دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الخميس، 10 ديسمبر 2015

واشنطن تتلاعب بالعلم الإنساني في المنطقتين!


الولايات المتحدة وعبر ممارسة تعكس ليس فقط سوء النية وإنما أيضاً سوء الخلق السياسي، تعبث بالأوضاع الإنسانية في المنطقتين جنوب كردفان والنيل الأزرق! هذا العبث المؤسف تمارسه الولايات المتحدة -عن عمد وسبق إصرار- من خلال الحركة الشعبية قطاع الشمال.
وهي تلعب هذه اللعبة دون أن يطرف لها جفن، مع أنها بذات القدر ترفع صوتها عالياً في أروقة مجلس الأمن الدولي مطالبة بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في تلك المناطق! وليس سراً في هذا الصدد أن مجلس الأمن الدولي وبإيعاز صريح من الولايات المتحدة في مايو 2012 دعا الأطراف السودانية للعمل بقوة لفتح ممرات آمنة وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في مناطق النزاع (المنطقتين).
وحينها كانت واشنطن تراهن على الاتفاق الموقع بين الحكومة والحركة الشعبية في ذات العام فيما عرف وقتها بالاتفاق الثلاثي. وقد مرّت كل تلك السنوات -أكثر من 3 سنوات- دون أن تعمل الحركة من جانبها على تنفيذها هذا الاتفاق، ضاربة عرض الحائط بالاتفاق من جهة، وبقرار مجلس الأمن الدولي من جهة أخرى!
ولو ضربنا صفحاً عن كل ذلك وتغاضينا عنه فإن أحداً لا يمكنه أن يتقبل انهيار الجولة العاشرة من المفاوضات في نوفمبر 2015 والتي كانت متخصصة لوقف العدائيات والدفع بالعملية الإنسانية إذ أن هناك شواهد مادية واضحة على أن واشنطن -الحاضرة في تلك الجولة من وراء ستار- عملت على تعقيد المفاوضات مع إدراكها التام بوجود إتفاق سابق وقرار من مجلس الأمن. إذ أن المبعوث الأمريكي الخاصة (دونالد بوث) ظل حاضراً في كواليس كل الجولات والتفاوض والعشرة الماضية بما في ذلك الجولة الأخيرة، والمدهش في هذا الصدد أن الولايات المتحدة تعلم أن العملية الإنسانية ضرورية وممكنة وأن الحكومة السودانية موافقة عليها، ولكن موقف الحكومة السودانية كان أن تمر الإغاثة عن طريق السودان وليس عبر حدود السودانية الجنوبية وذلك لأمرين هامين، وفقاً لما أوضحه مساعد الرئيس السوداني، إبراهيم محمود؛ أن تكون العملية الإنسانية تحت بصرها ونظرها رغم أن الذي يتولاها فعلياً هي الأمم المتحدة وذلك تفادياً لأن يتم إدخال أسلحة وذخائر إذا ما تم هذا العمل عبر دولة جنوب السودان لأن العالم بأسره يعلم طبيعة الدعم اللوجستي الذي ما زالت حكومة الجنوب تقدمه للحركات المسلحة، وهي نقطة من الوضوح والبساطة بحيث لا تحتاج لكثير إيضاح.
الأمر الثاني -وهو الأهم- أن العملية الإنسانية الخاصة بدولة الجنوب -في الوقت الراهن- تتم رسمياً عبر السودان وتم توقيع وثائق رسمية مع الأمم المتحدة بهذا الخصوص مؤخراً بما يعني أن دولة الجنوب نفسها وحتى فيما يخص أوضاعها الإنسانية الخاصة بها بفعل النزاع الجاري فيها ليست مؤهلة لإدخال إغاثات عبرها!
هذه الحقائق واضحة في ذهن الولايات المتحدة ومع ذلك دفعت وفد قطاع الشمال لإفشال العملية التفاوضية بما يعني بالضرورة أن العملية الإنسانية التي تتذرع بها واشنطن من حين لآخر ليست سوى روقة سياسية تستخدم حسب الحاجة فقط!

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

تاني مفاوضات!!


بقلم: نجل الدين آدم
علمت أن ترتيبات تجري الآن لاستئناف مفاوضات الحكومة مع حركات دارفور ومع قطاع الشمال من جهة أخري، بشأن قضية المنقطتين تحت رعاية ذات الوسيط الأفريقي وفي المكان العاصمة الإثيوبية "أديس أبابا"  في غضون الأيام  المقبلة.
ومعلوم أن الجولة العاشرة قد فشلت قبل أيام تماماً مع الطرفين ووصلت الأطراف إلي طريق مسدود حيث لم يجدوا أية نقاط التقاء في ظل تمسك كل طرف بشوطه، كان علي رأسها الشروط التعجيزية التي وضعها قطاع الشمال بشأن ملف المنطقتين.
وقد أشرنا إليها من قبل في هذه المساحة حيث يريد "عقار" و"عرمان" وزمرتهم رفع سقوفات الطموح، كأنما يقولون ما فارقة نضغط إذا الحكومة وافقت  خير وبركة وإذا رفضت تطرشق الجولة الجاية ونجي نقعد تاني.
وبالفعل رفضت الحكومة وطرشقت الجولة وعاد القطاع مرة أخري يلملم أطرافه بدعوة من الوساطة بغية محاورة الحكومة وكذا حركات دارفور!.
أي حديث عن مفاوضات بالتأكيد هو شي إيجابي بغية أن تتوصل الأطراف إلي اتفاق مرضي لكل منهم، لكن إذا كان الحوار والتفاوض مجرد جرجرة وكسب وقت ونزهة شهرية في "أديس"، فإن الأفضل أن يبقي كل طرف في موقعه إلي أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
تطاول أمد المفاوضات والجولات التفاوضية المطرشقة يعني أن صرفاً كبيراً من خزينة الدولة يتم لقاء هذه الاجتماعات الفاشلة التي لا جدوى منها إلا التنزه في فنادق العاصمة "أديس".
الغريب في الأمر أنه ما أن تنفض الجولة إلا ويأتي الوسيط الأفريقي ويدعو ذات الأطراف التي وقفت ألف في العبور إلي نقاط تلاف، ويبلغ الطرف الحكومي ويقول ببساطة نحن جاهزون وكذا الحركات، طيب وين الجاهزية وأنتم تعلمون مسبقاً وقبل أن تجلسوا أن الجولة ستنفض إلي رجعة ثانية.
يفترض علي الوفد الحكومي في هذه المرة وقبل أن يرفعوا أرجلهم في الطيارة أن يعلموا ما الجديد الذي دعاهم من أجله الوسيط لجولة تفاوض جديدة، وهل هناك مرونة إلي الحد الذي يمهد لجولة ناجحة، وإلا فإن النتيجة الحتمية ستكون فشل الجولة الجديدة، لا تتعجلوا حتي لا تتعثروا وتدور الساقية وتبقي لسه مدورة والله المستعان.

نتائج مهمة حققها الحوار الوطني


حقق مشروع الحوار الوطني الجاري حالياً بقاعة الصداقة بالعاصمة السودانية الخرطوم والذي يدخل شهره الثالث بعد أيام قلائل، حقق حتى الآن وقبل أن تظهر نتائجه ومخرجاته النهائية عدة مكاسب إستراتيجية بالغة الأهمية بحيث يمكن القول إن هذه المكاسب وحدها وبمعزل علن النتيجة النهائية كافية لإصلاح الساحة السياسية السودانية في المستقبل القريب والبعيد على حد سواء. فما هي إذن هذه المكاسب الإستراتيجية التي حققها مشروع الحوار الوطني وهو لم لم ينقض بعد؟
أولاً، أنشأ جسراً قويا جداً لعنصر الثقة الذي ظل مفقوداً منذ سنوات بين الفرقاء السودانيين، فقد مرت الآن حوالي 8 أسابيع ونيف والمجموعات السياسية المختلفة تطرح أوراقها ومقترحاتها دون أن تنغلق فيما بينهم طاقة الاحتمال. عنصر الثقة هذا وحده، وإمكانية التحاور بين الجميع دون أية مشاكل أو عقبات وهو العنصر المفقود الذي في جانب منه قاد إلى رفع السلاح في وقت من الأوقات، وهذا يعني ابتداءاً أن المستقبل لن يشهد اندلاع أعمال عنف بين الفرقاء لأنهم أدركوا من خلال هذا الحوار أن من السهل أن يتحاوروا وأن بالإمكان تحقيق الكثير من المطالب والأهداف عبر الحوار.
ثانياً، الأفكار والأوراق التي حركت حتى الآن -علمية كانت أن غير علمية- أوضحت بجلاء أن مساحة التلاقي بين كل الفرقاء السودانيين مساحة ضيقة للغاية فالكل متفقون على وحدة السودان وعلى حق الأغلبية في طرح رؤاها مع احترام رأي الأقلية، لم يشذ في فعاليات الحوار الوطني رأي يمكن وصفه بأنه شاذ، حتى ولو بدا أن هناك رأي نشاز فإن طريقة التحاور النقاش سرعان ما تفضي إلى مناخ جيد.
ثالثاً، إن المطلوب هو أن يفهم الفرقاء -قدر الإمكان- أفكار بعضهم باحترام تام وتقدير وهذا ما حدث فعلاً ، ففي حقب سابقة كان هناك شد و جذب و عدم احترام للرأي، هذه حقيقة و كان مردها إلى أن الكل معتد برأيه وموقفه، الآن بدا واضحاً أن لدى الأطراف الحاكمة آراء  تجد قبولاً لدى الأطراف المعارضة. وأن لدى الأطراف المعارضة -بالمقابل- آراء تجد قبولاً لدى الأطراف الحاكمة.
رابعاً، اتضح  أيضاً أن الوطن -كوطن وشعب- حاق به ظلم كبير جراء حالة الشد والجذب بين المتصارعين، فقد تبين للكثيرين ممن شاركوا في الحوار وخاصة أولئك الذين كانوا في الخارج أو في ميادين القتال، أن الوطن قد تأخر كثيراً بسبب هذا التشاكس غير المبرر، وأن المواطن بدوره لحق به ظلم فادح في عيشته أو تعليمه أو صحته، لأن الصرف على الحرب وتأمين البلاد -جراء الحرب- تكون له الأولوية.
خامساً، اتضح كذلك أن إمكانية التحاور وإسماع كل طرف لوجهة نظره للآخر عملية سهلة و ممكنة لا تحتاج إلى وسطاء. لقد كانت من ابرز نتائج هذا المشروع الوطني إنتفاء الحاجة نهائياً لوسطاء وضامنين، فالتقاليد السودانية الراسخة هي وحدها القادرة على حلحلة مشاكل السودان وان السودانيين -بطبيعتهم- أهل تسوية و صلح ومعالجة للأزمات.
سادساً، إن الديمقراطية المرتجاة بالنظر إلى ظروف السودان لست بالضرورة هي الديمقراطية المستمدة من الدول الكبرى الغربية، إذ بالإمكان ابتداع أسلوب ديمقراطي لا تنقصه الحرية و يراعي بعين الاعتبار ظروف السودان وثقافة أهله وطبيعة نسيجه الاجتماعي، وتنوعه، وهي أمور من المنتظر أن تتطور في المستقبل إلى نهج ديمقراطي متفرد خاص بالسودان.
سابعاً، إن الحكم وحده والوصول إلى السلطة لا يجب أن يكون الهدف للقوى السياسية السودانية. هنالك إمكانية للقيام بأدوار وطنية مؤثرة مفيدة للبلاد دون أن يكون من هو وراءها مسئولاً في السلطة . هذه النقطة على وجه الخصوص يمكن اعتبارها مفتاح الاستقرار في البلاد، إذ أن قضية السلطة والوصول إليها ومن ثم انقسام الكل لفريقين، فريق يحكم وآخر يقاتل من أجل الحكم، لم تعد هي القضية الرئيسية، فالكل حاكم طالما انه يقدم أشياء مفيدة لبلاده.
وهكذا، فإن بالإمكان أن القول إن قضية الحوار الوطني في جوهرها، وكما كان مأمولاً منها، لامست وبعمق القضايا الأساسية لكيفية بناء الدولة السودانية وربما كانت هي المرة الأولى التي يجري فيها حوار على مستوى كافة النخب للوصول إلى كلمة سواء لصالح المصالح الوطنية العليا للسودان.

