديدة وتكوين الهياكل ،والثاني كان حول الجدل الذي أثارته وثيقة الفجر أما الأتجاه الثالث فقد جاء بسبب طبيعة العمليات العسكرية التي يقوم بها التحالف في بعض المناطق واستهدافه للمواطنين.

ففي الاتجاه الأول فجرت الخلافات داخل الجبهة الثورية المتمردة قبل أيام من إنتهاء أجل المجلس القيادي للجبهة بسبب الصراعات بين حركات دارفور وقطاع الشمال حول رئاسة المجلس للدورة الجديدة وتكوين الهياكل.و قدم مقترح لفصائل الجبهة بتولى جبريل إبراهيم رئاسة المجلس القيادي للجبهة الثورية بدلاً عن مالك عقار أير الذي انتهت ولايته الشهر الماضي بعد أن حددها النظام الأساسى للجبهة بسنة واحدة.ونقل ياسر عرمان المقترح خلال إجتماع عقده مع قيادات فصائل دارفور داعياً إلى التوافق على ترشيح جبريل، وهو ما أثار حفيظة أركو مناوى وعبدالواحد محمد نور، فيما هدد مناوى بالخروج من الجبهة الثورية في حال الإصرار على ترشيح جبريل لرئاسة التحالف، بإعتبار أن حركته لها القدح المعلى في العمليات العسكرية التى تقودها الجبهة ضد الحكومة السودانية.لكن جبريل رد على مناوي بأن انسحاب حركته لن يؤثر على تماسك الجبهة لقلة عناصرها، ذلك قبل أن يتدخل عرمان محاولاً إقناع الحضور بطرح حكومة الجنوب قائلاً: إن مناوي ليس الشخص المناسب للقيادة بسبب ضعف مؤهلاته الأكاديمية وعلاقاته الخارجية.ومن المتوقع أن تثير الترشيحات الجديدة حفيظة الرئيس الحالي مالك عقار أير الذي تتحفظ الدوائر الغربية على أسلوب إدارته للجبهة فضلاً عن الفشل في تحقيق مكاسب على أرض الواقع لتحقيق هدفها بإسقاط الحكومة في الخرطوم.

وفي محور الخلافات الثاني فقد أعلنت قيادات ميدانية بارزة بحركات دارفور رفضها القاطع لما أسمته أجندات الحركة الشعبية التي تسعى لتنفيذها من خلال الجبهة الثورية باستخدام القوة العسكرية لحركات دارفور كوقود للحرب، مشيرين إلى أنهم لن يسمحوا لأي جهة باستخدامهم كآليات حرب لتنفيذ مخططات لا صلة لها بقضية الإقليم، وهددوا باتخاذ مواقف جماعية حال تمسك قيادة الجبهة الثورية بمواقفها التي تخدم إستراتيجيات اجنبية مقابل الدعم والمأوى ضاربين بالمطالب عرض الحائط والتي حملت حركات دارفور السلاح من أجلها. وبحسب ذات

المصادر فإن ذات القيادات الميدانية جهروا بأصواتهم لقياداتهم السياسية وأمهلوهم أسبوعين لتحديد موقفهم الواضح حيال مطالبهم الرافضة لأجندات الاخرين.

أما محور الخلاف الثالث وسط قيادت الثورية الأخير فقد كشفت تقاريرمن داخل تحالف الجبهة الثورية عن تصاعد الخلافات والمواجهات بين قيادات الحركات المسلحة المنضوية تحت لوائه بسبب طبيعة العمليات العسكرية التي يقوم بها التحالف في بعض المناطق واستهدافه للمواطنين، ففي الوقت الذي أعلن فيه عدد من القادة الميدانيين بحركات دارفور رفضهم القاطع المشاركة في العمليات التي يقودها الجيش الشعبي في ولاية جنوب كردفان، اتفق مني أركو مناوي وعبد الواحد محمد نور رئيسا حركتي جيش تحرير السودان علي إبعاد حركتي جيش تحرير السودان قيادة الوحدة برئاسة عبد الله يحيي وجيش التحرير والعدالة قيادة علي كاربينو من الجبهة، وقالت ذات التقاريرإن مناوي ونور اتفقا علي إبعاد يحيي وكاربينو لتخوفهما من سيطرة الرجلين علي الأوضاع حال انضمامهما للتحالف لأنهما يمتلكان قوات علي الأرض ويرفضان القتال بالوكالة إلاّ أنهما ينحدران من ذات المنطقة التي ينتمي إليها مناوي، الأمر الذي عده الأخير تهديداً لعرشه في المستقبل.

عموما فإن الخلافات المتفاقة بين قادة التمرد تشير إلي أن تلك القيادات قد اقتربت من حافة الانفجار والمفاصلة بعد أن شهدت الاجتماعات الأخيرة مواجهات عنيفة وتهديداً ووعيداً بين قادة الحركات، الأمر الذي ينذر بانفجار وشيك داخل الجبهة الثورية.

الخبير المستقل .. أما آن لهذه العقوبات أن ترفع ..؟

مرة أخرى يؤكد بروفسيور مسعود بدرين الخبير المستقل لحقوق الإنسان بالسودان التزام الخرطوم بالاتفاقيات الإقليمية والدولية وكافة موجهات مجلس حقوق الإنسان، وقال بدرين رداً علي تساؤلات الحكومة السودانية بشأن موقفه من تقاعس المجتمع الدولي عن تقديم الدعم الفني للسودان ورفع ديونه ومحاصرته بالعقوبات الاقتصادية.أنه أبلغ شخصيات دولية كبيرة بأن ديون السودان من المعوقات الأساسية وطالبهم برفع العقوبات عنه، لكن بدرين عاب علي الحكومة طرد شخصيات تتبع لجهات دولية غير أن وزير العدل محمد بشارة دوسه نفي ذلك ووصفها بأنها حوادث فردية، وأكد وزير العدل للخبير أن بإمكانه زيارة أي مكان يشاء وأخذ أية معلومات من أي موقع.

وظل السودان دوما يؤكد التزامه التام بالمواثيق الدولية التي تنص علي تعزيز حقوق الانسان والتعاون مع مجلس حقوق الانسان والاجهزة الدولية والاقليمية المختصة في هذا الشان . وان ابوابه مشرعة للخبير المستقل للاطلاع علي كافة اوضاع حقوق الانسان رغم اختصاصه المحدد تحت البند العاشر والمتعلق بتقديم الدعم الفني من خلال التشاور مع الحكومة لتوفير هذا الدعم ، و بالمقابل يبرز هناك تساؤل إلا وهو ماذا قدم المجتمع الدولي للسودان في مجال تعزيز هذه الحقوق؟. رغم ان السودان بذل جهودا كبيرة في دعم الخطط والدراسات المتعلقة بتعزيز هذه الحقوق كالخطة العشرية والمراجعة الدورية الشاملة . وآخرها كانت وثيقة الاصلاح التي اعلنها السيد رئيس الجمهورية مؤخرا التي لا تنفصل محاورها الاربعة والمتمثلة في محاور السلام والحريات ومعالجة قضايا الفقر والاصلاح الاقتصادي والهوية عن حقوق الانسان . والواقع يقول إن السودان دولة ابتليت بالحروب والنزاعات فترة طويلة وبذلت الحكومة جهودا لوضع حد لها بالحوار مع حملة السلاح إلا ان دور المجتمع الدولي في ايقاف هذه النزاعات كان ضعيفا ومخجلا ، لذا فإن المجتمع الدولي مطالب بدور كبير في ارساء السلام في السودان ، ومعالجة إقتصاده الذي تأثر بالعقوبات الدولية المختلفة . وليس إتخاذه ا لقرارات ظالمة ضده في هذا المجال من خلال الحصار الاقتصادي والعقوبات الاحادية وهي اجراءات معيقة لنمو السودان وتقدمه ، والمطلوب الآن من الخبير المستقل بروفسيور بدرين العمل علي رفع هذه العقوبات حتي يكون المحور الاقتصادي الذي ورد في وثيقة رئيس الجمهورية له مردود ايجابي علي السودان .

وأتت مهمة الخبير المستقل لحقوق الإنسان الجديد للسودان مسعود بدرين بناء على قرار مجلس حقوق الإنسان بالرقم (18) تحت البند العاشر والمتعلق بضرورة تحديد الخبير المستقل لاحتياجات السودان فى مجال بناء القدرات وتقديم المساعدات الفنية له وفقا للتفويض الصادر له من مجلس حقوق الإنسان، واختار مجلس حقوق الإنسان بجنيف، النيجيري مسعود بدرين، خبيراً مستقلاً لأوضاع حقوق الإنسان في السودان، العام الماضي، من بين ثلاث شخصيات قدمتهم لجنة شكلها المجلس لهذا الغرض عقب تقديم الخبير المستقل السابق

للسودان، محمد عثمان شاندي لاستقالته، وبدأ بدرين مهمته منتصف العام الماضي، خلفاً للتنزاني محمد شاندي، وهي مهمة تأتي تحت البند العاشر المتعلق بتقديم العون للسودان في مجال بناء القدرات وتقديم المساعدات الفنية لتطوير مجالات حقوق الإنسان.وجدد المجلس في سبتمبر الماضي ولاية الخبير المستقبل للسودان لمدة سنة واحدة، وسط مطالبات سودانية بإنهاء مهمة الخبير.ويحمل البروفيسور مسعود بدرين وهو نيجيري الجنسية، درجة الدكتوراه في القانون ومتخصص في حقوق الإنسان والإسلام.

فهم الوثيقة؛ نصف الاستجابة!

بالطبع لا يمكن القول أن مسئولية المؤتمر الوطني حيال الحوار الوطني تنتهي عند طرحه للوثيقة التاريخية المعروفة، ولا أيضاً عند حدود جلوسه الى القوى السياسية المختلفة واستخلاص أفضل ما أمكن التوصل إليه  وإنفاذه. هي مسئولية مناط بها أن تضع عتبة تاريخية جديدة كلية صالحة لمرور كافة القوى السياسية والاجتماعية السودانية عليها وتحملها لمسئولياتها الوطنية فى المستقبل القريب والبعيد.
ولكن بالمقابل أيضاً فإن أحد لن يكون عليه أن يلقي باللائمة على الوطني إذا ما أصرت بعض القوى -بصرف النظر عن دوافعها- على الإحجام عن الدخول فى مضمار الحوار؛ إذ الملاحظ الآن أنه وبرغم الحراك الكبير الدائر فى الساحة السياسة السودانية إلا أن هنالك بعض القوى تتلاعب (بعقارب الساعة) تأخيراً وتقديماً لرهانات بعينها تراهن عليها!
فمن جهة أولى فإن هناك بعض القوى فهمت الدعوة للحوار والشروع فى تأسيس مشروع وطني ناجز وكأنه دعوة للبدء من الصفر، إما بإسقاط كامل كل الحقبة السياسية السابقة واعتبارها كأن لم تكن، وهؤلاء هم الذين يطالبون الآن بحكومة انتقالية وتفكيك دولة الوطني لصالح دولة الوطن، ويعتبرون الدعوة للحوار فى حد ذاتها بمثابة إقرار بفشل، أو حسرة على ماضي أو إقرار بأخطاء.
وخطورة هذا الاعتقاد أنه اعتقاد ينزع أي رصيد حكم وطني سابق وهو ما يجعل الأمور تبدو وكأنها بداية جديدة ليس من المعقول –بعد خمس عقود أو تزيد من نشأة هذا البلد فى ظل الحكم الوطني– أن يتم تجاوز كل ذلك بجرة قلم! كذلك فإن مثل هذا الاعتقاد يعيق جهود الحوار لأنه يضع كل التجربة السودانية وراء الراهن الحالي وهو ما لا يتيح استشراف المستقبل.
ومن جهة ثانية فإن هناك أيضاً من اعتبر مجرد العودة لحوار وطني شامل، سانحة لإملاء الشروط، وهو أمر مجاف تماماً للمنطق السياسي؛ فالشروط لا تصلح لإدارة حوار حول مائدة مستديرة لأن المطلوب هو التوافق على رؤى توضع كأساس للمرحلة المقبلة، ومن الطبيعي أن هذه الرؤى تستصحب فيما تستصحب بعض مزايا الواقع الماثل وتتعامل ببصيرة سياسية أمام ما هو ماثل.
ومن جهة ثالثة فإن هناك أيضاً -للأسف الشديد- من لا يزالون يتمسكون بالماضي ويريدون من الوطني أن يستسلم تماماً ويرفع يديه إلى أعلى حتى يقوموا بعملية وضع الأصفاد فى يديه ويتلون عليه حقوقه!
إن من المؤلم فى هذا الصدد أن أحزاباً متواضعة الشعبية قليلة التجربة قليلة الخبرة بإدارة الشأن الوطني تقف الآن بعيداً على الرصيف تراهن على إسقاط الحكومة. وهؤلاء هم من يفكرون فى إرجاع عقارب الساعة لصبيحة الثلاثين من يونيو 1989 وهو أمر بالطبع أبعد ما يكون عن التصور السياسي الذكي والواقعي.
ومن جهة رابعة فإن هناك من هم تواقون لإخلاء الساحة السياسية (تماماً) من الحزب الحاكم بحيث تكفيه تجربته الماضية وعليه الآن ترك (الجمل بما حمل) لمن كانوا بعيدين عن القافلة!
المشكلة فى مثل هذه النماذج التى سقناها أنها لم تعِ بعد ما مقصد الوطني وكيف سيدير هذا الأمر بحيث تنظف الساحة السياسية من الخصومات وحالة الاحتقان غير المبررة، والغريب أن ما يفعله الوطني الآن -بكامل إرادته ونيته- أنه يدعوا الجميع لوضع أساس متين متراضى عليه ومتفق على قواعده لتحوُّل ديمقراطي قائم على أسس وطنية قوية، فالديمقراطية القائمة على (الحريات المطلقة) أو الأطروحات المتسكعة على طرقات اللامبالاة، أو تلك المهوِّمة فى خيالات رومانسية مجنحة لا تصلح فى بلد كالسودان متعدد الرؤى والسحنات وتواق لتداول إنساني وسلمي للسلطة.
أمنياتنا الحارة أن يفهم قادة القوى السياسية فحوى وطبيعة الدعوة، فكما أن فهم السؤال نصف الإجابة فإن فهم الوثيقة، نصف الاستجابة.

