دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الخميس، 26 أكتوبر 2017

ليسوا سعداء برفع العقوبات!


لم يبد حتى الآن على القوى السياسية السودانية المعارضة -ربما باستثناء حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي- انها سعيدة برفع العقوبات عن السودان، مع ان القرار فى حد ذاته وبغض النظر عن ما بذل فيه دبلوماسياً وغض النظر عن نتائجه
المتوقعة، يصب فى خاتمة المطاف لصالح الدولة الوطنية السودانية من الناحية الاستراتيجية كونه يوفر صلات سياسية واقتصادية و تحويلات بنكية وحركة تجارية واسعة النطاق تفتح باباً للرخاء الاقتصادي المنشود لبلد زاخر بالموارد مثل السودان.
ولا يتصور أي محلل سياسي ان يكون هدف أي سياسي وطني هدفاً مغايراً لرخاء الدولة وراحة شعبها! وحتى ولو افترضنا جدلاً ان نجاح السلطة الحاكمة فى إدارة شأنها السياسي والاقتصادي لصالح المواطن البسيط يخصم من الرصيد السياسي للطرف السياسي المعارض -مع أن القضية تحتمل المنافسة المشروعة- فان من المؤكد ان نجاح السلطة الحاكمة فى مثل هذه الأمور مطلوب وبإلحاح لان غاية أي عمل سياسي خير ورفاهية المواطنين ونهضته الدولة، ويجب ألا يكون ذلك مثار غضب وعدم سعادة الطرف المعارض.
من جانب آخر فان عدم سعادة الطرف المعارض برفع العقوبات مرده إلى أن القوى المعارضة -للأسف الشديد- أسهمت بدرجات متفاوتة فى فرض هذه العقوبات اعتقادا منها أنها كفيلة بإسقاط السلطة الحاكمة! لكن وبصرف النظر عن فاعلية هذه العقوبات وإمكانية تسببها فى إسقاط الحكومة، فان الوسيلة نفسها غير مشروعة لا من الناحية القانونية العادية ولا من الناحية القانونية، فان القانون الذي تم فرض العقوبات بموجبه قانون أمريكي والقوى السياسية المعارضة بالطبع ليست منتمية للولايات المتحدة وهي بهذه المثابة خلعت رداءها الوطني وارتدت العلم الأمريكي وصفقت للقانون الأمريكي الظالم!
هذه في حد ذاتها تكفي للشعور بالدونية الوطنية واللا انتماء الوطني، إذ يستحيل على وطني غيور أن يشعر بالسعادة وبلاده يطبق عليها قانوناً أجنبياً.
من جانب ثالث فان تصفيق القوى المعارضة للعقوبات الامريكية حينما فرضت قبل 20 عاماً وشعورها حيال هذا بالسعادة كان معناه ان هذه القوى المعارضة من الضعف والهزال بحيث سعدت بعامل خارجي أجنبي من المنتظر أن ينجز لها مهمتها المتمثلة فى إسقاط النظام!
ثم كانت قمة المهزلة ان هذه العقوبات لم تزد عن كونها ألقت بآثارها السالبة على شعب الدولة السودانية وأفقرته وزادت معاناته ولم تحقق أي هدف من أهداف إضعاف او اسقاط النظام! فلو ان هذه العقوبات حال فرضها او بعد فرضها بسنوات أسقطت النظام –مع ان هذا كان مستحيلاً وسبقته تجارب كوبا وإيران– لقلنا ان قوى المعارضة على اية حال وجدت من يحقق لها هدفها ويخوض لها معركتها، وحققت هدفها، ولكن هذا لم يحدث، بل على العكس تماماً استطاعت الحكومة ان تبقى واستطاعت ان تنتزع القيد الحديد لهذه العقوبات وتلقيه بعيداً الى غير رجعة.
 إذن أيهما أدعى للسعادة الآن؟ أما كان من الأفضل والأجدر ان تظهر قوى المعارضة السودانية قدراً من السعادة برفع عقوبات ساهمت فى فرضها ولم تحقق لها هدفها؟

الحلو وقراءة سطور التاريخ بالمقلوب!


عبد العزيز الحلو، الزعيم المتوج حديثاً بزعامة الحركة الشعبية قطاع الشمال يبدو أنه الآن يقرأ سطور التاريخ بالمقلوب من أسفل إلى اعلي! وهذه واحدة من ابرز مثالب قادة الحركة الشعبية، إحدى أسوأ التجارب السياسية المسلحة التى شكلت
ظاهرة من ظواهر التاريخ السياسي السوداني الحديث.
وحين نصف تجربة الحركة الشعبية عموماً بالسوء فالأمر هنا لا يتصل بمجرد الوصف او الشتم، ولكنه توصيف سياسي وعلمي مبني على مقدمات معروفة قادت الى هذه النتائج و تدليلاً على ما نقول فإننا نبدأ من الحلو نفسه، فالرجل الذي تسنم الحركة الآن على الجثث السياسية لرفيقيه، عرمان ومالك عقار.
والحلو كان قريباً من قائده السابق قرنق، ومن المؤكد كان قريباً جدا من ملف مفاوضات نيفاشا، وكان يعرف ما يدور فى ذهن قائده ولم يبد رأياً ولا موقفاً ولا اعتراضاً، لماذا إذن –والسؤال موجه للرجل– لِمَ لَمْ ينجح هو لا بقية رفاقه فى قطاع الشمال فى تضمين مقترح تقرير المصير فى اتفاقية السلام الشاملة لتشمل المنطقتين؟
السؤال ربما قلل منه البعض او استهانوا به، ولكنه سؤال هائل وشديه الأهمية ويكشف مقدار العبث واللهو السياسي الذي تتخذ منه الحركة الشعبية أسلوباً للعامل مع الآخرين. ذات الحلو هذا وحين كانت حركته عضواً فى تحالف ما كان يعرف بالجبهة الثورية وكانت تضم حركات دارفور المسلحة لم يبد أي رأي حين رفض عقار تولي احد قادة حركات دارفور قيادة الثورية!
كان واضحاً ان الرجل -ورفيقيه، عرمان وعقار- يفعلون ذات ما فعلته بهم الحركة الشعبية الأم، يستخدمونهم كوقود للحرب، ثم لا يمنحونهم حقا من الحقوق . ثم ان الحلو نفسه -وهذه فاجعته الشخصية- يعلم ان المغيرات تدور بسرعة مهولة من حوله، والسودان يستعيد علاقات تاريخية وقوية مع الولايات المتحدة وأوروبا. ووصل مرحلة رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، ونجح فى مشروع الحوار الوطني وبنى قاعدة سياسية وفاقية داخلية متينة.
كل هذا يجري بسرعة لا تنتظر، فكيف يمكن اللحاق بهذا المدار السريع؟ هل من المنطقي ان تلقي بحق تقرير مصير فى ظل ظروف كهذه، واشنطن اقرب ما تكون الى الخرطوم وأبعد ما تكون عن كادوا وجوبا! و كاودا نفسها منقسمة وتشهد بوادر صراع قاتل ومميت بين قادتها حيث لا يأمن الحلو عقار، ولا يأمن عقار الحلو، ولا يأمن ياسر عرمان لكيهما، وكليهما لا يأمنانه!
وهل من المنطقي ان تلقي بأطروحة تقرير مصير فى ظل وجود جبهة وطنية داخلية موحدة وحكومة وفاق وطني وفى ظل إدارك القوى المعارضة نفسها لمآلات هذه الحق وفق المثال المؤسف الذي حدث فى دولة جنوب السودان وأثار استياء العالم بأسره؟
 وحتى لو قلنا -افتراضاً- ان هذا الطرح تكتيكي ومن قبيل تعلية سقف التفاوض، فهل بإمكان الحلو تحقيق نتائج أفضل للمنطقتين تجاوز -كماً ونوعاً- ما حققته اتفاقية السلام الشاملة؟ من المؤكد ان الرجل يحاول فقط التظاهر بأنه يود أن ينجز ما لم ينجزه احد من قبل وتلك واحدة من العلامات التى يعرف بها السياسي المفلس!

المردود الوطني المباشر لقرار رفع العقوبات!


 لو لم يكن لقرار رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية على السودان من فائدة سوى انه فتح قناة دبلوماسية وثقة متبادلة بين الدولتين، من شأنها الدفع بالعلاقات المتأرجحة لسنوات بينهما الى الأمام؛ فان هذه النتيجة وحدها تكفي .
ومع ذلك فان الملاحظة الأولية المدهشة من خلال التطور الايجابي المتنامي بين واشنطن والخرطوم فى علاقتهما أنها سرعان ما قوضت حركة المعارضة السودانية وقيدتها! بل لا نغالي إن قلنا ان هذا التطور الايجابي فى العلاقات، يقابله على الجانب الأخر انهيار كل خطط وأوراق قوى المعارضة السودانية الى الحد الذي قال فيه جبريل ابراهيم زعيم حركة العدل والمساواة فى المؤتمر العام للجبهة الثورية الذي انعقد الأسبوع الماضي في العاصمة الفرنسية باريس (أن الغرب قدم مصالحه الخاصة على مصالح الآخرين)!
وهي مقولة بقدر ما فيها من غبن وخيبة أمل موجهة إلى (الغرب) فهي بذات القدر تعكس الي أي مدى كانت قوى المعارضة تراهن على (الغرب) وتضع البيض كله فى سلته! والأكثر مدعاة للأسى هنا، ان قوى المعارضة وهي تتلقى دعم الغرب و تتمرغ فى نعيمه اللوجستي فى عهد ذهبي سابق، لم تستطع اسقاط النظام، أو تهز شعرة منه!
 ولا تخجل الآن -ولو بحمرة خجل خفيف- فى رد حالها المزري نتيجة لان (الغرب قدم مصالحه الخاصة على مصالح الآخرين)! بمعنى أكثر إيلاماً، فان قوى المعارضة السودانية لا تبرر ضعفها وفشلها فقط على سحب الغرب لدعمها لها، ولكنها تلوم الغرب وتنتقده لأنه راعى مصالحه هو فقط! وكان يتعين عليه ان يظل وفياً ومراعياً لمصالح الآخرين الذين ينتظرونه كي يوصلهم نهاراً أو ليلاً إلى ملتقى النيلين والقصر الرئاسي المطل على النيل فى الخرطوم!
لقد بدوا واضحاً الآن ان قوى المعارضة السودانية فهمت السياسة على أنها عاطفة انسانية مشبوبة، يعشق فيه الغرب سمرة المعارضة وعيونها العسلية ولغتها الركيكة الموجهة الى النظام الحاكم، ومن ثم يهيم بها حباً ويظل مقدماً لمصالح هذا الحب التاريخي لا يتخلى عنه أبداَ! ولهذا فوجئت بأن كل شيء قد تغير، وان (حبيب الأمس) قد هجرها وتركها تكابد ليلها الشاتى الطويل.
ولذلك فان رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية عن السودان فى واحدة من أهم تجلياته انه (أيقظ) نيام قوى المعارضة السودانية من سباتهم و أحلامهم الطائرة وأعادهم الى الواقع. فقد رفضوا في السابق كل عروض الحل، ورفضوا حتى مبدأ التفاوض. وهاهم الآن يعاتبون الأمريكيون على مراعاتهم مصالحهم الخاصة، تاركين مصالح المعارضة المهمة!
كما ان القرار أعاد ترسيخ مبدأ مهم واستراتيجي فى الممارسة السياسية على الساحة السودانية وهي ضرورة استخدام (المكون السياسي الوطني) في العمل المعارض والاعتماد على الذات، ومراعاة (فروق المصالح) والاهم من كل ذلك النظر إلى مصالح الدولة السودانية العليا وضرورة عدم المساس بالسيادة الوطنية للدولة أياً كانت الحكومة التى تحكم، وكل ذلك لسوء الحظ بات يتعين على القوى المعارضة ان تلتحق بمعهد مسائي لتعلّمه!

مؤتمر الثورية في باريس.. (نهاية التاريخ)!


مع أنه أمر ابعد ما يكون عن مواكبة المتغيرات ومحاولة اللحاق ببعض عربات القطار المنطلق، إلا أن هذا هو حال وديدن مكونات المعارضة السودانية في صورها وأشكالها المختلفة! هي دائماً تأتي متأخرة فاترة غير مستوعبة لحقائق الواقع، لا تستذكر
دروسها جيداً ومع ذلك تجلس للامتحان. الجبهة الثورية قبل أيام فعلت ذلك، فقد عقدت مؤتمرها العالم في العاصمة الفرنسية باريس –الخميس 12/10/2017م وضمت مكونات سياسية رقيقة الحال، ومنقوصة التاريخ فارغة المحتوى فكرياً و سياسياً، وتوزعت ما بين مناوي وجبريل ابراهيم وما يسمى بحركة كوش (محمد داؤود)!
لا ندري هل هي كوش هكذا بفتح الكاف وسكون الواو والشين أم إن دواعي الحال تجعلها بضم الكاف وتشديد الواو بفتحة ظاهرة؟ وحضر المؤتمر أيضاً المبعوث الفرنسي الخاص للسودان وجنوب السودان (استجفاني قروبنيرغ) وممثل الحركة الشعبية في فرنسا، الشفيع عبد العزيز الذي لم يجرؤ احد على استفساره لأي جناح يتبع، ثم كان هناك (على مجوك) وهو وزير دولة سابق وكان حينها يعتمر قبعة أولاد الحركة ولكنه هذه المرة جاء ممثلاً لموسى هلال!
كل فعليات المؤتمر لم تزد على التباكي وذرف الدموع ثم إحياء الأمل في إسقاط النظام! و لهذا فإن المؤتمر لم يأت بجديد وما كان احد عاقلاً او غير عاقل ينتظر جديداً للتمتع برئاسة الجبهة الثورية, وربما بدا ملفتاً ان الرئاسة انتقلت اليه من جبريل ابراهيم، الأمر الذي يشير إلى أن الثورية -بعد تمزق الحركة العشبية قطاع الشمال- أصبحت جبهة ثورية دارفورية بامتياز!
مناوي الذي تسلم قيادة الثورية لم يكن يملك ما يقوله فالحال يغني بطبيعة الحال عن السؤال. الرجل هزمت حركته هزيمة نكراً في دارفور وفى أجراء جنوب السودان وفي ليبيا. ضربات على قدر كبير من الألم طالت حركة مناوي وصارت حركة تتحرك بكرسي متحرك!
مناوي فقط أعاد تذكير المؤتمرين بممارسات النظام و أنهم بصدد تقييم التجربة الماضية! ألم نقل قبل قليل، إن المكونات السياسية المعارضة لا تعرف كيف تواكب المتغيرات وكيف تسوق نفسها؟ هل من عاقل ينتظر (تقييماً) لتجربة الثورية؟ الحركة الشعبية تلاشت بفعل الانقسام و صار مستقبلها مجهولاً تماماً وقد أنزوى ممثلها في الجبهة (الشفيع عبد العزيز) وفضل الصمت!
عبد الواحد محمد نور غاب وهو أصلاً غائب عن كل الميادين منذ ان أنزلته قوات ادعم السريع من سفوح جبل مرة ومرغت أنفه بتراب الجبل وحشائش الأرض و لقنته درساً! مناوي وجبريل (عُدلاء) بلغة السودانيين، فهم رفقاء هزيمة متماثلة، كل منهما يعلق جراحاً غائرة لا شفاء لها!
مجمل صورة مؤتمر الثورية في باريس، لم يزد عن كونه مأتم سياسي وحفل تأبين الغائب والحاضر فيه جميعهم سواء! وكأني بالثورية تحاكي مقولة فوكو مايا الشهيرة (نهاية التاريخ)!