هل هؤلاء سودانيون ؟


من الخطأ أن يعتقد أمثال ياسر عرمان وعبد العزيز الحلو ومالك عقار وآخرين أن عبثهم وتلاعبهم بالمفاوضات الجارية بينهم وبين الحكومة السودانية وتعنتهم من حين لآخر هو موضع حفاوة لدى السودانيين، أو أن السودانيين أقل ذكاء من أن يدركوا خطل هذه اللعبة البائسة!
هذا العبث بالمفاوضات والتلاعب بالشأن السوداني ومصائر أناس بسطاء تعطلت حياتهم مزارعهم وفقدوا ثرواتهم الطبيعة، فقط لأن هنالك ذوي طموحات يستخدمون هذه الظروف لصالح طموحاتهم الخاصة، لن يكون ثمنه سوى فشل مريع لهؤلاء القادة وخسران مبين في خاتمة المطاف.
حتى الآن انقضت 10 جولات تفاوضية لم يتحرك فيها التفاوض قيد أنملة! إذ ما تزال القضايا محل التفاوض مجهولة دعك  من الأجندة التفاوضية وإمكانية التوافق حولها. إن مثل هذا الوضع في بلد كالسودان كره الحرب وتكاليفها الباهظة وزادت معاناة الناس جراء هذه الحرب لن يقابله السودانيين برضاء وقبول، إذ أن الأمر في خاتمة المطاف حرب على حياة مستقرة بادر بها هؤلاء الذين يرفضون الآن -وبإصرار غريب- وضع حد لها!
إن النتائج المترتبة على هذا العبث المؤسف من قبل قادة قطاع الشمال وحركات دارفور بعملية السلام والشأن السوداني في المناطق التي تشهد أعمال عنف وحروب يمكن أن نضعها في نقاط أسياسية:
أولاً، سيذكر التاريخ القريب والبعيد أن هؤلاء القادة حتى حين حملوا السلاح لم يحملوه على أساس (فكرة) أو رؤية وهو أمر يعني أنهم من الأساس ليس لديهم منطق سياسي بدليل أنهم في كل مفاوضات يدخلون إلى التفاوض بهدف إفشاله!
ثانياً، إن رفضهم للإغاثة والعمل الإنساني فيه أسطع دليل على أنهم غير مهتمين تماماً بما قد يؤول إليه حال أهلهم الذين يرزحون تحت ظروف قاسية ومؤلمة. في كل الدنيا ومهما كانت ضرورة الخصومة والعداء بين المتحاربين هناك اهتمام شديد بالجانب الإنساني فما بالك بمناطق يطلق عليها هؤلاء المناضلين (مناطق مهمشة) ومع ذلك يمنعون عنها هم -على تهميشها- أقل حد للعمل الإنساني!
ثالثاً، وجود رجل كياسر عرمان الذي لا صلة له بالمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) في هذه المفاوضات لهو أقوى دليل مادي على أن المقصود هو استخدام قضية الحرب في هاتين المنطقتين -تكتيكياً- لأغراض أخرى مغايرة تماماً!
رابعاً، وجود أشخاص يطلق عليهم (خبراء ومستشارين) ينتمون على وجه الخصوص للحزب الشيوعي السوداني في أروقة المفاوضات يوضح بجلاء أن المنطقتين -للأسف الشديد- ليست سوى قميص يجري رفعه والتلويح به لصالح آخرين.
خامساً، قادة قطاع الشمال والحركات الدارفورية المسلحة هم الآن -في كل أرجاء السودان- موضع استهجان واستنكار لعدة أسباب: السبب الأول أنهم استمرءوا الحرب رغم انتفاء الحاجة لها في ظل وجود منابر للتفاوض، ومشروع وطني عام للحوار الوطني. ما من سوداني عاقل أو غير عاقل يقف الآن مؤيداً لهؤلاء المتعنتين رافضي التفاوض في ظل وجود سوانح وفرص حقيقة للتسوية والحل النهائي!
السبب الثاني، إن هؤلاء القادة -المرتبطين بجهات مشبوهة بالخارج- أثبتوا أنهم تخلوا تماماً عن التقاليد السودانية التي تجنح للصلح والحل وداخل البيت ما قبل ركونهم لجهات خارجية وتسليم قرارهم لها.
وعلى كل فإن هذا الذي يجري الآن من قبل هؤلاء الذين يحملون السلاح وتلاحقهم الهزائم العسكرية بإستمرار ثم يرفضون التفاوض ويعرقلونه ويضعون شتى العقبات في طريق الحل والتسوية النهائية إنما هم موضع إدانة من كافة النخب والموطنين السودانيين، وهذا وحده أمر كفيل بإلحاق هزيمة نهائية مدوية بهم وتلاشي حركاتهم إلى الأبد.

المساعدات الإنسانية للمنطقتين.. عوائق ومفارقات!


بحسب مفوض العون الإنساني السوداني (أحمد محمد آدم) فإن الحركة الشعبية قطاع شمال ظلت تعرقل الاتفاق الثلاثي الموقع منذ ثلاثة سنوات لفتح المجال للإغاثة والعون الإنساني في المنطقتين (جنوب كردفان النيل الأزرق). ويضيف آدم، إن التقديرات الدقيقة لمن هم في حاجة ماسة العون الإنساني يمكن تقديرها بما لا يقل عن 180 ألف شخص في الوقت الذي يحتاج فيه 160 ألف طفل لحملات تحصين وتطعيم ضد العديد من أمراض الطفولة.
مفوض العون الإنساني وضع هذه الحقائق أمام الرأي العام الدولي عشية انعقاد المفاوضات في العاصمة الإثيوبية أديس، حيث تتجه الأنظار إلى هناك أملاً في أن يفضي التفاوض إلى اتفاق حول وقف العدائيات من جهة، وفتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات من جهة أخرى. وعلى الرغم من هذه الحقائق المفجعة والتي من المفترض أن تلفت الانتباه المجتمع الدولي والذي يفترض أنه دفع الطرفين إلى هذه المفاوضات -بقرار دولي صادر عن مجلس الأمن- لوضع حد لمعاناة مئات الآلاف جراء الحرب الدائرة في المنطقتين منذ 5 سنوات!
ولا شك أن مقتضى ما أورده مفوض العون الإنساني أنَّ الحركة الشعبية قطاع الشمال ليست غير جادة في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعيد الاستقرار إلى المنطقتين فحسب؛ ولكنها غير جادة أيضاً حتى في فتح ممرات للعون الإنساني. وبدوره يعني ذلك أن الحركة الشعبية قطاع الشمال سبب رئيسي من أسباب استمرار معاناة المتضررين من الحرب في المنطقتين، ومع كل ذلك فإن المجتمع الدولي لا يحرك ساكناً!
ولعل الأكثر الغرابة في الأمر أن لآلية الإفريقية التي أدهشت الكثير من المراقبين بطريقة إدارة التفاوض، لم تولي هذه النقطة الإنسانية البالغة الحساسية القدر الكافي من الاهتمام. وقد يقول قائل إن الحركة الشعبية قطاع الشمال قلت أنشطتها العسكرية عما كانت عليه قبل أشهر، سواء بسبب ترجيح الجيش السوداني كفة الميزان وقدرته على إلحاق الهزائم تلو الهزائم بها، أو حتى لأسباب تعاني منها الحركة جراء حركة الانسلاخات المتوالية التي شهدتها في الآونة الأخيرة، وهذا صحيح بدرجة كبيرة؛ ولكن ذات هذا الأمر يفسر تفسيراً واضحاً إصرار الحركة على ألاّ تسمح بمرور الإغاثة فهي تخشى من أن تفقد المعاقل القليلة التي تبقت لها والتي تستخدمها الآن كورقة على مائدة التفاوض!
ويُستشف من هذا الأمر -بالضرورة- أن المجتمع الدولي وبعض القوى الدولية المنحازة للحركة الشعبية يلتزمون الصمت حيال موقف الحركة الشعبية لأسباب تعود إلى حرص هؤلاء على ألاّ تلحق الهزيمة نهائياً بالحركة وتخرج من ميدان الصراع، الأمر الذي يؤكد بدوره أن القضايا الإنسانية في عرف العديد من القوى الدولية لا تعدو كونها (أوراقاً) ذات صبغة سياسية ترتبط بمصالحها، وتستخدمها استناداً إلى هذه المصالح فقط!

محجوب حسين.. رمتني بدائها وإنسلّت!


في حوار أجرته معه "الجزيرة نت" منتصف نوفمبر 2015م بالعاصمة البريطانية لندن نجح محجوب حسين الذي يحمل صفة (مستشار) لحركة العدل والمساواة المتمردة في تشريح أزمة ما كان يعرف بالجبهة الثورية على وجه الخوص.
ففيما يتعلق بحملة السلاح عموماًً لا سيما الحركات الدارفورية المسلحة أعلن حسين رفض الحركات المسلحة لما أسماه (الحل الجزئي للأزمة السودانية)! مشيراً إلى تمسكهم بمشاركة الجميع في الحل السياسي.
والمدهش في هذا القول إن الحركات المسلحة وحدها –دوناً عن بقية المكونات السياسية في السودان هي التي ترفض التفاوض والحوار الوطني! أي إن محجوب حسين عكس تماماً المنطق السياسي، فبدلاً من أن يبرر بطريقة -موضوعية- إن وجدت، أسباب تعنتهم كحركات مسلحة في قبول التفاوض والحوار، إدعى أنهم كحركات مسلحة يريدون حلاً كاملاً غير مجزأ للأزمة بمشاركة الجميع! بينما هم في الواقع الذين يرفضون الحل!
أما فيما يتعلق بالجبهة الثورية وحين سئل عن أزمتها الراهنة قال إن الثورية (تحالف سياسي/عسكري) للمقاومة والوطنية وهي جزء من مكونات الشعب السوداني الذي هو -على حد وصفه- مجتمع انقسامي! أنظر هنا كيف مهد الرجل -بإنتهازية واضحة- للتبرير لأزمة الثورية حين وصف المجتمع السوداني بأنه (مجتمع انقسامي)! كان واضحاً في هذا التوصيف الذي لم يقل به أحد من قبل إن محجوب حسين يسابق السؤال لكي يبرر للإنقسام التاريخي  الخطير الذي ضرب الثورية.
ولن تنتهي الدهشة هنا فقط فقد مضى محجوب حسين -بحذر واضح- لتوصيف الأزمة داخل الثورية حين قال (أرادت الثورية -لأول مرة- أن ترسم في تجربتها التي لا تتعدى سنوات أن تحول بموجبها مفهوم التعاطي مع الديمقراطية والتداول والتجديد من كونه خطاباً سياسياً فجاً إلى واقع حقيقي معاش، ولكن بعض الشركاء في الحركة الشعبية قطاع الشمال أردوا الاستمرار في قيادة الجبهة بوضع اليد).
يعترف محجوب حسين بأن الثورية بدأت بتجربة الديمقراطية (لأول مرة)! مع أن عمرها سنوات! وبالطبع لم يسأله الذي أجرى الحوار عن سبب (تأخر) الممارسة الديمقراطية كل هذه السنوات -ولو كانت سنتين- ولماذا لم تبدأ الثورية بالديمقراطية منذ تكوينها طالما أنها تحالف عسكري سياسي؟ كما أن محجوب حسين بهذه الإجابة المفجعة أكد أن استئثار قطاع شمال بالقيادة عن طريق وضع اليد فيه دلالة قاطعة على أن الديمقراطية عصية على التطبيق داخل الثورية.
ثم يمضي حسين ليقرّ إن الحركة الشعبية حولت الأمر إلى خسارة مذهلة لسوء في التقدير! وهنا أيضاً لم يتسن لمجري الحوار أن يسأل حسين (المذهول بموقف قطاع الشمال) عما إذا كان جبريل إبراهيم نفسه المراد تنصيبه زعيماً للثورية، قد وصل إلى رئاسة حركة العدل بطريقة ديمقراطية وبعيداً عن كونه شقيق زعيمها السابق؟
ويمضي محجوب حسين لمزيد من (الإدهاش) حين يقرر أن نظام الحكم القائم في السودان حالياً (لا يملك أي أهلية سياسية أو أخلاقية) لقيادة الدولة وحل مشاكل السودان! فلو أن هذا الزعم صحيح، هل تمتلك الثورية الأهلية السياسية -دعك من الأخلاقية- لإدارة نفسها فقط وهي الآن تعيش واقعاً بالغ السوء. إن هذا الوجه القميء لطريقة ممارسة بعض قادة القوى المعارضة واستخدامهم لمنطق متداعي وواهن سرعان ما يرتد إلى صدورهم هي دون شك بمثابة تلخيص محكم لأزمة حملة السلاح الذين يسعون إلى السلطة وهم لا يملكون قيمة التذكرة السياسية.

الأسباب المسكوت عنها في إنهيار مفاوضات أديس!