الخميس، 20 فبراير 2014

المتاجرة بالرموز والحروب ..عرمان وعمسيب

بقلم: راشد عبد الرحيم
تأذت الفنانة والممثلة القديرة فائزة عمسيب من صورة نشرت لها في بعض الموقع تظهرها بمظهر بائس ولحقت بها تعليقات تؤكد علي هذا ولم تتأخر التعليقات الكثيرة التي تدين الحكومة بإهمال الرموز والقامات الفنية والثقافية .
وكانت محاولات أخري سلفت في محاولات رخيصة أيضا لتسويق ذات الفكرة من خلال رجل رائد وقدوة ورمز هو الشاعر الكبير الأستاذ الفيتوري.
لا أستغرب المحاولات الساذجة التي ترتفع كلما وجدت ضالة في شأن يخص شخصية مهمة خاصة في الأوساط الفنية والثقافية،وسبق أن جرت محاولات من هذا النوع في شأن الفنان الذي توفي بأثر البرد في القاهرة وتجري نفس المحاولات حاليا لتسويق قضية أخري لأستاذ فنون جميلة يعيش في اليمن ويعاني أيضا. هذه المحاولات تبين بجلاء أن الحكومة قليلة الإحساس والإنتباه إلي ما يخدش ويقبح  صورتها لدي الرأي العام والمجتمع السوداني.
وقلما جرت محاولات لاستقصاء حقيقة هذا النوع من المتاجرة الرخيصة كما يقل التفاعل مع الحالات التي تحتاج إلي  معالجة ولو بقليل من الإنتباه وأقل من إجراءات لا تكلف شيئا وتحدث أثرا ونتيجة وترفع من معاناة ربما تمثل وفاء لرمز ومنارة سودانية.
كثير من الشعراء والممثلين ليسوا من أهل الحاجة للعون والسند المالي وبعض منهم كانوا ذوي يسر فأصابتهم مصيبات أقعدت بهم أو أضرت بهم بقدر ما. ومنهم الشاعر الأستاذ الفيتوري والذي في سعة من العيش عرفه الناس إنسانا حبيباّ متفاعلا وكان له من الإنتاج الشعري ما يوفي حاجاته وهو اليوم يعيش في المغرب وله زوجة ودار.
والأستاذة فائزة عمسيب ربما أعسرت او أصابها ما يحتاج أن تعان عليه من مرض سوء من الحكومة أو من غيرها بيد أن الأستاذة فائزة و أيا ما كان حالها  اليوم فإن أنسب ما يقدم لها أن تشعرها السلطات والحكومة بوفاء أهل السودان لها ولفنها و لتأريخها الناصع ويمكن لزيارة من مسؤول أو سؤال  عن أحولها أو ما تحتاج من وسائل التواصل الإنساني كافية لتبلغها هذا التقدير والوفاء.
ولعل أقل من هذا كان واجبا في حق الشاعر الكبير الفيتوري سواء كان في حاجة لجواز سفر يعود به إلي بلاده أو مواساة في مرض ممن يمثل الشعب السوداني من أهل الثقافة في المؤسسات الحكومة.
وكما تفعل الحكومة وهي تفشل في تقديم صورة حقيقية لها ولرموزها فإن تقبل أن تقبح صورتها أمام العالم وهي تمضي إلي تفاوض تعرف أنها تقابل فيه من لا يمثل من يتحدث باسمهم تماما وتكون النتيجة اقتناص فرصة للحديث باسم قطاع من الشعب السوداني والمتاجرة بقضيته. لقد تاجر قطاع الشمال والحركة الشعبية لتحرير السودان بأبناء النوبة منذ أن قدموهم للحركة الشعبية ولجون قرنق لقمة مضغها ورمي بها لمن لا يرعي إلاًّ و لا ذمة و إنتهت قضايا النوبة و كأنها كرة تتدحرج يتلاعب بها من قدم الجنوب لقمة سائغة لانفصاليين خرجوا ببلدهم ودولتهم ولا يخجل من أبقوهم في استمرار المتاجرة.
لقد أقرت اتفاقية السلام أي اتفاقية نيفاشا أن تجري المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية على أسس الجهوية و الإنتماء الإثني ففصلت المواقع والاتفاقات علي جنوبيين وشماليين وقسمتها أيضا إلي مناطق واحدة لأبناء أبيي وأخرى لأبناء النوبة وثالثة لأبناء جنوب النيل الأزرق.
اليوم في النيل الأزرق ليس من حرب حقيقية تستدعي أن تجري حولها مفاوضات واليوم يقود أبناء النوبة  هو  من خارج الإقليم ولم يتكرم حتى بزيارته قبل أن تنسب هذه الحرب له وقبل أن يتحول من جسم طارئ على المنطقة إلي ممثل لها ورئيس لوفدها. إن القبول برئاسة عرمان  لوفد المفوضات يخالف إتفاقية نيفاشا  التي حددت مواقع في الوزارات لأبناء الجنوب وعزلت عنها أبناء الشمال من حركة شعبية والذين نالوا كراسي الوزارة بعد نيفاشا من شماليين في الحركة الشعبية إنما نالوا في المركز والشمال وليس في الجنوب . قسمة نيفاشا قسمة جهوية وعنصرية وخطأ تأريخي ولكنها أيضا واقع تم التسليم به والعمل بمقتضاه وعلى الحكومة أن تكمل السير بذات الإتفاقية وذات متطلباتها روحا ونصا.
عندما تولى رئاسة وفد الحركة الشعبية إلي المفاوضات أحد أبناء المنطقتين تم التوصل إلي إتفاق وللأسف لم ينفذ.
اليوم ليس من أمل أن من يمثل جبال النوبة يعمل لأاهدف الحزب الشيوعي وليس أبناء جبال النوبة. 
تخسر الحكومة عندما تدخل مفاوضات لا يتوفر ما يكفي من أمل وما تقوم من احتمالات في نجاحه وسريعا ما تصور أنها الرافضة للسلام و أنها المعرقل له.
أنظروا كيف تقبل الدول الغربية علي المفاوضات وكيف تحوم وفودها بين وفود الحركة والحكومة وكيف تحوم بين الأحزاب في الخرطوم بعد أن رأت في مبادرة السيد الرئيس وخطابة الشهير إتجاها نحو مفاوضات.
المفاوضات تفتح ثغرة  إما أن تورق هواء نقيا مناسبا أو تختطف وتمثل منحنى في اتجاه هدم الحائط والبنيان كله.
قوي واحدة تعمل في جهات عدة تقبح في صورة الحكومة التي تغيب عنها أحيانا الرؤية الكلية والشاملة.

ماذا تبقي لتحالف أبو عيسي؟

تقرير: حسن عبد الحميد
مع مطلع كل صباح يتجدد التفاعل السياسي مع خطاب الوثبة الذي أذاعه رئيس الجمهورية أواخر يناير الماضي بقاعة الصداقة، ولأن السياسة لا تعرف الفراغ ولا تحتمل الركود، فقد تحركت بعض الأحزاب للتفاعل مع دعوات الحوار التي أطلقها رئيس الجمهورية، وعلى رأس هذه القوى حزبا الأمة والشعبي اللذان حضرت قيادتيهما لقاء الرئيس بقاعة الصداقة.
ولكن يبدو أن اليساريين والعلمانيين في تحالف أبو عيسى لا يروق لهم الحوار مع الحكومة، ويتمترسون خلف رؤاهم اليسارية والعلمانية القديمة التي تنادي بإسقاط النظام حتى ولو دعا للحوار، وقد صدرت من تحالف أبو عيسى ما يدل على هذا الضيق بعد اجتماع عقدته الهيئة العامة للتحالف يوم الأربعاء الماضي، وخرجت بقرار فحواه عزل كمال عمر ممثل الشعبي عن لجنة الإعلام واستبداله بالمهندس صديق يوسف من الحزب الشيوعي، وكان رؤساء أحزاب التحالف قد عقدوا اجتماعاً الأسبوع الماضي وقرروا عدم السماح إطلاقاً للحوارات الثنائية، في إشارة واضحة لمجهودات الشعبي في الحوار مع الوطني بعيداً عن مظلة تحالف أبو عيسى.
وبعزل كمال عمر وتولية الشيوعي صديق يوسف، وأصلا يتولي رئاسة اللجنة السياسية بتحالف أبو عيسى البعثي محمد ضياء الدين، بينما يتربع على رئاسة التحالف الشيوعي أبو عيسى ... يسارياً صرفا في معظم هيئته القيادية.
ولعل قرارات تحالف أبو عيسى الأخيرة بعزل كمال عمر عن لجنة الإعلام تفسر التصريحات المسالمة التي أدلي بها كمال عمر أخيراً لأجهزة الإعلام والتي يمتدح فيها الرئيس البشير ودعوته للحوار، وهي التصريحات التي حيرت كثيراً من المراقبين لما عرفوه عن الرجل من عدواه وضراوة في مواجهة الحكومة والمؤتمر الوطني، لكن يبدو أن الرجل كان يشعر أن يساريي تحالف أبو عيسى وعلمانييه يأتمرون به ليعزلوه فأخرج تلكم التصريحات، والآن بعد إعلان قرار عزل كمال عمر عن لجنة إعلام تحالف أبو عيسى لعل الحيرة قد زالت عن كثير من المواطنين والمراقبين.
وقبل أشهر قليلة كان حزب الأمة قد طلب من تحالف ابو عيسى عقد ورشة لمراجعة أداء التحالف بما في ذلك مراجعة الاسم نفسه، وعلى وجاهة وموضوعية طلب حزب الأمة، فقد واجهة تحالف أبو عيسى بالتجاهل ما أغضب حزب الأمة وحمله على الانسحاب من تحالف أبو عيسى.
وربما تحمل خطوة تحالف أبو عيسى بعزل كمال عمر عن لجنة الإعلام الشعبي على مغادرة التحالف عاجلاً أم أجلاً، ذلك لأن قيادة الشعبي قد أبدت استعدادها للحوار مع الحكومة والوطني، وخرجت تصريحات قيادة الشعبي تؤكد هذا الخط وتمضي فيه، ومن هذه القيادات كمال عمر نفسه، وتأتي خطوة تحالف أبو عيسى المتعجلة بعزل كمال عمر لتزيد الشقة بين تحالف أبو عيسى والشعبي الذي لا نعتقد أن قيادته.
ولا قواعده – تقبل بهذا التعدي من تحالف أبو عيسى، ومن المتوقع أن يتخذ الشعبي موقفاً يتناسب مع حميته وفكره.
من جهة أخرى يبدو أن انخراط حزب الأمة والشعبي في الحوار مع الوطني والحكومة، وعدم ممانعة حركة الإصلاح الآن من الحوار، سيقود إلى تمايز الصفوف ويؤدي إلى اصطفاف القوى الإسلامية في جهة، والقوى العلمانية واليسارية في جهة أخرى متمترسين بتحالف أبو عيسى، والشعب السوداني قادر بعد ذلك أن يحكم على أوزان وأفكار وتاريخ كل من الفريقين المتمايزين.

الوطني والحوار الشامل!

ما من شك أن الوطني عازم على إعادة ترتيب البيت الوطني بكل ساحاته وغرفه، وحدائقه وصالونه الكبير. ففي الأسبوع الماضي خاطب الرئيس السوداني المشير البشير اجتماعاً طارئاً لمجلس شورى الوطني أعاد فيه التأكيد -بيقين واضح- على سعيه الجاد نحو الانفتاح والتحاور مع الجميع بلا استثناء وإصلاح كافة الأعطاب والأعطال السياسية والاقتصادية المبعثرة هنا وهناك.
البشير وبلغة مباشرة وسهلة استطاع أن يعيد قراءة خطاب الوثبة السابق الذي قدمه أمام القوى السياسية بقاعة الصداقة فى أمسية الاثنين الخامس والعشرين من يناير الماضي؛ وذلك بتأكيده على المرتكزات الأربعة المتمثلة فى السلام والحرية والاقتصاد والهوية.
وقطع الرئيس بوضوح تام بأن حزبه عازم على الجلوس والحوار مع الجميع دون رؤية محددة مسبقة، فقد أشار البشير الى أن عدم تحديد رؤيتهم فى خطاب الوثبة كان مرده على أنهم حرصوا على عدم تقديم رؤية مسبقة قد تزعم القوى السياسية أنها (رؤية جاهزة) عليهم فقط أن يبصموا عليها، وهذا كان من شأنه أن يعرقل مسيرة الحوار إن لم يقضي عليها فى مهدها، وهو أمر درجت القوى السياسية فى السنوات الماضية على التحجج به دائماً.
ولعل فى هذه النقطة البالغة الأهمية تكمن كل عناصر الجدية والنجاح المنتظر لهذا الحوار فقد تفادى الوطني يحرص شديد مسبقاً أي مآخذ مهما كانت صغيرة يمكن أن تأخذها القوى السياسية عليه وفضّل أن يمنح هذه القوى كامل حريتها - بحرص واضح- فى أن تقرأ موقفه هذا القراءة الصحيحة المنشودة وهي بالفعل الرسالة التى وصلت الى بريد القوى السياسية ودفع كل من الشعبي –رغم كل خصومته السافرة، والأمة القومي للاهتمام بالوثيقة والعكوف علي دراستها توطئة لرد عليها، ومن ثم الدخول فى مضمار الحوار.
الرئيس البشير تحدث فى خطابه أيضاً عن أن الهوية السودانية هي المحور الذي يدور حوله الوطني وهذه أيضاً نقطة إلتقاء جيدة عبّدت الطريق بوضوح ورسوخ تام نحو تلاقي الكل سواء اليمين أو اليسار فى نقطة التقاء واحدة هي هوية السودان باعتبارها الهوية رقم (1).
ولهذا يمكن القول هنا إن هذا الطرح لا يسعف القوى اليسارية المتخندقة وراء مطالب مكرورة فى أن ترفض الحوار، فإن هي فعلت فإن القطار حتماً سوف يفوتها، وعليها بعد ذلك ألا تلوم إلا نفسها!
البشير تحدث أيضاً عن أن العملية السلمية ليست كاملة، مقراً بأن ما تم توقيعه من إتفاقات سلمية ليست كافية فى ظل إصرار بعض الحركات المسلحة على حمل السلاح مشترطاً لمن يود التفاوض من هذه الحركات أن ينبذ العنف وأن يضع السلاح جانباً، وهي فى الواقع بمثابة (الفرصة المناسبة الأخيرة) لحملة السلاح لأن الحراك الجاري الآن هو فرصة مواتية وسانحة نادرة ولأنّ الحوار الشامل، لكافة قضايا السودان، ولكافة قوى السودان السياسية والمسلحة بلا أدنى استثناء.
وهكذا فإن إعادة التأكيد على مرتكزات الخطاب السابق بتبسيط غير مخل وبجدية واضحة فى نبرات صوت الرئيس وفى تعابير وجهه، هي دون شك بمثابة دعوة مفتوحة لمن يرغب فى بناء هذا الوطن بعد طول احتراب وإنهاك أقعده عقوداً من السنوات عن التقدم الى الأمام. والسياسي الحصيف أو الوطني الذكي لا يمكنه أن يتجاوز سانحة كهذه مهما كانت مبرراته ودوافعه، فقد وضعت الحكومة السودانية -بعناية كاملة- كافة النقاط اللازمة على الحروف.