الاثنين، 23 أكتوبر 2017

ندوة لقيادات الثورية بباريس تتحول إلى ساحة لتبادل الإساءات والإتهامات


فشلت ندوة عقدتها قيادات ما يسمي بتحالف الجبهة الثورية بجامعة نناتير بباريس بعد أن تحولت إلى ساحة لتبادل الإتهامات والتراشق بالإساءات بين الحضور. وقام منظمو الندوة بطرد الصحفية عبير المجمر من القاعة بعد مداخلة اتهمت فيها قيادات الجبهة بالنفاق والتملق والبعد عن الممارسة الديمقراطية.
وقال ناشطون حضروا الندوة لـ(smc) أن الصحفية عبير هددت المنصة بكتابة مقال ونشره في الإنترنت عن حال المعارضة وقاداتها المتواجدة في باريس فيما هاجم المدعو أحمد محمد يعقوب ممثل العلاقات الخارجية لتحالف حركات دارفور بليبيا، مني أركو مناوي واتهمه بأنه معوّق رئيس لعدم الحاقهم بالجبهة الثورية.
ومن ابرز الذين حضروا الندوة وتحدثوا خلالها جبريل إبراهيم ومني أركو والتوم هجو.
وقال الناشطون أن حديث قيادات الثورية المكرر عن ضرورة التوحد لاسقاط النظام والتقليل من قرار رفع العقوبات أدى لاستياء كبير وسط الحضور، كما قام بعض المتحدثين بتوجيه انتقادات عنيفة لقيادات الثورية واتهموهم بالضعف وعدم القدرة على توحيد صفوفهم.

الأرض تميد من تحت أقدام الحلو !!


قبل أن يجف حبر بيان مؤتمر الحركة الشعبية (لتحرير السودان شمال) والذي طرد عقار وعرمان من منصبي الرئيس والأمين العام وأبدلهما بعبد العزيز الحلو وعمار أمون بدأت الرياح العاتية تهب على التنظيم الجديد للحركة من ولاية النيل الأزرق
التي انتقلت القيادة منها إلى جنوب كردفان بل إلى جبال النوبة.

بالطبع لا أستبعد يد عقار في هذا التحرك المضاد سيما وأنه مغبون من الإطاحة به كما أنه يُعبّر عن ولاية النيل الأزرق التي كانت تقود قطاع الشمال قبل الانشقاق الأخير سيما وأن عقار الذي لا يرى الكون إلا من ثقب نفسه الأمارة خاض معركة الزعامة ورفض التنازل عن رئاسة الجبهة الثورية عند انقضاء فترة رئاسته بالمخالفة لدستور الجبهة الثورية.

كذلك فإن تفصيل القرارات على أحد مكوني الحركة (جبال النوبة) مثل المطالبة بمنح حق تقرير المصير لجبال النوبة مع استثناء النيل الأزرق يعبر عن ضعف البناء المؤسسي للتنظيم الجديد وعدم الحرص على تلك الولاية مما ينم عن سذاجة سياسية هي التي تسهل من القضاء على الحركة في طورها الجديد .

لست أدري والله هل هي سذاجة سياسية أم اكتئاب ألمّ بالحلو وجعله يُقدم على الانتحار سيما وأنه يعاني من مرض خطير يقال إنه في أطواره الأخيرة؟.

لم يعلم عن الحلو دهاء سياسي كالذي اشتهر به عرمان مثلا والذي ، رغم فشله الذريع في كل محطات حياته السياسية التي أهدرها في العدم ، فإنه يتمتع بقدرات كبيرة على المناورة والحركة وعقد التحالفات ، اكتسبها من خبرة طويلة في العمل السياسي منذ شبابه بل صباه الباكر، أما الحلو فبالرغم من تعليمه الجامعي فقد عرف بالانطوائية وضيق الأفق فهو عسكري قح وليس سياسياً ولا يجيد التفاوض أو المناورة ولا يتمتع بأي درجة من درجات الصبر على لأواء السياسة ومنعرجاتها ومشكلاتها.

لعل الناس يذكرون أنه بعد مصرع قرنق وتفجر بعض الخلافات بين قيادات الحركة الشعبية هاجر الحلو إلى أمريكا ولم يعد إلا بعد أن زاره عرمان وأقنعه بالعودة.!

أرجع لأقول إن مطالبة الحلو بتقرير المصير هو أكثر ما منح (المغبونين) عقار وعرمان منصة للهجوم عليه.

فقد شن عقار الذي يعتبر زعيماً للمعارضة لتنظيم الحلو حملة شعواء على بيان الحلو وركز على تقرير المصير خاصة إقامة معظم أبناء النوبة في مختلف مناطق السودان خارج جبال النوبة وقال إن ذلك سيشعل الفتنة ويطيل أمد الحرب ولن يجد سنداً إقليمياً أو دولياً سيما بعد تجربة انفصال الجنوب التي أثبتت خطل رؤية كل من ساندوا قيام الدولة الجديدة من المتعاطفين مع شعب الجنوب والمتحاملين على الشمال وشعبه فقد ثبت لهؤلاء جميعاً أن الجنوب لم يتوحّد إلا على العداء للشمال وأنه لا توجد هوية مشتركة تجمع بين قبائله المتباغضة المتنافرة المتناحرة وأن الأسباب التي جعلت المستعمر الإنجليزي يعمد إلى توحيده مع الشمال لم يطرأ عليها أي تغيير .

مما قاله عقار لإضعاف الحلو أن الدعوة إلى تقرير المصير ستضعف مشروع السودان الجديد وستنقسم الحركة سيما وأنه لا حدود جغرافية مشتركة بين جبال النوبة والنيل الأزرق وسيحدث ذلك فتنة بين أبناء جبال النوبة سيما وأن أعداداً كبيرة من أبناء النوبة يقطنون خارج منطقة جبال النوبة وتربطهم مصالح مع باقي سكان السودان وكذلك فإن تلك الدعوة ستنشئ تعبئة إثنية بين القبائل العربية وغير العربية في المنطقتين ومضى عقار إلى القول إن قضية الجنوب تختلف تاريخياً عن قضية المنطقتين مضيفاً أن الاستفتاء في الجنوب لم تشارك فيه القبائل العربية أو غير الجنوبيين أما في المنطقتين فإن الجميع سيشاركون وتحدث عن حدودهما الجغرافية مع السودان وقال إنها ليست كحدود الجنوب وغير متفق عليها.

الهجوم الضاري الذي شنه عقار على الحلو فيه كثير من المنطق ويضعف من الحلو خاصة في النيل الأزرق التي همشت بصورة غريبة من قيادات النوبة الذين ظلوا يجارون بالشكوى من التهميش.

البيان المنسوب للحلو وجد معارضة من معظم القوى والقيادات السياسية خاصة فيما يتعلق بتقرير المصير ومن أولئك مثلاً السيد الصادق المهدي الذي كان قد ساند الحلو وهجر عرمان حليفه القديم في نداء السودان، فقد قال المهدي في حوار شهير نشر في صحيفة اليوم التالي إن (الأمر في الحركة الشعبية قد آل إلى الحلو المسيطر على الميدان وأنه والحلو توصلا إلى تفاهمات حول تحركهما المستقبلي) ولكن لم يمض شهر واحد حتى أصيب المهدي بخيبة أمل وصف فيها قرار تقرير المصير بالمؤسف.

عزل الحلو نفسه تماماً من جميع القوى السياسية بموقفه من تقرير المصير كما أن لغته العنصرية شوهت من صورته إذ يصعب على أي حزب سياسي أن يقف في صف الرجل الذي انساق وراء أحقاده ومراراته. عدد من القيادات الحزبية خاصة من أبناء المنطقتين أبدت دهشتها لموقف الحلو من تقرير المصير لأنه لم يضمن في اتفاقية نيفاشا.

الأحد، 22 أكتوبر 2017

تجلية فاحصة لقرار الرفع..

عصام الحسين
الدُخول إلى المآل المُنتظر عقِب الرفع الكُلي للعقوبات الاقتصادية من وجهة نظر مُتفائلة يتعدى القشور السطحية ـ المُستنِدة على التقدم المُحرز في العلاقات بين الإدارة الأمريكية وحكومة السودان في المسارات الخمسة والاختراقات الملموسة في مجالي الحُريات الدينية وحقوق الإنسان ـ
إلى التغييرات الجوهرية في مفهوم العداوة والصداقة وشروط كل منهما للمفاضلة والمُقايسة بُغية تغليب أحدهما على الأُخرى، إذ ينشغل عالم اليوم بشواغل جسام تنسحب عليها إعادة حسابات التحالف لخلق العلاقات المُمكنة والمُستحيلة.
وعلى هذا الأساس يُنظر إلى قرار رفع الحظر نظرة إيجاب، فلم يعُد السودان ذلك البلد الفقير والضعيف بحيث يؤول إلى السقوط جراء التضييق والمُقاطعة، إذ أنتج في ظل كل هذه الإجراءات تجربة مُعتدلة مكَّنته من التعايش مع الحصار، وأفرغ وسعه في تحويل المِحنة إلى مِنحة بالانفتاح على مشارب أخرى، ثم تكشَّفت بما لا ريب فيه قُدرة السودان على إنتاج البدائل، واستيعابه للمتغيرات في المحيط الإقليمي والدولي وتقديم الأُنموذج المُعتدل والحلول المُتجاوِزة للأمكنة والأزمنة.. ومازال التعاون في مساري مُكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية دليلين إضافيين لهذا التجاوز تعديةً إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية لجهة استناد السودان إلى قناعات راسخة تجاه ضرورة وقف كافة أشكال العنف وتمهيد السبيل لمجتمعات الكفاية والاستقرار.
إن كان الأمر كذلك.. حريٌ بنا تصويب النظر إلى ما بعد القرار، تجليةً فاحصة، حتى يُظن أننا ننشُد تضييع الفرحة، في حين ننشُد عدم الدخول في نشوة تُنسينا قواعد اللعبة وتصرفنا عن الكياسة والفطنة، إذ لا يُنتظر أن يعود القرار علينا ببركات من السماء والأرض، ما لم تُستولد منه الفُرص ويُعمل على إنزالها خُططاً وبرامج عمل، وفي هذا المجال تُشحذ الهمم ويُوحد الصف إنفاذاً لمخرجات الحوار الوطني وتوسيعاً للمشاركة السياسية وإعمالاً لمبدأ المُحاسبة عبر القانون، وفي ما يلي الاقتصاد ومعاش الناس ليس هناك أنفع من تكملة الخريطة الاستثمارية تشجيعاً لرؤوس الأموال المُتدفِقة وتفعيلاً للقوانين الضابطة وترويجاً للشراكة الذكية في كافة المجالات، كما آن الأوان للشروع في عقد مؤتمرٍ جامعٍ للحوار الاقتصادي ـ بعد أن لعبت الدبلوماسية دورها بالكامل ـ يتداعى له كل مفكري بلادي لتفريخ وصفة علاجية مُستدامة يُكافأ بها الشعب السوداني على صبره الطويل.
هذا في ما يلي الأمد القريب، أما المأمول للخروج بالسودان إلى كامل المشهد وتمام العافية، فينطلق من تعزيز المناخ الداخلي الإيجابي ببث الأمل لدى قطاعات الشعب وتهيئة السلام الاجتماعي تمهيداً للشروع في تنفيذ خُطة إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ليضطلع بدوره المأمول في إنتاج شراكة مبنية على تبادل المصالح، بجانب التعامل المدروس تجاه ردة الفعل السالبة والمتوقعة من الجهات المُتربصة التي ترفض لهذا البلد مُجرَّد التعافي أو مُغادرة غرفة الإنعاش.

السودان… انهيار الحصار

بعد سنوات طويلة أعلنت الإدارة الأمريكية عن رفع الحصار والعقوبات عن السودان.. وفي هذه السنوات الطويلة وصلت آثار الحصار على الشعب والبلد والدولة إلى مستويات قاسية، فيما كان السودان يتجرع غصص الحصار والعقوبات، كان الموقف الرسمي العربي يعاني تدهورا كبيرا في ظل التطورات التي ضربت بعمق النظام العربي في اكثر من مكان، ولهذا كان العجز العربي ماثلا في إمكانية اختراق الحصار الغربي والعقوبات الأمريكية..
لم يكن الحصار والعقوبات محدودة بإجراءات امريكية، بل تمددت الى كل حلفاء امريكا واصدقائها، الأمر الذي اعطاه صبغة دولية، وفي ظل هذا الحصار وتلك العقوبات تم الضغط الدولي والإقليمي لفصل جنوب السودان، حيث واصلت اجهزة الأمن الصهيونية عملها بتكوين قوات عسكرية من الجنوبيين وساهمت دول غربية في إثارة ولايات دارفور ضد الدولة المركزية، وكاد السودان يتبعثر على عدة دول في جنوبه وشرقه وغربه، وفي ظل الحرب متعددة الجبهات والحصار الخارجي كان الأمر يتجه إلى مساومات عميقة مع الدولة السودانية.
في سياق الحرب الشاملة بين الشمال والجنوب ووفقا لاستراتيجيات مُعَدّة بإتقان يتم التعامل مع دولنا وبلداننا في مرحلة ما بعد الاستعمار إلى تفتيت كياناتنا السياسية المستحدثة وإلغاء الدولة الوطنية بإثنيات عديدة، وهنا كان نصيب السودان ان يدفع الثمن أولا.. ولكن الأمر لم يتوقف عند فصل الجنوب فكان حسب الرؤية الاستعمارية الحديثة لا بد من بحث عن إثنيات أخرى يتم بموجبها التقسيم الجديد.
صمد السودان وسعى بكل وسيلة لتحييد الحصار والعقوبات واضطر  للقبول بتنازلات مؤلمة، لأن السؤال المطروح هو: هل يبقى السودان او يتلاشى في قبائل متناثرة يضربها الجوع والحروب والتشتت؟ استطاع السودانيون ان يخرجوا من التحدي بأقل الخسائر وان يثبِّتوا الدولة ومؤسساتها وأن ينهضوا بمجالات عديدة في بناء الدولة واقتصادها، فيما يكونوا قد فتحوا مجالات الاستثمارات الدولية لاسيما الصينية الى أماد بعيدة.
انهيار الحصار عن السودان وخروجه من العقوبات الأمريكية يفتح باب التساؤلات الكبيرة امام العرب والمسلمين: لماذا يُترك البلد العربي والمسلم وحيدا في مواجهة التحدي الغربي والأمريكي؟ ألا تكفي المؤسسات الإقليمية كجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الاسلامي ومنظمة الوحدة الافريقية وبقية دول عدم الانحياز ومجموعة بريكس للتصدي للفرعنة الأمريكية وان تقوم بتعويض ما يحدثه الإجراء الغربي والأمريكي؟ ان موقفا عربيا واسلاميا وانسانيا ضروري جدا لترسيخ قيم للعلاقات الدولية بعيدا عن غطرسة القوة التي ترفضها الإدارات الغربية وإلا فإننا سنشهد بين المرحلة وأختها محاولات خبيثة جديدة من الحصار والعقوبات وهي في الحقيقة تريد ابتزاز او إحداث خلل في تركيبة المنطقة تثوِّرها لتوريط المنطقة في صراعات دامية..
خرج السودان من تحت طائلة العقوبات الأمريكية ولكن لم تنته بعد سطوة أمريكا على العالم العربي والإسلامي وهذا يستوجب نهوضا عربيا سياسيا وإعلاميا وقانونيا لوضع حد للعجرفة الأمريكية.. تولانا الله برحمته.