لا شك أن إنهيار المفاوضات التي جرت مؤخراً بأديس أبابا بين الحكومة السودانية قطاع الشمال من جانب، والحكومة السودانية وحركات دارفور المسلحة في جانب آخر، كان أمراً راجحاً لمن يقرأ بعناية مواقف وتكتيكات هذه القوى المسلحة ومن يقفون وراءها.
فبالنسبة لقطاع الشمال فإن مأزقه السياسي الذي صنعه بيديه وعاونته عليه الولايات المتحدة أنه حاول إقتفاء أثر الحركة الشعبية الجنوبية في تجربة نيفاشا المعروفة، بينما المعطيات والظروف باتت مختلفة تماماً. كان واضحاً أن الحركة الشعبية قطاع الشمال سعت لإجبار الحكومة السودانية للتفاوض معها -عبر قرار دولي صادر من مجلس الأمن وهو القرار 2046- من ذات منطلق محاولة إعادة استنساخ نيفاشا جديدة وجنوب جديد بذات السيناريو ولكن مع تفادي سلبيات الاتفاق السباق بالنسبة لها!
وإمعاناً منها في محاكاة الحركة الشعبية الجنوبية التي كانت في ذلكم الوقت ترتبط بما كان يعرف بالتجمع الوطني الذي يضم أحزاب سياسية عديدة معارضة، فإن الحركة الشعبية قطاع الشمال سارعت بإنشاء ما كان يعرف بالجبهة الثورية والتي حاولت من خلالها استخدام القوى السياسية والقوى الدارفورية المسلحة -بمكر واضح- لإحداث تأثير عسكري على ميزان القوى في الميدان حتى تصبح أقوى وأكثر تأثيراً!
المفارقة التي حدثت وأفسدت على الحركة الشعبية قطاع الشمال خططها واضطرتها لإلتزام تكتيك عرقلة المفاوضات وإفشالها، أن حلفاؤها في الحركات الدارفورية المسلحة فطنوا بسرعة إلى خبثها الماكر، فقد تعلموا هم -وهذه أيضاً مفارقة- من تجربة التجمع الديمقراطي السابقة، فعملوا على عرقلة أي (إنفراد) للحركة الشعبية قطاع الشمال بمفاوضات بعيداً عنهم تأخذ مكتسباتها وحدها وتدعهم على قارعة الرصيف!
وبذا أصبحت المعادلة شديدة الضيق على الحركة الشعبية فهي لا تملك القدر الكافي من مساحة التحرك للمناورة، كما لا تستطيع أن تمضي قدماً في مفاوضاتها مع الحكومة بفعل العامل الخاص بحلفائها في الثورية وإمكانية انهيار الثورية انهياراً كاملاً يكشف غطاءها.
الحركة قطاع الشمال أيضاً ولأسباب -خاصة موقفها العسكري المزري في الميدان- لا تريد الدخول في إجراءات عمل إنساني وفتح ممرات إغاثة ومن ثم تصبح مكشوفة تماماً ويتضح للجميع أنها لا تعدو كونها (خيال مآته)!
أما حركات دارفور المسلحة فإن مأزقها السياسي أكثر وضوحاً من سابقتها، فهي (محكومة تماماً) بمقررات منبر الدوحة، حيث لا تستطيع أي حركة دارفورية مهما بلغت من المكابرة أن ترفض مقررات الدوحة وقد أضاعت -بسوء تقدير- فرصة الدوحة في حينها، ولا مجال حالياً لإنشاء منبر جديد أو بدء التفاوض السياسي من الصفر.
هذا المأزق قائم ولا يوازيه سوى مأزقها المعروف في الميدان، حيث تلقت جميعها -كل على حدا- ضربات موجعة من قوات الدعم السريع، كما تورطت -كل على حدا- في نزاعات خارجية في دول الجوار أفقدتها لياقتها العسكرية!
هذه المعطيات من المؤكد أنها جعلت مواقف هذه القوى المسلحة ضعيفة ولا تسمح لها بمناورة جيدة، كما أن الضغط الذي يتسبب فيه مشروع الحوار الوطني الجاري بالداخل حالياً يضيف أعباء ثقيلة عليها، لهذا فهي جاءت إلى أديس أبابا وهي تعلم  أنها ستعود كما كانت ولن تجرؤ على القبول بما رفضته من قبل!

الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

إجماع سوداني على إلغاء العقوبات القسرية على البلاد


كشف المقرر الخاص المعني بالتدابير القسرية الانفرادية التابع لمجلس حقوق الإنسان بجنيف الإدريسي الجزائري، عن إجماع نادر لشرائح المجمتع السوداني التي التقاها خلال زيارته الأخيرة، على إلغاء العقوبات الأحادية القسرية المفروضة على البلاد.
والتقى الجزائري خلال زيارته، وزراء ورجال أعمال وهيئات ومؤسسات وأحزاباً سياسية توافقت على إلغاء العقوبات الأحادية القسرية أو إعادة النظر فيها لتتواكب مع الظروف التي تشهدها البلاد.
وقال إن السودان يعتبر من الدول القليلة التي تعاني من عقوبات شاملة، مبيناً أن مجلس الأمن أصبح يتفادى هذه العقوبات لانعكاساتها السيئة على الشعوب وليست على متخذي القرار.
وأوضح الجزائري، خلال لقائه وزير العدل بحضور وزير النقل والطرق والجسور ووزراء الدولة بالمالية والخارجية والرعاية الاجتماعية ومحافظ بنك السودان، أن ما كان معمولاً به في العام 1997 لم يعد صالحاً لهذا العام.
وأبان الجزائري، أن الوقت بات مناسباً للعمل على إحراز تقدم في سبيل إلغاء العقوبات القسرية، خاصة وأن البلاد تشهد حواراً وطنياً. وقال إنه لاحظ، خلال الزيارة، الأضرار الجسيمة التي أثرت على تمتع المواطنين البسطاء بحقوقهم الأساسية في الصحة والغذاء والتعليم والتنمية.
وأضاف أن ما اتخذه الرئيس الأميركي أوباما من إجراءات جريئة بشأن كوبا وإيران يمكن أن تشمل السودان قبل انتهاء فترته الرئاسية ليدخل التاريخ، قائلاً "لا نضمن أن تكون هذه العناصر متوافرة في المستقبل".
وطالب الجزائري بالاستفادة من المرونة المتوافرة حالياً لإيجاد صيغة للتغلب على ردة الفعل المبالغ فيها من قبل بعض المؤسسات المالية والعمل على إزالة هذه العراقيل.
وأوضح أن السودان أصبح غير مدرج مع الدول الموضوعة تحت المراقبة من قبل الفريق العامل الخاص بالتحويلات المالية والنظر في إمكانية تحرير التحويلات.
وقدم المقرر الخاص مقترحاً بأن يبادر السودان بالاتصال بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتنظيم ملتقى مع البنوك المحلية والدولية والأفريقية بمشاركة أصحاب الأفق في الولايات المتحدة على أن يعقد الاجتماع في دولة أوروبية للتغلب على المخاوف.
وأكد أن الملتقى سيساعد على إدخال المرونة والتعاون مع البنوك المتعاملة مع السودان.

مشاهد من كواليس أديس أبابا!


كان واضحاً من خلال الصورة العامة أن ما كان يسمى بالجبهة الثورية كانت تحاول الظهور بمظهر متماسك في أديس أبابا. ومع أن الخلاف كان وما يزال أعمق وأكبر من أن تتم مداراته بالنظارات الشمسية السوداء والملابس الثقيلة اللامعة! ولم يكن خافياً على أحد، إن بعض الشخصيات السياسية (من الداخل) والتي هرعت وسارعت إلى السفر إلى أديس، فعلت ذلك من وحي أملها أن تنجح في رأب الصدع -على الأقل في هذا المنعطف التاريخي الخطير- على حد قول الشيوعي المعتق الذي كانت ملامح الخوف والحزن تكسو محيّاه بحيث لم يفلح في إخفاءها.
ولكن بالمقابل فإن ما استطعنا أن نلمسه بوضوح من خلال وقائع هذه المفاوضات وغض النظر عن نجاحها أو إخفاقها عدة نقاط جديرة بالانتباه: أولاً، في حين إن مقصد التفاوض في هذه المرحلة -على المسارين- (المنطقتين ودارفور) كان قف العدائيات وفتح ممرات إنسانية؛ كان هدف ومقصد بعض الذين تسنىّ لهم الحضور كان هو محاولة إصلاح ما جرى في ما يسمى بالجبهة الثورية، ولهذا كان واضحاً أن أحاديث الكواليس وردهات الفنادق أكثر من غيرها!
ثانياً، قطاع الشمال الذي سعى حثيثاً لإرغام الحكومة السودانية على التفاوض معه إزدادت حساسيته تجاه هذه المفاوضات ولم يعد راغباً فيها لأسباب تتصل بمخاوفه من أن يفضي أي اتفاق بينه وبين الحكومة إلى مكاسب قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع، فضلاً عن خسرانه لبقية رفاقه في الحركات الدارفورية. مخاوف قطاع الشمال من المفاوضات باتت من الوضوح بحيث يمكن قراءتها في ملامح وتقاطيع وجه عرمان وحركة عينيه.
ثالثاً، الثلة السياسية من الذين نادراً ما تسمع لهم حس سياسياً هنا بالداخل، والذين وصلوا إلى أديس في ثياب وتحت صفات (خبراء) لم ينجحوا في مداراة صفاتهم الحقيقية، ومع أن هذا في حد ذاته يكمن احتسابه مكسباً سياسياً عاماً لصالح الحوار الوطني إجمالاً، إلا أن التساؤل يظل قائماً حول طبيعة الضرورات التي تجعل أمثال هؤلاء (مجرد خبراء) بينما هم في الواقع يمثلون أحزاباً سياسية معروفة! فإذا كان (التخفي) في شأن من الشئون تفرضه ضرورات معينة، فإن الشأن السياسي عادة ما من ضرورات تفرضه!
رابعاً، وصول بعض الساسة وهم لا يحملون أي صفة، لأي طرف من الأطراف ولا يمثلون طرفاً من أطراف العملية التفاوضية يثير هو الآخر التساؤل حول (المانع الموضوعي) الذي منع هؤلاء من الانخراط في الحوار الوطني طالما أنهم تواقون إلى حل سياسي سلمي! هل يا ترى دوافع هؤلاء الاحتماء بحملة السلاح؟ هل كان ولا يزال هدفهم الاستقواء بالحركات المسلحة؟
إجمالاً يمكن القول إن الصورة في أديس تثير الاستغراب، ساسة وخبراء يمثلون قوى سياسية معروفة لم ترق لهم المفاوضات والحوار إلا في الخارج وعلى موائد أجنبية! وتلك بحد ذاتها أزمة!

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

نجاحات مضطردة لمشروع الحوار الوطني!


من المتوقع أن تكون الناشطة السياسية المعروفة (تراجي مصطفي) قد انضمت إلى الحوار الوطني وبمعيتها (6) من الناشطين قادمين من كندا وأستراليا وبريطانيا. تراجي كانت قد أعلنت قبل أيام عن تلقيها دعوة رسمية من الرئيس السوداني للمشاركة في الحوار وأنها قبلت الدعوة وشرعت في ترتيبات مشاركتها فعلياً.
وبالنظر إلى أن تراجي ورفاقها المنضمين حديثاً إلى الحوار ظلوا طوال سنوات يعملون خارج السودان عملاً سياسياً معارضاً للحكومة  السودانية ومسانداً للحركات المسلحة فإن من المؤكد أن قبولهم الدعوة للمشاركة ومشاركتهم فعلياً في عملية الحوار يمكن اعتباره إضافة جدية لمشروع الحوار الوطني، إذ أن التعويل هنا ليس على الأشخاص والصفات -مهما كانت- ولكن التعويل بطبيعة الحال على نجاح مشروع الحوار الوطني في إجتذاب الناشطين وحضورهم إلى السودان للتفاكر والنقاش وإيصال الرأي بموضوعية وهدوء.
ولذلك يمكن القول إن مشروع الحوار الوطني حتى الآن استطاع أن يحقق انجازات تاريخية عديدة على أصعدة مختلفة: أولاً، إعادة ترسيخ عملية الثقة، إحدى أهم عناصر التواصل وتبادل الرأي بين كل الفرقاء السودانيين، فالذين حضروا حتى الآن وشاركوا في الحوار تعززت ثقتهم بدرجة كبيرة وممتازة بمخالفهم في الرأي وهذا في حد ذاته انجاز لا يدانيه انجاز.
ثانياً، ثبت بما لا يدع مجالاً لشك أن الأزمة الحقيقية بين الفرقاء السودانيين سواء في السابق أو الراهن الماثل لا تتجاوز إنعدام اللغة السياسية والتواصل فيما بينهم، بعيداً عن الوسطاء والأطراف الخارجية. بل لا نغالي إن قلنا إن الكثيرين ممن ينشطون سياسياً في الخارج هم أسرى لمفاهيم وتصورات ملتبسة وخاطئة بشأن طبيعة الأوضاع في بلادهم، لأن الصورة في الخارج عادة ما تصل إليهم وهي ليست واضحة!
إن الحكومة السودانية -ومهما قيل عنها من قبل المعارضين وبعض القوى الدولية المعادية لها- تتيح هامشاً مقبولاً من الحريات والممارسة الديمقراطية لا ينكره إلا مكابر، على الرغم من أنها تواجه حرباً وعملاً مسلحاً منذ سنوات، إذ من النادر أن تنجح حكومة ما، في مثل ظروف السودان الحالية في حمل السلاح للدفاع عن البلاد، وفى الوقت نفسه إتاحة أقصى قدر ممكن من الممارسة الديمقراطية!
هذه النقطة تحديداً أسرّ لنا بها أحد غلاة الناشطين ضد الحكومة ممن التحق حديثاً بمشروع الحوار الوطني مبدياً دهشته الشديدة من قيام الحكومة بهذا الدور الذي وصفه بأنه صعب. وعلى كل فإن مؤشرات نجاح عملية الحوار الوطني تبدو واضحة في الأفق لكل صاحب عينين ونظر، فالقضايا الآن تطرح وتناقش عبر لجان الحوار بصفة راتبة، والمشروع حالياً في شهره الثاني، ومن الممكن -بحسب أمين أمانة الحوار- أن يمتد لثلاثة أشهر أخرى إذا ما دعت الحاجة لذلك.