قطاع الشمال وعرض أزياء سياسية جديدة!

أفسدت الحكومة السودانية خطة ياسر عرمان الماكرة التى تمثلت فى تغيير أسماء أعضاء وفده واستعانته بخبراء وأسماء لم يُعرف عنها لا فى الحاضر ولا فى السابق أنها كانت جزء من القطاع مثل المحامي كمال الجزولي وأحمد عبد الله خاطر، وخالد التجاني . فقد صرح البروفسير إبراهيم غندور مساعد الرئيس السوداني حين سُئل عن موقفهم كوفد حكومي مفاوض من (الوفد المفاوض الجديد) لقطاع الشمال بأن الحكومة يهمها التفاوض فى جوهره ولا تهمها الأسماء والصفات.
ومن  المؤكد أن هذا التصريح أربك حسابات عرمان ورفاقه، ففيما يبدو أن عرمان كان قد عقد العزم على التلاعب بتكتيك جديد يظهر القطاع بأنه (متحرك) وليس شيئاً ثابتاً وأنه يتسع لكافة أبناء السودان بدليل وجود أسماء جديدة بعضهم ينتمون الى التيار الإسلامي فى عمومه.
أراد عرمان أيضاً التلاعب (بالوقت) أو كما يقولون (شراء الوقت) بحيث يبدأ بقضايا ذات صفة شكلية تدخل المفاوضين والوسطاء فى نزاع ابتدائي إجرائي يتعلق بأسماء أعضاء الوفد وستنقضي فى ذلك أسابيع وأشهر عسى ولعل أن يحدث شيء يغير من الواقع! ولهذا فإن السؤال ليس هو لماذا فعل عرمان ذلك؛ ولكن ما الذي أراد أن يحققه عرمان من كشف وفده الجديد -خبراء كانوا أم مستشارين؟-.
أولاً من الواضح أن عرمان هدف أول ما هدف الى عرقلة المفاوضات نفسها وهذا مرده الى أن الرجل يعلم أن من المستحيل -قولاً وعملاً- تحقيق أهداف (السودان الجديد) أو نيفاشا أخرى كنتيجة ختامية لهذه المفاوضات لأن مسار التفاوض محصور فقط فى قضايا المنطقتين، وربما يفاجأ عرمان فى أية لحظة بأنه -فعلاً لا قولاً- ليس لديه الحق في تمثيل المنطقتين خاصة وأن أبناء النوبة فى حالة خلاف معروف معه ومن الصعب أن يفوضوه فى شأن هو من صميم شئونهم.
إذن لا سبيل سوى إطالة أمد التفاوض عبر خطوط دفاع شكلية شبيهة بتلك التى يستخدمها المحامون فى مرافعاتهم مع الفارق الجوهري أن المحامين يفعلون ذلك استناداً الى نصوص القانون، فيما يفعل عرمان ذلك هروباً من الحقائق والواقع.
ثانياً، إعطاء انطباع دخلي ودولي فى آن واحد بأن قضية قطاع الشمال قضية السودان كله أملاً فى أن تنحو المفاوضات نحواً يدفعها لكي تصبح (مؤتمراً دستورياً) لحل كافة قضايا السودان فى منبر أديس أبابا، وهذا بدوره سببه أن عرمان يخشى أن تسبقه حركة الوفاق الوطني المتسارعة هذه الأيام بالتقارب الكبير فيما بين القوى السياسية الكبرى والحية (الوطني والشعبي والأمة والاتحادي والعدالة) فإذا نجحت هذه القوى الحية الكبرى فى إحداث تقارب وتوافق ومن ثم أصبحت وحدها المؤثرة فى الساحة السياسية -وهذا هو المرجح منطقاً وعقلاً- فإن عرمان ورفاقه حينها سيصبحون فى وضع حرج للغاية، وعرمان فى قرارة نفسه يدرك هذه الفاجعة السياسية الخطيرة المهلكة.
ثالثاً، عرمان أيضاً يود استبدال ماكينة القطاع الصغيرة المحترقة بماكينة سودانية كبيرة ونسي الرجل -بقدر من الغفلة والغباء- أنه بهذا المسلك أعطى الطرف الوطني ورقة رابحة مفادها أن القطاع فى حقيقته أضعف من أن يصمد فى مفاوضات جادة ولهذا فقد هرع للاستعانة (بآخرين).
وعلى كل فإن تجاوز الحكومة السودانية -بمهارة واضحة- لكشف الوفد والخبراء هذا هو بمثابة إفساد هائل لخطة عرمان الماكرة فقد بات يتعين عليه البحث عن (مخرج آخر)!

تحالف المعارضة ودموع فى حالة المغادرة!

ودّع تحالف المعارضة السودانية الأسبوع الفائت (الفوج الثاني) من القوى السياسية الحية التى كانت وإلى عهد قريب جزءاً منه والتي غادرت ساحة الحوار الوطني توطئة لتحمل مسئولياتها الوطنية.
الفوج الذي ودعه تحالف المعارضة بدموع تجمدت فى الأحداق ومزقت القلوب هو فوج المؤتمر الشعبي الذي يقوده الدكتور الترابي حيث أبلغ الحزب -رسمياً- حلفائه فى التحالف أنه قرر المغادرة الى الحوار مع الوطني وأن (غيابه) هناك حتماً سوف يطول.
وكان الفوج الأول الذي ودعه التحالف يتمثل في حزب الأمة القومي بزعامة السيد الصادق المهدي ويومها -قبل أشهر طوال- فإن كافة وسائل الإغراء والترهيب التى مارسها التحالف لاسترجاع الأمة القومي بإعادته الى حظيرة التحالف فشلت الوحدة تلو الأخرى وكانت قوى التحالف فى ذلك الحين تعزي نفسها بأن الأمة القومي حزب ليس له رأي أو موقف، ولكن -للمفارقات- فإن من النادر جداً أن يتفق حزبان داخل تحالف فى أن يصبحا ليس لهما رأي أو موقف!
من المؤكد أن الذي ليس له رأي أو موفق هو طرف آخر وليس هذا الحزبان بحال من الأحوال. ومن الطبيعي فى ظل حالة الجمود القائمة على حالة الضعف والوهن السياسي المعقد الذي تعيشه قوى التحالف أن يتسلل الحلفاء واحداً تلو الآخر طلباً للعيش السياسي المعقول وبحثاً عن الأفضل، إذ لا يمكن لعاقل أن يأسر كل تاريخه وجهوده السياسية ومواقفه لطلبات ومواقف مكرورة وباعثة على الملل والضجر يحصرها كل صباح ومساء فى المطالبة بإلغاء القوانين المقيدة للحريات وإطلاق سراح المعتقلين وتكوين حكومة انتقالية وتفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن!
ولا يمكن لعاقل -مهما بدت وجاهة هذه المطالب- أن يظن انه يمكن أن يحققها وهو جالس فى بيت أمه وأبيه ينتظر المعجزات. من المؤكد أن كل هذه المطالب لا يمكن أن تتحقق إلا عبر حوار، إذ أنه لو كان بهذه البساطة يتم انجاز كل ذلك –بضربة واحدة– ولخاطر عيون هذه القوى المتحالفة فماذا بقي إذن للحوار والتفاوض؟
بل ماذا فعل التحالف حتى يزجي مطالبه هكذا كأنه قاد جيشاً ضخماً حطم به أسوار الخرطوم طالباً من الحكومة الاستسلام دون شروط؟ إن من المؤكد أن التحالف الهش فى طريقه للتآكل وأن سفينته غارقة لا محالة لأنها (سفينة شراعية) تعتمد على إتجاه الرياح وهبوبها المواتي، فالتحالف لا يملك قوة ذاتية لدفع سفينته واجتياز المحيط الهادر، ومن العبث -والحال كهذه- أن يضع كل تصوراته السياسية استناداً على معطيات قديمة دون أن ينظر بإمعان الى المتغيرات والمعطيات المستحدثة!
أي سياسي حصيف ذاك الذي يظل على مواقفه لعقود، حيث يتغير مجرى الهواء من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب وهو ساكن لا يحرك ساكناً؟ إنها دون شك أزمة العمل السياسي فى السودان حيث تقف الساعة فى رقم واحد هو الرقم الذي بدأت دورانها منه ولهذا كان محتماً أن يقف تحالف المعارضة فى كل يوم فى صالة المغادرة مودعاً لحليف من حلفائه والدمع الهتون يملأ أحداقه وكتفيه المتعبتين.

جوبا والحركات المسلحة السودانية، ماذا بعد؟

من الطبيعي أن يثور التساؤل عقب رجحان كفة الحكومة الجنوبية بقيادة الرئيس الجنوبي سلفا كير ميارديت فى أشرس صراع جنوبي جنوبي أودى بحياة الآلاف وأحدث حركة نزوح غير مسبوقة، فاقت فى معدلاتها حركة اللجوء إبان الحرب الأهلية الطويلة التى تعتبر الأطول فى القارة الإفريقية والتي انتهت باتفاقية السلام الشاملة فى نيفاشا 2015م.
من الطبيعي أن يثور التساؤل عن مصير الحركات السودانية المسلحة التى خاضت فى وحل القتال هناك وأبلت بلاءاً حسناً نال إعجاب الحكومة الجنوبية واستحسانها!
نثير هذا التساؤل بموضوعية، وبعيداً عن معطيات العلاقات السودانية الجنوبية الماضية بخطى حثيثة واضحة نحو التحسن الكامل. ذلك أن مضمار السياسة وعلى نحو مغاير تماماً من علاقات الأفراد العادية، ليس فيه مجال للأعمال الخيرية، والبر والإحسان؛ فيه اخذ وعطاء وتبادل مصالح ومنافع، ومن المؤكد أن الحركات السودانية المسلحة التى قدمت كل هذا الجهد وأدت كل هذا الأداء تنتظر الآن بجنان ثابت وجرأة متوقعة المكافأة السياسية الكبرى من الحكومة الجنوبية.
وبالمقابل فإن الحكومة الجنوبية التى يبدو أنها كانت فى حاجة الى أيّ جهد مهما كان ضئيلاً من أي جهة لكي يتم حسم الصراع لصالحها، هي الآن فى غاية الامتنان لهذه الحركات المسلحة وتدرك بالضرورة أنها فعلاً تستحق مكافأة مقدرة!
وهنا تحديداً تجيء المعضلة الكبرى، فمن جهة أولى الحكومة الجنوبية ومهما كانت تقديراتها ومهما بلغ مبلغ امتنانها حيال لهذه الحركات المسلحة فهي لا تستطيع -من هنا فصاعداً- الاستمرار فى إيوائها وتقديم الدعم لها لشنّ هجماتها ضد السودان.
من شأن أي توجه غير عقلاني كهذا أن يجرّ على جوبا -وهي ما تزال دافئة الدماء والجراح- ويلات وموجات متجددة من الآلام من المؤكد أنها وبفعل التجربة المريرة التى خاضتها ونجت منها بالكاد أن تعود لذات الملعب الخطير. وفى العادة فإن تجربة الحرب والصراعات هي الأكثر أثراً فى أذهان القادة والحكومات مما سواها.
ومن جهة ثانية فإن أي حراك من أي نوع وبأي قدر فى هذا الصدد فإن الخرطوم تضعه على ميزان الذهب ليس فقط لأن الخرطوم وقفت وقفتها الرائعة المتفردة تلك لصالح أمن واستقرار الدولة الجنوبية والمنطقة عموماً ورعت مصالح جوبا بعناية نادرة؛ ولكن لأن الخرطوم أيضاً على إدراك تام بطبيعة نقاط الضعف والثغرات في الشباك الجنوبية الظاهرة تماماً للعيان ولا تحتاج لجهود من أي نوع.
ومن جهة ثالثة فإن الحركات المسلحة السودانية هذه بفعلتها التى فطرت قلوب المواطنين الجنوبيين أصبحت فى حد ذاتها عبئاً أمنياً ثقيلاً على استقرار الدولة الجنوبية، فالمواطن الجنوبي الذي قاتلته ونهبت أمواله هذه الحركات المسلحة لن يكون راضياً عن وجودها على أرضه مهما كانت الظروف وسيضطر الرئيس الجنوبي سواء بداعي رتق الجبهة الجنوبية الداخلية أو لتفادي صراعات لا حاجة له بها داخل بلاده بين مكونات أجنبية ومحلية إخراجها بأي صورة من الصور.
وعلى كل فإن الأيام المقبلات وحدها هي الكفيلة بالإفصاح عن مآلات ومصير هذه اللوحة السريالية المستغربة!

اتهام أول رئيس مصري منتخب بسرقة دواجن!