وحدة السودان، الخط الاستراتيجي الغير قابل للتجاوز!


 مع قناعة السودانيين بصفة عامة بحق تقرير المصير لجنوب السودان والذي عبرت عنه اتفاقية السلام الشاملة 2005 والذي أفضى عقب الاستفتاء الذي اجري العام 2011 الى قيام دولة جنوب السودان؛ إلا أن تلك القناعة بشأن جنوب السودان -حتى
مع التأسف على ما اليه الوضع هناك- لا يبدو أنها قابلة للتكرار، فالظروف التى توافقت فيها إرادة السودانيين على ضرورة منح الجنوب حقه فى تقرير مصيره، ظروف تاريخية حتمتها مقتضيات الضرورة وهي الضرورة التى يقول علماء الأصول أنها تقدر عادة بقدرها.
إذن ضرورة منح جنوب السودان حق تقرير مصيره كانت وما تزال محكومة بالسياق والملابسات الموضوعية التى أحاطت بالموضوع فى حينه، وهي أمور من المستحيل ان تتكرر. اذن السودان من الناحية الاستراتيجية و الجغرافية الطبيعية قطر غير قابل للانقسام وحتى لو أنه ارتضى وضعاً كهذا، فان أجزاؤه المنقسمة لن تستطيع عملياً ان تتواءم مع المواقع. ولهذا فان إمكانية النظر – للمرة الثانية – فى منح جزء من أجزاء السودان او إقليم من أقاليمه حقاً مماثلاً فى تقرير المصير تبدو منعدمة تماماً وذلك لعدة اعتبارات ذات طبيعة إستراتيجية يصعب تجاوزها:
أولاً، الحال المؤسف و المزري الذي آل اليه جنوب السودان من حرب أهلية قبلية طاحنة على لا شيء، تكفي عظة وعبرة لسوء وخطل فكرة الانقسام. نحن هنا لا نتحدث عن فشل النخب الجنوبية او عدم تحليها بالمسئولية او فسادها، ولكننا نتحدث عن المكونات الإثنية واستحالة توليفها ما لم تكن فى سياق قطر كبير شديد التنوع.
بمعنى أدق، ان اتساع رقعة السودان الجغرافية و كثرة مكوناته الاثنية مصدر ثراء وتنوع يمثل قيمة مضافة لهذا البلد، وهو أمر ادعى الى ترسيخ عنصر المواطنة، أحد أهم وأبرز عناصر نجاح الدول القطرية الحديثة، وأمامنا نماذج عديدة فى الولايات المتحدة وسويسرا وماليزيا وغيرها من دول العالم. وعلى ذلك فان إنقاص مساحة السودان الجغرافية وتكثيف وجود مكونات قبلية بعينها دون المكونات الأخرى يفقد الجزء المعين عنصر التنوع المطلوب.
ثانياً، قضية المنطقتين – جنوب كردفان والنيل الأزرق، ليس لها الطابع الذي كانت تتسم به قضية الجنوب، فالمنطقتين تقعان جغرافياً و جيوسياسياً داخل العمق الاجتماعي الثقافي في السودان، ليست هناك خصوصية تذكر ولا تباين ثقافي يستلزم إعطاؤهما ميزة تفضيلية ، ومن غير المنطقي انه لو كان أحس جزء من أجزاء السودان بأنه مغاير لبقية المكونات او المركز ان يمنح حق الاستقلال!
بل من المهم هنا -لحقيقة موضوعية تاريخية- ان قضية المنطقتين هي جزء من تكتيكات الحركة الشعبية الجنوبية، فالحركة الشعبية الجنوبية وفى إطار صراعها مع المركز فى بداية النزاع العام 1983 اتخذت من تكتيك استخدام الأطراف القريبة من الإقليم الجنوبي وسيلة لإحكام الخناق على المركز حسبما كانت تتصور.
فالدكتور قرنق اتبع هذا التكتيك ليؤلب اكبر قدر من الأطراف على المركز ولكي يستفيد من القوة البشرية يوظفها لصالح حركته وليس أدل على ذلك من أن الحركة الشعبية وحين قررت مصير الجنوب تركت منسوبيها من المنطقتين وراءها، ولم تحرص قط على معالجة قضياهم ولم تكن قضاياهم ضمن قرار تقرير المصير؛ ولو كان صحيحاً إن من حق المنطقتين تقرير مصيرهما لتم النص على ذلك صراحة فى اتفاقية السلام الشاملة 2005م.
ومن المؤكد ان المقصد الأساسي للحركة الشعبية الجنوبية كان ان تدع المنطقتين وفيهما الفرقتين 9 و 10 التابعتين لجيشها الشعبي ليكونا خميرة عكننة وأزمة مستديمة فى السودان! ومن المؤكد أيضاً إن سوء النية هنا واضح ولا يحتاج الى دليل.
مجمل القول هنا ان السودان تقوم إستراتيجية بقاؤه وقوته على وحدته بالاستفادة من ثرائه و تنوعه، فالتنوع هو عنصر ثراء ومصدر قوة وكلما انقسم، إزداد الجزء الذي قسم نفسه ضعفاً، ولم يحل المشكلة، فالدولة الجنوبية الوليدة حالياً لم تحل أزمتها و زاد ضعفاً وحصدت استياء إقليمي ودولي وأصبحت الأمور على أيام الحرب بين الشمال والجنوب أفضل مما هو قائم الآن، فهي دولة مغلقة وزادت بداخلها حدة الصراع الاثني وليس من الحكمة والحصافة فى شيء تكرار ذات التجربة عبثاً ولهواً فى عصر لا مجال فيه لتكرار التجارب الفاشلة.

السودان من إستراتيجية تفكيك الأزمات إلى إستراتيجية النهضة!


قال وزير النفط والغاز السوداني، الدكتور عبد الرحمن عثمان عبد الرحمن إن وزارته بدأت فى تسلّم عروض من شركات أمريكية وكندية تعمل في مجال البترول ولديها الرغبة فى الاستثمار فى النفط السوداني.
الوزير أشار الى وصول وفود بهذا الصدد بغية بدء التفاوض بشأن الاستثمار والعمل في مجال البترول، فى ذات الوقت الذي انسابت فيه أواخر الأسبوع الماضي عمليات التحويلات المالية بين مصارف أجنبية ومصارف سودانية تنفيذاً لقرار رفع العقوبات الاقتصادية.
البنك المركزي في السودان اخرج تعميماً صحفياً بهذا الصدد أبان فيه وصول تحويلات مالية فعلياً إنفاذاً للقرار. الإدارة الامريكية من جانبها أوردت عبر عدد من وسائل الإعلام انها وابتداء من تاريخ الخميس 12 اكتوبر 2017 -التاريخ المضروب رسمياً لرفع العقوبات- قامت بتدوين منطوق القرار فى الصحيفة الرسمية (الغازيتة)- إيذاناً ببدء التعامل مع القرار كقانون واجب التنفيذ.
وهكذا يمكن القول ان السودان هذا الأسبوع قد دخل مرحلة سياسية واقتصادية مختلفة تماماً عن المرحلة السابقة بعد ان ظل حبيساً لعقوبات اقتصادية أثقلت ظهره طوالي العقدين من الزمان.
ومن المؤكد ان هذا البلد الذي نهض سياسياً بتوقيع اتفاقيات سلام  ووقف للحرب وتوّج كل ذلك بمشروع الحوار الوطني الشهير الذي أثمر عن حكومة وفاق وطني يمكن اعتبارها الأوسع فى تاريخ السودان الحديث والأدعى لتوحيد رؤى وإرادات السودانيين، يسعى الآن عقب تخلصه من العقوبات الاقتصادية للنهوض اقتصادياً والوصول الى مستوى اقتصادي يليق بمكانته الاقليمية والدولية وعلى ذلك فان ما يمكن ملاحظته بشأن إستراتيجية السودان فى المرحلة المقبلة عقب هذه المتغيرات التاريخية تتمثل فى عدة موجهات شديدة الأهمية:
أولاً، تنشيط الاستثمار وتسهيل حركة انسيابه، وهذه الاستراتيجية فى واقع الأمر ظلت ماثلة حتى في الفترة الماضية التى عانى فيها السودان من العقوبات المفروضة عليه ولكن الفارق الجوهري الذي يتعين على السودان ان يوظفه بالقدر المطلوب لتحقيق أقصى حد من النهضة الاقتصادية، ان القيود التى كانت تقيده سواء فى التحويلات البنكية او حركة الأموال والسلع قد انتهت ومن ثم لم تعد هنالك عقبات او عوائق، وهذا ما ظهر جلياً باستقبال البلاد لعدد من الشركات والمستثمرين حتى مع بداية ارهاصات القرار.
ثانياً، تطوير وتكثيف الإنتاج بحيث يصبح الصادر هو سيد الاداء الاقتصادي والذي عبره يتسنى جلب العملات الصعبة لتغذية أرصدة البنك المركزي، ذلك ان أكثر ما اقعد السودان فى المرحلة السابقة، قلة الصادر ومن ثم قلة الوارد من العملات الصعبة، الداعمة للرصيد المالي فى البنك المركزي.
ولا شك ان قضية الإنتاج فى الوقت الراهن و فى الظروف الحالية في السودان تتطلب هي الأخرى مناخاً مواتياً للمنتج المحلي والمستثمر الاجنبي على السواء وهذا المناخ الآن متاح و مواتي خاصة اذا علمنا ان العمليات العسكرية قد وقفت نتيجة لقرار وقف اطلاق النار والذي تم تمديده حتى نهاية العام الحالي والذي يقابله قرار مماثل من قبل الحركة الشعبية قطاع الشمال.
اذن توقف العمليات العسكرية على كافة الجبهات و سيادة الأمن والاستقرار هو المدخل الملائم لترسيخ عملية الانتاج وتجويدها. والواقع ان اصلاح الحال الاقتصادي فى السودان يبدأ و ينتهي بقضية الانتاج و الصادر.
لا مناص لهذا البلد من التركيز على العملية الإنتاجية المدرة للعملة الصعبة، لاستعدال الميزان التجاري المختل حيث تشير إحصاءات رسمية الى اختلال الميزان التجاري ما بين صادر لا يتجاوز الـ3 أو 4 مليار دولار، ووارد يصل الى 9 مليار دولار! ث
الثاً، ترسيخ الوفاق الوطني ودعم العملية السياسية السلمية التى تفضي الى استقرار سياسي و تداول سلمي للسلطة و هذه النقطة قطعت فيها البلاد شوطاً مقدراً ومن المنتظر ان تستكمل ذات الأمر فى المرحلة المقبلة لتهيئة الأجواء للانتخابات المقبلة – العام 2020م.
رابعاً، مواصلة البرنامج الاستراتيجي الشديد الأهمية المتمثل فى جمع السلاح والذي حقق فيه هذا البلد قدراً عالياً جدا من النجاح على امتداد كل ولاياته الـ16 . إذن التخلص من السلاح يتيح مجالاً للعمل والبناء و ترسيخ الاستقرار ويتيح تداول سلمي للسلطة ويعلي من قيمة العمل و الإنتاج.
إجمالاً السودان يرقد الآن على إستراتيجية تاريخية مفصلية من شأنها ان تحدث نقلة فى كافة الأصعدة لم يشهدها هذا البلد على مر سنوات عمره.

تقرير مصير المنطقتين.. إستحالة قانونية وسياسية مطلقة!


الأسبوع الماضي عقدت الحركة الشعبية التى يرأسها عبد العزيز الحلو مؤتمرها العام الاستثنائي وكان لافتاً ان المؤتمر الاستثنائي طرح حق تقرير المصير، ولم يكن صعباً على أي مراقب ومحلل موضوعي و منصف ان يدرك و منذ الوهلة الأولى ان
المؤتمر الاستثنائي وملابسات الأجواء المحيطة به كان مخصصاً بكامله لطرح حق تقرير المصير.
صحيح هنا ان الحلو الذي حصل على تفويض بزعامة الحركة فى ثوبها الجديد بعد إقصاء عقار وعرمان كان يتعجل عقد مؤتمر عام ليثبت مذاقاً مختلفاً وربما متخلقاً لزعامته الجديدة. و ربما أراد الرجل  ان يلبس لأمة حرب سياسية مختلفة يتفوق بها على رفاقه القدامى و يأتي بإضافة سياسية لم يجرؤ رفاقه على الإتيان بها من قبل.
كل هذا صحيح فى سياقه السياسي وسياق الصراع الذي كان مكتوماً وتفجر بين قادة الحركة، ولكن أطروحة تقرير المصير هذه وفقاً للمعطيات المتاحة حالياً في الساحة السياسية السودانية يمكن القول أنها ولدت ميتة على الأقل يصعب ان لم يستحيل أخذها مأخذ الجد، فمن جهة أولى، فان أطروحة تقرير المصير حين منحت للجنوبيين فى نيفاشا 2005 كانت تتكئ على رأي سياسي عام فى أوساط القوة السياسية السودانية قاطبة حاكمة ومعارضة اذ المعروف ان قوى المعارضة السودانية ممثلة فى ما كان يعرف بالتجمع الوطني الديمقراطي كانت قد قررت هذا الحق فى (مؤتمر القضايا المصيرية - اسمرا 1995) . بجانب إن الرأي العام السوداني حينها والذي كان ميالاً لإنهاء أطول حرب أهلية فى أفريقيا وجد ان منح هذا الحق للجنوبيين – أيا كانت النتيجة – ربما يسهم فى وضع حد مستدام ونهائي لحرب أهلكت ما اهلكت من المال والبشر واستعصت على الانهاء.
ومن جهة ثانية –وهذا هو الأخطر والأهم– ان المفاوضين فى نيفاشا عام 2005 لم يتطرقوا على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد لمنح المنطقتين -جنوب كردفان والنيل الأزرق- ذات الحق علماً ان منسوبي المنطقتين كانوا على دراية بما يجري من تفاوض، وكان وفد الحركة الشعبية المفاوض يستصحب رؤاهم ويصحب معه ممثلين منهم، وجرى كل شيء تحت سمعهم وبصرهم، فلو كان صحيحاً او حتى ملائماً منح المنطقتين كليتهما أو إحداهما هذا الحق، لكان ظهر ذلك فى بنود الاتفاق، ولكن الذي حدث ان المفاوضين رأوا بقاء المنطقتين ضمن اطار السودان مع منحهم ما عرف بالمشورة الشعبية والتى فحواها معرفة رأيهم عقب انقضاء فترة الانتقال بشأن ما تم انجازه لصالح قضاياهم الخدمية وقضايا التنمية ومجمل أوضاعهم وحقوقهم!
 إذن عدم تضمين المنطقتين في إطار حق تقرير المصير كان موقفاً تفاوضياً و نتيجة نهائية لعملية التفاوض المطولة وهو ما يجعل من إعادة إثارة الموضوع محض مزايدة سياسية لا معنى لها ولا ترتكز على سند سياسي أو موضوعي قانوني.
ومن جهة ثالثة، فإنه وعلى افتراض إمكانية التفاوض حول حق تقرير المصير -مجرد التفاوض- فان أطروحة تقرير المصير كما هي معروفة دولياً ووفقا أحكام القانون الدولي لا تمنح إلا لإقليم كان في الأصل يتمتع بهذا الحق أو كان جزء قائم بذاته وتم دمجه عنوة او طوعاً. فالدولة الموحدة وفق القانون الدولي تظل كذلك وحدة واحدة ولا يجوز تعريضها للانقسام واذا قال قائل ان جنوب السودان نال هذه المزية دون سند من القانون الدولي فهذا صحيح ولكن الفارق ان الإرادة السياسية السودانية هي التى وفترت مجرد الحق فى تقرير المصير ولم تكن منصرفة الى فصل الإقليم ومنحه استقلاله.
وأخيراً، فانه حتى ولو تغاضينا عن كل ذلك فان النموذج المزري و المؤسف الذي قدمته الحركة الشعبية الجنوبية فى دولة جنوب السودان والذي عادت المشكلة المراد حلها أسوأ وأشد مما كانت، يكفي للحيلولة دون تكرار ذات التجربة المريرة، إذ لا احد بوسعه إعادة تكرار تجربة ماسخة عديمة النفع و الجدوى أضافت عبئاً أمنياً للإقليم وللعالم بأسره!