معوقات التفاوض في أديس أبابا!


العلة الأساسية التي عادة ما تصيب المفاوضات التي تجري في أديس أبابا أن الوساطة المتمثلة في الآلية الإفريقية رفيعة المستوى تخلط الأوراق! ومع عملية خلط الأوراق تدهشك الآلية دهشة بالغة حين تطلق ورقة من عندها، ثم تسعى لاجتذاب الأطراف نحوها، وتظل الأمور تراوح مكانها حتى تتباعد المواقف بين الأطراف، ثم ينفضّ السامر.
إن أسلوب طرح الأوراق التوفيقية والسعي لجلب رضاء الأطراف، أسلوب متكرر واثبت عدم جدواه. المفاوضات الحالية هي أصلاً مفاوضات ذات مسارين؛ مسار خاص بالمنطقين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، ومسار خاص بإقليم دارفور. المسار الخاص بالمنطقتين وكما هو معروف مسنود بقرار صادر من مجلس الأمن، العام الماضي.
وأما مسار دارفور فهو في إطار وقف العدائيات فتح الطريق نحو مفاوضات من المفروغ منه أن منبرها بالعاصمة القطرية الدوحة. ومن المؤكد أن  حسن إنجاح المفاوضات يقتضي احترام مقتضيات كل طل طرف والتركيز بصفة أساسية وصارمة -في هذه المرحلة-  على وقف الحرب وفتح مسارات للعمل الإنساني.
الآلية الإفريقية يبدو تصورها للأمر مختلفاً، فبنظرة واحدة عابرة للمشهد في أديس أبابا كان بوسع أي مراقب أن يرى أرتالاً من القادة السياسيين خارج سياق أطراف التفاوض. بعض القادمين إلى أديس أبابا جاءوا في سياق محاولة الإيحاء بوجود سياسي لما يسمى بالجهة الثورية أو ما بات يعرف بقوة نداء السودان!
الآلية الإفريقية كثيراً ما تمنح الموقف خلطاً وتداخلاً في المسميات والرؤى والمواقف ويخيل للآلية أن الفرقاء السودانيين المتواجدون هم وحدهم المعنيين بالأزمة ومن ثم يبدو لكل المراقبين وكأن الآلية تبدأ -للمرة المائة- من الصفر!
العلة الأخرى التي يمكن ملاحظتها هي الأخرى بسهولة أن قطاع الشمال يدخل قاعة التفاوض، بنية مسبقة ومبيتة على ألاّ يتوصل إلى حل! فالتكتيك الذي بات محفوظاً عن ظهر قلب بالنسبة لعرمان ورفاقه هو أن يجعلوا (الأمر صعباً) وأن يتحول الأمر إلى قرارات افريقية تليها قرارات دولية، والسبب في ذلك أن قطاع الشمال مضافاً إليه حركات دارفور –من حيث الوزن السياسي العام– اقل بكثير من أن يحصلوا على أية مكاسب، كما كان الحال في نيفاشا، بالنسبة للحركة الشعبية الجنوبية.
قطاع الشمال أيضاً يخشى كل الخشية أن ينفرد بحلول تخصه بمعزل عن حركات دارفور فيزداد الأمر سوءاً في علاقتهما المتأرجحة أصلاً!
إجمالاً يمكن القول إن الأطراف المعينة بالتفاوض في أديس تحتاج لاختراق حقيقي على صعيد مفاهيم وأسلوب الآلية الإفريقية من جهة؛ وعلى صعيد الحركات المسلحة من جهة أخرى. وما لم يتم هذا الاختراق، فإن أحداً ليس بوسعه توقع نجاح العملية.

الأحد، 29 نوفمبر 2015

العلاقات السودانية المصرية من منظور استراتيجي!


يتعجل الكثير من المراقبين ويستعجل البعض إتخاذ الحكومة السودانية (قرارات ساخنة) حيال بعض الممارسات الخاطئة التي يتعرض لها رعايا سودانيين من قبل السلطات المصرية هذه الأيام.
ما فعلته الحكومة حتى الآن وتقديمها لاحتجاجات واستفسارات -عبر القنوات الدبلوماسية- للجهات المسئولة في الشقيقة مصر، هو الإجراء الضروري الذي عادة ما تقوم به أي حكومة حيال أمور كهذه، فالأمور لا تصل الى (القاع) على النحو الذي يريده البعض، رغم أن ما تقوم به السلطات المصرية عصيّ على الإحتمال والقبول!
إن مما لا شك فيه أن العلاقات السودانية المصرية علاقات إستراتيجية شديدة الأهمية والخصوصية يحرص السودان عادة -أياً كان النظام الحاكم فيه- على المحافظ عليها محافظة أمينة وجادة، وهي علاقات ترتكز على : 1-إرث مشترك. 2-عمق استراتيجي متبادل صنعته الجغرافيا ورسخه التاريخ. 3-مصالح إستراتيجية مشتركة لا فكاك منها.
هذه المرتكزات الثلاثة الأساسية ليس من السهل إخضاعها –بين عشية وضحاها– لمقتضيات تكتيكية أو أحداث عابرة . صحيح إن الأعراف الدبلوماسية المقررة وفق القوانين الدولية تبيح في مثل هذه الحالة أن يتعامل السودان بالمبدأ الذهبي المعروف (المعاملة بالمثل). وصحيح أيضاً إن السودان قادر على استعدال كفة الميزان في علاقات البلدين بما هو متاح لديه من وسائل سياسية ودبلوماسية متعددة الخيارات.
ولكن الأهم من كل ذلك، أن تظل العلاقة قوية لا تتأثر بالأحداث العابرة إذ أن ما تقوم به السلطات المصرية حالياً ضد بعض المواطنين السودانيين على أراضيها لا يمكن اعتباره عملاً ممنهجاً يحمل صفة الاستهداف والدوام. لم يتأكد حتى الآن بل من السابق لأوانه أن هذا المسلك بمثابة عمل منهجي ويجري بإنتقائية مقصودة. فالسلطات المصرية تقول إن ما تقوم به يأتي في إطار إجراءات عامة لمنع تجارة العملة المخربة لاقتصاد الدولة وأنها حين تقوم بهذا الإجراء لا تستهدف رعايا بعينهم، ومن الجائز جداً أن يكون الأمر على هذه الشاكلة، ولكن من المؤكد أن هناك تجاوزات، وربما تكون قد وقعت على نحو فردي ومعزول لا يمثل سياسة الدولة.
وعلى ذلك إذا أردنا تلخيص الرؤية الإستراتيجية التي تتبناها الحكومة السودانية في علاقاتها بالشقيقة مصر فإن بإمكاننا تلخيصها في عدة نقاط أساسية بالغ الأهمية:
أولاً، المحافظة على أقوى علاقة مع الشقيقة مصر حتى في أوقات الشدة والأزمات. وربما لاحظ البعض ومنذ أيام نظام الرئيس الأسبق مبارك أن السودان لم يعمل على تصعيد الأزمة في مثلث حلايب المتنازع عليه بين الدولتين، بل إن هذا الموقف حاضر بين الجارتين حتى في خسمينات القرن الماضي حين أبدى الجانبان حرصهما على العلاقات الإستراتيجية بين البلدين بلا أي تصعيد سياسي أو عسكري مهما كانت الدواعي.
ثانياً، تفضيل الوسائل الدبلوماسية الهادئة في حل الخلافات وبأقصى درجات ضبط النفس إذ أن الشاهد هنا أن الخلافات بين الجانبين لا ترتكز على نظام حكم بعينه ومدى تجانسه أو تناقضه مع نظام الحكم في البدل الآخر، فكما هو معروف فإن هذه الخلافات كانت حاضرة حتى على عهد الرئيس المصري السابق مرسي، وقد سبق لوزير خارجية السودان الأسبق (علي كرتي) أن أشار إلى أن الأضرار التي لحقت بالسودان في عهد مرسي أكثر من غيره  من الأنظمة المصرية!
ثالثاً، عدم الاستناد على الحوادث العابرة، ذات الشحن النفسي والوجداني للاستعانة بها في علاقات البلدين، فالخاسر في هذه الحالة هو شعب الدولتين، والحكومات في البلد ليست دائمة ولكن الوشائج بين الشعوب هي التي تدوم و تبقى.
وعلى كلٍ فإن الدبلوماسية العادية ومن بعدها الدبلوماسية الرئاسية قادرة على وضع حد لهذه الخلافات والعبور عليها عاجلاً أم آجلاً.

عرمان وتأملاته الباريسية!


عشية انفضاض اجتماعات نداء السودان بالعاصمة الفرنسية باريس كان ياسر عرمان بصفة خاصة الاكثر تعاسة على الاطلاق. ملامح وجهه الجامدة بعدما غطى الحدث الارهابي الكبير في باريس على مخرجات الاجتماع كانت تنبئ بشيء يعتمل تعاسة وألماً في صدره. فالاجتماع الذي أريد له أن يهز مجريات الحوار الوطني الجاري في الخرطوم حدثت له هزة إرتدادية معاكسة، فقد نجح الحوار الوطني الجاري في الخرطوم في هز اجتماع باريس.
الجبهة الثورية التي لطالما تباهى بها عرمان وهو يمني نفسه بحركة شعبية أقوى من تلك التي أسسها قائده السابق جون قرنق وسودانه الجديد المنتظر تحطمت على نحو مفاجئ وتفرقت في مفترق طرق تاريخي بالغ الحساسية، للدرجة التي لم يعد بإمكان قادتها التفوه بإسمها قط!
المفاوضات السياسية التي تم تفصيلها خصيصاً على مقاس الحركة الشعبية قطاع الشمال في أديس أبابا وبرع عرمان في عرقلتها والتلاعب بها وإفشالها اصبحت الآن (بعبعاً) مخيفاً له ولرفاقه، بعدما أضحى قطاع الشمال جذراً بل أرخبيلاً من الجذر المتناثرة، وبعدما بات عرمان يخشى من ان ينحصر الامر في (المنطقتين) وحدهما وتصبح أزمته مضاعفة حين يتعين عليه –كقيادي– الاختيار ما بين الانتماء إلى جنوب كردفان أو جنوب النيل الازرق!
ليس ذلك فحسب، فقد كانت الانباء التي ترد إلى عرمان -بصفة روتينية وراتبة- من الخرطوم تشير إلى ان وقائع مؤتمر الحوار الوطني تحقق نجاحات مضطردة وأن حرية التداول وطرح الآراء تجري على قدم وساق، بحيث من الممكن ان يحقق المؤتمر نتائجاً سياسية مؤثرة وهو ورفاقه هناك في المنافي بعيدون عنها!
كل تلك الخواطر المؤلمة كانت تعتمل قوة في ذهن عرمان وهو يقف على بهو الفندق الباريسي الانيق. ولهذا لم يكن من بد من أن حاول عرمان توجيه دفة الامور إلى وجهة أخرى مغايرة. وجهة سياسية تصبح مدار أحاديث الصحافة.
ولأن الرجل يعاني (حالة نفسية) شديدة الوطأة لم يجد سوى محاولة الاستهانة والتقليل من الاتفاقيات الاقتصادية الاستراتيجية التي عقدت مؤخراً بين السودان والمملكة العربية السعودية. لقد بدا واضحاً ان عرمان بدأ بالفعل يخاف وبدأ القلق يأكل قلبه المكدود، فهو يدرك ان مثل هذا التطور الاستراتيجي الكبير بين الخرطوم والرياض يقضي وإلى الابد على مشروع السودان الجديد الذي ظل يحلم به.
ثم إن ذهنية عرمان التآمرية تفتقت عن محاولة اجراء عملية ربط فاشلة وفاضحة ما بين الحادث الارهابي المريع بوسط باريس، وما يجري في السودان، ومن المؤكد ان عرمان أدرك في خاتمة أطياف خواطره الباريسية الموحشة تلك أنه كان قد ترك لعنان لعقله الباطن ليهزأ ويتداعى كيف يشاء!

الخرطوم.. القاهرة.. أشياء لا تشترى!