رأي القدس
يبدو عنوان هذا الرأي وكأنه مسروق من الصفحة الأخيرة لصحيفة ‘القدس العربي’ التي تنشر الأخبار الطريفة والعجيبة في العالم لكنه للأسف ليس كذلك، فبعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي في 3 تموز/يوليو الماضي توالت التهم الخطيرة منها والسخيفة ضده والتي تسيء للقضاء والدولة المصريين، وتهين مقام الرئاسة الجليل الشأن في هذا البلد الذي شهد تأسيس أقدم الدول المركزية في العالم وأكثرها إجلالاً للحاكم الذي يقترب من مقام التقديس.
الرئيس المعزول واجه قبل ذلك تهماً غريبة وبعيدة عن المنطق والعقل، مثل اتهامه الشهير بـ’التخابر’ مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والمقصود منه فك الإرتباط الخطر بين عاملين مقدّسين في ضمير الشعب المصري: فلسطين والإسلام، اضافة الى مغازلة أركان الحلف التقليدي بين إسرائيل والاستبداد العربي، ولا يمكن فعل ذلك على الصعيد الشعبي إلا بتأجيج الكره ضد الاسلاميين والقضية الفلسطينية معاً.
حجز حماس تحت يافطة (المنظمات الأجنبية) هو شيطنة وتغريب لها يقابله تمحّك بعتاة الفكر الصهيوني (اسرائيليين او غير اسرائيليين) في موضوعهم الإستشراقي الأثير الذي يعتبر الإسلام حاضنة للإرهاب ويعتبر المسلمين كلهم أعداء، غير أن صدوره عن حكام يزايدون في إسلامهم على خصومهم فيه ما فيه من تناقض ومفارقة، لا يبررهما غير أن التسلّط يبيح استخدام كل الوسائل، بما فيها أكثرها إضراراً للأسس الأخلاقية والدينية والاجتماعية.
بهذه الاتهامات يسدّد قادة أوركسترا الاتهامات للرئيس مرسي ضربات كبيرة لا للرئيس المصري المدني المنتخب فحسب بل لأول تجربة ديمقراطية في تاريخ مصر، وللأسس المكوّنة للضمير الشعبي المصري الذي يجمع بالضرورة بين الإسلام والعداء لإسرائيل.
تخلق هذه الاتهامات مفارقة منطقية كبيرة، فلماذا لا تنطبق على الرئيس المقبل لمصر، وهو مسؤول عسكرياً وأمنياً وأخلاقياً عن قرار سياسيّ أدى لقتل مئات المعتصمين، التهم نفسها المتّهم بها سلفاه مرسي ومبارك من قتل للمتظاهرين، واذا اعتبر التواصل مع حماس ‘تخابراً مع منظمات أجنبية’ فأين تقف مسطرة ‘التخابر’ هذه ومن يقرّر ‘أجنبية’ جهة من عدمها؟ وأين يقف توصيف ‘ارتكاب أفعال تؤدي إلى المساس باستقلال البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها’، وهل تندرج القرارات السياسية الكارثية التي تجرّم منظمات مدنية مثل جماعة ‘الإخوان المسلمين’ ضمن هذه الأفعال؟
ألا يمكن، بسهولة، ربط القرار السيادي المصري بالمال السياسيّ المقدّم من دول خليجية تخلّياً عن قرار السيادة على الوطن وانخراطاً في خطّة عابرة للدول تهدد، بالنتيجة، وحدة وسلامة البلد؟
رغم فظاظة الاتهامات المذكورة ضد الرئيس المصري المعزول وتبعاتها السياسية الخطيرة على مصر، فإنها تظلّ اتهامات سياسية يمكن توقعها ضمن سياق الصراع المحموم على السلطة الذي تبرر فيه الغاية الوسيلة، غير أن هبوط درك الاتهامات الى سرقة ‘دواجن وماشية’ يسيء للقضاء والدولة المصريين أكثر مما يسيء للمتهمين.
يستخدم حكام مصر القضاء كأداة لتنفيذ أجندة سياسية، ويستهينون في سبيل ذلك بكرامة هذه المؤسسة وتاريخها العريق، ولكن جزءا من المسؤولية تقع أيضاً على هذا القضاء الذي يتعامل مع ثورة 25 يونيو بمنظور ضبّاط الأمن الذين اعتبروها خروجاً على حكمهم المستبدّ وتحيّنوا الوقت المناسب للانقضاض عليها.
ينظر هذا القضاء إلى أعمال العنف التي جرت خلال الثورة باعتبارها أعمالاً خارجة عن القانون، ويجب معاقبة مرتكبيها وإعادتهم الى ‘جادة الصواب’ على طريقة الطغاة: تأبيد الاستبداد ومعاقبة الرافضين له والمحتجين عليه بأسوأ طريقة.
… غير ان التاريخ يسخر ممن يحاولون السخرية منه!

أزمة مياه النيل ... والمسؤولية الخليجية

بقلم: حلمي شعراوي
كنت قد كتبت من قبل عن مياه النيل كقضية عربية، مشيراً إلى رؤية التعاون العربي الأفريقي، ليس فقط لحل الأزمات الاقتصادية الأفريقية، ولكن للمعاونة في القضايا العربية الأفريقية، وفي مقدمتها الآن قضية مياه النيل. وما زال الجزء العام في هذه القضية هو الفاعل الرئيسي طبعاً، ولكن الأمر بات يبدو أكثر إزعاجاً إزاء نهج الحدة المتصاعد إلى درجة ضرورة التدخل وفق المسؤوليات الممكنة. والمشكلة المائية تتعقد بالنسبة لمصر بشكل مباشر، ولكنها أيضاً تخص السودان فيما ذكر من مخاطر السد، بل وتخص إثيوبيا (فيما يذكر عن التمويل)، بينما لا يرى البعض أنها لا تعاني مشكلة أساساً. أما المسؤولية التي تتوزع بالضرورة بين الكثيرين، دولياً وإقليمياً ووطنياً، فإنها تتجه اليوم لتضم دول الخليج، كعنصر فاعل رئيسي، في توازن الاستثمارات في إثيوبيا.

ولا بد في البداية أن ننتبه إلى فروق عدة في الدراسة، فثمة فرق بين دور الحكومات، وبين رأس المال الخاص، لأن الحكومات لا تسيطر على توجهات الاستثمار كافة، فقد بات رأس المال الخاص وشركاته كبيراً بدرجة تفوق التصورات السابقة أيام بداية حركة التعاون العربي الأفريقي في السبعينيات مثلاً، وعلى الرغم من عدم تماهي رأس المال المحلي الخليجي مع «الدولة» بالضرورة، إلا أنه يتماهى بالتأكيد مع رأس المال العالمي. وهذا الأخير تتحكم فيه «دوائر» وسياسات لا نعرف إلا بعضها! وقد نعرف فقط اتجاه الريح!

وتقول «الريح» في هذا العقد، إن استثمارات المياه لم تعد للري أو للمجتمع أو الصناعة فقط، وإنما باتت بالأساس أيضاً لتوليد الطاقة، ومن ثم لا بد أن تكون مشروعاتها كبيرة وليست سدوداً صغيرة، ولذا تدير الرأسمالية العالمية، مشروعات كبرى في أفريقيا مثل سدود نهر الكونغو (إنجا 1-4) وترصد له ثمانين مليار دولار مثلاً! وتدخل فيه جنوب أفريقيا بالنصف تقريباً لأنها ستدير أو تحتاج للطاقة سواء لمنطقة جنوب أفريقيا أو سائر القارة! وهذا أول درس نهديه للرأسمال الخليجي، إذا قرر التفكير المستقل في التضخم!

ما يرتبط بذلك أيضاً هو إدارة رأس المال العالمي، لعملية الزراعة وليس لحقولها! فـ«العملية» تتجه لتسخير رأس المال لإنتاج زراعات حيوية معينة تحتاجها السوق الأوروبية والأميركية، وهذا ما لفت نظري عند رصد استثمارات الدول الخليجية في إثيوبيا والسودان شمالاً وجنوباً!

لم ألحظ أي اتجاه لرأس المال الخليجي نحو السدود أو الطاقة، وإنما معظمها في زراعات قد لا تحتاجها تلك البلاد كثيراً (وإن كان من بينها أساساً الأرز)، وحتى الرئيس الإثيوبي في مؤتمر القمة الأفريقي العربي بالكويت مؤخراً، اتجه إلى إغراء رأس المال العربي بالزراعة والمحاصيل الغذائية، وهو إغراء أوروبي بالأساس!

وليس مصادفة أن أقرأ تصريحات لرؤساء شركات زراعية خليجية / إثيوبية تتحدث عن نسبة ربح للاستثمار في الزراعة تصل إلى 50% وأكثر، وهذا إغراء كبير للرأسمال المعتاد على الريعية المباشرة أساساً!

الأزمة المصرية مع إثيوبيا، أصبحت متعددة الجوانب، فثمة مشروع سد النهضة الذي يبدو مزعجاً لمصر بالفعل، رغم أنه لا يبدو ذا قيمة كبيرة بجانب سدود نهر الكونغو مثلاً، ولكنه هنا يبدو مثيراً لمصر كما هو كذلك بالنسبة للسودان الذي يزعم أنه ليس خطيراً! والسد في خطط كثيرة سابقة كان من المشروعات الصغيرة ليحجز حوالي 17 مليار متر مكعب، أي أنه على نسق تلك السدود التي نصح البنك الدولي بها سوريا من قبل ليتجنب المشاكل بينها وتركيا والعراق ...كما أنه كان مقدراً له مبالغ محدودة لا تثير تنافساً دولياً على التمويل، ولكن البنك الدولي أصبح الآن مشغولاً – ومنذ بداية القرن - بإقامة مشروعات السدود الكبيرة من أجل الطاقة، لسحب رؤوس الأموال المتوافرة هنا وهنالك قبل منافسات مشروعات الطاقة الشمسية، لما بدأه من المشروعات المائية في منطقة البحيرات والزمبيزي وحوض النيل! وذلك فضلاً عن الحاجة للمشروعات الزراعية بعيداً عن تلويث البيئة الأوروبية.

والبنك الدولي يريد أن يطمئن إثيوبيا على كبريائها القومي، فترك لها هامش الاتصال بمصادر التمويل لمشروعات بناء السد من الصين والهند وتركيا وإسرائيل، وهذه الدول لا تدفع «مالاً»، ولكنها تدير استثمارات لصالحها أيضاً في الإنشاءات (إيطاليا)، والكهرباء (الصين والهند) والتسويق (إسرائيل) وهكذا. أما «المال العربي» أو بالأحرى الخليجي فيقتصر على مجال الزراعة! بما لا أفهم تفسيره إلا أنه العجز العربي حتى الآن عن المغامرة في المشروعات التقنية الكبيرة في العالم لتشارك على الأقل في حركة الرأسمالية العالمية! (فهكذا تفعل الصين وتستولي على الأسواق... أو تشق الطرق الاستراتيجية!) .

المصادر المختلفة تتحدث الآن عن مساهمات خليجية في مشروعات زراعية بإثيوبيا تصل في مجملها إلى حوالي خمسة وعشرين ملياراً من الدولارات (وفق مصادر خليجية)، ورغم أنها ليست خاصة بجسد السد المهدد مباشرة للمصالح المصرية، فإنها ترتبط بالثروة الزراعية والحيوانية المستهلكة للمياه ..إلخ، ومن المفهوم أن رأس المال لا وطن له، ناهيك أن يلتزم بالشعارات القومية أو مجرد الشجاعة والكرامة الإقليمية! ولكني أرى أن ما يهدد السد نفسه، ومستقبله في إثيوبيا- وفق كثير من التقارير - يهدد رأس المال العربي ... ولم يفت ذلك على بعض الشخصيات الخليجية التي تعبر مباشرة عن أن استثماراتها الكبيرة المحتملة في المشروعات الزراعية بمصر ذات التسعين مليوناً من البشر، وتحتاج لضمان مصادر الري ووفرة المياه القادمة من النيل الأزرق! ومعنى ذلك أن ما يهدد مصر، يهدد المصالح الخليجية، ليس من زاوية «الأخوية» فقط، لكن لأن إدارة رأس المال الكبير في مصر تتطلب ذلك مثلما يتطلبه رأس المال نفسه في إثيوبيا ...(لاحظت أن خطط تنمية جنوب السودان في خمس سنوات تحتاج خمسمائة مليار دولار)!

وأنا أتحدث عن «رأس المال الكبير» الذي نتخيل أن مشروعات التعاون العربي الأفريقي يمكن أن تدور فيه أو هذا ما توقعناه بعد القمة العربية الأفريقية في الكويت (نوفمبر 2013)، لكن هذا الأمل يبدو الآن ضعيفاً، خاصة إذا عرفنا أن أقصى ما تحدث عنه المصرف العربي لأفريقيا وكل الأموال العربية التي تحركت في إطار التعاون العربي الأفريقي والعالم الثالث في عز الثمانينيات لم تزد عن ثلاثين ملياراً من الدولارات.

واليوم نتحدث في إثيوبيا وحدها عن حوالي ثلاثين ملياراً من الدولارات العربية ...(بلغ رأس المال المصري مليارين في إثيوبيا..!) .

إذن فثمة وزن كبير لمصر وإثيوبيا والسودان معاً، لأي تحرك رأسمالي كبير، ولا بد أن يدرس‏‭ ‬بالضرورة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الخليجي‭ ‬كوحدة‭ ‬متكاملة‭ ‬للاستثمار،‭ ‬وأن‭ ‬تعتبر‭ ‬المعالجة‭ ‬المشتركة‭ ‬لمسألة‭ ‬سد‭ ‬النهضة‭ ‬مسألة‭ ‬خليجية‭ ‬مثلما‭ ‬هي‭ ‬مسألة‭ ‬مصرية‭ ‬..ذلك‭ ‬إذا‭ ‬طمعنا‭ ‬أحيانا‭ ً‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لرأس‭ ‬المال «قومية».

العلاقات المصرية السودانية "محلك سر"

القاهرة - أحمد ربيع - الشرق
فرض تأجيل زيارة وزير الخارجية السوداني للقاهرة أجواء من الغيوم حول ملابسات هذا التأجيل برغم الاتفاق علي إتمامها، وكذا كونها تأتي بعد زيارة ناجحة لوزير الدفاع السوداني للعاصمة المصرية قبل عدة أيام.

وبرغم ما أعلن عن اتفاق مصري سوداني للتعاون في موضوعات لتأمين الحدود من بينها تسيير دوريات مشتركة، يبدو أن العلاقات مازالت تدور في طور الفتور والجمود الذي يهيمن عليها وبات سمتها الأساسية منذ ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان برئاسة محمد مرسي.

وقد أدى هذا الفتور إلي تأجيل زيارة كانت مقررة لوزير الخارجية السوداني على كرتي للقاهرة، اليوم الثلاثاء، بسبب طبيعة المناخ ذاته الذي يحكم العلاقات بين البلدين.

وتشير المعلومات إلى أن تأجيل الزيارة تم بناء على طلب الوزير السوداني الذي رأى أن التوقيت الذي حددته له القاهرة ليس مناسبا فيما كان قد حدد من جانبه موعد سابق لم توافق عليه مصر مما دفعه بدوره إلى رفض الموعد الذي حددته متعللا بانشغاله بالمشاركة في قمة الكوميسا التي يحل موعد انعقادها بعد التوقيت الذي كان مقررا لزيارة القاهرة ببضعة أيام.

ويشار إلى أن مناخ الجمود والفتور، الذي هو سمة العلاقات في الوقت الراهن، انعكس على العديد من الفعاليات التي تخص العلاقات والتعاون بين مصر والسودان من بينها تعثر انعقاد الكثير من اللجان الثنائية وفي مقدمتها اللجنة العليا المشتركة التي يترأسها رئيس الحكومة المصرية مع نائب الرئيس السوداني التي يتعين أن تعقد سنويا.