الخميس، 19 أكتوبر 2017

في باريس (حفل تأبين الجبهة الثورية)!


 في ظروف صعبة ومحزنة بدأت اجتماعات المؤتمر العام للجبهة الثورية بالعاصمة الفرنسية باريس أواخر الأسبوع الماضي. الحاضرين الذين تسنى لهم تكبد مشاق السفر لم يزيدوا عن أركو مناوي، وجبريل ابراهيم، والشفيع خضر، ممثلاً عن قطاع
الشمال الخاص بمالك عقار، والتوم هجو. وقد اكتفى السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي بمخاطبة المؤتمر عبر (الفيديو)!
 جبريل ابراهيم زعيم حركة العدل والمساواة والذي يترأس المؤتمر القى بكلمة تكفي هي فى حد ذاتها لإعطاء التوصيف الحقيقي للجبهة الثورية، فقد تحدث عن ضرورة مراجعة أداء الثورية والوقوف على الأسباب التى عرقلت مسيرتها وفشلها فى التغيير!
وقال جبريل (ان ضعف المعارضة جعل النظام باقياً)، وفى عبارة مجللة بالحزن العميق والخيبة الظاهرة ضغط جبريل على لسانه وهو يقول (من البديهي ان يقدم الغرب مصالحه الخاصة على مصالح الآخرين)! وأن (يتعامل بواقعية مع الحكومة القائمة ولو على مضض)!
وكان واضحاً لكل من تابع أجواء المؤتمر فى بدايته ان المشهد العام للبدايات حمل عنوان النهاية. فقد تغيب عبد الواحد محمد نور تماماً ولم يحضر نيابة عنه احد! وعبد الواحد كما هو معروف مهزوم فى الميدان العسكري وما يزال يلعق جراحه النازفة وقواته أصبحت أثراً بعد عين وأسلحته تفرقت بين أيدي قوات الدعم السريع التى أصبحت بُعبُعه المخيف!
 عبد الواحد اتخذ لنفسه (عزلة) خاصة يداري من خلالها أوجاعه وآلامه وخيباته التاريخية، فلا هو حصد اتفاق سلام مشرف وضع بموجبه سلاحه وخدم وطنه وأهله فى دارفور؛ ولا هو حصد انتصاراً عسكرياً يجعله متميزاً وقادر على فرض راؤه على رفاقه فى الثورية؛ ولا هو احتفظ بالغلالة السياسية السميكة التى كانت قد أسبغتها عليه باريس فى عهد ساركوزي و كوشنير، حين كان يرتع فى مقاهي وحانات باريس و ينتظر الصعود الى الطائرة -فاتحاً- لتحط على الخرطوم!
تبددت بتوالي الأيام، وتراخى عضلات جنده، فى سفوح جبل مرة، وتراجع الدعم اللوجستي، و تبددت الآمال العراض وبدا أنها لم تزد عن كونها وهماً من الأوهام . عبد الواحد غاب لأنه (أصلاً غائب) عن الدنيا و الواقع!
وأما جبريل ابراهيم فهو عبّر عن مرارة هزيمته فى قوز دنقو ابريل 2014 بلا مواربة حين قال (ضعف المعارضة جعل النظام باقياً)! يا للهول، حتى بعد كل هذا الدعم اللوجستي و التسليح والدولارات المتدفقة والمطارات الخلوية السرية المؤازرة المعنوية تكون (المعارضة ضعيفة)؟
 هل كان جبريل يقصد (ضعف قوة السلاح المعارض)، أم ضعف المعارض الوطني الأخلاقي والقيمي؟  أما مناوي فهو (مهزوم حديثاً) ما تزال تباريح الهزيمة تفري كبده و تؤلم قلبه و تبكي عينيه كلما أرخى الليل سدوله عليه. مناوي لم يعد يجد حتى (الحلة) التى يأكل منها بعد ان رفض اتفاقية أبوجا وسخر من أنه لم يكن يمثل (مساعد حلة)!
الصورة كلها عبثية ، مجرد ساسة وحملة سلاح مهزومين عسكرياً وسياسياً و توجت هزيمتهم بأن (الغرب قدم مصالحه الخاصة على مصالح الآخرين)! ما من شك ان جبريل ابراهيم هو يطلق هذه العبارة كان ينتظر ومعه رفاقه أن يقدم الغرب مصالح الآخرين على مصالحه الخاصة.

الأربعاء، 18 أكتوبر 2017

رفع العقوبات هل هو مقدمة لرفع إسم السودان من لائحة الارهاب؟


 مع أن الولايات المتحدة رفعت العقوبات عن السودان -وفق حقائق واقع محددة بدت مقنعة لها ومن ثم لم تترد طويلاً في رفعها- إلا ان السودان ما يزال على القائمة الأمريكية لدعم الارهاب!
ولا شك أن حيثيات قرار الرفع لا تبعد كثيراً عن قرارا رفع اسم السودان من قائمة الارهاب، ففي المسارين فان جوهر القضية مشترك ومتماثل. واشنطن سيطر عليها شعور طاغ في وقت من الأوقات ولا يزال على إن السودان يمارس ممارسات تضر بأمنها  القومي.
ولكن كان ولا يزال الملفت في الأمر أن واشنطن رغم طول اتهاماتها للسودان بدعم الارهاب ورغم طول فرضها للعقوبات ضده -طوال 20 عاماً- لم يحدث قط أن قدمت أدلة مادية قاطعة تدين السودان؛ وأبسط دليل على ذلك أنها لو امتلكت ذلكم الدليل لاستعصى تماماً مجرد تفكيرها في التفاوض بشأن رفع العقوبات، والأكثر تدليلاً من كل ذلك إن واشنطن ظلت ومنذ أكثر من 12 عاماً تلوح للسودان بإمكانية رفع العقوبات عنه بغض النظر عن حنثها بوعودها في كل مرة، فالمهم أنها كانت تلوح برفعها إذ أن المنطق يقول إنها لو كان تشعر بأضرار مباشرة على أمنها القومي من السودان لما بذلت له الوعود حتى ولو كذباً برفعها لان قضايا الأمن القومي في العادة لا يتم وضعها في محل مساومة مهما كانت الظروف.
تأسيساً على ذلك فان خطوة رفع العقوبات التى تدرجت عبر استثناءات ثم رفع جزئي ثم رفع مربوط بمهلة زمنية، هي دون شك بمثابة مقدمة لخطوات مماثلة فيما يتعلق بقائمة الارهاب. صحيح إن قائمة الارهاب ربما كان لها تعقيداتها الروتينية وتقاطعاتها الإدارية في المؤسسة والأجهزة المعينة في الإدارة الامريكية وربما كانت مسارات الرفع فيها أكثر تعقيداً.
ولكن بالمقابل فان العناصر المكونة لكل منها مشتركة وطالما أن واشنطن وصلت إلى قناعة ذاتية بأن السودان لا يستحق العقاب فان مقتضى ذلك انه أيضاً لا يستحق أن يوضع على لائحة الارهاب على الرغم من الأسباب الموجبة للوضع على لائحة الارهاب أو حتى تعريف كلمة الارهاب نفسها ملتبسة وليست معروفة على وجه الدقة والتحديد.
ولذا من الطبيعي أن يثور سؤال ويظل عالقاً في سماء العلاقات بين  البلدين، إذا كانت قد انتفت الأسباب الموجبة لمعاقبة السودان ومحاصرته اقتصادياً؛ أليس من الطبيعي بذات القدر والمنطق إن الأسباب الموجبة لبقاء هذا البلد علا لائحة الارهاب قد انتفت هي الأخرى تبعاً لذلك؟
 بل نمضي بعيداً من ذلك مستصحبين ذات المنطق؛ ألم تعترف واشنطن باستمرار بان السودان قام بدور فعال ومؤثر يستحق الإشادة في مجال مكافحة الارهاب؟ ما الجدوى إذن من إبقائه على اللائحة في ظل كل هذا التقدم الإيجابي الكبير المُحرز؟

لماذا ينبغي علينا زيارة السودان؟


بقلم: صفاء موسي عبدالسلام
السودان هي ثالث أكبر دولة في إفريقيا بعد انفصال الجنوب في سنة 2011، والسادس عشر في العالم من حيث المساحة، وتحدّها مصر، إريتريا، جمهورية إفريقيا الوسطى، تشاد، إثيوبيا، ليبيا، وجنوب السودان.
السودان يعاني من الحروب الأهلية التي كانت مستمرة على نحو متقطع لأكثر من 40 عاماً، ما أدى إلى انفصال الجنوب، وما زالت الصراعات قائمة في بعض المناطق الجنوبية والغربية (دارفور) للسودان الشمالي.

السودان متنوع ثقافياً وجغرافياً:

في الشمال يمر نهر النيل عبر الحافة الشرقية للصحراء النوبية، ومواقع الممالك القديمة لكوش ومرو، وفي الشرق والغرب هما منطقتان جبليتان، ويتألف الجزء الأكبر من باقي أنحاء البلد من السافانا النموذجية في معظم مناطق وسط إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
الحصول على تأشيرة للسودان هو أمر مكلف نوعاً ما، ولكن إذا تمكنت من الحصول عليها سوف تجد حجز طيران رخيصاً، وأيضاً يمكنك زيارة بعض المناطق الجذابة والسياحية الرائعة، والشعب السوداني مضياف جداً.

هناك 10 أسباب تجعلك تزور السودان:

1- أهرامات مروي:

السودان حدث أن كان موطناً لمجموعة خاصة به من الهياكل القديمة الرائعة بشكل لا يصدق.

أهرامات مروي التي تعرف باسم النمط النوبي هي أهرامات مذهلة وعديدة، حوالي 200 قرية على وجه الدقة، مدينة مروي كانت عاصمة مملكة كوش، التي كان يحكمها الملوك النوبيون على نحو ما يقارب 4.600 سنة.

2- جبل مرة:

جبل مرة هو مجموعة من قمم بركانية، وثاني أكبر جبل في إفريقيا، تقع في إقليم دارفور غرب السودان.

يوجد بالجبل العديد من النباتات التي ينفرد بها دولياً، بالإضافة إلى مجموعات كبيرة من الحيوانات النادرة والأليفة.

وتتمتع قمة الجبل بالمناظر الطبيعية والمناخ المعتدل والبيئة النقية.

3- تماثيل الفراعنة السود:

اكتشفت مؤخراً تماثيل الفراعنة السود في السودان.

4- معبد آمون:

معبد آمون هو موقع أثري في جبل بركال في الولاية الشمالية، يعتبر معبد آمون أحد أكبر المعابد في جبل بركال، وهو مقدس لدى السكان المحليين، وكان يمثل إحياء للقيم الدينية المصرية حتى منتصف القرن التاسع عشر.

5- المتحف الوطني للسودان:

المتحف الوطني للسودان يقع في شارع النيل في الخرطوم، الذي تم تأسيسه في عام 1971 كمتحف وطني سوداني.

6- جبل بركال:

جبل بركال هي جبل صغير جداً يقع على بُعد 400 كم شمال الخرطوم، في بلدة كريمة في الولاية الشمالية في السودان، على منحنى كبير من نهر النيل، يتميز بالمناظر الخلابة.

7- دندر.. الحديقة الوطنية:

حديقة دندر الوطنية هي حديقة وطنية ومحمية بالمحيط الحيوي في شرق السودان، على الحدود السودانية - الإثيوبية.

8- متحف القصر الجمهوري

متحف القصر الجمهوري يقع في وسط الخرطوم، العاصمة، في الجزء الجنوبي الشرقي من منطقة القصر الجمهوري.
وقد عزز فكرة إنشاء متحف القصر الجمهوري فكرة حفظ وتوثيق وعرض هذا التراث للجمهور، ووضع هذا التراث القيم تحت تصرّف المهتمين أو إجراء البحوث والتعليم والسياحة، ليحافظ على القيم الأثرية والباتريمونية الهامة التي كانت مسرحاً لأحداث تاريخية عديدة ومهمة جداً وقعت في أوقات مختلفة.


9- الفرافرة:

قبل نهاية القرن التاسع عشر، تم بناء موقع العبادة سنوسي، وهو نظام سياسي ديني مسلم تأسس في ليبيا ومنطقة السودان، وقد أدى ذلك إلى نزوح العديد من السنوسيس من الصحراء الليبية إلى الفرافرة، وبقي السنوسيون في الفرافرة حتى اليوم.

10- وادي كهف في الأبيض

وُجد وادي الكهف في مدينة الأبيض التي هي عاصمة ولاية شمال كردفان في وسط السودان.
 يتمتع السياح بالرحلات والقيام بجولات حول التمثال بالمدينة لمشاهدة زيارة كهف وادي الأبيض الشهير. كما تضم المدينة الواحات الرائعة التي تكون ملهمة وتلفت انتباه الكاميرات.

الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

ماذا بعد محنة العقوبات؟


جهات كثيرة داخلية وخارجية تكاد تموت غيظاً جراء رفع العقوبات الأمريكية التي لطالما أغلقت أبواب العالم في وجه السودان وأنهكت اقتصاده وأثرت على معيشة شعبه وقد شمر جميع أولئك الغاضبين عن سواعدهم
استعداداً للمعركة القادمة التي سيخوضونها بالطول والعرض حتى لا يخسروها كما خسروا معركتهم الأولى.

مهما تحدثنا عن منجزي ذلك الحلم فلن نوفيهم حقهم ولن نبخس أصدقاء الخارج من السعوديين والإماراتيين ما قدموه للسودان، وبالتالي لن نبخل عليهم بالإشادة على ما قدموا من (شفاعة) يستحقون عليها الشكر والثناء، أما أهل (الفعل) أو قل أهل (الجلد والرأس) في الإنجاز فقد كانوا بالداخل فقد عكف هؤلاء على الملفات الخمسة التي اشترطتها أمريكا وما كان لأي (شفاعة) أن تنجح بدون (فعل) في الداخل يعالج تلك الملفات التي أنجزها كثر أهمهم وزارة الخارجية وجهاز الأمن ووزارة الدفاع والذين أحدثوا (التشبيك) أو الـ Engagement بالارتباط مع الأجهزة الأمريكية سواء في وزارة الخارجية أو مع القوة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) والتي أتاحت مشاركة السودان في الاجتماعات بل والمناورات العسكرية المشتركة القادمة بل بلغ التنسيق درجة تعيين ملحقين عسكريين لكل دولة في الأخرى ولا ينبغي لعاقل أن يتصور أن تعيين ملحق عسكري أمر مؤقت ينتهي بنهاية مهلة الثلاثة أشهر المحددة لرفع أو استمرار العقوبات وكذلك التعاون في مكافحة الإرهاب ومعلوم ما تم من زيارات متبادلة بين الأجهزة على أعلى المستويات.