ليس أمراً استراتيجياً وموضوعياً أن تقرر الحكومة السودانية الدخول في مواجهة مع الحكومة المصرية بسبب الأحداث التي تجري لمواطنين سودانيين في العاصمة المصرية القاهرة. ولهذا فقد كان واضحاً أن الحكومة السودانية تعاملت بتعقل وذهن متفتح بعيد عن أي عاطفة حيال هذه الأحداث، ليقينها أنها أحداث عابرة -مهما بدت صادمة وغير مقبولة- ومما لا شك فيه أن الحكومة السودانية وفي سياق تعاملها مع الحكومات المصرية المختلفة منذ خمسينات القرن المنصرم ظلت وما تزال على الدوام، تتخذ لنفسها موقفاً موضوعياً هادئاً تراعي فيه مراعاة كاملة، الجانب الاستراتيجي المؤثر في العلاقات بين البلدين.
تحملت الحكومة السودانية -بصبر ورباطة جأش- كل التصرفات غير المبررة لنظام الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، خاصة في ملف نزاع مثلث حلايب. تحملت الحكومة السودانية بذات الصبر تصرفات حكومة الرئيس المصري السابق مرسي سواء في ملف حلايب أو حتى في ملفات وقضايا أخرى.
الآن في عهد الرئيس السيسي تحملت الحكومة السودانية أيضاً ما يمكن أن نطلق عليه حملات التمصير الجارية لمنطقة حلايب والتي فاقت كل التصورات! وتأسيساً على هذا الإرث في علاقات البلدين فإنه لم يكن من المتوقع على الإطلاق أن تثور ثائرة الحكومة السودانية ضد الحكومة المصرية جراء التصرفات غير المقبولة حيال مواطنين سودانيين ذهبوا إلى القاهرة بدواعي العلاج والاستشفاء!
مقتضيات النظرة الإستراتيجية والحرص عليها فرضت وما تزال تفرض على السودان أن يسعى لحلحلة هذه الأزمات بقدر من الحكمة والكياسة. وبالمقابل فإن الحكومة المصرية ما ينبغي لها أن تراهن على حكمة وكياسة الحكومة السودانية، فقد بدا واضحاً من سياق الرد على استفسارات السفارة السودانية في القاهرة حول ما يجري من أحداث ضد مواطنين سودانيين!
وربما تدعي الخارجية المصرية أنها كانت تحقق وتتحقق! وربما تدعى أن الأمر يتطلب التأني، ولكن الشيء الذي لا خلاف عليه أن التأخير في الرد –مع الوضع في الاعتبار تناغم وانسجام التنسيق والاتصال بين الأجهزة التنفيذية في الدولة المصرية– يثير حقاً التساؤل!
ثانياً، الاعتقاد أن ما جرى من حملات ضد مواطني السودان وتوقيفهم بأقسام شرطة وتعذيبهم بعضه جرى لشخص أو أثنين وأن المسألة لا تستدعي كل هذا الزخم، هو دون شك اعتقاد خاطئ، فحتى لو كان ضحية هذه الإجراءات مواطن سوداني واحد فإن من حق السودان الحصول على تفسير واضح مشفوع باعتذار واضح ومجزي! حقوق المواطنة لا تقوم على (الكم) وإنما تقوم على الكيف، كما أن انتهاك حقوق مواطن سوداني واحد في بلد شقيق أكبر أثراً وأسوأ مما لو تم في بلد أجنبي غير شقيق!
ثالثاً، المفارقة المثيرة حقاً للريبة في مجمل المشهد جسدتها بعض أجهزة الإعلام الرسمية في الشقيقة مصر، حيث تحدثت عن إلغاء السودان لاجتماعات سد النهضة بسبب ما أسمته تدهور العلاقات بين الدولتين! وجه الفارقة هنا أن أجهزة الإعلام المصرية تجاهلت إلى درجة كبيرة مدهشة وقائع الأحداث الجارية لمواطنين سودانيين، ولكنها وحين تأجلت اجتماعات سد النهضة سارعت (بربطها) ربطاً محكماً بالأحداث! مع أن هذه  الأجهزة الإعلامية لا يغيب عنها مطلقاً أن الحكومة السودانية شديدة الحرص على الجانب الاستراتيجي في العلاقات بين الدولتين، وثبت لها ذلك من خلال أحداث سابقة عديدة!
على وجه العموم، من المؤمل أن تستوعب الحكومة المصرية مقتضيات الحلم والحكمة السودانية اليوم قبل الغد. فكما قال الشاعر المصري الراحل أمل دنقل (هي أشياء لا تشتري)!

الأربعاء، 25 نوفمبر 2015

بيان قديم بمداد جديد!


مجموعة ما يسمى بـ(نداء باريس) لم تفعل في بيانها الاخير عقب اجتماعها بالعاصمة الفرنسية باريس أكثر من كونها (اخترعت العجلة)! وهو مثل محلي معروف يضرب في حق من يستخدم جهوداً جديدة للوصول إلى نتائج قديمة.
المجموعة الباريسية التي تكفل الحدث الجلل الذي شهدته فرنسا عشية انفضاض اجتماعها بالتعمية على بيانها ووضعه في أبعد نقطة اهتمام وركن قصيّ مظلم، كانت -من الأساس- خاوية الوفاض من أي شيء.
أولاً، كانت تعاني بشدة من ألم ما جرى داخل قيادة ما يسمى بالجبهة الثورية ولذا كان واضحاً ان المجتمعين حاولوا قدر الامكان تحاشي مسمى الجبهة الثورية، وإبداله بمجموعة (نداء السودان)! المفارقة الواضحة هنا أن البيان البالغ الضعف حمل ذات مكابدات الألم والشعور بالفراغ.
ثانياً، حديث البيان عن خيارين بأن يقبل النظام التفاوض وتلبية رغبة القوى المعارضة، أو اللجوء الى انتفاضة شعبية، حديث مثير للسخرية ولا نقصد هنا الاستهزاء، وإنما نعني السخرية السياسية المحضة، لأن كلا الخيارين ظلا متاحين منذ أكثر من 25 عاماً أمام ذات هذه القوى المعارضة التي لا تنسى وفي الوقت نفسه لا تفعل.
إن مكمن السخرية هنا إنما يتركز بصفة اساسية في ان تحدث خصمك بحديث الانتفاضة ضده من اكثر من 25 عاماً!
هل من الممكن ان نتصور ان يظل (التحضير لانتفاضة) مدى زمني قدره 25 عاماً؟ وحتى بعد انقضاء كل هذه المدة المهولة لا تعرف قوى المعارضة على وجه اليقين ما اذا كانت قادرة على الانتفاضة أم لا ؟
ثالثاً، إن كانت هنالك من حسنة أو ميزة سياسية للبيان الباريسي، إنما تتمثل في الحديث عن (المعارضة السلمية)، ربما كانت هذه هي المرة الأولى الذي تبدي فيه القوى المعارضة هذا القدر الاستثنائي من (النعومة) الزائدة! وهو أمر ينبئ عن الكثير ويفضح عن حقائق واقعية مذهلة تعيشها القوى المعارضة بشقيها السياسي والمسلح.
رابعاً، تغافل البيان -عن قصد واضح- عن الاشارة الى مرجعيات الحوار الوطني الجاري حالياً بقاعة الصداقة بالخرطوم وتشارك فيه قوى سياسية ذات وزن معروف؛ تغافل البيان عن هذا الحوار الجاري يمكن القول إنه -بالمقابل- يؤسس لحالة (نفور) سياسي فيما بينها –كقوى معارضة. فالذين إرتضوا الحوار الوطني بعضهم كان وإلى عهد قريب جزء من تركيبة المعارضة عموماً، وهؤلاء -من جانبهم- يعملون في ذات الإطار ولذات الغايات، فحين تبخس بضاعة هؤلاء وتعتبرها بضاعة مزجاة، فإنك دون شك تخسر!
خامساً، شعور القادة الذين اخرجوا البيان ان الحوار الجاري حالياً في الخرطوم قطع شوطاً مقدراً وأن أمهات القضايا قد قتلت بحثاً، وفضلاً عن أنه أصابهم بقدر واضح من الغيرة السياسية والخوف من سحب البساط من تحت أقدامهم دفعهم إلى محاولة استمالة الحكومة، بالتظاهر بأنهم يميلون إلى الحلول السلمية؛ وكان واضحاً ان هذا التظاهر بالسلمية يقف خلفه السيد الصادق المهدي، الأكثر إدراكاً لفداحة موقفه من جهة، وموقف حلفائه المزري من جهة أخرى.

حقائق مذهلة عن قطاع الشمال على لسان شهود عيان!


البيان الضافي الذي أصدرته احدى المجموعات المفصولة حديثاً من الحركة الشعبية قطاع الشمال -قبل اسابيع قلائل- لا يقف فقط عند حد ان ما ورد في البيان بمثابة (شهادة شاهد من أهلها) باعتبار ان مثل هذه الشهادات قائمة على معايشة ووجود لصيق بالأحداث التي تجري داخل الحركة، ولكنه يتعدى ذك ليكشف عن حقائق جد مذهلة ومؤلمة تحكي عن قادة يملئون الدنيا ضجيجاً عن التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان والحريات، وفي ذات الوقت (يذبحون) كل شيء ويفتكون بأي قيمة، قرباً لنضال كاذب وحرب لعينة هدفها القتل والتدمير والتخريب.
من الصعب الإحاطة بكل ما تحدث عنه هؤلاء الشهود ولكن لنأخذ فقط أجزاء وقطع صغيرة من محيط هادر، فقد تحدث البيان عن ما أسماها (التحالفات السرية) للحركة وقادتها مع أجهزة المخابرات العالمية! أنظر إلى التنصيف المخجل والمدهش، تحالفات سرية مع اجهزة مخابرات عالمية!
لا شك أن هؤلاء الشهود يتحدثون عن عمالة وعلاقات مشبوهة وأعمال قذرة دون أدنى شك، إذ ان التحالف مع اجهزة مخابرات عالمية وبشكل (سري) لا يمكن ان يكون عملاً خيرياً أو صدقة جارية!
البيان تحدث أيضاً عن (ارباح الدقيق) و (الأدوية المنتهية الصلاحية) التي باعها الجيش الشعبي وسماسرة في منطقة جبال النوبة! ربما بدا للبعض ان الحركة الشعبية وجيشها الشعبي مناضلين يحملون قضايا عادلة، ولكن من المؤكد ان أحداً لم يكن يعتقد ان النضال يستلزم بيع الإغاثة والدقيق والأدوية (المنتهية الصلاحية) ثم تحويل المبالغ للمنفعة الشخصية لقادة الحركة!
أموال طائلة عديدة تحدث وأفاض عنها البيان استولى عليها الحلو و قيل إنه اشترى بها سلاحاً ليقاتل به في صف الرئيس الجنوبي سلفا كير ميارديت! ثم هناك تساؤل عن الذي قتل المناضل (الهندي) وإن الحلو وعقار هم وراء اغتياله لأسباب تتعلق بمبلغ مليون دولار!
وربما تندهش عزيزنا القارئ حين يتساءل البيان عن ما عرف لدى أدبيات الحركة بـ(الكاش انجكشن)، وهو على حد علمنا مبلغ شهري راتب يقوم البنك المركزي في جوبا بتحويله -شهرياً- للحركة الشعبية قطاع الشمال، يقول البيان إنه في الماضي كان يدخل الى حساب الحركة الشعبية، أما الآن فهو يدخل في حسابات وجيوب اشخاص بعينهم! المبلغ بحسب البيان ضخم ومهول، وكان يكفي لسداد مرتبات الجنود.
البيان لا يقف عند ذلك ولكنه يتوغل اكثر في أموال التعدين العشوائي التي تقوم بها الحركة للدرجة التى قرر فيها الحلو ومعه رفاق آخرون تسجيل شركة تعدين وأحضروا ذهباً تفوق قيمته 2 مليون دولار! ثم يتساءل البيان -بتفاصيل مدهشة- عن أموال شركات الطيران التي كان يتولى إدارتها (وليد حامد)، وكم هي عدد الطائرات؟
ويمضي البيان ليصل بنا إلى دولة جنوب أفريقيا حيث تحوز الحركة أسهماً في الماس منذ العام 2012م, قيمتها تفوق 3.5 مليون دولار بالمشاركة مع لبناني يدعى (وفيق اسكندر)! لا شك ان هذه التساؤلات والإشارات الواضحة الدلالة على ان الحركة الشعبية قطاع الشمال تحولت إلى (شركة خاصة) تنهب الاموال وتحجب الحقائق عن الجنود، لهي أبلغ دليل على ان هؤلاء المناضلين الحاملين للافتات الحريات والديمقراطية، ليسوا سوى طلاب ثروة وسلطة، والمؤسف حتى على مستوى هذه النقطة المرذولة، أنهم والِغون في أعمال استخبارية بالغة الخطورة والقذارة مع عناصر مخابراتية حول العالم، والأكثر سوءاً أنهم يطمحون –بعد كل ذلك– لكي يكونوا حكاماً للسودان!

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

وفد للعريش للتقصي حول مقتل 16 سودانياً بمصر



بعث سفير السودان لدى القاهرة، عبد المحمود عبد الحليم، يوم الأحد وفداً برئاسة القنصل خالد الشيخ، إلى مدينة العريش المصرية، لمتابعة حادثة مقتل السودانيين أثناء تسللهم إلى إسرائيل والبالغ عددهم 16 سودانياً.
وقالت التقارير الأحد الماضي، إن قوات الأمن المصرية قتلت 15 سودانياً، وجرحت 8 آخرين، لدى محاولتهم التسلل تجاه الحدود مع إسرائيل، وقال مسؤولون في مصر إن القوات الأمنية أطلقت النار على المهاجرين لعدم امتثالهم للأوامر بالتوقف، وركوضهم نحو السياج الحدودي.
إلى ذلك أفرجت السلطات المصرية، يوم الإثنين، عن أربعة سودانيين تم احتجازهم ضمن حملة المضايقات التي طالت عدداً من السودانيين في القاهرة مؤخراً، كآخر دفعة يتم الإفراج عنها.
وقال المفرج عنهم في تصريح صحفي، إن إلقاء القبض عليهم كان بدافع حمل العملات الأجنبية، وقال أحدهم إنه كان يحمل دولارات تم صرفها من إحدى الصرافات وسط القاهرة، وإنه كان يحمل ما يثبت ذلك، مشيرين إلى عدم تعرّضهم للتعذيب أو الإهانة أثناء التحقيق.
من جهته التقى سفير السودان لدى القاهرة، بالسودانيين المفرج عنهم من السجون المصرية في الأحداث التي طالت عدداً من السودانيين بالقاهرة، وذلك بحضور وزير العدل السوداني، عوض الحسن النور، الذي يزور القاهرة حالياً لحضور اجتماع وزراء العدل العرب.
ونقل السفير عبدالمحمود للمفرج عنهم، تهاني البعثة بمناسبة الإفراج عنهم ونقل لهم اهتمام البلاد بمتابعة أوضاعهم، متمنياً لهم السلامة حتى رجوعهم للسودان.
من ناحية أخرى بعث السفير عبد المحمود عبد الحليم، وفداً برئاسة القنصل خالد الشيخ إلى مدينة العريش، لمتابعة حادثة مقتل السودانيين أثناء تسللهم إلى إسرائيل وعددهم 16 سودانياً.