كما تعثرت أيضا لجان معنية بالمنافذ، وكذا تأخر فتح الطريق البري برغم أن ترتيبات كانت قد جرت لتدشينه في احتفالية كبيرة خلال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، لكن سقوطه ونظام حكمه أرجأ تنفيذ هذه الخطوات.

وخلال احتفالية نظمتها سفارة السودان بالقاهرة 9 يناير الماضي في ذكرى يوم الاستقلال لوحظ أن التمثيل المصري لم يكن على مستوي حجم هذه العلاقات وما يربط الدولتين من أواصر كثيرة.

وكانت المفاجأة الكبيرة والملحوظة أن رئيس الوزراء حازم الببلاوي أناب عنه مساعد وزير الخارجية لشئون دول الجوار، في الوقت الذي كان وزير التضامن أحمد البرعي متواجدا بالاحتفال، كما غاب عن الاحتفال الكثير من الشخصيات الرسمية البارزة التي اعتادت المواظبة على حضور مثل هذه المناسبات، أمثال محافظي القاهرة والجيزة وكبار رجال الدولة والوزراء خاصة وزير الخارجية.

الاثنين، 17 فبراير 2014

مالك عقار.. حديث الثروة بالأرقام ...!!

ظل مواطني النيل الأزرق ينظرون إلى مالك عقار وطيلة تواجده بالولاية حيث كان يمتطي الهمر بأنه غير مهموم بالمواطن وقضاياه، فالرجل كان يعمل فقط علي كنز المال والعقارات المختلفة الباهظة، وكان المواطن حينها يموت لانعدام الادوية والعلاجات في ولاية يموت اطفالها وكبارها جراء الملاريا والتايفويد..فمركز مالك عقار الثقافي الذي أسسه في عاصمة الولاية الدمازين ، تكلفته فاقت المليار جنيه، وذكر مالك في حينها أنّه من ماله الخاص وليس من مال الحكومة.إضافة للعقارات التي يقول العامّة بأنها ملك له، والأراضي المختلفة بالولاية، كل ذلك جعل صورة مالك عقار الذي كان ينادي بحقوق مواطني الهامش، تظهر بشكل مغاير لما كان ينادي به إبّان وجوده بالغابة والأحراش .

وتقول تقارير مؤكدة تفيد بأن الحسابات الشخصية للمتمرد«مالك عقار» الوالي المقال لولاية النيل الأزرق تحوي نحو (7) مليارات جنيه سوداني. فيما يمتلك نحو (18) منزلاً وقطعة أرض ومزرعة مساحتها (15) فداناً وتتوزع العقارات بين الخرطوم (أركويت، المعمورة) و«الدمازين» و«جوبا» فيما يمتلك (6) سيارات إحداها من طراز «همر»، وثانية ماركة «جي. أم. سي» في «جوبا»، إضافة إلى (3) سيارات تابعة لمركز «عقار» الثقافي، وأوصى «عقار» حسب وصيته في إقرار قانوني بتوزيع ثروته على أبنائه وبناته وزوجاته «الست» وأوصى عقار - طبقاً للوثيقة الصادرة بتاريخ 31/8/2009م - بمنح منزل وقطعة لكل ابن أو ابنة إضافة إلى زوجاته وفق تفصيل محدد، فمثلاً يوصي بمنح قطعة أرض بمدينة «جوبا» وأخرى بالدمازين لابنته «لوسي» وزوجته (الجنوبية) «ليليان روبن» مع تمليك «لوسي» السيارة «جي. ام. سي»..

ورغم أن الوصية الأخيرة لعقار لا يعرف ما هي الأسباب التي دعت «عقار» إلى كتابتها و في أغسطس من العام 2009م!! إلا أن الراجح أن الرجل كان يستشعر خطراً على حياته في ذلك الوقت.. مع استبعاد فرضية ان الرجل يؤمن بأهمية توزيع (الأملاك) على (الورثة) قبل الممات وفق رؤية خاصة، لا علاقة لها بالشرع؟!

وتفاصيل الممتلكات (العقارية) لـ«عقار» وفق الوصية المنشورة أحتوت على :

(1) منزل بالقطعة رقم (153) مربع (61) حي أركويت - الخرطوم.

(2) المنزل المشيد بالقطعة رقم (70) مربع (33) الملاصق لمركز مالك الثقافي.

(3) منزل خاص به ووالدته.

(4) المنزل بحي الطائف بالدمازين.

(5) القطعة رقم (14) مربع (24) بالدمازين (غير مشيدة).

(6) منزل بحي الربيع - مدينة الدمازين.

(7) قطعة رقم (69) مربع (33) ملاصقة لمركز مالك الثقافي.

(8) قطعة رقم (3) مربع (24) غير مشيدة.

(9) قطعة رقم (683) مربع (3ك) (جوبا).

(10) قطعة رقم (13) مربع (24) الدمازين.

(11) منزل على القطعة رقم (212) مربع (69) المعمورة - الخرطوم.

(12) منزل على القطعة رقم (211) مربع (69) المعمورة - الخرطوم.

(13) قطعة رقم (100) مربع (4) الأزهري - الخرطوم.

(14) مزرعة رقم (133) بمساحة (15) فداناً على النيل بها (200) شجرة ليمون وغيرها.

(15) قطع بمربع (33) لصالح مركز مالك الثقافي.

(16) منزل بمدينة «باو» يبقى مملوكاً للأسرة.

(17) منزل بالكرمك للأسرة.

(18) قطعة (بجوبا) بالرقم (850) مربع (3ك).

(19) المبالغ النقدية يشارك فيها الأبناء.

(20) المركبات التي تخص مركز مالك تبقى لخدمة المركز (3) سيارات: (2) تايوتا هارتوب ديزل، واحد بوكس تايوتا دبل كاب.

(21) المركبات الخاصة: عربة «همر» لصالح ابنته «لينا»، وتايوتا هارتوب ديزل لصالح ابنه «عقار»، تايوتا هارتب أوصى بها لابنه «أبو لكيك»، تايوتا دبل كاب ديزل لصالح ابنته «شادية»، عربة «جي. إم. سي» لصالح ابنته «لوسي» في جوبا، تايوتا دبل كاب ديزل أوصى بها لصالح (سلوى).

وكثيراً ما انتُقد عقار لرفعه شعار المهمشين عندما أنشأ مركزاً ثقافياً في ولايته بتكلفة بلغت (700) ألف دولار، ومن بين الأوساط التي انتقدته وسائل إعلامية من بينها صحيفة منسوبة إلى الحركة الشعبية في زاوية تحت عنوان (والي وسفر وهمر)، وتهكمت على تسمية المركز باسم مركز مالك الثقافي بسخرية وهي تنعته بملك المهمشين، لافتةً إلى انعدام الخدمات

الأساسية بولايته من تعليم وصحة، وأشارت الى أن الرجل يمارس صرف الأموال المتدفقة لتضخيم ذاته وإشباع هواياته في استعراض الفنون الإثيوبية وتساءلت لماذا لا يسمِّي المركز بما يرمز ويخلد ثقافات المهمشين من أهل المنطقة؟!

ويمتلك عددا من العقارات المهمّة بالدمازين، ومن ضمنها أعلي مبني بسوق الدمازين، وهي بناية شاهقة بحسب حركة البنيان في المدينة وتتكون من ستة طوابق تقريباً باللون الابيض بسوق الدمازين.ويستقل عقار عربة "همر" في تنقلاته من وإلي الكرمك (معقل قواته وعاصمته)..وقوات الجيش الشعبي والتي تتبع لعقار والتي تعمل في مدينة الدمازين كانت يتصرف وكأنها فوق القانون حيث ان مواطني المدينة ظلوا في الفترة التي سبقت الأحداث يجأرون بالشكوى من تفلتات وتصرفات هذه القوات التي تسلب حقوقهم وأمنهم واستقرارهم!!

كمال عمر .. رجل يعشق(الإتجاه المعاكس) ...!!

كعادته أخرج الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي كمال عمر خلال مشاركته في حلقة في برنامج «الاتجاه المعاكس» بقناة «الجزيرة» القطرية بثت الثلاثاء وأعيدت الأربعاء، كل قبيح القول وأقذعه بل أن الرجل لعب بمستوى متهافت وضعيف دور الأراجوز السياسي، فقد كان بهلواناً ملون الثياب مزركشها، يتفاقز فوق حبال الحديث الممجوج ويغرد خارج السرب، وهو ينتقد خطاب الرئيس البشير، ويكرر بلا وعي وإدراك قاموس المرحلة الماضية وقد دخلت البلاد مرحلة جديدة من الحوار البناء الهادف لوفاق حقيقي بين كل فرقاء الساحة والخصام السياسي.

وخلال الحلقة أكثر الرجل من الترهات مستعيراً لغة شتائمية باهتة وأرغى وأزبد شتماً للنظام القائم دون أن يقدم رؤية موضوعية يعبر بها عن برنامج المعارضة البديل، ولكنه أجاد بالفعل دوره في تشويه صورة السياسيين السودانيين وصورة البلاد، بكلامه وتعبيراته المضحكة ومنطقه المهزوز وتناقضاته المخزية وهو يطلق سهامه الطائشة التي لا تعبر بدقة عن موقف حزبه اليوم، مما يعني أنه في وادي النسيان وحزبه في وادي التفاعل البناء مع جديد الواقع السياسي وبدايات الحوار الوطني.

يتحدث المحامي المغمور بساقط القول ويرفض المشاركة أو المصالحة مع الحزب الحاكم وحزبه المؤتمر الشعبي أعلن في الوقت نفسه عن تكوين لجان للحوار وبدأ يعد نفسه لاستحقاقات هذا الحوار.وما لا يعلمه كمال عمر المحامي أن قيادة المؤتمر الشعبي التي يظن أنه ثاني اثنين على قمتها، جلست مع قيادة الدولة والحزب الحاكم عدة مرات، وحدثت تفاهمات حول قضايا الانتخابات والدستور والحريات، وظلت تعليقاتها وأحاديثها تختلف في مظهرها ومخبرها عما قاله كمال عمر في حلقة «الاتجاه المعاكس»، وأكد كثير ممن شاهدوا الحلقة أن هذا الرجل يدور ويلف حول نفسه ويتبختر ويتباهى كطاؤوس سياسي بجناح مزيف ضل طريقه في مضمار العمل العام وسقط فجأة تحت مساقط الأضواء ولواقط الأصوات داخل استديو القناة القناة القطرية، فطفق يصفق بجناحيه ويصدر أصواتاً عالية ثم يجفل كالربداء من صفير الصافر.

ولا ندري هل أخطأ المؤتمر الوطني أم أصاب بعدم إرسال ممثل عنه ليرد في حلقة البرنامج على هطرقات كمال عمر وترك مقعده خالياً، ولعل الرسالة الأبلغ للرجل أنه لا أحد يريد أن يتقاصر إلى وحل الحديث الممجوج والمعروف عنه، وأنه ليس كفؤاً لأي من قيادات المؤتمر الوطني وكوادره وأقل قامة من أن ينازلوه على حلبة شاشة «الجزيرة»، فلا هزيمته فيها شرف ولا الغياب عن مساجلته سُبَّة.. ولذا تركوه يهرجل كما يشاء كاشفاً عن ضآلة وضحالة فكر وكثير لغو لا يفيد.

وبرهنت المعطيات الموجودة على الساحة وعطفاً على ما يتفوه به الرجل في الإتجاه المعاكس فإن الواقع يقول أن كمال عمر الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي هو نائحة المؤتمر الشعبي المستأجَرة من وكر الشيوعية الخبيث القذر.. إذاً هو النائحة المستأجَرة غير المكلومة التي قامت بين يدي الساعة تنافح عن زاد المؤتمر الشعبي الذي هجره الناس حتى تعفّن، وصار جثة هامدة يحرس بوابتها كمال عمر المحامي الذي قفز على ظهر جواد المؤتمر الشعبي الذي أُصيب بكبوة وعطوب فإذا بالراكب الجديد يقود الجواد بلا هوية وبلا لجام وغير مسرّج و«عريان» كمال عمر الذي زعم أنه تدرج في أمانات المؤتمر الشعبي من أمانة العدل إلى الأمانة السياسية مباشرة أي مرّ سريعاً نحو القمة هي حالة لا تعبِّر إلاّ عن شيء واحد وهو أن الترابي هو أول من رضي لهذا المتسلق المحامي المغمور أن يصعد إلى منصة الأضواء.

ولعلنا يمكننا التساؤل هنا باسم مَنْ كان يتحدث كمال عمر المحامي في قناة «الجزيرة»؟ هل باسم المؤتمر الشعبي المنخرط في تقييم وتقدير معطيات المرحلة الحالية وضرورة التعامل معها بوعي وصبر وتعمق كما ظل الدكتور الترابي يقول خلال الأيام الفائتة.. أم يتحدث الأمين السياسي باسم تحالف المعارضة الذي بقيت فيه
فقط الأحزاب اليسارية التي لم تفكر حتى في الانخراط في الحوار الوطني ولم تحضر في ليلة خطاب الرئيس؟؟

الخطيب ..رجل ضل طريقة إلى زعامة الشيوعي!

معدومة هي المقارنة بين محمد مختار الخطيب وبين سلفيه عبد الخالق محجوب ومحمد ابراهيم نقد في سكرتارية الحزب الشيوعي السوداني خاصة فيما يتعلق بالمقدرات التنظيمية والسياسية والفكرية ، فعبد الخالق ونقد تشهد لهما الساحة السياسية والفكرية التنظيمية للشيوعي والسودان بصفة عامة بكثير كسب وعظيم عطاء،وإن اختلفنا حول منتوجه إلا أن الحق يقال بأن خطيب الشيوعي لم تشهده الساحات يوما قائداً لركب سياسي أو رافدا لسوق الفكرالسياسي بالبلاد، بفكرة تجبر لجميع على التجاوب معها، وما يقوم بها الخطيب اليوم ضمن منظومة مايسمى بقوى الإجماع لهو عبث وتمثيل بالحزب الشيوعي وكسبه وليس تمثيل له، فالرجل قد جعل من فاروق ابوعيسى سكرتيراً عاما للحزب الشيوعي من حيث يدري، فأضحى خطيب الشيوعي منقاداً وليس قائداً، الأمر الذي جعل هيبة منصب السكرتير الحزب الشيوعي على المحك.
وقد جاء الاعلان عن خليفة نقد في اعقاب وفاة الأخير منذ نحو عامين مفاجئاً وعلى غير المتوقع ، ففي الوقت الذي ذهبت فيه كل الترشيحات وحصرها في رفيق نقد طيلة العقود الاربعة السابقة وهو سليمان حامد وممثل الجيل المعاصر الشفيع خضر جاء الاعلان عن محمد مختار الخطيب بعد اختيار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي له ليكون سكرتيراً سياسياً للحزب بديلاً للراحل محمد إبراهيم نقد لحين انعقاد المؤتمر العام، وجاء الاختيار بعد منافسة انتخابية شهدتها دار الحزب بالخرطوم .