ذلك وغيره من (تشبيك) هو الذي أحدث الفرق الهائل، وإذا كان بروف غندور قد نال من الإشادة ما يستحق فإنه يلزم في هذا المقام ذكر دور سفارتنا في واشنطون بقيادة السفير المتفاني معاوية عثمان خالد والذي بلغني من عدة مصادر أنه ما استبقى شيئاً من (السهر) النبيل في سبيل تحقيق حلمه الكبير .

أقولها ضربة لازب إن أمريكا لن (تحب) السودان أو تبرم معه تحالفاً استراتيجياً لأسباب معلومة، ذلك أن السودان ليس إسرائيل بل إن أمريكا لن تتحالف حتى مع مصر رغم أنها، تحت حكم السيسي، (كنز إسرائيل الأكبر) ذلك أن السودان، وكذلك ومصر، يظلان عدوين محتملين (potential enemy) كما يقول المتطرفون من منظّري السياسة الخارجية الأمريكية أمثال دانيال بايببس، ولكنها (علاقة الضرورة) التي أملتها نظرية زواج المتعة أو التكتيك المؤقت لخدمة أجندة مرحلية محددة.

تلك الضرورة اقتضتها الأوضاع الجيوسياسية الحالية التي فرضتها الرياح الهابة في أشرعة السودان ومن تلقاء ما يحدث في محيطه الإقليمي.

أمريكا، جراء صمود نظام الإنقاذ في وجه الأعاصير وفشل سياسة إسقاط النظام وحدوث المتغيرات الإيجابية التي صبّت في مصلحة السودان وتبدل أوضاع المنطقة خاصة في جنوب السودان أبدلت هدف إسقاط نظام الإنقاذ إلى سياسة الاحتواء، وما تم الآن هو جزء من السياسة الأمريكية الجديدة.

الآن وقد انتهت المعركة الأولى، وبدأت معركة إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب على الحكومة أن تعلم أنه لا مبرر لأمريكا للفصل بين الملفين بالنظر إلى أن دور السودان في مكافحة الإرهاب كان من الإسهامات التي روعيت في طي صفحة العقوبات وبالرغم من ذلك فإنه إذا كان قرار رفع العقوبات في يد الرئيس الأمريكي فإن ملف الإرهاب في يد الكونجرس وما أدراك ما الكونجرس المليء بالصقور بل والشياطين!

أولاً على الحكومة أن تعلم أن أمريكا ما لجأت إلى سياسة الاحتواء إلا لحاجتها إلى السودان الذي يعتبر، ولو بصورة نسبية، جزيرة آمنة في محيط مضطرب تحفّه المعارك من غربه - ليبيا ومناطق نشاط بوكو حرام الأفريقية ودولة جنوب السودان وشرقاً اليمن والصومال والبحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية لأمريكا بل وللعالم وتخشى أمريكا أن ينفرط عقد الأمن في السودان الرابط بين شرق وغرب أفريقيا والمطل على البحر الأحمر، ولذلك تعوّل كثيراً على دور يلعبه لمصلحتها سيما وقد ثبت أنه يحظى بقبول أفريقي كبير عبّر عنه اجتماعات أجهزة الأمن الأفريقية (السيسا) ثم لقاءات أجهزة أمن دول القرن الأفريقي قبل أيام في الخرطوم بمشاركة مناديب من وكالة الاستخبارات الأمريكية.

أقول هذا لكي يعلم أصحاب القرار أن السودان في وضع يجعله يفاوض من مركز قوة فما بيده من أوراق أكبر من أن يهدرها مع دولة لا تحترم إلا الأقوياء وتعمل بسياسة كيسنجر القديمة حين قال للرئيس السادات: (إن أمريكا لا تدفع ثمن ما يُهدى إليها).

كذلك فإن أمريكا تعلم أن السودان ينعم بموارد زراعية ومعدنية وبترولية معتبرة ويكفيها ما ضاع منها أيام سنوات المقاطعة سيما وأن المتغير الأكبر الذي يقض من مضجعها ويوشك أن يُنهي سيطرتها الأحادية على العالم، وأعني تحدي نشوء تحالف دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) بقيادة الصين يلح عليها أن تطأطئ من رأسها قليلاً في التعامل مع السودان ومع غيره.

هناك ملف رائع أتحفنا به المبدع محمد عبد العزيز من خلال صحيفة (السوداني)، ونظراً لضيق المساحة أرجو أن أتعرض لبعض المعلومات التي وردت فيه في وقت لاحق إن شاء الله.

كيف تحول قرار رفع العقوبات إلى عقوبة للمعارضة السودانية؟


 لو أن قوى المعارضة السودانية المختلفة كانت بالفعل ترتدي حلة وطنية زاهية لسعدت سعادة شعب وجماهير السودان بالقرار التاريخي الذي صدر عن الإدارة الامريكية برفع العقوبات الاقتصادية -أحادية الجانب- عن السودان.
ليست قوى المعارضة في حاجة لمعرفة حيثيات الفرض ولا مبررات الرفع ففي خاتمة المطاف هناك قرار لصالح شعب السودان وهو المجال الحيوي  الذي يفترض أنها تستثمر سياسياً فيه وعليها أن تدعم و ترعى هذا الاستثمار .
ولكن المؤسف في الأمر –وما أكثر ما يؤسف كلما تلعق الأمر  بممارسات المعارضة السودانية– أن هذه القوى إما أنها ناقمة على هذا الرفع ورافضة له اعتقاداً منها انه يصب في صالح خصومها في السلطة و يطيل عمر هؤلاء الخصوم في كرسي الحكم ؛ أو أنها غير متفاعلة مع القرار طالما انه يفرح خصومها الحاكمين ويمنحهم درجة مستحقة في الحنكة الدبلوماسية ومهارة استرداد الحقوق!
والأكثر مدعاة للأسف أن قوى المعارضة السودانية وخاصة على أيام ما كان يعرف بالتجمع الوطني الديمقراطي -في تسعينات القرن الماضي- أسهمت بدرجة ما بوسائل بعضها ظاهر جلي وبعضها خفي ومستتر في دفع القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة لإيقاع عقوبات على السودان تحت مزاعم شتى.
وليس سراً أن قادة المعارضة السودانية في ذلك الوقت اقروا بأنهم كانوا -يتبادلون المعلومات- مع قادة أجهزة المخابرات الأجنبية ويستثمرون بعضها لإيذاء خصومهم في السلطة!
أحد قادة العارضة في ذلك الحين لم يجد حرجاً في الإقرار صراحة أنهم كانوا حينما يذهبون إلى اي بلد يتم إحالتهم إلى قادة أجهزة المخابرات لتتولى التباحث معهم في شئونهم!
وليس بعيداً عن ذلك ما رشح عن ما قيل وقتها (معلومات مضللة) زودت بها إدارة الرئيس الأسبق (بيل كلنتون) دفعتها إلى ضرب العاصمة السودانية الخرطوم بصواريخ كروز عشية الاثنين 29/8/1998م، والتى تم تدمير مصنع دواء عادي (مصنع الشفاء) بالخرطوم بحري !
كل تلك الممارسات مارستها قوى المعارضة السودانية وهي تعتقد أنها تستخدم أسلحة مشروعة في صراعها الشرس آنذاك مع الحكومة السودانية ولذا ليس مستبعد مطلقاً أن تكون هذه العقوبات قد تم فرضها بذات عينة المعلومات الإستخبارية المضللة وذلك لان أحداً لم يفصح حتى الآن من بين كبار المسئولين في واشنطن عن طبيعة الأسباب الموضوعية التى قادت واشنطن لفرض هذه العقوبات في الوقت الذي لم يثبت قط تأذي واشنطن من السودان في أي حادثة من الحوادث ذات الطبيعة الإرهابية.
إذن رفع العقوبات بقرار رئاسي خالي من أي اشتراطات، بعيداً عن أي صفقات وبلا أي تنازلات سيادية من جانب السودان هو في وجهه الآخر بمثابة عقوبة موجهة إلى قوى المعارضة السودانية نتيجة لاستخدامها سلاحاً غير مشروع في صراع سياسي داخلي خسرته تماماً!

الأربعاء، 11 أكتوبر 2017

أهم مميزات قرار رفع العقوبات الامريكية عن السودان!


من يعرفون الطريقة التى تدير بها واشنطن علاقاتها مع دول العالم يعرفون إن الدولة العظمى لا تمنح شيئاً مطلوباً منها بسهولة وبذات القدر اذا أعطت لا تعطي دون ان تكون على قناعة تامة ان من أعطته يستحق وأن ما أعطته مستحق! والذين يعرفون
ولع الأمريكيين بثقافة الصفات () يعرفون أنها عادة ما تربط الامور برباط ما.
رأينا رفعها لعقوباتها عن إيران ولكن عبر صفقة السلاح النووي والتى هي نفسها الآن -أي الصفقة- في مهب الريح ومن المحتمل ان يتراجع نها الرئيس ترامب. و رأينا رفعها لعقوباتها عن كوبا وكيف تراجعت عنها.
غير ان ما يستلفت الانتباه بشأن العقوبات المفروضة على السودان فان الأمر مختلف تماماً. لقد اجمع اغلب المراقبين والمحللين السياسيين على ان طريقة رفع العقوبات الامريكية عن السودان والمفاوضات المطولة الشاقة التى سبقتها مختلفة كلية عن الأمثلة و النماذج السابقة الذكر، فقد تفردت قرارات رفع العقوبات الامريكية عن السوان بعدد من المزايا ذات البعد الاستراتيجي الأدعى للاستدامة والاستقرار.
 أولاً، الرفع اتخذ منحى تدريجياً وبدأ بقرار الرئيس أوباما -يناير 2017م- قبل ان ينصرف ويسلم البيت الابيض لساكنه الجديد ترامب. أوباما ربط القرار برابط زمني متدرج -مدة ستة اشهر- اغلب الظن ان الغرض الأساسي منها التأكد من وفاء السودان بمطلوبات واشنطن الخمس، ثم ما لبث سلفه ترامب ان قام بتمديد مهلة الأشهر الست لثلاثة اشهر أخرى، باعتبار إن إدارته جديدة ويتوجب عليها هي الأخرى المزيد من الاستيثاق وعادة حينما يصدر قرار بتدرج زمني و متابعة و استيثاق فان المقصد الأساسي من ذلك يكون ان القرار مراد به الديمومة والثبات، فلو كان القرار قابلا للتراجع لكان من السهل – كما في حالة إيران وكوبا – إصدره اليوم دون الحاجة للثبت ثم إلغاؤه وقتما يشاء الرئيس.
 ثانياً، على الرغم  من عدم وضوح الحيثيات الموضوعية التى أفضت الى إيقاع العقوبات على السودان – منذ اكثر من 20 عاماً، فان واشنطن وعندما كانت تتفاوض مع الخرطوم بهذا الصدد لم تزد علي إيراد مطلوبات 5 على السودان الوفاء بها توطئة لرفع العقوبات عنه.
المطلوبات الخمس التى طرحتها واشنطن لم يجد السودان صعوبة في الوفاء بها وذلك ببساطة لأنها لم تكن تحتاج منه لجهد ، فهي متعلقة بهواجس ومخاوف أمريكية أكثر من كونها حقائق على الأرض فالسودان لا يدعم جيش الرب اليوغندي و يعمل على إيصال المساعدات الانسانية ويسعى حل الازمة للمنطقتين ودارفور وابرم اتفاقيات بهذا الصدد، ووسع من دائرة الممارسة الديمقراطية لأبعد مدى وعالج قضاياه مع دولة جنوب السودان.
كان واضحاً ان واشنطن اجترحت مطلوبات قدمتها من ذهنها قدحاً وهو ما يؤكد ان واشنطن لم تكن تملك عناصر صفقة لكي تبرمها مع السودان، هي فقط أرادت -جسر سياسي معقول- للسير عليه لرفع العقوبات. ثالثاً، سبق لواشنطن في العام 2005 ان وعدت السودان برفع العقوبات عنه عقب اتفاق السلام الشامل (نيفاشا 2005) ثم تكرر الوعد عقب اتفاق أبوجا 2006، ثم تكرر للمرة الثالثة عقب الاستفتاء تقرير مصير جنوب السودان 2011م، فلو كانت واشنطن تتعامل مع السودان بأسلوب الصفقات او أنها (تطلب امراً خفياً) من السودان لما ظلت تعده و تكرر وعدها سواء أوفت بما وعدت أم لم يفي، وهذا أيضاً يؤكد وعلى نحو قاطع ان رفع العقوبات مؤخراً لم يتأسس على صفقة بعينها خفية كانت او ظاهرة.
رابعاً وأخيراً،  فان التفاوض بشأن رفع هذه العقوبات استمر لفترة طويلة ضمت إدارتين إحداهما ديمقراطية يمثلها الرئيس أوباما والأخرى جمهورية يمثلها الرئيس ترامب، ولو كان هناك أدنى حديث او وجود لصفقة ما لظهر ذلك في عصر لا مجال فيه للأسرار و الصفقات الخفية.
إذن أهم ما يميز هذه القرارات الامريكية فيما يخص عقوباتها على السودان انها جاءت من خلال (إقناع) نجح فيه السودان بدبلوماسية تستحق الاحترام (واقتناع) رسخ في عقيدة إدارتين أمريكيتين من واقع حقائق واقع لا مجال للمغالطة أو المكابرة بشأنهما.