الحوار الوطني أكبر من مجرد اختزاله في حكومة إنتقالية!


مع إكمال مشروع الحوار الوطني الجاري حالياً بالعاصمة السودانية الخرطوم شهره الاول من أصل ثلاثة أشهر هي المدى الزمني المقترح مبدئياً له مع إمكانية تمديده، بدا واضحاً ان بعض القوى السياسية المعارضة المشاركة في المشروع لم تحتمل المشروع وما يتطلبه من نقاش وعمل دءوب، فبدأت تستعجل الحصاد وتقفز إلى قطف الثمار!
الآن بدا واضحاً ان غالب تركيز بعض هذه القوى يتجه صوب قضية الحكم، والمؤسف بهذا الصدد ان هؤلاء يودون إعادة تدوير ذات الساقية المقيتة التي شرب من كأسها المر السودان في حقب سابقة وعانى منها الأمرّين، ونعني بها الفرضية الاساسية الباعثة على الممل والفشل: حكومة انتقالية، ثم انتخابات عامة، ثم عودة جديدة للأزمة وبواسطة من لم يحالفه الحظ في الانتخابات العامة!
الاحزاب المعارضة التي طرحت صيغة حكم انتقالي بخيارات عديدة كما فعل المؤتمر الشعبي في ورقته الذائعة الصيت، المثيرة للارتياب، هي دون شك تختزل قضايا السودان بأكملها في قضية الحكم، وليس أدل على خلط هذه النظرة البالغة السطحية والضيقة، ان حزب المؤتمر السوداني المعارض بزعامة ابراهيم الشيخ، ومع أنه قاطع مشروع الحوار الوطني ورفض المشاركة فيه ما أن سمع بأطروحة الشعبي المطالب بحكومة انتقالية حتى سارع هو الاخر -من وموقفه في الرصيف السياسي البارد- للمطالبة بحكومة انتقالية!
المؤتمر السوداني أمعن في مغالاة بضاعته حيث اشترط لدخوله الحوار الاقرار بحكومة انتقالية! والمشهد على هذا النحو الاختزالي الاستباقي يزيد من تعميق أزمات السودان، حيث لم تكن أزمات هذا البلد في جوهرها أزمات متعلقة بطريقة الحكم ومن يحكم، فالقضايا المطروحة داخل مشروع الحوار الوطني اعمق وأهم من ذلك بكثير جداً. أين هي قضية الحرب والسلام وكيفية إنهاء هذه الحرب بعقل مفتوح وتبريرات حقيقية وجادة تنهي معاناة آلاف الاسر في دارافور وجنوب كردفان والنيل الارق التي تحولت من المدن والقرى إلى معسكرات النازحين البغيضة؟
وأين هي الاطروحات العلمية والعملية لمداواة علل الاقتصاد السوداني المزمنة والتي تحتاج بالفعل إلى رؤى ومقترحات حقيقية وبناءة؟ لقد كان ولا يزال مشروع الحوار الوطني مشروعاً وطنياً لإعادة بناء واعمار الدولة بمشاركة واسعة النطاق من كل الفرقاء السودانيين بصرف النظر عن من يحكم، فلو تم وضع الاسس القوية لبناء الدولة ونبذ الحرب، والعمل على التأسيس لمظلة سلام مستدامة تجنب هذه البلد ويلات الحرب العمياء هذه لكان ذلك انجازاً تاريخياً لا يقدر بثمن.
ومن جانب آخر فإن أي حكومة انتقالية مهما كانت قدرتها ونطاق تفويضها والمدى الذي يقرر لها لتصل اليه فهي لن تستطيع ايجاد معالجات ناجعة ونهائية لازمات السودان، كما أن من الممكن ان يلجأ من يخسر العملية الانتخابية -كما فعل الحلو ورفاقه في العام 2011 عقب انتخابات ابريل 2010م- إلى اعادة انتاج ازمة من جديد من واقع الشعور بالهزيمة والفشل.
الامر اكبر بكثير من مجرد اجتراح مقترحات تتعلق بالحكم ومشروع الحوار الوطني وأوسع من ان يوضع في هذا الاطار الضيق!

الأحد، 22 نوفمبر 2015

إستراتيجية السودان في حل منازعاته مع جيرانه!


يبدو واضحاً لكل مراقب أن السودان في علاقاته بجواره الإقليمي شديد الحرص والحذر وشديد التأني في إتخاذ مواقف صارمة. هذا الأمر بطبيعة الحال ليس نابعاً من موقف ضعف، أو فقدان للإرادة، هي مزيج من الشمائل السودانية السمحة الممزوجة بالحكمة والدبلوماسية القائم على العض بالنواجذ على علاقات حسن الجوار. ففي مثل هذه الأيام يدور حديث كثيف ولغط متواصل عن أوضاع السودانيين بالشقيقة مصر.
أرتال من السودانيين تتخذ السلطات المصرية إجراءات لا تخلو من قسوة وصرامة في مواجهتهم. هنالك ما يشبه (الحساسية المفرطة) التي نشأت مؤخراً بين السلطات المصرية وبعض السودانيين المقيمين بالقاهرة. السفارة السودانية بالعاصمة المصرية القاهرة وقفت على طبيعة ما يجري وأكدت على أن الأمر لا يتم بصفة انتقائية. الأمر شامل كل الأجانب المقيمين هناك لأسباب تتصل بمقتضيات الأمن القومي المصري.
على ذات العصيد تجري الشقيقة مصر (عملية تمصير) نشطة وممنهجة لمثلث حلايب المتنازع عليه بين الدولتين للدرجة التي شملت فيها الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر دوائراً في عمق مثلث حلايب.
على الناحية الشرقية من حدودنا ورغم العلاقات المتطورة والقوية مع الشقيقة اثيوبيا، إلا أن عملية استيلاء تجري لأراضي سودانية في منطقة (الفشقة) وهي منطقة عالية الخصوبة، وشديدة الأهمية وتقع ضمن أراضي ولاية القضارف المعروفة بخصوبتها. الحكومة السودانية لم تتعامل بالقدر المماثل من الغلظة والشدة بشأن معالجة الموقف، ولا شك انه كان أمراً ممكناً وطبيعياً طالما أنه يتعلق بـ(حدود وأمن قومي)!
كل دول العالم ومهما كانت طبيعة العلاقات فيما بينها فهي لا تتهاون قط في القضايا التي تمس الأرض والسيادة الوطنية والأمن القومي. ولهذا فإن موقف السودان من هاتين القضيتين من المهم أن تتم قراءته في ذات سياق حرصه على علاقات جواره الإقليمي، وتفضيله للتفاهم وتسوية المنازعات بالطرق الودية.
المؤسف في هذا الصدد أن الأطراف الأخرى تتمادى -بقصد أو بغيره- في تعقيد الأوضاع على الأرض حتى يبدو الحل عصياً أو مستحيلاً. فالشقيقة مصر على سبيل المثال تسعى بدأب ومثابرة لترسيخ مبدأ التمصير ووضع اليد وتأكيد الحيازة المستمرة على مثلث حلايب.
الكل يعرف كيف جرت عمليات استخراج هويات مصرية وبطاقات الجمعيات التموينية على مواطنين سودانيين لديهم لهجات محلية معروفة ومعهودة لدى الشقيقة مصر، والكل يعرف كيف تم إنشاء خدمات مياه وكهرباء وطرق مسفلتة في مناطق يسكنها سودانيون بسحناتهم المعروفة. اثيوبيا أيضاً فعلت نفس الشيء وأن كانت الأخيرة تتوارى خلف (عصابات الشفتة) وتحاول الإيحاء بأن ما يجري في منطقة (الفشقة) محض عمل فردي غير مسنود بأي موقف رسمي.
ولكن مع كل ذلك يبقى مهماً القطع بأن: 1- كل من مصر واثيوبيا تستوليان -بسوء نية أو بحسن نية- على أراضي سودانية خالصة ولا مجال للزعم بعكس ذلك. 2- إن كل من مصر واثيوبيا -للأسف الشديد- تتحاشيان لأسباب غير معقولة التفاوض الصريح والموضوعي وبروح جوار إقليمي. هذه القضايا على أهيمنتها وخطورتها البالغة. 3- إن كل من مصر واثيوبيا تتمتعان بمزايا إستراتيجية غالية منحها إياها السودان بطيب نفس ودون منّ ولا أذى.
فالشقيقة مصر لم تشتك يوماً من إتخاذ السودان لموقف حيال ما جرى مؤخراً من تغيير في مصر مع أن الأمر كان يستلزم اتخاذ موقف مغاير هو الموقف الطبيعي الصحيح. على العكس وقف السودان مسانداً للحكومة المصرية الحالية من وجهة نظر إستراتيجية باعتباره (عمقاً استراتيجياً) لمصر ما ينبغي أن يتأثر بشيء مطلقاً.
أما بالنسبة لإثيوبيا فيكفي منحها مزايا تاريخية بالنسبة لعمليات الاستيراد والتصدير ودعمه لها في سد النهضة رغم الموقف المصري المعارض. إن كلا الدولتين –مصر واثيوبيا– لا تحتاجان لشيء للدرجة التي تقوم (بانتزاع) حق أصيل من حقوق السودان! لم يقصر السودان في حق أي منهما لتقوم بتعويض ذلك عن طريق انتزاع أراضي سودانية خالصة منه.
السودان قادر على رد حقوقه إليه بوسائله الخاصة الناجعة ولكنه يعطي في ذات الوقت الفرص والمخارج، ولكنه لا يتهاون في حقوقه أبداً وإن بدا للبعض -خطأً- غير ذلك!

إعلان باريس .. الواهمون يطلقون النداء ويصدقونه..!!


الناظر إلى بيان أحزاب وقوى ما يسمى بنداء السودان يجد أن قرار تصفية النظام الحالي، وإحلال حكومة قومية انتقالية محله عن رضا أو انتفاضة..!الذي أتفقت عليه تلك القوى بباريس هو قرار ليس بالجديدفقرار التصفية والإحلال قرار وشعار قديم مرت عليه الكثير من السنوات،وهو قرار يتجاوزه الواقع ومعطيات المشهد السياسي .. فالانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جدد بها النظام مشروعيته جرت مرتين، وشارك فيها على كل المستويات الكثيرون إلا جماعة (إعلان باريس) و(نداء السودان) التي كانت قد طرحت شعار العمل على ألا تقوم الانتخابات، ولكنها قامت مبرأة ومسنودة بالمشاركة وبالشهادة بأنها كانت نظيفة.

وإعلان باريس وما جاء فيه من مطالب وأوهام ليس بجديد فقد طالبوا ولازالوا يطالبون ويحلمون بإإسقاط النظام تارة عبر الخيار العسكري وأخرى عن طريق اوهام الانتفاضة الشعبية ومن قبل قطعت ذات القوى بعدم مشاركتها في اللقاء التحضيري بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا السابق ما لم ينفذ حزب المؤتمر الوطني الشروط الواردة في "إعلان برلين" الذي وقعته المعارضة بشقيها المدني والمسلح بالعاصمة الألمانية برلين، وهي تكوين حكومة انتقالية وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين ووقف إجراءات الانتخابات في ذلك الوقت، وإلغاء التعديلات الدستورية الأخيرة، والتحقيق في أحداث سبتمبر 2013م.

وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وحينها كان يعتقد الواهمون فيما يسمى بقوى نداء السودان أن تسمكهم بشروطهم قد يؤدي لتسويات سياسية مع الحكومة بعد ضغط المجتمع الدولي ووقوفه مع المعارضة والجبهة الثورية لذلك وضعوا في بيانها الختامي الأخير بباريس ضرورة الانتقال من الإقصاء والتهميش إلى الاحتفاء بالتنوع والمواطنة المتساوية، والتحول من الشمولية إلى الديمقراطية، ومن الحروب والإبادات الجماعية إلى الرفاه والسلم الوطيد، وتفكيك دولة الحزب إلى دولة المواطنين، ومن دولة العقوبات إلى دولة الحقوق والحريات، والعمل على إقامة دولة مدنية تكفل حقوق الإنسان وفق المواثيق الإقليمية والدولية، والالتزام بالمساواة في المواطنة واكفل الحرية السياسية والدينية وحق كافة المجموعات في العمل على تحقيق مقاصدها بالوسائل الديمقراطية.ولعمري إنها لشعارات يطلقها هؤلاء وهم ابعد الناس منها ، وليس ماحدث بين قيادات الجبهة الثورية من خلافات حول الرئاسة من ببعيد

ومع ذلك إذا اردنا نذهب مع احزاب باريس في احلامهم وأوهامهم بإزالة النظام سنجد هناك متاريس تحول دون تحقي ذلك يستبعد إنجاز وتنفيذ قرار التصفية ، وأول تلك المتاريس هي ضعف المعارضة إجمالاً ومجموعة (نداء السودان) تحديداً، وذلك لما اعتراها من خلافات ونزاعات وتراجع في الفترة الأخيرة.وغير بعيد منا خلافات الجبهة الثورية الاخيرة بجانب خلافات الرؤى بين المعارضة المسلحة والمعارضة الداخلية حول آليات التعامل مع الحكومة .