سبق اختيار الخطيب صراعاً حامياً في كابينة الحزب الشيوعي على خلفية خلافة نقد. وكان التكتم الشديد على هذا الصراع سيدا للموقف بسبب أنه ليس كالصراعات السابقة التي شهدتها أروقة الحزب في الماضي، فالصراع الدائر الآن هو فكري عقدي من جانب ومن الجانب الآخر يصفه مراقبون بأنه صراع أجيال، ولكل طرف أدواته التي يدير بها الصراع. إن أطراف الصراع ثلاثة هي طرف يمثل الجيل الصاعد المنفتح، وعلى رأسه د. الشفيع خضر تدعمه بعض الرموز المخضرمة من الرعيل الأول، خاصة النسوية وقطاع كبير من شباب الحزب،. بينما الطرف الثاني يمثل الجيل المؤسس أو مجموعة الحرس القديم وهي منقسمة على نفسها.

وقبل اختيار الخطيب أشارت إرهاصات وسط عضوية الحزب إلى أن هناك عدة أسماء متداولة لخلافة السكرتير الراحل محمد إبراهيم نقد أبرزهم سليمان حامد ويوسف حسين وصديق يوسف والشفيع خضر وتاج السر بأبو، وماج الحزب في الفترة التي اعقبت رحيل سكرتيره العام بصراعات حادة بسبب هذا الموضوع الذي يتوقع المراقبون أن يحدث شرخاً كبيراً في جسد الحزب وهو في طريقه لمؤتمره العام السادس لإختيار خليفة نقد رسمياَ عبر أكبر جسم تنظيمي في الحزب وهو المؤتمر العام ، والذي يقول عنه دستور الحزب المجاز من قبل المؤتمر العام الخامس حيث تشير المادة (20/1) منه إلى أن (المؤتمر العام هو أعلى سلطة في الحزب وهو الذي يحدد سياسات الحزب وأهدافه العامة ويجيز ويعدل برنامجه ودستوره وينتخب لجنته المركزية).

وتقول السيرة الذاتية لسكرتير الحزب الشيوعي محمد مختار الخطيب أنه من مواليد مدينة وادي حلفا بالولاية الشمالية العام 1942م وهو مهندس زراعي بالمعاش ، وهو متزوج - وأب لخمس أبناء وبنات، تخرج فى معهد شمبات الزراعي. ويعتبرمن قادة إضراب عموم نقابات الفنيين في السودان عام 1978م إبان النظام المايوي ، كما أنه من مؤسسي ورئيس تجمع نقابات العاملين بمؤسسة حلفا الجديدة الزراعية في عام 70 – 1971م وكان الخطيب رئيسا لتجمع نقابات العاملين بمؤسسة حلفا الجديدة الزراعية (إعادة تكوين) في الفترة من 80 – 1981م ، كما عمل سكرتيرا للمجمع التعاوني للعاملين بمؤسسة حلفا الجديدة الزراعية للدورتين 79 - 80 – 1981م، وهو عضو اللجنة التنفيذية للجنة الشعبية لأبناء حلفا للتكامل والتعمير (حلفا الجديدة)كما كان رئيسا للجنة إعادة الخدمات مدينة حلفا الجديدة 2006-2008م ، وهو عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي .أخر نشاطات الخطيب السياسية هو نزوله مرشحاً بإسم الحزب الشيوعي في الدائرة 11 حلفا الجديدة الجغرافية القومية – المجلس الوطني في الإنتخابات السابقة .

الخميس، 13 فبراير 2014

ما مصير الثورية بعد أن دانت الأمور للرئيس كير؟

على الرغم من أن الصراع الجنوبي الجنوبي خفت صوته مؤخراً وقلت حدة المواجهة ورجحت الكفة جانب الحكومة الجنوبية -ما لم تحدث تطورات جديدة- فإن أحداً لا يدري حتى الآن مصير ما يسمى بالجبهة الثورية في المرحلة المقبلة، فمن الناحية العملية -على الأرض- لم تعد القيادة الجنوبية التى بالكاد الآن تبسط سيطرتها على أراضيها -قادرة على إحتمال ترف استضافة ودعم حركات مسلحة أجنبية.
من الواضح الآن أن الرئيس الجنوبي مطالب بالنظر بإمعان وعمق في الأرض المحترقة المليئة بالأشلاء والدماء ومحاولة إجراء ترتيبات تحول دون تكرار هذا الوضع المأساوي المقيت وبالطبع فى مقدمة هذه الترتيبات العمل على تحويل الدولة الجنوبية -من الصفر- الى دولة ذات سيادة، قادرة على فرض هيبتها من جهة، وقادرة على معالجة أزماتها الداخلية من جهة ثانية عبر الحوار السياسي وإطلاق العنان للتفاعل السياسي بعيداً عن البنادق والذخائر.
وهذا يقتضي أيضاً إيلاء أهمية خاصة -لا سيما فى هذه اللحظة- للعلاقات الإستراتيجية الأزلية مع السودان إذ لو لم يقف السودان موقفه ذاك رغم شعوره بجراح جنوبية غائرة فى خاصرته لكان الآن فى جوبا غير هذا الحال.
ومن المفروغ منه فى هذا الصدد أن الاحتفاظ بعلاقات جدية مع السودان يستلزم وقبل كل شيء تسوية كافة الملفات العالقة منه بجدية وصدق عميقين، إذ لم يعد ممكناً بعد الآن استضافة حركات سودانية مسلحة تحت أي ذريعة كانت لأنه ثبت أن هذه الحركات المسلحة - مع كونها مستضافة- إلا أنها لم تتوانى عن لعب دور يمكن وصفه بأنه (قذر) فى خضم الصراع الدائر، سواء عبر حالات قتل المدنيين أو حالات الاستيلاء على الأموال من البنوك كما فعلت حركة العدل والمساواة أو نهب السيارات والذخائر، فمثل هذه الحركات لا تتورع فى (فعل أي شيء) فى أوقات حرجة كهذه يجعل منها حركات غير مؤتمنة على شيء إذ ما الذي يمنع من أن تنقلب فى أي لحظة على الرئيس كير إذا ما تصادف أن كفة القتال بدأت ترجح لصالح الطرف الآخر أو أي طرف محتمل؟
بمعنى أدق فإن وجود هذه الحركات هناك هو وجود من أجل (البقاء) الشخصي لها ومرتبط فقط بمصالحها الخاصة، وهي أمور متحركة لا يمكن وصفها بأنها إستراتيجية.
الأمر الثاني أن هذه الحركات المسلحة آذنت شمسها بالمغيب فى ظل حالة الحراك السياسي الداخلي في السودان وبدايات الحوار فيما بين القوى والنخب السودانية المختلفة، وهي أمور من المحتمل جداً أن تفضي الى وفاق داخلي كامل وهذا إن حدث يجعلها فى موقف ضعيف لا أمل معه على الإطلاق للوصول الى هدفها ومن ثم يصبح رهان جوبا عليها -أياً كان ذلكم الرهان- رهاناً خاسراً بكل ما تعنيه الكلمة.
الأمر الثالث أن الوجود اليوغندي فى جوبا -بكل تلك الكثافة والفاعلية- من المرجح أن يزيد من تفتيت الجبهة الجنوبية الداخلية رغم قلة تماسكها حالياً فالوجود الأجنبي عادة مرفوض مهما كانت المبررات وهذا ما قد يهدد -سياسياً- سلطة الرئيس الجنوبي سلفا كير ميارديت على المديين القريب والمتوسط، ومن ثم يفتح الباب على مصراعيه لكي يجلسوا فى مكانه وهو ما كافح وما يزال يكافح من أجل ألا يحدث.
وعلى ذلك فإن جوبا مطالبة اليوم قبل الغد -ولصالح بقائها- التخلص من الحركات السودانية المسلحة بأٍسرع ما يمكن والتخلص التدريجي الصارم من الوجود اليوغندي النافذ فى الدولة الوليدة.

الأربعاء، 12 فبراير 2014

"كرتي" الى القاهرة .. ماذا يحمل في حقيبته..؟

تقرير: أحلام الطيب
ظلت العلاقات السودانية المصرية راسخة رغم التوترات السياسية التي صاحبت علاقات البلدين لتغير الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم مصر، وتلكؤ الطرف المصري في إنفاذ الكثير من الاتفاقيات المبرمة والتي نصت بعض بنودها على تبادل الزيارات المشتركة على كافة المستويات. ولعل زيارة وزير الخارجية على كرتي للقاهرة الأسبوع القادم التي تعد الزيارة الرسمية الأولى لمسؤول سوداني رفيع عقب انقلاب الفريق عبد الفتاح السيسي على الدكتور محمد مرسي، تأتي في إطار إزالة التوتر كما أنها تأتي رداً على زيارة وزير خارجية مصر نبيل فهمي للخرطوم في أغسطس العام المنصرم، ويحمل كرتي والوفد المرافق له في حقيبته العديد من ملفات القضايا المهمة التي تهم شعبي البلدين لتحقيق مصالح سياسية وإستراتيجة. ولعل الزيارة تأتي في الوقت المناسب خاصة في ظل توفر رغبة سياسية للقيادة المصرية في تحريك العلاقات الثنائية، والتي أكدتها زيارة وزير خارجية مصر نبيل فهمي الأخيرة حيث ذكر أنه كان حريصاً على أن تكون أول محطة خارجية يزورها بعد ثورة 30 يونيو هي السودان باعتباره الامتداد الطبيعي لمصر، كما أن مصر امتداد طبيعي للسودان، بجانب أن الأوضاع الداخلية في البلدين تتطلب وجود تعاون مصري - سوداني من الوزن الثقيل.. ويعوّل مراقبون سودانيون في الشأن المصري أن تحقق الزيارة اختراقاً فعلياً بدلاً من من العهود والاتفاقيات المكتوبة، وظلت زهاء أكثر من عقدين حبيسة الأدراج خاصة فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بانفاذ الحريات الأربع التي لا يخفى على أحد تلكؤ الجانب المصرى فيها بشكل بائن بجانب اتفاقيات التعاون المشرك، والاتفاقيات المبرمة بشأن الحددود حيث تمتد الحدود المصرية السودانية لنحو 1273كم، خاصة في ظل اتهامات الجانب المصري بدخول السلاح عبر الحددود لدعم الإرهاب. ويمثل السودان العمق الإستراتيجي الجنوبي لمصر، لذا فإن أمن السودان واستقراره يمثلان جزءًا من الأمن القومى المصري.. كما أن زيارة وزير الدفاع الفريق مهندس عبدالرحيم الأخيرة لمصر التي أفضت لاتفاق تعاون أمني وضعت الللبنة الأولى لتأطير تعاون مشرك، ولبنة يمكن أن تكون أرضية لمواصلة المحـادثات.. ومعروف أن الجانب الدبلوماسي يمكن أن يناقش قضايا عسكرية أمنية دبلوماسية وليس العكس، فمحادثات كرتي - فهمي يمكن أن تحدد الآليات والأسس لنشر قوات للحفظ الأمن استصحاباً لما ذكره وزير الدفاع السوداني. ومن القضايا التي تحملها زيارة كرتي أو يجب أن تتصدرها محادثاته في القاهرة، قضية مثلث حلايب باعتبارها حق سوداني، ويجب على الوزير وفريقه تذكير المسؤولين المصرين إن لم تطرح بشكل رسمي بالحق السوداني خاصة في ظل تصاعد نبرة الجانب المصر وإعلامه في الإصرار على ملكية وتبعية المثلت ومنطقة شلاتين لمصر، بل تابعت أمس القنوات الرئسية لتلفزيون المصري المتمثلة في النايل، وجدتها تذكر في شريط خاص بنشرة للأحوال الجوية ودرجات الحرارة لعدد من المدن المصرية في القاهرة كذا درجة مئوية و في الأسكنديرية ثم حلايب «السودانية« كذا درجة وشلاتين كذالك كانهما جزء لا يتجزأ من أراضيها. في حين يتمسك الجانب السوداني على اتفاق سابق بأن تصبح المنطقة للتكامل الثنائي بين البلدين، يقوم نظيره بعكس ذلك. وأكد وزير الدفاع الوطني السوداني الفريق أول عبدالرحيم محمد حسين أن قضية حلايب لا تشكل أي مشكلة أو عائقاً للعلاقات بين السودان ومصر، وقال «إن القضية ستحل بالحوار»، يشار إلى أن قضية حلايب وشلاتين أو «مثلث حلايب» محل نزاع حدودي بين مصر والسوادن، منذ اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين في عام 1899. مثلث حلايب هي منطقة تقع على الطرف الأفريقي للبحر الأحمر مساحتها 20,580 كم2، توجد بها ثلاث بلدات كبرى هي حلايب وأبو رماد وشلاتين، أغلبية السكان من إثنية واحدة من البجا، وينتمون لقبائل البشاريين والحمدأواب والشنيتراب والعبابدة، وقد أشارت خريطة جغرافية رسمية صادرة عن الأمم المتحدة أكدت فيها تبعية مثلث حلايب للسودان وفقاً لويكيبيديا الموسوعة الحرة. كذالك صدرت نشرة من الولايات المتحدة الأمريكية أكدت تبعيتها، وظلت المنطقة تابعة للسودان منذ عام 1902، ولكن ظهر النزاع إلى السطح مرة أخرى فى عام 1992 عندما اعترضت مصر على إعطاء حكومة السودان حقوق التنقيب عن البترول في المياه المقابلة لمثلث حلايب لشركة كندية، فقامت الشركة بالانسحاب حتى يتم الفصل في مسألة السيادة على المنطقة. كما أرسل السودان في يوليو 1994 مذكرة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، يشكو الحكومة المصرية لتسع وثلاثين غارة شنتها القوات المصرية في الحدود السودانية، منذ تقديم الحكومة السودانية بمذكرة سابقة في مايو 1993. ومن القضايا التي من المرجح أن يركز عليها كرتي حسب دبلوماسي سابق خبير في الشأن المصري في الزيارة قضية إيواء القاهرة للفصائل الدافورية المسلحة، فقد فتحت مصر أراضيها لانطلاق نشاط أبناء دارفور الذين يهدون أمن واستقرار أهليهم بالقتل تارة والنزوح تارة أخرى، فقد التزم السودان وبعث برسالة واضحة للقيادة المصرية أكد عبرها مراراً بأن أمن مصر لن يؤتي من قبلها، بل وذهبت أبعد من ذلك حينما أكدت بأن ما يحدث في مصر شأن داخلي وعلى الفرقاء المصريين الجلوس للطاولة للتفاوض لحل قضاياهم. فيما يقول حسام سويلم مساعد وزير الدفاع السابق مشكلتنا مع السودان أنه يتم عبره تسلل، وأوضح أن وجود قوة مراقبة مشتركة على الحدود خطوة تأخرت كثيراً، ولكنه في ذات الوقت عوّل عليها باعتبار أنها ستحقق القدر اليسير للأمن القومي المصري، كذلك فإنها ستحقق قدراً لأمن السودان، وذلك عبر السيطرة على حركة الحدود التي كثيراً ما يُدخل عبرها.. ويرى مراقب إمكانية تفعيل دور القوات المشتركة السودانية المصرية على غرار نظيرتها بين السودان وتشاد التي تعدت حدود مهامها الحفاظ على الأمن إلى الدور التنموي، وقد يرفع إلى تكامل قريباً. العشرات من المعدنين الذين تكتظ بهم السجون المصرية ويروي أحدهم لـ«آخر لحظة» أن الأمن المصري يستولي حتى على معدات وآليات التعدين فضلاً عن التعامل اللاإنساني معهم، والذي لا يليق بشخص مسؤول، بجر مواطن بصورة غير غير لائقة وطالبوا الإسراع بإعمال الآليات الخاصة بالمحاكمات، حيث يوجد العشرات منهم.. كما أن طلب مصر الأخير لمساعدتها في رفع عضويتها في الاتحاد الأفريقي ليس مستحيلاً، ولكن بروتوكولياً يجب أن يتم عبر آليات الاتحاد الأفريقي المعروفة المتمثلة في اتفاقية لومي التي نصت بنودها «أي تغيير للنظام الحاكم عبر انقلاب عسكري غير شرعي»، وهذا قرار ملزم لكافة الأعضاء، فحتى مصر نفسها حينما جمّد الاتحاد الأفريقي عضوية مالي وأفريقيا الوسطى التزمت بالقرار.