كيف نجح السودان في رفع العقوبات الامريكية عنه؟


 أخيراً، نجح السودان نجاحاً باهراً جديراً بالاحترام في استرداد حقوقه المسلوبة جراء العقوبات الاقتصادية الأحادية الجانب التى ظلت تفرضها الولايات المتحدة الامريكية علي منذ ما يربو على العشرين عاماً. الوسائل التى استطاع عبرها السودان دفع
إدارتين –إدارة الرئيس السابق أوباما وإدارة الرئيس الحالي ترامب- لاتخاذ قرار رفع العقوبات لم تخرج عن الوسائل الدبلوماسية المعتادة القائمة على التفاوض و التفاهم والإقناع.
أقصى ما فعله السودان انه (صحح) المفهوم الخاطئ المترسخ في ذهن الولايات المتحدة عن السودان وهو تصحيح لم يكن سهلاً، إذ أن التراكمات السياسية وتتابع الأحداث وانعدام الثقة فاقم من شدة وطأتها. ومن المؤكد ان الرئيس ترامب وهو يصدر قراراه -الجمعة 16 اكتوبر2017م- برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان اعتباراً من الخميس 12 اكتوبر 2017، كان على يقين من واقع مشورة مرؤوسيه و مساعديه وكافة الجهات المساعدة على صنع القرار في واشنطن إن السودان لا يستحق ان تفرض عليه هذه العقوبات، ولهذا فحين نقرأ قرار رافع العقوبات هذا وقد اصبح واقعاً علينا ان نستصحب بالضرورة عدة اعتبارات تظل ملتصقة بملابسات وتداعيات القرار:
أولاً، من المؤكد ان القرار لم يصدر (مجاملة) أو على سبيل التبرع، ففي العلاقات الدولية لا مجال لهذه الاعتبارات، و الراجح ومؤكد أنَّ السودان نجح في إزالة المفاهيم الخاطئة عنه في ذهن صناع القرار الأمريكي، وهي مهمة كانت شاقة واستغرقت سنوات طويلة وصاحبها علم دءوب ومثابرة لم تمل لم تكل. وللذين يعرفون طريقة اعداد وصنع القرار فى المطابخ الامريكية، فان مثل هذه القرارات لا تصدر بمزاج أو هوى او مجرد استلطاف أو مبنية على احتمالات!
قد تحققت واشنطن فعلاً إن الحيثيات السابقة التى بُني عليها قرار العقوبات قد انتفت تماماً وبعضها لم يكن دقيقاً، ولذا استقر قراراها على إلغائها ورفعها نهائياً كما ورد في نص القرار الأصلي الصادر عن الرئيس ترامب.
ثانياً، إن السودان لم يقدم مقابلا لاستصدار القرار، إذ ان أقصى ما كان موضعاً للتفاوض المطلوبات الخمس المعروفة والتى لا تزيد عن أمور تتعلق بقضايا الحرب والسلام و الاستقرار في السودان ومكافحة الارهاب، وهي أمور لا يمكن اعتبارها ضمن سياق تنازلات او مقابلاً ينتقص من صميم السيادة الوطنية للسودان، بدل ل ان السودان ناقش هذه المطلوبات وعالجها علناً ولم يلجأ لإخفائها أو المراوغة فيها، لقد كانت نقاطاً واضحة نُوقشت بصراحة و عالجها السودان بوضوح تام ودون أدنى تردد.
 ثالثاً، ان السودان نجح في إثبات ان العقوبات عموماً ليست أمراً جيداً في مضمار العلاقات الدولية، فهي لا تسقط حكومات ولا تضعف سلطة، هي فقط تصيب الشعوب في معاشها اليومي وفي علاجها و صحتها و تعليمها، وهذا في واقع الأمر ما ثبت لإدارة الرئيس ترامب.
  رابعاً، نجاح السودان في رفع العقوبات عنه هو أيضاً نجاح له في إعادة لحم الدورة الاقتصادية العالمية، فهي دورة عامة شاملة تدور حول العالم كله يستفيد منها الكبار  الصغار وليس من حق  أحد كسر هذه الدورة الاقتصادية لأنها تتعلق بالموارد والمنتجات وحركة المال والبضائع والسلع التى تستفيد منها الانسانية.
نجاح السودان في استعادة هذه الدورة الاقتصادية هو نجاح للعالم بأسره فهو بهذه المثابة أضاف للعالم خطاً اقتصادياً جديداً كان مفقوداً.

المردودات الاستراتيجية لقرار رفع العقوبات عن السودان!


من المؤكد ان قرار رفع العقوبات الامريكية عن السودان له مردود استراتيجي ضخم للغاية سواء على المستوى المحلي الداخلي للسودان ونظيره أيضاً على الصعيد المحلي الداخلي الأمريكي او على المستوى الاقليمي او المستوى الدولي. فعلى
صعيد المستوى المحلي الداخلي السوداني فإن من المنتظر ان يعيد السودان هيكلة اقتصاده ويعيد بناء ذاته بصورة أقوى أثراً.
فالسودان بلد موارد ومواد خام وأراضي شاسعة وخصبة ومياه وفيرة. بلد تتوفر فيه كافة مزايا الاستثمار المضمون و المردود الربحي السريع و الناجز. ارض السودان الواعدة لا تقل عن ارض الولايات المتحدة تنوعاً فى المناخ، سعة فى المساحة وجودة فى الانتاج.
هذا من الوجهة الاقتصادية، وأما من الوجهة السياسية فان  السودان بلا شك اثبت ان لديه ارادة قوية و تصميم لا يفتر على مواجهة تحدياته المحلية و الدولية في حالتي الرخاء والشدة. ما كان سهلاً ان ينجح السودان فى تغيير نظرة الامريكيين اليه ولا كان ممكناً كسر الطوق الحديدي الصلب الذي ضربته الدولة العظمى على هذا البلد كل هذه المدة!
لقد ثبت أن الحكومة السودانية أدارت الامر بحنكة وان معارضيها أخطئوا فى الاستثمار فى هذه الورقة الاجنبية وعليهم منذ الآن اخراج هذه الورقة نهائياً من مضمار اللعبة.
أما على صعيد الداخل المحلي الأمريكي فان من المؤكد ان حركة الاستثمار الأمريكي وتهافت رجال الأعمال، ورأس المال الامريكي على السودان سواء في المجال الزارعي او النفطي او المعادن سيكون ميداناً فسيحاً للمنافسة. الداخل الامريكي فى واقع الامر متعطش لحركة راس المال بأكثر من أي اعتبارات سياسية ولا شك ان الرئيس ترامب -كرجل اعلما ناجح- يدرك أهمية هذه الناحية الهامة اذ ان أكثر ما يتميز به الاقتصاد الامريكي كما هو معروف رغبته الجامحة فى التوسع و تدوير راس المال و تحقيق العائدات الربحية المضمونة وليس سراً فى هذا الصدد ان حركة رجال الاعمال و المستثمرين الامريكيين الي السودان فى الفترة القليلة الماضية –مع ارهاصات رفع العقوبات– بدت ملفتة للنظر، وكان واضحاً انها تستبق قرار الرئيس ترامب وتسابقه!
 الثقافة الامريكية المحلية قائمة على الفرص والسوانح التى يمكن جني المال من ورائها. اما اذا نظرنا الى الصعيد العالمي عموماً، فان رفع العقوبات عن السودان أكبر من مجرد قرار امريكي فى سياق علاقة ثنائية عادية بين واشنطن والخرطوم، القرار يعيد لحمة الدورة الاقتصادية العالمية ويدفعها للمزيد من الدوران المثمر، فحين تتحرك الاموال عبر المصارف والبنوك العالمية -دون حواجز أو موانع- فان ذلك يدفع عجلة التبادل التجاري و الاقتصادي بين دول العالم بسهولة وانسياب.
 وحين تجري حركة السلع و البضائع بلا عوائق فان هذا يرفد الاقتصاد العالمي بحالة انتعاش مطلوبة، خاصة وان العالم ما يزال يعاني من تداعيات الازمة المالية والاقتصادية التى ضربت العالم فى 2008 وما يليه. إجمالاً فان السودان اعاد نفسه الى الدورة الاقتصادية العالمية لمصلحة الاقتصاد العالمي.

السودان ومجلس حقوق الإنسان.. إستراتيجية بداية الخروج من النفق!


 على الرغم من إبقاء السودان تحت ذات البند -(البند العاشر)- بوجود خبير مستقل لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان، إلا ان هذا الإبقاء –هذه المرة بالذات- لم يكن كما المرات السابقة، فالجديد هذه المرة في جلسات مجلس حقوق الإنسان المنعقد في
أواخر سبتمبر الماضي يتمثل في عدة أمور: أولاً، لم يتلق السودان أية إدانات  صريحة او ضمنية بشأن حالة حقوق الإنسان فيه.
في السابق كانت الإدانات تلك كما المطر على السودان، يحفل تقرير الخبير وتقارير الدول الأعضاء بعشرات الإدانات. هذه المرة لم يتعرض السودان قط لإدانة وهي نقطة جديرة بالاهتمام لأنها تعزز حالة توازن جيدة من شأنها تشجيع هذا البلد على تحسين هذا الملف باضطراد والمحافظة هذه الحالة قدر الإمكان.
ثانياً، المشاورات وعمليات لتصويت عبر المجموعات المختلفة –الإفريقية، الأوربية، العربية– كانت سلسة وسهلة لم تظهر اية تعقيدات ولم يبد أي تعنت من أي طرف وكان واضحاً ان السودان قد نجح في ان يخطو خطوات نحو تحسين حالته الحقوقية وهذا التحسن يجد سنده من ارض الواقع سواء في نطاق الحريات، وانعدام الاعتقالات الادارية وحركة تعديل القوانين لتتوائم مع الدستور ومع المواثيق الدولية.
ثالثاً، تقرير الخبير المستقل نفسه جاء موضوعياً ليس فقط لان الخبير المستقل قدم مجاملة للسودان ولكن لان الرجل نفسه (أرستيد نونوسي) يتصف بقدر كبير من المهنية والتوازن وفتح له السودان الباب واسعاً وسهل له –بحرية تامة– الحركة والوقوف على مجمل الأوضاع ميدانياً.
رابعاً، السودان نفسه لم يعد رقعة مظلمة، فهو كتاب مفتوح، كل شيء يُري فيه يشهده العالم، فقد سهل انسياب المساعدات الانسانية لمناطق النزاعات، وعمل على معالجة أوضاع النازحين. كما مكنته عملية الحوار الوطني من الالتزام بعدة مطلوبات ومخرجات والتى تمت صياغتها من قبل قوى سياسية معارضة، ارتضاها الجميع ونفذتها الحكومة السودانية بحذافيرها مثل حكومة الوفاق الوطني، برنامج إصلاح الدولة. برنامج جمع وتقنين السلاح برنامج تعديل القوانين وتوسيع هامش الحريات.
خامساً، المطلوبات الخمس التى تواثق السودان مع الولايات المتحدة على أخذها في الاعتبار لكي تفضي إلى رفع العقوبات –وإن لم تكن من بينها قضايا حقوق الإنسان– إلا أنها على نحو أو آخر أتاحت للجانب الأمريكي الوقوف على عدة أمور ايجابية تجري في السودان اجتذبت اهتمام واشنطن، إذ ليس سراً أن وفوداً أمريكة عديدة وعلى عدة مستويات رفيعة ومتوسطة زارت السودان في فترات عديدة متباعدة ووقفت على طبيعة الأوضاع في هذا البلد، ومن المؤكد أنها لاحظت فيما يلاحظ التطور الايجابي الواضح في حالة حقوق الإنسان في مستوياتها المختلفة ، مما سهل من عملية المشاورات في مجلس حقوق الإنسان والتصويت.
مجمل القول اذن إن السودان قد وضع لنفسه إستراتيجية كي يخرج من دائرة الإدانات والوضع تحت المراقبة بشأن حالة حقوق الإنسان، وهي إستراتيجية تنبني على سياسة الباب المفتوح، إذ ليس للسودان ما يخفيه ولا تمارس الحكومة السودانية أي ممارسة من شأنها إلحاق الضرر بمواطنيها و ذلك ببساطة لان الحكومة السودانية وقبل ان تضع اعتباراً لمجلس حقوق الإنسان تضع اعتباراً لحقوق مواطنيها وواجبها حيالهم، لا سيما أن الحكومة الحالية في السودان هي حكومة وفاق وطني ولدت من رحم مشروع الحوار الوطني، الممتد منذ العام 2014 وحتى العالم 2016 والذي افرز وثيقة وطنية باتت عنواناً لاستراتيجيات المرحلة المقبلة.

دلالات وجود السودان في المنبر العالمي لمكافحة الإرهاب؟


إنعقد الثلاثاء الماضي بمقر السفارة الهولندية بالخرطوم لأول مرة إجتماع للمنبر العالمي لمكافحة الإرهاب بحضور ممثلي الدول الأعضاء والمانحين ، حيث إعتمد الإجتماع عضوية السودان في المنبر كعضو أصيل.
واعتبر انضمام السودان للمنبر فرصة للإستفادة من الدول المانحة والمؤسسات البحثية مما يُسهل الدعم لكافة الأنشطة التي تُقام في السودان من خلال رفع القدرات وتحديث العمل في المؤسسات المتعلقة بمكافحة الإرهاب. وإقامة المنبر هذا العام في السودان يُمكنهُ من حضور الإجتماعات والمشاركة في القرارات وإبداء رأيه في القضايا المطروحة علي المستويات الدولية.
والشاهد في الأمر أن السودان شارك للمرة الأولي في إجتماع المنبر الذي إنعقد العام الماضي في أديس أبابا بعد أن وجهت له الدعوة للمشاركة ، ووجود السودان يعتبر من المكاسب الكبيرة بعد أن تم الإعتراف بأن لديه تجربة كبيرة في مكافحة الغلو والتي تُعتبر من أفضل التجارب علي المستوي الإقليمي والدولي ، ونجد أن إيجاد نوع من الحوار المتصل بين الدول الأعضاء من خلال المنابر الكبيرة التي تخدم قضايا الوسطية والحوار الذي يمكن من خلاله إيجاد الحلول هو الهدف المنشود لقيام المنبر .
وإعتبرت الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب أن السودان لديه هيئة تضم كل المؤسسات المعنية بقضايا مكافحة الإرهاب مما يُسهل عملية إنسياب المعلومات والوقائع والتعامل مع المنظومة الدولية بوسائل مختلفة ، وقال رئيس الهيئة د. محمد جمال أن المنبر يُعتبر فرصة للسودان للإستفادة من الدول المانحة والمؤسسات البحثية مما يُساهم في رفع القدرات وتحديث العمل في المؤسسات المتعلقة بمكافحة الإرهاب ، وأضاف جمال أن المنبر يضُم عدداً من الدول الأوروبية وأمريكا اللاتينية وعدد من الدول العربية والإسلامية .
ويري مراقبون أن جهود المؤسسات الحكومية مع نظيراتها الأمريكية والأوروبية والقرارات الأخيرة للرئيس الأمريكي بشأن منح تأشيرات الدخول للمواطنين السودانيين والإستثناءات التي منحتها مؤسسة الخزانة الأمريكية تعطي مؤشرات إيجابية في إتجاه الرفع النهائي للعقوبات ، وإعتبروا أن رفع العقوبات هو خطوة تليها خطوات كثيرة فهي بمثابة فاتحة لإنتقال آخر يحتاج إلي تخطيط سليم .
وبدوره قال د. محمد مصطفي الضو رئيس العلاقات الخارجية السابق بالمجلس الوطني إن البُعد الخارجي وتنسيق الجهود كلها عوامل لها آثار إيجابية لتحسين صورة السودان في مختلف المحافل الدولية من أجل تحقيق الهدف المنشود وهو رفع العقوبات الظالمة عن السودان ، وأكد الضو أن إنفراج أزمة العقوبات إقترب كثيراً بناءاً علي الخطوات التي إتخذها السودان ومن بينها إيفاءه بإلتزاماته في محاربة الإرهاب والهجرة غير الشرعية ، وأشار إلي أن قرار رفع العقوبات تجاوز (90%) ويظهر ذلك من خلال تطور العلاقات السودانية الأمريكية ، وحث علي ضرورة تضافر المساعي لمعالجة ما عطله الحظر الأمريكي .
فيما شدد علي محمود عبد الرسول وزير المالية الأسبق علي ضرورة الإستعداد لما بعد رفع العقوبات وترتيب الأوضاع للمرحلة القادمة ، وقال أنه يجب أن تكون هناك آلية يتم بها الإندماج في الإقتصاد العالمي عقب القرار المرتقب برفع العقوبات ، وأكد علي أهمية إزالة العقبات لتشكيل مرحلة جديدة لإصلاح البلاد .
وأثنت الولايات المتحدة علي جهود السودان في مكافحة الإرهاب ، وقالت المتحدثة بإسم الخارجية الأمريكية هيذر رنويرت أن الولايات المتحدة تلحظ تحسن جهود السودان في مكافحة الإرهاب من خلال تعزيز التعاون بين الوكالات والتعاون الدولي في مواجهة تهديد تنظيم داعش ومنظمات إرهابية أخري ، ورحبت هيذر في بيان لها بإعلان السودان إلتزامه بإستمرار الحوار الإيجابي مع الولايات المتحدة ومواصلة الجهود المشتركة لمحاربة الإرهاب .
وحمل التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية حول مكافحة الإرهاب إشادات وإقرار بإحراز السودان خطوات متقدمة حيال مكافحة الإرهاب ، وأضاف التقرير أن مكافحة الظاهرة أصبحت أولوية أمنية للسودان وبات شريكاً متعاوناً مع الولايات المتحدة في مكافحتها .
وعلي ضوء ذلك يتضح لنا أن قيام المنبر العالمي لمكافحة الإرهاب بالسودان وتوقيعه علي العديد من الإتفاقيات والمعاهدات لمكافحة الإرهاب أثبت وأكد رغبة السودان الجادة في محاربة الظاهرة .