وثاني تلك المتاريس هو الاصطفاف غير المسبوق على حول الحكومة عبر مشروع الحوار الوطني والمجتمعي الذي دعم النظام سياسياً ودبلوماسياً.. وله مردوده الكبير على السلام والاستقرار وخروج البلاد من الأزمات.

فهناك إعداد كبيرة من الأحزاب السياسية والكيانات والرموز والجماعات حاملة السلاح انضمت لهذا المشروع الوطني الذي يعد الأول من نوعه في خريطة العمل الوطني.. وقد قطع الآن ثلث الفترة الزمنية المتوقعة لانجاز مهامه وأجندته، وإن لم يزل الباب مفتوحاً لأن يلحق به من شاء من الممتنعين والمعارضين له.

ولكل ما ذكر فإن قرائن الأحوال تشير إلى أن مخرجات (نداء السودان) الصادرة مؤخراً عن اجتماع "باريس"تقول لنا إن هذه المخرجات قد جاءت في غير محلها وزمانها، كما أن إعادة الهيكلة التي جاءت بالصادق المهدي رئيساً لمجلس النداء الرئاسي، كانت إلى حد كبير ترتيب ضرورة عاشها الكادر السابق في النداء.

تجديد العقوبات الأمريكية على السودان ..غرائب ومفارقات!


كعادتها ففي كل عام وفي شهر نوفمبر منذ أكثر من 18 عاماً وعلى نحو رويتي تقوم الادارة الامريكية بتجديد عقوباتها الاقتصادية الاحادية الجانب على السودان. ما أن يحل شهر نوفمبر حتى توضع ورقة تحمل ترويسة البيت الابيض مكتب عليها أسطراً موجزة تحوي عبارات بيروقراطية ليضع الرئيس امريكي توقعيه الشخصي اسفلها!
ولبساطة الاجراء و ديوانيته، فإن الامر -للمفارقات- لا يأخذ من الوقت أكثر من ثواني فيما يتسبب القرار وتتسبب هذه الثواني في تعقيدات تعاني منها قطاعات شعبية واسعة النطاق في السودان.
وعلى ذلك فإن الطريقة التي يتم عبرها تمرير القرار وتجديده بانتظام كل عام، ومع عدم اجراء اية مراجعة جدية قبل ذلك يستشف منها:
أولاً، ان قرار العقوبات وتجديدها تحول من مجرد وسيلة ضغط في وقت ما، لظروف ما الى عملية تكتيكية دائمة لا تخدم الاستراتيجية الأمريكية وبقدر ما يتم توظيفها لاسترضاء مجموعات وجهات عديدة داخل وخارج الولايات المتحدة مثل جماعات ضغط الصهيونية (اللوبي اليهودي الصهيوني)، ومثل الكتل السوداء المعروفة بمزايدتها العمياء حيال ازمة دارفور، والقوى المعارضة السودانية التي تستخدم واشنطن بعضها لأغراض خاصة خفية.
وعلى ذلك فإن واشنطن لا تتعامل في هذا الصدد من منطق موضوعي، ومن زاوية نظرتها بجدية لعلاقاتها بالخرطوم، وهو امر من الممكن ان يضع الادارة الامريكية في يوم ما في مأزق تضطر معه لاتخاذ قرار اضطراري ومفاجئ برفع هذه العقوبات.
ثانياً، ثبت لواشنطن نفسها -عملياً- ان العقوبات الاقتصادية من هذا النوع لا تخدم أي غرض  لها تود تحقيقه تجاه السودان، فمن جهة فإن العقوبات لم ترغم السودان على فعل شيء لا يريده هو وتريده واشنطن؛ ومن جهة ثانية فإن السودان استطاع ان (يتعيش) مع هذه العقوبات ويتأقلم معها لسنوات طويلة (قاربت العقدين من الزمان)!
ومن جهة ثالثة فإن واشنطن نفسها -للمفارقة- تضررت من جراء هذه العقوبات بدليل اضطرارها في أحيان كثيرة للقيام برفع جزئي لهذه العقوبات حين تعرضت لضغط من بعض الشركات الامريكية، وهو الامر الذي يثير التساؤل ما إذا كان صائباً منذ البداية فرض هذه العقوبات وتجديدها باستمرار كل عام، والتساؤل هذا من المؤكد انه يدور في أذهان صانعي القرار في واشنطن ولكنهم لا يملكون له الوقت الكافي للإجابة عليه.
ثالثاً، من الممكن في وقت ما ان تكتشف واشنطن ان هذه العقوبات نفسها تبدو عقبة أمام تعاملها الدبلوماسي العادي مع السودان. فعلي سبيل المثال فإن السودان الآن تتطور علاقاته مع حلفاء اقوياء ومهمين لواشنطن في المنطقة ويزداد تطور هذه العلاقات بإزدياد الضرورات السياسية الماثلة للمنطقة ومن المؤكد ان هذا التطور الجديد، يخدم في خاتمة المطاف مصالحاً أمريكية استراتيجية في المنطقة وبما يدفع واشنطن للاقتراب من السودان على الاقل لخدمة هذه المصالح وحينها ستجد ان هنالك (جدار سميك) بينها وبين السودان تصعب إزالته إلا من خلال تسوية الامر مع هذا البلد.
هذا من جهة, ومن جهة ثانية فإن طبيعة علاقة السودان مع الصين من جهة وعلاقة واشنطن هي الاخرى مع الصين من جهة أخرى، تفرض بالضرورة في يوم ما نقطة التقاء لا مفر منها، تجعل واشنطن في موقف لا مناص فيه من رفع هذه العقوبات!
على كل فإن الأمر في مجمله وكما رأينا يرتبط بمقتضيات السياسة والمصالح ذات الطبيعة الدوارة والمتقلبة، فقد رأينا على سبيل المثال فقط كيف اضطرت واشنطن لرفع العقوبات عن ايران على مضض، وكيف اضطرت لإعادة تحسين علاقاتها مع كوبا، أيضاً على مضض، ومن موقع أخاك مكرهاً لا بطل!

السودانيون في مصر ... من المستفيد من الأزمة..؟


في كل مرة تثبت القاهرة (الرسمية ) أنها لا تحمل للخرطوم ودا وأن قال لسان ساساتها غير ذلك ، ويشهد على ذلك الأزمات المتلاحقة التي تثيرها كل حين مع الخرطوم بداية من حلايب مرورا بالمعدنين وأخيرا ولا نعتقد أنه أخيرا قضية تعرض سودانيين لمضايقات وحالات اعتداء من قبل المصريين فقد كشف نائب رئيس المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر، عن تعرّض نحو 15 سودانياً لمضايقات وحالات اعتداء من قبل المصريين، في أقسام وسط القاهرة في عابدين والأزبكية تتعلق أغلبها بحمل السودانيين لدولارات.وقال نائب رئيس المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر، أحمد عوض النور، إن بعض المصريين يمارسون هذا الأيام مضايقات على السودانيين القادمين من الخرطوم في مناطق وسط القاهرة، بسبب حملهم دولارات ، وأضاف أن القانون المصري رغم أنه يتيح للأجانب حمل ما يقارب الـ3 آلاف دولار والتحرك بها بشكل طبيعي، إلا أن السلطات المصرية تلقي القبض هذه الأيام على السودانيين الذين يحملون مبالغ صغيرة مثل 500 دولار وأقل من ذلك.وكشف عن تعرّض أحد السودانيين ليل الأربعاء، للاعتداء في قسم عابدين، وتوجه إليه القنصل السوداني، خالد الشيخ، وتم نقله إلى المستشفى نتيجة ذلك الاعتداء.وأضاف أنه يجب أخذ هذه القضايا بشيء من التروي، باعتبار أن القاهرة تضم أكبر جالية وهي الجالية السودانية، بجانب وجود رجال أعمال سودانيين في القاهرة بأعداد كبيرة، بجانب ما يقرب من 7 آلاف طالب سوداني في مصر ، وشكا من عدم تطبيق اتفاقية الحريات الأربع من الجانب المصري، بينما يتم تطبيقها بالكامل من الجانب السوداني بالسودان. ومع الضغط الإعلامي والجماهيري من قبل الشعب السوداني يذهب في ظل استمرار الأزمة يذهب المنطق إلى القول بأن الموقف من قضية التعامل مع السودانيين في مصر يحتاج إلى توسيع النظر إلى هذه القضية في إطارها الكلي.. هنالك استجابات وانفعالات مختلفة وأحياناً متباينة، بل المعلومات حولها أيضاً فيها الكثير من التباين والتناقض.
فالقضية إنها أزمة مع دولة ولكنها ينبغي أن تكون منهجاً وإستراتيجية للتعامل مع السودانيين خارج السودان ويقابلها أيضاً الأجانب في السودان..

ويقول مراقبون بأن هناك مسكوت عنه في القاهرة والخرطوم, وهو(أس) القضية الأخيرة التي جعلت القاهرة تصب جام غضبه على الشعب السوداني. ولكن ما هي الأسباب ودواعي التوتر الصامت بين الخرطوم والقاهرة؟هل هو موقف السودان من سد النهضة الذي لم يرض القاهرة؟ أم هناك أسباب أخرى؟ ومنذ أن بدأت السلطات المصرية(التضييق) على السودانيين في مصر, أثرت الحكومة المصرية الصمت الشديد, لم تصدر أية ردود أفعال رسمية لتفسير ما يحدث في الشارع المصري, مما يشير إلى احتمالين إما أن تكون هناك أسباب تقدر القاهرة أن الإفصاح عنها ربما يؤدي لتعقيد الأزمة الحالية.. أو أن مصر قررت المضي بعيدا في سياسات داخلية لتجفيف الوجود السوداني الكثيف في مصر, وهو وجود تاريخي يتجاوز المائة عام.. لأسباب ثقافية وتجارية وجغرافية.

ومن باب التذكير للقاهرة التي تتحرش بالسودانيين في الشوارع عليها أن تعلم جيداً أن الخرطوم بيدها أيضاً تنفيذ سياسات تلحق بمصر الكثير من الأذى والضرر البالغ, ولكن من المستفيد من هذه الأزمات؟! بالقطع سيستفيد من ذلك اعدء البلدين ، لذا فغن مصر اتلرسمية مطالبة وبشكل عاجل رد الاعتبار للشعب السوداني للممارسات التي تمت في الآونة الأخيرة التي تقول الدلائل أنه عنف ممنهج وأن نفت الخارجية المصرية ذلك ولم يكن مصادفة ، عموما تبقى إرادة الرئيسين"البشير" و"السيسي" هي الأداة الفاعلة لكبح جماح الإنحدار إلى أسفل بسرعة شديدة لعلاقات البلدين.

الخميس، 19 نوفمبر 2015

(سودو) وبابها المخلّع!