عودة الوعي

بقلم/ الشيخ يوسف
ها هي الأحزاب السودانية وبعد أن راحت سكرة الصراخ ((لم تفهم فحوى الخطاب))، بدأت تتعامل بشكل إيجابي مع الخطاب الذي قدمه الرئيس البشير، وللأسف فقد قاد عامة الناس خاصتهم فسرحوا مع لغة الخطاب وتركوا مراميه ومقاصده.
وخرجنا أخيراً من زحمة الطباق والجناس والوثبة والاندغام، إلى فضاء الحقيقة الباهر والتي تقول أولاً إن الرئيس طرح في خطابه ما يراه المؤتمر الوطني بشفافية ووضوح من قضايا ملحة، يجب على القوى السياسية في السودان أن تقول رأيها فيها.
وانطلاقاً مما ظل متداولاً بين القوى السياسية المعارضة من سلبية خلال الفترة الماضية مثل (دايرننا نبصم بس) و (جايبننا تمومة جرتق) وغيرها، فقد طرح الخطاب التحديات الكبرى التي تواجه البلاد وترك للقوى أن تلتقي معاً بحلولها.
ولأننا كما يقول الناس داخل مركب واحدة، فقد بات لزاماً على كل القوى السودانية الحية أن تتدبر كل قضية طرحت في الخطاب، وما يحيط بهذه القضايا من احتمالات ومخاطر ومهددات، ومن ثم تلتقي هذه القوى لتضع العلاج الشافي.
وها هو الدكتور إبراهيم الأمين، الأمين العام لحزب الأمة والذي حضر رئيس حزبه الإمام الصادق المهدي خطاب الرئيس من داخل قاعة الصداقة، يستحث الأحزاب السودانية، لأن تتعامل بإيجابية مع القضايا التي تحيط بالوطن من كل جاب.
فقال الدكتور لبرنامج (وجهات نظر) بقناة الشروق "ان الأحزاب السودانية باتت في الآونة الأخيرة منشغلة بقضايا السلطة وأنصبتها وتوزيعها، وأن الأزمة السودانية الحالية تتمثل في تنصيب النخب كمفكرين إنابة عن الشعب والعامة)).
وأكد الدكتور إبراهيم " إن الأزمة السودانية وصلت لمرحلة معقدة تتطلب من كل سوداني وقفة مع الذات، وأن خطاب الرئيس عمر البشير مؤخراً، أشار إلى أن الأزمة لا يمكن أن تحل عبر حزب واحد"، وكأنه يسأل الأحزاب ماذا نحن فاعلون؟
إذن فقد وضح تماماً أن الخطاب طرح بجلاء قضايا ملحة تواجه البلاد، وأشار بشفافية إلى أنه لا يريد وحده أن يشرع في الحلول، لكنه مثله مثل الأحزاب الأخرى يريد أن تأت الحلول سودانية خالصة، وركل بالتالي الكرة في ملعب الأحزاب.
(أها راجين شنو)؟!

"الدينكا" انتكاسة أم توظيف للآخرين؟

بقلم/ خالد حسن كسلا
بحكم التركيبة القبلية المعروفة في جنوب السودان وبحكم تأثيرها على الحياة السياسية هناك في دولة وليدة مازالت طفلاً يحبو ويتعلم السير باليد اليوغندية.. فإن مساندة مجموعة أرملة جون قرنق ربيكا قرنق لأحد زعماء النوير وهو رياك مشار ضد سلفا كير ابن قبيلة الدينكا، لا يمكن أن يعني تحويل حكم الجنوب من يد دينكاوية إلى أخرى نويرية. وإذا كانت مجموعة ربيكا تقاوم اليوم حكومة سلفا كير، فإن هذه المقاومة ستكون أقسى حال حَكم دولة جنوب السودان شخص من غير قبيلتها. والمشهد السياسي الآن في جنوب السودان، والذي يُرى فيه مساندة ربيكا لمجموعة مشار ضد سلفا كير، واعتقال الأخير لبعض أبناء الدينكا المقربين من جون قرنق مثل مجاك أقوت، وهذا نموذج لما يعتبر تناقضات صارخة في مجتمعات قبائل الجنوب، هذا المشهد السياسي يمكن قراءته على إنه صراع على السلطة داخل قبيلة الدينكا وأن أبناء القبائل الأخرى تجري الاستعانة بهم  لأحد الطرفين في هذا الصراع ضد الآخر وبما يليق، إذ أن من هو في وزن رياك مشار لا بد أن يكون زعيماً للمعارضة المسلحة في هذه المرحلة، وبعد إطاحة سلفاكير فإن قوة الجيش الشعبي التي يسيطر عليها بالدرجة الأولى أبناء الدينكا يمكنها أن تحافظ على منصب الشخص الأول «الرجل الأول أو السيدة الأولى» للقبيلة التي كانت قد ورثت حالة التمرد في الجنوب من القبائل الإستوائية. الإستوائيون هم الذين بدأوا التمرد هناك لكن سوء حظهم جعله أن يكون قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، إذا كان يشكل توازناً دولياً لا يسمح بأن تفرض واشنطن أجندتها بصورة استبدادية كما تفعل اليوم. إذن يمكن أن تكون فكرة مجموعة الراحل قرنق هي أن يكون مشار مرحلة أولى في نظرية وصولها إلى الحكم. أي توظيف مليشيات النوير «الجيش الأبيض» ومقاتليهم في الجيش الشعبي والاستعانة بمناطقهم في إقليمي «أعالي النيل» «أعالي النيل الصغرى والوحدة». والملاحظ على مستوى المدنيين أو المسلحين غير النظاميين في قبيلة الدينكا أن أعداداً مقدرة منهم وقفت ضد سلفا كير، فهل هذا يعني أنها تقف ضده لصالح مشار ومع مليشيات النوير؟! طبعاً لا.
فهؤلاء يتعاطفون مع أسرة جون قرنق التي تقودها ربيكا. وإذا كان للنوير الكجور «نون دينق»، فإن كجور الدينكا إذا جاز التعبير هو جون قرنق.. وإذا كان لكجور النوير عصا، فإن عصا كجور الدينكا جون قرنق هو شعار السودان الجديد أو الآن «جنوب السودان الجديد». دعك من أبناء الدينكا، فحتى هنا في «السودان» كانت تنبؤات بعض الشخصيات السودانية حول مستقبل حكم السودان ترشح وترجح جون قرنق أيام تمرده فمن تلك التنبؤات الخائبة ما قاله منصور خالد حيث قال مشيراً لجون قرنق وهو يخاطب الشعب السوداني: «استعدوا لرئيس وزراء غير مسلم وغير عربي». وقالت أيضاً فاطمة أحمد إبراهيم أثناء زيارتها لمعسكرات التمرد بقيادة قرنق: «إن مستقبل الحكم في السودان للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق والحزب الشيوعي، أما الميرغني فسنستعين به إلى حين، أما الصادق المهدي فلن يشمها لن يشمها».. انتهى. إذن «فاطمة» لا تؤمن بالديمقراطية، لعلها تؤمن بدكتاتورية البروليتاريا.
وإذا كان بعض السودانيين «الشماليين» يراودهم حلم زعامة قرنق للسودان فلماذا لا يحلم أبناء قبيلته؟! وبعد رحيله لماذا لا يودون أن يترأس الدولة الجديدة أحد أفراد أسرته سواء كانت أرملته ربيكا أو إبنه مبيور أو قرنق؟!
والسؤال هنا: هل يعمل الآن رياك مشار لنقل حكم أبناء الدينكا من أبناء قوقريال إلى أبناء بور، أي عودته إلى حيث كان؟! وهل يفهم مشار هذا الدور؟!. وهل يفهم مشار أن عاصمة البلاد إذا لم تكن ملكال أو بانتيو لا سبيل إلى أن يحكم الجنوب أبناء النوير. وربما يكون سلفا كير قد أدرك أهمية المحيط القبلي والحزام العشائري للعاصمة، فهو هناك في جوبا قد عيّن ابن قبيلة الباريا الإستوائية جيمس واني إيقا نائباً له. وجوبا هي حاضرة قبيلة الباريا. أما رياك مشار فإن نفوذه القبلي في أعالي النيل، وهو نفسه يقود معركة لصالح مجموعة داخل قبيلة الدينكا، فلا طريق لإبعاد هذه القبيلة من السلطة على مستوى الرجل الأوّل أو السيدة الأولى. وما دام أن العاصمة في إقليم الإستوائيين فإن بديل الدينكا هم الإستوائيون، هم أبناء عمومة ألسون مناني مقايا وجوزييف لاقو وجيمس طمبرة، أما النوير فأكثر ما يمكن أن يفعلوه هو فصل ولايتين في أعالي النيل هما أعالي النيل والوحدة. وسيكون هذا بمساعدة إسرائيل طبعاً.
خلاصة القول هي أن المعارك التي تدور في جنوب السودان تنطلق من مفاهيم سياسية خاطئة يحملها رياك مشار، وهو يرى السند الإقليمي الذي يتمتع به سلفا كير سواء على المستوى العسكري «يوغندا» أو السياسي «الإيقاد». أم التوجيه الأمريكي مؤخراً بانسحاب القوات اليوغندية من جنوب السودان، فهذا من باب «اللف والدوران» في السياسة الخارجية الأمريكية.

الشعبي ... خطى متسارعة نحو الحوار!