الاثنين، 9 أكتوبر 2017

إثيوبيا وجنوب السودان ورفع العقوبات عن السودان


أعلن السفير الإثيوبي بالسودان، عن ترحيب بلاده برفع العقوبات الاقتصادية الأميركية عن السودان. وقال إن هذه الخطوة ستعزز دور السودان في المحيطين الإقليمي والدولي وتسهم في دفع التكامل الاقتصادي وتنشيط عمل مجلس رجال الأعمال بين السودان وإثيوبيا.
والتقى النائب الأول لرئيس الجمهورية بكري حسن صالح رئيس مجلس الوزراء القومي، يوم الأحد، سفير إثيوبيا لدى السودان أبادي زومو، بمناسبة انتهاء فترة عمله بالسودان، وأشاد بالتعاون والتنسيق بين كل الأجهزة في البلدين.
وقال زومو إنه بحلول العام 2018 ستكون الاتفاقيات كافة الموقعة بين البلدين في إطار اللجنة المشتركة واللجنة الفنية قد تم تنفيذها على أرض الواقع.
وأضاف في تصريحات صحفية، إن العلاقات السودانية الإثيوبية تمضي بخطوات ثابتة نحو النماء والتطور بفضل إرادة وعزيمة القيادة السياسية بالبلدين، مشيراً إلى العمل الكبير الذي تقوم به اللجنة الاقتصادية العليا المشتركة بين البلدين والتي يرأسها من الجانب السوداني نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبدالرحمن، ومن الجانب الإثيوبي نائب رئيس الوزراء.
على صعيد متصل رحبت حكومة جنوب السودان، بقرار الولايات المتحدة القاضي برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، واصفة الخطوة بـ”الإيجابية”، وأكدت بأن السودان هو البلد الذي انفصلنا عنه، لذلك هناك الكثير الذي نتشاركه”.
وقال المستشار الرئاسي السابق في حكومة جوبا، بونا ملوال في تصريحات لـ”سودان تربيون” “السودان ليس مجرد جار، وليس مجرد بلد أفريقي، إنه البلد الذي انفصلنا عنه، لذلك هناك الكثير الذي نتشاركه”.
من جانبه قال المستشار الرئاسي للشؤون الأمنية، توت كيو غاتلواك، “إن قرار رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان كان قراراً مشجعاً وجيداً. لقد كنا جزءاً من السودان ونحن لا نتمنى للسودان شيئاً سيئاً، هذه ليست ثقافتنا”.

الخرطوم وواشنطن .. مستقبل العلاقات من منظور إستراتيجي


تتجه الأوساط السودانية الرسمية والشعبية هذه الأيام بانظارها الى البيت الأبيض الأمريكي  ترقباً لإهم القرارات المتوقع صدورها بنهاية الفترة المقررة بشأن العقوبات الإقتصادية المفروضة على السودان.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد مدد الفترة التى قررها سلفه اوباما لرفع العقوبات عن السودان لثلاثة أشهر أخري بشكل نهائي ، لكن خلال هذه الفترة حدثت كثير من المتغيرات في العلاقات بين الجانبين .
بدرت كثير من الإشارات التى تدل على تغيير نظرة الولايات المتحدة تجاه السودان ومثل إيفاء الحكومة بالمسارات الخمس دافعاً للإدارة الأمريكية لإتخاذ عدد من الخطوات الإيجابية تجاه السودان دون التقليل من دور اللوبيات التي تُعارض.
تشير جهود السودان الى انه لا مجال للولايات المتحدة سوي رفع العقوبات بشكل نهائي لانه اوفي بجميع التزاماته على رأسها مكافحة الإرهاب ، ولم يكن قبول عضوية السودان في المنبر العالمي لمكافحة الارهاب من قبيل المصادفة ، لجهة ان اعضاء المنبر سبق ان وجهوا الدعوة الى السودان لحضور اجتماعه في اديس ابابا ممثلاً في الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب العام الماضي ، واسُتكملت عضوية السودان ليكون حضورا في اجتماعات المنبر ومشاركاً بارائه في القرارات التى تصدر من مجلس الامن والامم المتحدة والهيئات الدولية.
مؤخراً بدت بعض الاوساط السودانية والامريكية متفائلة برفع العقوبات عن السودان في الموعد المضروب استنادا إلى المواقف المعلنة للإدارة الأميركية والتفاهمات التى جرت بينها وبين السودان في المسارات الخمس والتي أظهرت مواقف إيجابية في هذا الاتجاه ، فضلًا عن مواقف مسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة الأمريكية جميعهم أيدوا اتخاذ قرار رفع العقوبات تحقيقاً لمصالح الإدارة الأمريكية التى لا تتحقق الا بالتعاون مع السودان في أكثر من ملف ابرزها الأمن القومي للدولي والمصالح الحيوية لواشنطن وعلى رأسها الإستثمارات السودانية.
وابدى رئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان علي محمود وزير المالية الأسبق تفاؤلاً كبيراً بصدور قرار من الإدارة الأمريكية يقضي برفع العقوبات عن السودان وقال: ” نترقب أن ترفع العقوبات جملة واحدة في الموعد المضروب” ، واضاف أن جهود المؤسسات الحكومية مع نظيراتها الأمريكية  والقرارات الأخيرة للرئيس الأمريكي بشأن منح تأشيرات الدخول للمواطنين السودانيين والاستثناءات التي منحتها مؤسسة الخزانة الأمريكية تعطي مؤشرات إيجابية في اتجاه الرفع النهائي للعقوبات.
على الرغم من ان السودان بذل كل ما لديه من اجل رفع العقوبات الاقتصادية التى اثرت على الشعب السودان  وحدت من مقدرة الاقتصاد في التعامل الدولي بحرية دون قيود أو شروط كما انها مثلت عائقاً أمام السودان وحرمته من الإستفاده من  التمويل الدولي من المؤسسات الدولية والمؤسسات الاقتصادية الأخرى ، فضلاً عن إرهاب البنوك والمؤسسات المصرفية الدولية وتخويفها من الدخول في معاملات مالية مع الحكومة السودانية (تجربة بنكي لويدز وباركليز في بريطانيا في عامي 2009 و2010).
جهود السودان في رفع العقوبات الإقتصادية لا ينكرها الا مكابر حيث عكفت أجهزة الحكومة بمختلف تخصصاتها طوال الفترة الماضية على عقد اجتماعات معلنة وغير معلنة مع نظرائهم في الولايات المتحدة ، كما خاضت الدبلوماسية السودانية عبر جميع المنابر العالمية والدولية معركة طويلة الأمد بغرض توضيح أثار العقوبات على الشعب السوداني وعزز من ذلك مطالبات الإتحاد الأفريقي والبرلمان العربي بضرورة رفع العقوبات عن السودان نظراً لأدواره الإقلييمة والعربية في الحفاظ على السلم والأمن الأقليمي والدولى.

الأحد، 8 أكتوبر 2017

مستقبل الدولار .. قبل وبعد رفع العقوبات .علي محمود يطالب التعامل بالعملة الصينية والخروج من عقدة الدولار


قال رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس الوطني الدكتور علي محمود عبدالرسول ان اقتصاد السودان لن ينصلح برفع الحظر فقط إنما يتطلب زيادة الإنتاج ،
كاشفا عن اعداد رؤية وتصور لمؤسسات القطاع الخاص والعام لمرحلة ما بعد العقوبات بجانب ان تنفيذ البرامج يتطلب اعتمادات مالية ، مضيفا ان إعفاء ديون البلاد الخارجية مرهون بموافقة الولايات المتحدة حتى اذا وافق البنك الدولي على اعفائها
وتوقع علي محمود انخفاض سعر الدولار لـ15 جنيها خلال الـفترة المقبلة بعد رفع العقوبات الامريكية وتدفق الاستثمارات ورؤس الاموال ، واضاف اذا لم يكن لدينا برامج اقتصادية مستدامة فسيرتفع سعره لـ20 جنيها بعد مجئ السلع الامريكية، وقال ان الاستقرار الاقتصادي لن يتحقق اذا لم
ينخفض الدولار وطالب بان تتم المعاملات المصرفية بالعملة الصينية والخروج من عقدة الدولار ، ورهن اصلاح الوضع الاقتصادي وخفض معدلات الفقر ورفع مستوى معيشة المواطنين، بزيادة الناتج المحلي الاجمالي وقسمته على المواطنين بعدالة

في السابق قال وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي في تصريحات صحفية سابقة ان سعر الدولار سيصل إلى 50 جنيهاً ، وانتقد سياسات وزارة المالية في الشأن الاقتصادي ، داعيا لإيجاد برنامج متكامل لمعالجة الوضع الاقتصادي ، مؤكدا انه لا توجد معالجات منفصلة لارتفاع التضخم
وسعر الدولار
فيما وصل سعر الدولار في السوق الموازي الى اكثر من 22 جنيهاً ، في اكبر قفزة يشهدها سوق النقد الاجنبي ما ترتب عليه تضاعيف اقتصادية قاسية على المواطنين

ويري المحلل الاقتصادي او عضو هيئة المستشارين بمجلس الوزراء هيثم محمد فتحي أن على الحكومة أن تخفض الضرائب والرسوم والجمارك وتشجع الاستثمار المحلي ، اضافة الي انها تملك تنفيذ إلغاء كافة القيود على تحويل أموال المغتربين ، وأن تحرر تحريراً واضحاً لا لبس فيه سعر
الصرف ، وأن تقدم تمويلاً مفتوحاً بدون تكاليف تمويل تذكر للقطاع الزراعي وبدون ضمانات تعجيزية

وأضاف فتحي أن عليها مراجعة وتخفيض رسوم التعليم والعلاج العام والخاص بجانب مراجعة التأمين الاجتماعي والصحي لصالح المواطن ، بالإضافة لتقديم المحفزات لدخول المزيد من الاستثمار الأجنبي ، وتخفيض المصروفات الحكومية ، بينما طالب الدولة بإعلان تشجيع إنشاء عشرات
الشركات بالمساهمة العامة المعفاة من الضرائب والجمارك لما لا يقل عن خمس سنوات في التعدين والزراعة والثروة الحيوانية والصادر، وأمامها خيار اعتماد عملات عالمية قوية مع دول قوية مثل الين الصيني

وقال الخبير الاقتصادي عبد الله الرمادي في أفادة سابقة للصحافة ان كل المؤشرات والدلائل تشير الى ان الولايات المتحدة في طريقها لرفع العقوبات الاقتصادية الامريكية خلال الشهر الجاري واضاف كل المؤشرات تؤكد دعم ما ظللنا نردده من ان الحكومة الامريكية وصلت لقناعة تامة بضرورة
رفع
ما تبقى من الحظر الاقتصادي وذلك ايمانا بأن القرار كان خاطئا ولم يكن مسنودا بأي حقائق واقعية لذلك تم التراجع عنه وأشار الرمادي الى أن الآثار المترتبة حول رفع الحظر تتمثل في الانفتاح المتوقع من البنوك العالمية والشركات الكبرى فضلا عن تدفق العملات الأجنبية التي تدخل عن
طريق
الاستثمار واقامة المصارف ما يعني هذا ان الضغط على الطلب المتزايد على العملات الاجنبية الدولار تدريجيا سيبدأ بالانخفاض بالصورة المطلوبة نتيجة لتدفق العملات الاجنبية ، لافتا الى ان انخفاض الدولار خلال اليومين السابقين يعد مؤشراً لاستمرار الانخفاض نتيجة لتوقعات من قبل
المتاجرين به في السوق الموازي والمضاربين.

وتوقع الرمادي حدوث المزيد من انخفاض الدولار بزيادة التدفقات الاجنبية للسودان لامكانيات السودان من موارد زراعية ومعادن وغيرها يمكن ان تستفيد منها الولايات المتحدة ، داعيا الى أهمية تضافر جهود الدولة والمجتمع لتهيئة متطلبات مرحلة مابعد رفع الحصار الامريكى عن البلاد الشهر
الجاري
ويقول المحلل الاقتصادي الدكتور السماني هنون ان الاقتصاد السوداني يعاني من تشوهات بسبب السياسات والتشريعات ، داعيا الي اعادة دراستها وتطويرها لجذب راس المال ، مبينا ان رفع العقوبات وحده غير كاف لمعالجة اقتصاد السودان

الخميس، 5 أكتوبر 2017

كيف حقق السودان هذه النقلة الهائلة؟


لن يكون سهلاً على الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين المهتمين بالشأن السياسي السوداني استيعاب النقلة هائلة في رقعة الشطرنج المحلي والإقليمي و الدولي التى أنجز من خلالها السودان عدد من الانجازات ذات الوقع والرنين
التاريخي التى نادراً ما يجود بها التاريخ! فقبل نحو من عامين كان السودان يكابد العقوبات الاقتصادية الأمريكية شديدة الأثر والوطأة والإدارات الامريكية المتعاقبة تقسو على هذا البلد وتلهب جسده بسياط الاتهامات و المكايدات.
واليوم تفك واشنطن حظرها على السودانيين لدخول أراضيها وتستعد لإلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه. وقبل نحو من عام أو عامين كان إقليم دارفور مثار تعليقات و أحاديث المجتمع الدولي! الكل يبدي رأيه في ما يسمونها محرقة شبيهة بالمحرقة اليهودية المزعومة! ولكن نجح السودان اليوم في نقل صورة باهرة زاهية للرئيس البشير وكبار معاونيه وهم في عمق (شطاية ، قريضة، وكلمة) في أصقاع دارفور التى التصقت بمزاعم الانتهاكات و جرائم الحرب!
من المؤكد ان مدّعُو محكمة الجنايات الدولية وقضاتها وموظفيها ذهلوا حين رأوا الرئيس في عقم ما كانوا يعتبرونه (مسرح الجريمة)! وربما فرك بعضهم عينيه في محاولة فهم ما قِيل وما هو ماثل الآن! أحد موظفي لاهاي، هاله المشهد فأرسل رسالة عبر تطبيق الفيس بوك لزميلته قال لها (مستحيل.. من المؤكد أننا كنا على خطأ، وربما لا نزال على ذات الخطأ)!
قد فهمت المرسل إليها مضمون الرسالة. لاهاي لم تصدق أن هذا هو مجرم الحرب المزعوم بين مواطنيه وضحاياه داخل أسوار المعسكر، ومتاح لمن لديه حقوقاً في مواجهته! وقبل نحو من عام من الآن لم يكن معروفاً متى تقرر بعثة حفظ السلام المشتركة (يوناميد) وضع إستراتيجية خروج؟ وهاهي الآن تبدأ عملياً في تسليم عدد من مواقعها للحكومة السودانية إيذاناً بالرحيل في إطار إستراتيجية خروج مفعمة بالشعور بالرضا عن درجة الأمن والاستقرار التى بلغها إقليم دارفور.
هي إذن جملة تطورات إستراتيجية بالطبع لم تأتي هكذا مصادفة، وعلى نحو عابر وإنما هي نتاج جهود دبلوماسية ذات نفس طويل، لا تتعجل النتائج، لا تهاب التحديات ، تعمل في صمت، تجادل بالحق، و تقبل وترفض على محجّة حق! لقد أحدث السودان بدبلوماسيته المتميزة تحولات جذرية تاريخية أتاحت له من مجرد قطر بالكاد يحظى بالاحترام الإقليمي والدولي، إلى قطر رائدة في مداواة الجراح، والتغلب على المصاعب والمصائب واكتساب الأصدقاء و تحييد الأعداء.
لقد نجحت الدبلوماسية السودانية في تليين موقف الولايات المتحدة وحولته إلى موقف ناعم الملمس، و نجحت فى محو الصورة الشائهة للسودان ليصبح بلداً رائداً في مضمار مكافحة الارهاب وإدارة الملتقيات الفكرية الهادفة لاستقرار دول القارة والإقليم، استفاد السودان من تجربته المريرة المؤلمة وحولها إلى قاعة درس أنيقة ترفد الآخرين بالرؤى و الأفكار.
وإذا أردنا تفسيراً واقعياً لهذه النقلة فهي دون شك إنما ترجع إلى الإرادة السودانية الصميمة التى عزمت على تجاوز كل الآلام و تطويع كل المثبطات السياسية وإحالتها إلى محفزات، والأهم من كل ذلك قوة الشكيمة وشدة الإصرار على الحق وتطويع المستحيل.