تقرير: هنادي عبد اللطيف
منذ الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية لأحزاب المعارضة للحوار، برزت آراء من عدة أحزاب وعلى رأسها المؤتمر الشعبي الذي كثرت تصريحاته بشأن الحوار، رغم أنه كان يتمسك بمواقفه الرافضة لمبدأ الحوار. وكان المؤتمر الشعبي قد ذكر على لسان أمين الاتصال التنظيمي بالحزب أبو بكر عبد الرازق، أنهم قدموا السبت للحكومة في انتظار الأحد، مضيفاً أن الترابي زعيم الحزب خطا نحو الحكومة خطوة وينبغي أن تخطو نحو توليفة الحكم الحالية خطوتين. وظل المؤتمر الشعبي ينادي بحكومة انتقالية كاملة، وبإجراءات عملية تطول مسألة الحريات العامة والاتفاق على كيفية إجراء الانتخابات وإعداد الدستور، إما عن طريق جمعية تأسيسية أو تراضٍ وطني بين كل المكونات السياسية حوله.. ولا تختلف شروط الشعبي عن بقية مطالبات الأحزاب المعارضة الأخرى، غير أن لغة التحاور بين الشعبي والوطني هي الأكثر وضوحاً وتقارباً.
وما يدور عن الحديث عن أن المفاصلة بين الإسلاميين لم تكن إلا تمثيلية مما يخلق تكهنات بشأن الحوار بين الحزبين يحفه غموض على الرغم من أن المؤتمر الوطني قام باتخاذ خطوات عملية لإثبات جديته في الحوار مع القوى السياسية من بينها إطلاق الحريات، وإيجاد منبر محايد يتولى قضية الحوار وأجندته، بعيداً عما وصفه بالحوار العبثي والكلام الهلامي، والقبول بفكرة الوضع الانتقالي الكامل الذي «يشارك فيه الجميع بما فيها «الجبهة الثورية» و»المؤتمر الوطني»نفسه». التصريحات أطلقها المسؤول السياسي بالحزب «كمال عمر عبد السلام»  إن المؤتمر الوطني «لم يقدم لهم شيئاً حتى الآن مع أنهم «قدموا السبت» وكانوا ينتظرون النتيجة في ذات «السبت» لا «الأحد»». وأضاف: «اتضح أن «سبت الوطني» لا جديد فيه».
الكرة فى ملعب الأحزاب
إلا أن المؤتمر الوطني قد قطع بعدم وجود أي «أحد» يقدمه للمؤتمر الشعبي قبل الحوار مع القوى السياسية كافة، نافياً وجود صفقة محددة مقابل حضور الشيخ حسن عبد الله الترابي الأمين العام للحزب لخطاب المشير عمر البشير رئيس الجمهورية الأخير للشعب، مشيراً إلى أن الرئيس طرح في خطابه عموميات في قضايا السياسة والاقتصاد للحوار حولها مع الأحزاب بلا استثناء للاتفاق حولها والوصول لقواسم ومشتركات لإحداث التوافق الوطني في البلاد. وأكد د. عبد الله أحمد عبد الله القيادي بالمؤتمر الوطني ووزير الدولة بوزارة النفط في تصريحات صحفية أن الشعبي من القوى السياسية التي حضرت خطاب الرئيس، واصفاً تجاوبه مع الدعوة بالمقبول، مشيراً إلى أنه سيلتقي مع الوطني قريباً في الحوارات القادمة حول التفاصيل، لافتاً النظر إلى أن حزبه لن يقدم أية مخرجات أو تفاصيل قبل بدء الحوار مع القوى السياسية كافة، مبيناً أن الأحد بالنسبة له يكمن في لقاء القوى السياسية والحوار معها حول القضايا المطروحة وأن ما يخرج من نتائج سيكون محل التزام للوطني. وبحسب القيادي بالمؤتمر الوطني د. ربيع عبد العاطي فإنه لا توجد خطوات عملية وجادة أكثر من ذلك، ويضيف خلال حديثه للصحيفة أن هذه المطالب والشروط التي يطالب بها الشعبي هي موضوعات للتداول وليست شروطاً، فالحوار لا يتم بتصريحات ومطالبات تطلق وإنما بتحديد مناديب للأحزاب للجلوس على طاولة الحوار لكنه أردف أن الكرة الآن فى ملعب الأحزاب.
تغيير في لهجة الشعبي
ويذكر الأستاذ الصادق الرزيقي في عموده الراتب بالصحيفة أن لهجة المؤتمر الشعبي تغيرت تماماً ودبت حرارة وسخونة في خطوط اتصالاته مع الحزب الحاكم، إلا أن هناك شكوكاً كثيرة تثيرها بعض قيادات الشعبي حول جدية المؤتمر الوطني وحرصه على تعزيز روح التوافق والوصول بها إلى النهايات المتوقعة، ويمضي الرزيقي في الحديث بحسب مصادره تؤكد عقد الدكتور الترابي عدة لقاءات ما وراء الستور، مع قيادة المؤتمر الوطني خاصة الرئيس ونائبه الأول السابق علي عثمان محمد طه ومساعده السابق د. نافع وقيادات أخرى من المؤتمر الوطني، ستردف بلقاءات مع نائب الرئيس ورئيس القطاع السياسي بالمؤتمر الوطني حسبو محمد عبد الرحمن وأمين الأمانة السياسية د. مصطفى عثمان إسماعيل. كل هذه اللقاءات والحوارات هدفها الرئيس والوحيد بزوغ شمس «أحد» المؤتمر الوطني وحكومته رداً على «سبت» المؤتمر الشعبي المقدم مسبقاً، والشعبي له الحق في هذا القول.
مراقبون يرون أن الناظر إلى الخطاب السياسي للمؤتمر الوطني والمعارضة خلال الأيام الماضية التي أعقبت خطاب الرئيس «البشير»، يلحظ أن كلاً منهما يرغب في تقديم تنازلات دون أن تؤثر على تماسك عضويته وجماهيره، ووضح ذلك من الكلمات التي رددها نائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الحزب، مساعد رئيس الجمهورية البروفيسور «إبراهيم غندور» حينما قال إن دعوات حزبه للحوار الوطني مع المعارضة لا تأتي من موقف ضعف، كما أن المعارضة حافظت من خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد بدار الحزب الشيوعي على سقفها الداعي لإسقاط النظام، ولكن في كلا الخطابين يلاحظ أن كلا الفريقين يتحسس نبض الآخر في الفترة التي تسبق الحوار المباشر أو حتى إعادة تشكل التحالفات خلال الفترة المقبلة.

السيسي ... حلول العصا السحرية

تحليل: محمد المجمر
دعا رئيس السلطة الانتقالية لدارفور التجاني السياسي، لبلورة إرادة سياسية مركزية لمواجهة الصراعات القبلية المتنامية بدارفور، وأشار السيسي إلى ان الاتفاقات التي تبرم مع المتصارعين لابد من حراستها بالقوة، حتى لا تكون بلا طائل، وأضاف:((تنامي الحس القبلي والجهوى سيقود إلى انحسار الحس الوطني القومي)).
ومما لا شك فيه أن بنية الحركات المسلحة القبلية أسهمت بقدر كبير في تأجيج الصراعات "الجانبية" داخل المجتمعات المحلية بتحول الكثير من عناصرها عن الأهداف والغايات السياسية التي حملوا من أجلها السلاح أصلاً نحو ((التكسب)) من قطع الطرق وفرض الآتاوات على القرويين البسطاء وسلبهم ممتلكاتهم.
ولهذه العلاقة المركبة ما بين القبيلة واستمراء الصراعات الدامية تاريخ وطيل في هذا البلد، ظلت مجتمعات دارفور ومنذ أيام السلطنة الأولي في القرنين الثامن والتاسع عشر تبذل جهودها التأمينية والعدلية في سبيل الحد منها، وذلك لارتباط هذه السلوكيات ((العدائية)) بمناقبية اجتماعية ترتبط بالوجاهة والتميز القبلي.
ويري مراقبون أن تطور المجتمعات القبلية في إقليم دارفور تأثر كثيراً بوجودها فيما يشبه ((العزلة)) طوال الفترة من تاريخ الاستقلال الوطني حتى منتصف الثمانينيات لعدم توفر ((آليات الاتصال الفعالة)) كما هو الآن، واعتماد هؤلاء الأهالي علي نظام ((الحماية الذاتية)) وهم في ترحالهم وراء الماء والكلأ في المراعي.
وتنمية الحس الوطني القومي، بمراجعة الآثار والوثائق التي خلفتها فترة حكم السلطان على دينار نجد أنها كانت من الاهتمامات الرئيسة لدي هذا السلطان ((المستنير)) الذي استجلب العلماء والخبراء من كافة بقاع السودان لتحقيق هذا الهدف وأهداف أخرى اتصلت بالتمدين وتطوير الخدمة المدنية في جغرافية هي في الأساس ((رعوية)).
وان اختلالات جوهرية في التركيبة الاقتصادية في المناطق البعيدة من السودان سببها افتقارها لنظام زراعي مستقر بعكس المناطق التي تقع على ضفاف الأنهار في وسطه، لتتسبب الأمطار في حالات ((الشح والجفاف)) في كثير من هذه الصراعات التي تكون في الغالب منطلقة من جذور اجتماعية خوفاً على الثروات الحيوانية.
النظام المدني الذي أرسته فترة حكم السلطان علي دينار وأسلافه في دارفور كان يقوم على الشدة، وهو ناتج عن ((عصارة)) تجارب طويلة في الإدارة الأهلية والذاتية بين هذه المجموعات القبلية، ويبدو أن دكتور السياسي اتجه لاستلهام هذا التراث الدارفوري العريق في فرض النظام من خلال تنفيذ رقابة تأمينية ((ضاربة)).
ولعدم وجود ((إحصائيات)) دقيقة لبيان المستوي العملي في المجتمعات المحلية بولايات دارفور، فان هذه المرجعية السلطانية نفسها تشير إلى نظام البعثات الخارجية والمحلية لتلقي العلم كان بمثابة الترياق والعلاج ألاستباقي لعصبية القبيلة في تلك الفترة وهي صالحة لكل الحقب مما جعل من السلطة الإقليمية الآن تركز في هذا المنحي.
كذلك يكون زحف الريف على المدينة في إقليم دارفور واحداً من أسباب زيادة نسبة الفقر لضيق فرص العمل فيها، وهنالك علاقة غير مقروءة على نحو ((تفصيلي محقق)) بين سكان هذه المعسكرات والآخرين الذين يرفضون البقاء فيها، وتحيل هذه الجزئية على إمكانية توظيف ((اعتزازهم بالعمل)) والكسب الشريف.
وهذا لا يعني انتفاء الأزمة الاقتصادية الناتجة بسبب الصراعات المسلحة هناك، لكن يكون التفكير في إيجاد بدائل إنتاجية مثمرة لصالح هذه الأسر الممتدة أفضل كثيراً من وضعهم في حالة الانتظار لتحقيق أهداف سياسية تحتاج إلى عشرات السنين لكي تكتمل حلقاتها مابين الميدان وقاعات التفاوض في حسابات الحركات المسلحة.
كما أنه بات من الثابت في تجارب كل الدول التي عانت من الحروب الأهلية في المناطق القبلية المشابهة لإقليم دارفور، ضرورة أن يحدث تقارب ما بين مكوناتها الاجتماعية للاتفاق على الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للمواطنين في أن تكون هناك مناطق ومؤسسات ومرافق ((قومية)) لا تصلها الحرب أو التخريب.
باتفاق على الحد الأدنى من ضمان دخول الأطفال في سن المدرسة إلى مدارسهم وكذلك المراكز الصحية والحقول الزراعية ومواقع مياه الشرب في الحفائر أو الدوانكي، بأن تصبح ((مناطق محمية)) بإسناد اجتماعي أخلاقي تتواضع عليه السلطة الإقليمية مع حركات التمرد بمختلف مسمياتها حتى لا تتزايد الآثار السالبة للحرب هناك.
وتصلح قرى العودة الطوعية لأن تكون ((نواة)) لمثل هذه المشروعات التي تستهدف جميع الأطفال والنساء لتحقيق قدر من الحماية الاجتماعية الذاتية بما يدفع بخيارات التعايش السلمي بين هذه المجموعات السكانية متعددة الأعراق والثقافات دون حدوث أي خلافات كبيرة حول علاقتهم بالسلطة أو هذه الحركات مستقبلاً.
ومن الضروري، أن نقول بان المرجعية الثقافية والسياسية التي خلفتها سلطنات دارفور تمثل مصدراً كبيراً ملهماً لاسترجاع قيم ومبادئ أساسية حول المجتمع والقانون والسيادة والتعبير عن المناقبية القبلية المتميزة لإنسان إقليم دارفور، بان يكون الحل في بنائه ((كما هو)) دون اللجوء إلى ((تغريبه)) بمسخ ملامحه الجميلة.
وأن الحرب قانون صعب لا يرغب احد في استمرارها مهما كانت النتائج، لأنها تضعف القدرات البشرية وتهدر الموارد الثمينة فيما لا طائل منه، مما يعني أن هناك حاجة لتدارك خطل هذا الخيار من الحركات المتمردة لكي تتوجه هذه الثروات للتنمية بتوفير التعليم والصحة لملايين الأطفال والنساء بدلاً من أن تذهب لمرودي الأسلحة والذخيرة.

تحالف المعارضة وأول مسمار فى نعش النهاية!

حتى الآن فإن أحزاب الأمة، الاتحادي الإصلاح الآن، الشعبي هي التى أبدت اهتماماً موضوعياً بالوثيقة التى أطقها المؤتمر الوطني وتوفرت على دراستها، وتعتزم الدفع برؤيتها حيالها.
فى المقابل فإن أحزاب الشيوعي، المؤتمر السوداني، البعث بشقيه، حق (بأنواعها) لازمت الصمت وبعضها وقف موقفاً متطرفاً كعادته سواء بحكم المأزق الفكري، أو لأسباب تتعلق بنية وطبيعة هذه القوى القليلة الجماهيرية.
وبات يمكن القول إن القوى السودانية الحية الرئيسة قد أصبحت فى جانب، وبقية القوى الأخرى المتمثلة فى اليسار عموماً فى جانب آخر، وتأسيساً على ذلك فقد بدا المشهد السياسي العام فى الوقت الراهن كالآتي:
أولا، تخلخل تحالف المعارضة المتمثل في قوى الإجماع الوطني، فقد انفردت أحزاب الأمة القومي والشعبي والعدالة بمواقف مغايرة تماماً لطبيعة الحلفاء سواء بحضورهم لخاطب الرئيس ملبيين الدعوة بقاعة الصداقة بما يشير الى قبولهم للأطروحة؛ أو من خلال إبداء استعدادهم لدراسة الأطروحة والخروج برؤية واضحة بشأنها.
وإذا شئنا الدقة فإن تحالف الإجماع (إنقطع رأسه) لأن بقية قوى اليسار المشكلة للتحالف كانت -بانتهازية معروفة- تقتات على وجود القوى الكبيرة الحية معها في التحالف ولمفارقات القدر وسخرياته كانت تمتطي صهوات جياد هذه القوى وتقف فى الصفوف الوسطى والخلفية!
ثانياً، بناء على النقطة السابقة فإن من الصعب ولا نقول من المستحيل بعد الآن أن تصمد قوى اليسار (أو ما تبقى من التحالف) فى تحالف آخر وذلك ببساطة لأن (القوى الحية المؤثرة) قد تباعدت المسافات بينها وبينهم ومن غير المتوقع أن يلتقيا على المدى القريب خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار وجود توجه بين الشعبي والأمة والإصلاح الآن لخلق تحالف جديد ربما ينضاف -عاجلاً أم آجلاً- الى الوطني فيصبح الأمر بمثابة فاجعة سياسية حقيقية لقوى اليسار.
ثالثاً، قوى اليسار تجد مشقة بالغة فى الاستفادة من مجريات المشهد الماثلة فهي لا تستطيع عملياً أن تعقد تحالفات مع الوطني أو الأمة القومي أو الشعبي بأطروحات قريبة من وثيقة الوطني، مع أن السياسة هي فن الممكن فإن هذه القوى الصغيرة تستكثر على نفسها أن تتخلى -ولو مؤقتاً- عن أطروحاتها القديمة والتي أثبتت لها الأيام والسنوات أن تجربة السودان لا تصلح على الإطلاق لإنباتها. كما لا تستطيع عملياً أن تنشئ تحالفاً يضمها وحدها لأنها إن فعلت فستكون قد تطرفت تماماً وإبتعدت نهائياً عن الشاطئ.
رابعاً، ما يسمى بقطاع الشمال والجبهة الثورية هو نفسه أصبحت فى مأزق من نوع آخر، فمن خلال الصراع الجنوبي الجنوبي وما افرزه وما يزال يفرزه فإنها أصبحت رهينة (للرياح الجنوبية) و (الرياح اليوغندية) وهذا فى الواقع مأزق ما بعده مأزق لأن أي قوة مسلحة حين تجد نفسها مرتبطة بصراع آخر فإن ذلك بمثابة عبء هائل لا تستطيع إحتماله.
وهكذا فإن وثيقة الوطني –قصد ذلك أم لم يقصد– تكفلت بممايزة الصفوف السياسية بطريقة طبيعية تشبه الانتخاب الطبيعي للأشياء، فالوطني لم يفعل أكثر من أنه قدم وثيقة عبر من خلالها عن أطروحاته السياسية الواقعية وترك القوى السياسية -كل على حدا- تحدد مواقفها سلباً أو إيجاباً.