الأربعاء، 4 أكتوبر 2017

السودان وإستراتيجية بناء الأمن الإفريقي المشترك


بعقده للمؤتمر والملتقى الفكري الأول الخاصة بالتحديات الأمنية التى تجابه دول القارة الإفريقية متزامناً مع المؤتمر رقم 14 لقادة الأمن والمخابرات الأفارقة الذي شهدت فعاليته العاصمة السودانية الخرطوم أواخر سبتمبر الماضي؛ يكون السودان قد
شرع عملياً في إرساء دعائم الأمن الإقليمي للقارة الإفريقية. ومن المؤكد ان اهتمام السودان بأمن واستقرار القارة السمراء نابع من صميم اهتمامه بالأمن والاستقرار في المنطقة ومن ثم الأمن الدولي. ولهذا فان تبني السودان لهذه الاستراتيجية الأمنية البالغة الأهمية يمكن قراءته من زوايا إستراتيجية عدة :
أولاً، المعاناة الصعبة التى عاشها السودان جراء الحروب الأهلية الطويلة - جنوب السودان 1955 – 2005، إقليم دارفور 2003  - 2017، الشرق 2003 – 2007، ثم الحروب التى خفت صوتها قليلاً في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق أثبتت للسودان أمراً جوهرياً وحيوياً مهماً، إن الاستقرار إنما يتحقق بالتنمية وحظر انتشار السلاح وبمعالجة القضايا الأساسية من جذورها.
ثانياً، شعور السودان –من وقاع تجربته المريرة– ان هناك (أيادي خارجية) تعبث بأمن دول القارة، تبيع وتنشر السلاح وتحرض و تؤجج الصراعات دفعه إلى مخاطبة جذور هذه العناصر، اذ إن ورشة السيسا التى تضم خبراء تناقش عبر مؤتمرات راتبة قضايا انتشار السلاح، قضايا الجريمة المستحدثة والتدخلات الخارجية وغيرها من المهددات الأمنية، على ذلك فان السودان قرأ منذ زمن بعيدة هذه المعطيات جيداً وأشرك القادة الأفارقة في كيفية مواجهتها، فكانت فكرة إقامة كيان تنظيمي إقليمي يجمع قادة الأمن والمخابرات في دول القارة ليدلوا بدلوهم، ولكي يصبح العمل الإفريقي المشترك عملاً فاعلاً في تأمين حدود دول القارة متصدياً لكل مهددات وتحديات من شأنها الحقا الضرر بأمن و استقرار القارة.
ثالثاً، الدور الإقليمي للسودان لتأمين الإقليم هو بالتأكيد جهد متقدم من هذا البلد لان تأمين السودان وحده لا يكفي حيث ثبت عملياً ان الدول المتجاورة في الإقليم تتأثر بظروف بعضها، وكلنا يرى كيف أثرت حروب المنطقة جنوب الصحراء (ليبيا وتشاد) في انتشار السلاح في دارفور ليتحول إقليم دارفور منتصف ثمانيات القرن الماضي الي حقل ينتشر فيه السلاح والنهب المسلح وليكون نواة للحرب التى دارت رحاها في دارفور. بل إن الأنشطة السالبة للحركات الدارفورية المسلحة في دول الإقليم (دولة جنوب السودان وليبيا) أفرزت واقعاً أمنياً معقداً حين تحولت حركات دارفور إلى حركات مرتزقة ومنظومات مقاولات حربية، تقتات على الدماء و الأشلاء و تبيع بنادقها مقابل المال!
هذه الإفرازات هي دون شك تحديات أمنية خطيرة وصعبة وليس من السهل ان تحتملها القارة الإفريقية، ولهذا فحين يفرد السودان هذا الحيز المقدر من الأوراق العلمية الرصينة من رؤساء أفارقة سابقين وخبراء ووزراء عملوا لسنوات في دولهم و في منظمات دولية فإن هذا معناه ان السودان يؤسس لمنظومة اقليمية أمنية يديرها أصحاب المصلحة من قادة القارة لصالح دولهم وشعوبهم ومنطقتهم.
رابعاً، إصرار السودان على استضافة هذه الملتقيات الفكرية الإفريقية في هذه الظروف المعقدة أيضاً يعكس اهتمامه بقضية ما تزال تؤرق المنطقة والعالم وهي قضية مكافحة الارهاب والكل يعلم ان الارهاب إنما يتغلغل في الدول والأقاليم انطلاقاً من منابت فكرية موبوءة، وأن من الأفضل القضاء على هذه المنابت وهي في مهدها ووضع كافة أساليب المعالجة مبكراً قبل ان تستفحل وتشسع وتصبح وحشاً كاسراً.
مجمل الأمر إن السودان يقود العمل الإفريقي الأمني المشترك لخير وصالح القارة وهو بهذه المثابة يتعاون مع كل دول لعالم بيد بيضاء وعقل وقلب مفتوحين ومن اجل ترسيخ الأمن والاستقرار الدولي.

الملتقى الفكري والصناعة الاستراتيجية السودانية الهائلة!


أوراق علمية وعملية رصينة تداولها المشاركون من الخبراء و الرؤساء الأفارقة السابقين في الملتقي الفكري الأول والذي ناقش باستفاضة الاستقرار السياسي في أفريقيا التحديات وآفاق المستقبل. القارة الإفريقية التى كانت ضحية الاستعمار الأوربي
في القرون الماضية كان لزاماً عليها وهي في القرن الـ20 أن تؤسس لبنات سياسية وأمنية متينة لاستقرارها وأمنها.
لو لم يفعل السودان طوال تاريخه الحافل في العمل الأفريقي المشترك سوى عقده لهذا الملتقى التاريخي لكفاه! وذلك لجملة من الإعتبارات استشعرها كل المراقبون الذين تابعوا عن كثب وقائع هذه الفعالية المدهشة:
أولاً، استحث السودان وشحذ عقول وأفكار المفكرين الأفارقة والخبراء و الرؤساء و الوزراء السابقين لوضع رؤية افريقية واضحة للتعامل مع التحديات التى تجابه القارة السمراء والتى خلقت من القارة بؤرة للنزوح واللجوء و الأمراض وانتشار السلاح. وهي دون شك مرحلة تشبه مراحل التحولات الاستراتيجية التاريخية للأمم و الشعوب حين يدركون ان بإمكانهم مداواة جراحهم وأمراضهم دون انتظار الآخرين واستجداء الأجنبي.
ثانياً، الأوراق التى قُدِمت نفسها أعطت القادة الأفارقة شعوراً كان مهماً ولازماً بأنَّ رؤاهم الفكرية -رغم اختلاف الثقافات والديانات- متقاربة ومتطابقة وهذه نفسها بمثابة هدف استراتيجي سعياً نحو توحيد الرؤية الافريقية تجاه المشكلات و التحديات.
ثالثاً، الأوراق أبرزت الأنشطة السالبة للحركات الإفريقية المسلحة باعتبارها تطعن مباشرة صميم الاستقرار الأمني والقومي لشعوب القارة. فهناك سبل شتى لمعالجة الخلافات وكان لافتاً ان تجربة السودان الخاصة بمشروع الحوار الوطني تحولت إلى (تجربة رائدة) جديرة بالاحتذاء، وجديرة بالاحترام .
رابعاً، فكرة التأسيس لمتقى دائم ينعقد بصفة دورية لمتابعة تنفيذ مخرجاته ونتائجه على ارض الواقع هي في واقع الأمر لبنة مهمة لبناء فهم إفريقي مشترك لطبيعة تحديات القارة.
مجمل الأمر إذن إن السودان تصدى لواحدة من ابرز وأخطر تحديات الأسرة الإفريقية في واحد من أهم الأقاليم في العالم، ونجح في لفت أنظار العقل الجمعي الإفريقي –رغم ما يعانيه– إلى المفتاح أو الشفرة التى من شأنها إخراج دول القارة مما هي فيه. لقد حول السودان معاناته الخاصة وتجربته المريرة إلى دروس علمية وعملية حية قابلة للاستفادة في مواجهة التحديات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أعطى السودان الدليل المادي القاطع على أنه:
 1) لم يستسلم للتحديات التى واجهته ويركن إلى الدعاية الواسعة النطاق التى كانت تصوره كبلد غارق في الأزمات والحروب وغير قادر على الخروج منها، فقد تعافى من أزماته ولم يقتصر على التعافي وإنما شرع في نشر طريقة التعافي في محيطه الإفريقي حتى يتعافى الجسد الإفريقي بكامله.
 2) تجاوز مراراته حال الذين أسهموا في زعزعة أمنه واستقراره سواء في المنطقة او على النطاق الدولي، وذلك لترسيخ قيمة تجاوز المرارات والعمل على النهوض والوصول إلى الاهداف بعيداً عن معاداة الآخرين. 3) أسس لمنهج الحوار الأفريقي الإفريقي كمعادل موضعي لمنهج الحوار الوطني الداخلي ذلكم المشروع التاريخي الكبير الذي وفر مناخ استقرار مشهود الآن في أرجائه الواسعة المختلفة.
لقد استحق السودان ريادة العمل الأمني في القرة الإفريقية ولذا فان من المؤكد أن المستقبل في صالحه وصالح القارة السمراء.

رفع العقوبات.. دلائل ومؤشرات مؤكدة!


بات في حكم المؤكد ان تقرر الادارة الامريكية رسمياً رفع العقوبات الاقتصادية احادية الجانب المفروضة منذ حوالي 2 0 عاماً على السودان. مؤشرات ودلائل فى اكثر من اتجاه دلت بوضوح على هذه الحقيقة، بل ان بعض المراقبين يتوقع ألا تنتظر الادارة
الامريكية حلول الموعد المضروب في الثاني عشر من اكتوبر 2017م باعتبار ان فترة الأشهر الثلاثة التى كانت قد منحتها إدارة الرئيس ترامب لنفسها لدارسة جوانب القضية والتقرير بشأنها ليس بالضرورة ان تنقضي كاملة فهي محض (مهلة) لدارسة و إعداد فريق مختص، ومتى ما تم ذلك فبالإمكان رفع العقوبات دون التقيد بالموعد المحدد.
أما الدلائل والمؤشرات التى تبدو جلية حتى الآن فهي واضحة في ثنايا العديد من جوانب القضية، فمن جانب أول فان رئيس لجنة الاستخبارات بالكونغرس الأمريكي (ديفن نونز) قال إنه يتوقع رفع العقوبات المفروضة على السودان بحلول الموعد المضروب.
نونز قال للصحفيين عقب لقاء جمع معه برئيس البرلمان السوداني ابراهيم احمد عمر الاسبوع الماضي (نحن مؤسسة تشريعية رقابية وبطبيعة الحال ليست الجهة التى تصدر القرارات التى هي مسئولية الإدارة الامريكية). ثم أضاف نونز (ناقشنا الامر ونحن متفائلون برفعها) و لا شك ان  من الصعب ان لم يكن من المستحيل ان (يتوقع) عضو بالكونغرس رفع العقوبات بدون ان تكون لديه معلومات مؤكدة بهذه الصدد.
المؤشر الثاني، المباحثات التفصيلية التى اجراها وزير المالية السوداني الدكتور محمد عثمان الركابي مع عضو الكونغرس (جورج هولدينق) لبحث ومناقشة مرحلة (ما بعد رفع العقوبات). الوزير السوداني قال للصحفيين انه يتوقع مع صدور قرار إيجابي برفع  العقوبات، ومن المؤكد أيضاً ان الوزير السوداني توفرت لديه معلومات مؤكدة –من بين ثنايا مباحثاته مع عضو الكونغرس (هولدينق) والذي كان في معية وفد من السفارة الامريكية بالخرطوم– بما ستكون عليه الامور في الثاني عشر من اكتوبر. كما ان مناقشة مرحلة ما بعد رفع العقوبات -منذ الآن- يعني عملياً ان قرار الرفع قد تم اتخاذه على الأقل داخل مطابخ صنع القرار وانه لم يحن بعد موعد اعلانه رسمياً. او ربما كانت ضرورياً وضع ترتيبات دقيقة والتباحث بشأنها مع الخرطوم قبل صدور القرار حتى يأتى توقيت صدور القرار متسقاً مع ما هو مطلوب.
 إذن مجمل القول إن إدارة الرئيس ترامب على الأقل حتى ألان تقترب من اتخاذ قرار نهائي برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، والمتأمل في بيروقراطية الادارة الامريكية وقنواتها وطريقة اتخاذ  القرارات يمكنه أيضاً ان يلمس منحى ايجابي في هذا الصدد، فهي أطلقت عدداً من أعضاء الكونغرس ليجوبوا السودان ويتباحثوا مع مسئوليه وقادته، كما أنها استقبلت وزير الخارجية السوداني ابراهيم غندور الذي سافر إلى نيويورك لحضور اعمال الجمعية العامة للمنظمة الدولية، ومرّ في طريقه إلى هناك بالعاصمة الامريكية واشنطن وتمكن من التقاء مسئولين كبار هناك اعطوه اشارات ايجابية زاد من نسبة التوقعات الايجابية.
 وعلى كل فان الأمر هذه المرة لا يبدو مقلقاً كما كان في المرة السابقة فقد سمحت الادارة الامريكية باستشفاف القرار واستشراف المرحلة التى تعقبه.