منظمة (سودو) هي منظمة حقوقية درجت على إصدار تقارير دورية عن مزاعم بوقوع انتهاكات في مناطق النزاعات في السودان وهي من المنظمات التي يكشف واقعها عن أخطاء وانتهاكات جسيمة بداخلها. منظمة غير أمينة على المال، ولا تعمل وفق الأسس المعروفة لقواعد عمل المنظمات.
يعبث مسئوليها بالأموال ويحولون بعضها لمنافعهم الشخصية، ومع ذلك لا تجد هذه المنظمة حرجاً في إصدار تقارير عن الحالة الحقوقية في السودان وخاصة مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق!
قالت المنظمة عبر تقرير كاذب ومضلل إنها رصدت 37 حاثة انتهاك خلال شهر أغسطس الماضي وحده! ثم أوردت أرقام لعشرات القتلى، ونحن هنا لسنا بصدد إثبات تلفيقات (سودو) الواضحة لأي مراقب حصيف، فتلك مهمة يقوم بها واقع الحال في السودان ولا تحتاج منا لمرافعة! نحن هنا بصدد التأمل في (الصورة المقلوبة) وما يمكن أن يطلق عليه السودانيون في أمثالهم (باب النجار مخلّع)!
في تقرير مفصل صادر عن ديون المراجع العام للأعوام (2001 – 2005م) على خلفية بلاغ جنائي بالرقم 626 تحت المادة 177 (خيانة الأمانة من موظف) وفق القانون الجنائي السوداني 1991، أورد المراجع العام ما يثير الفزع والدهشة. ففيما يتعلق بنظام الرقابة الداخلية قال المراجع العام إنه لا وجود لنظام الرقابة الداخلية بالمنظمة، إذ لا يوجد هيكل إداري أو حتى مجرد وصف وظيفي للعاملين بالمنظمة حتى العام 2005م!
ولك أن تتصور عزيزنا القارئ كيف يمكن الوثوق بمنظمة لها كل هذا الصيت وهي بلا رقابة داخلية ولا هيكل إداري! ولكن مهلاً فهناك الأسوأ إذ لا توجد اختصاصات ومهام محددة! كيف ذلك؟ يقول المراجع العام إن الإدارة التنفيذية غير منفصلة عن الإدارة المالية! فالإدارة التنفيذية هي الإدارة المالية والعكس صحيح. فالمحاسب يقوم بـ(كل) العمل المحاسبي، يصدق، يقرر، يصرف، يضع الأموال في البنك ويسحبها!
وليت الأمر يقف عند هذا الحد، تقرير المراجع العام يقول إن عضو مجلس الإدارة بإمكانه –إذا أراد– أن يصبح مديراً تنفيذياً في جمع صارخ بين سلطة التشريع والتنفيذ. يضيف التقرر إن مالية المنظمة ليست مبنية بوضوح إذ ليست هناك دفاتر تبيِّن أوجه الصرف ولا إيراداتها ويعطي التقرير مثالاً بفتح حساب بالرقم (4341) ببنك البركة فرع بحري يوم 31/12/2003م بإسم مقبولة محمد وتم توريد مبلغ 15 مليون دينار وذلك بموجب شيكات، ثم تم صرف هذه المبالغ من حساب المنظمة بموجب توقيع المدير التنفيذي وفيما بعد لم يظهر هذا المبلغ قط من ضمن موارد المنظمة المالية!
ثم يضيف التقرير بعدم وجود سجل للأصول الثابتة. ولا توجد مستندات مؤيدة للصرف. وفي أحيان كثيرة يقوم (الصراف) بصرف الأموال من البنك بدلاً عن الجهة المستفيدة! وفوق كل ذلك لا توجد لائحة مالية لضبط إدارة الأموال. وفي أحيان كثيرة يقوم بتوقيع شيكات الصرف (شخص واحد)! ثم يقرر المراجع العام مخالفات جنائية صريحة في حق مدير المنظمة (مضوي إبراهيم) حيث حوّل (67.900) دولار زائداً 686.300 جنيه إسترليني من حساب المنظمة لحسابه الخاص! أنظر هنا مستوى نزاهة مدير (سودو) و مدى مصداقيته! ثم قام (مضوي إبراهيم) بتحويل مبلغ 10 مليون دينار من حساب المنظمة -مرة أخرى- لحسابه الخاص!
هناك أمثلة ونماذج عديدة تدين مسئول منظمة (سودو) الأول وقد (سوّد) بها وجهه ووجه منظمته! فهل يمكن لعاقل أن يأبه لمنظمة بهذا المستوى المتدني للغاية من المصداقية والثقة، والفوضى؟ الإجابة ندعها للقارئ وحده ليحكم فيما وضعناه بين يديه من حيثيات يندي لها الجبين!

مأساة الثورية!


يثور التساؤل بشدة هذه الايام عن مصير ومآلات (ما تبقى) من ما كان يسمى بالجبهة الثورية فالثابت انه وعلى الارض ان الجبهة الثورية اليوم لم تعد كما كانت بالأمس القريب.
من جانب أول، فإن كتلة الحركات الدارفورية المسلحة وجدت نفسها في جانب واحد وأمامها تحدي تاريخي مفصلي إما أن تمنح حق الرئاسة و تمر الازمة؛ وإما أن تصبح (هي) الجبهة الثورية ويذهب قطاع الشمال ليصبح جبهة ثورية أخرى!
ومن جانب ثاني فإن فشل محاولات رأب الصدع سواء التي قادها السيد الصادق المهدي صاحب الفجيعة الاكبر في ما حدث، أو تلك التي قادتها جبهات اخرى من قوى المعارضة السياسية، أو تلك التي حاولت عبرها قوى ممولة دولية، معناه ببساطة شديدة ان الاطراف المتنازعة مجتمعة تفتقر بطبيعتها للقابلية للمرونة وتقديم التنازلات ومعالجة الأزمات،.
ويكشف هذا الموقف ان دخول الثورية إلى مضمار الحوار بهيئتها السابقة (قبل الخلاف الاخير) كان من المؤكد سوف يعرقل عملية الحوار ويرفدها بصعوبات عصية على الحل، فإذا كانت الثورية غير قادرة على معالجة أزماتها الداخلية سواء بديمقراطية أو بغيرها، فمن باب أولى غير قادرة على التفاعل والتعاطي مع قضايا السودان عامة ضمن إطار وفاقي وطني!
ومن جانب ثالث فإن الموقف الماثل يثير التساؤل عن بطبيعة أهداف هذه الجبهة وما اذا كانت بالفعل نواياها سلمية ولها اطروحات وطنية موضوعية، إذ ما الذي يمنع من تداول سلمي للرئاسة بطريقة سلسلة وانسيابية؟ وهل للأمر علاقة بأي ظلال إثنية أو عنصرية؟
اجابة هذا الاسئلة ربما كانت محل نفي وسخرية لدى القادة المتنازعين ولكنها في خاتمة المطاف هي المحك الاخير الكامن داخل النفس بما يعني مؤشراً خطيراً للغاية!
ومن جانب رابع، فإن الخلاف نفسه ما هو إلا تجسيد عملي يؤكد على ان تكوين هذه الجبهة منذ البداية كان منطوياً على (خدعة كبرى)، تم من خلالها تتويج قطاع الشمال رئيساً للثورية، لكي يتولى توجيه دفة الامور وحده، ونيل المكاسب وحده، غير ان المفارقة هنا والتي بدت واضحة يصعب اخفاؤها ان القوى الدارفورية المسلحة -وعلى وجه الخصوص حركة العدل والمساواة- كان يجري استخدامها ميدانياً لتكون هي وقود الحرب وربما يراد الآن من خلال رفض تولي زعيمها جبريل ابراهيم رئاسة الثورية تذكيره بأنه تلقى هزيمة ماحقة في (قوز دنقو) في ابريل الماضي, ان المهزوم ليس له حق الزعامة!
وعلى كل فإن التساؤلات بشأن مصير ومآلات الثورية ستظل قائمة، ليس لأهمية هذا الجسم المسلح الذي تمت صناعته بأيدي قوى اقليمية و دولية لأهداف تكتيكية قصيرة ولكن لان الواقع السياسي السوداني لا يحتمل مثل هذه التكوينات المستندة الى ظلال عنصرية وإثنية، تلعب بغير مسئولية على وتر الهامش وتريد اعادة انتاج أزمة جنوب السودان السابقة. فكما يقال فإن التاريخ يعيد نفسه ولكن اما في شكل ملهاة أو مأساة.

أزمة متصاعدة بين السودان ومصر تهدد العلاقات الثنائية


تصاعدت الأزمة المكتومة بين السودان ومصر بعد كشف الخرطوم عن تعرّض عدد من مواطنيها لسوء المعاملة والتعذيب في مصر. وانتشرت هذه الأزمة في صفوف الشعب السوداني، والذي عمّمت شريحة واسعة منه الإثنين الماضي حملة ضد المصريين على موقعي التواصل الاجتماعي "فيسبوك" و"تويتر" بعنوان "مصر ليست شقيقة بلادي"، كتعبير احتجاجي حول ما أثير عن تعرض سودانيين في شوارع القاهرة لانتهاكات من قبل الأجهزة الأمنية هناك، زادت وتيرتها خلال الأيام الأخيرة.

وسبق أن أصدرت السفارة السودانية في القاهرة تحذيرات للسودانيين من التجول في شوارع القاهرة وبحوزتهم عملات صعبة بأرقام كبيرة، وطالبتهم بالحرص على حمل أوراقهم الثبوتية حتى لا يتعرضوا للإيقاف. وأكدت السفارة أنها تلقت معلومات تفيد بتعرّض سودانيين للإيقاف والتعذيب من قبل الأمن المصري، وأشارت إلى أنها رفعت مذكرة إلى الخارجية المصرية للاستفسار عن الواقعة وألحقت المذكرة ببرقية استعجال للرد بعد عشرة أيام من المذكرة الأولى بعد تراخي الجانب المصري في الرد عليها. كما استفسرت الخارجية السودانية السفارة المصرية في الخرطوم حول ما أثير عن سوء معاملة السودانيين في القاهرة، إلا أن الأخيرة أكدت أنها لا تملك معلومات بهذا الخصوص.

ويرى مراقبون أن الخطوة تأتي كنتاج للأزمة المتصاعدة بين السودان ومصر، والتي ظهرت أخيراً بإثارة ملف النزاع بشأن منطقة حلايب، وإعلان الخرطوم عن محاكمة عدد من المصريين بتهمة ارتكاب جرائم ضد الدولة السودانية، وما كشفه الرئيس السوداني عمر البشير عن وساطة سعودية أسهمت في إطلاق مصر لعمال تنقيب سودانيين كانت تحتجزهم السلطات المصرية، فضلاً عن إثارة قضية عقد إيجار وقّعته الحكومة في ولاية البحر الأحمر مع شركة الجرافات المصرية (التي تعنى بصيد الأسماك) ومن ثم إخضاعها لمساءلة البرلمان.

ويحذر المراقبون من تصاعد الحملة الشعبية السودانية، الأمر الذي من شأنه أن يضرب النسيج الاجتماعي بين الشعبين ويعرّض المصريين في الخرطوم للخطر نظراً للغضب الشعبي. ويعتبرون أن الخرطوم والقاهرة تستثمران تلك الورقة للضغط السياسي لكي يحقق كل بلد مصالحه المتصلة بالملفات العالقة بينهما، مشيرين إلى أن الخرطوم وجدت فرصة في هذه الخطوة لاستغلالها بعد مواقف مصر تجاه "عاصفة الحزم" في اليمن، وغضب الخليج والسعودية خصوصاً من مصر.

ويقول قيادي في حزب "المؤتمر الوطني" الحاكم في السودان، لـ"العربي الجديد"، إن مسؤولاً أمنياً في الرياض أبلغه عن "انزعاج السعودية من موقف مصر حيال "عاصفة الحزم" وعدم مشاركتها في العملية بالشكل المطلوب، على الرغم من قيام السعودية بتقديم مساعدات مالية لمصر بلا حدود".

وكانت وسائل إعلام قد ذكرت أن الشرطة المصرية قتلت يوم الأحد الماضي 15 مهاجراً سودانياً، كانوا يحاولون التسلل إلى داخل إسرائيل بالقفز فوق السياج الذي يفصلها عن سيناء. وبدأت الخرطوم تحركات دبلوماسية للتقصي بشأن عمليات القتل تلك عبر إرسال استفسارات للخارجية المصرية حول الواقعة. وقال المتحدث الرسمي باسم الخارجية السودانية علي الصادق، إن الخارجية تتابع مع سفارة بلادها في القاهرة مزاعم سوء معاملة السودانيين من قبل السلطات المصرية، معلناً أنه في حال "ثبتت صحة تلك المعلومات، فإن الحكومة ستتخذ الإجراء اللازم بما يحفظ كرامة السودانيين وهيبة ومكانة الدولة".

وأكدت السفارة السودانية في مصر أن مندوبها زار بعض السودانيين في أقسام الشرطة في القاهرة، موضحاً أن السلطات المصرية قالت إن إجراءاتها لم تستهدف السودانيين وإنما تسري على كل الأجانب في مصر.

وأثارت الخطوة حفيظة البرلمان السوداني، والذي أكّد أنه ينتظر توضيحات حيال ما أثير بشأن السودانيين في مصر. وأعلن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان محمد مصطفى الضو، أنه في حال التأكد من صحة المعلومات ستصبح كل الخيارات مفتوحة للتعامل مع الموقف بما يحفظ أرواح وكرامة وأموال السودانيين في مصر، بما في ذلك تغيير وجهتهم إلى دولة أخرى لطلب العلاج أو السياحة وغيرها.

وتعالت أصوات برلمانية تطالب بإلغاء اتفاقية الحريات الأربع التي وقّعتها السودان في وقت سابق مع مصر، والتي تتيح لمواطني الدولتين حق الإقامة والتنقل والتملك والحركة من دون قيد. وكانت الخرطوم تطبّق هذه الاتفاقية بشكل كامل، بينما تتراخى القاهرة في تطبيقها، ولا سيما ما يتعلّق بالتنقل، إذ تشترط على السودانيين الذكور دون سن الأربعين الحصول على تأشيرة دخول إلى مصر.

ولم يكن مؤتمر الحوار السوداني الذي انطلق في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بمشاركة قوى معارضة وأخرى متحالفة مع الحكومة مع غياب قوى معارضة رئيسية بينها حزب "الأمة" بقيادة الصادق المهدي والحركات المتمردة، بعيداً عما يواجهه السودانيون في مصر، إذ دعت لجنة الحريات والحقوق الأساسية التابعة للمؤتمر للعمل بجدية لضمان تنفيذ اتفاقية الحريات الأربع من قبل المصريين أو إعادة النظر فيها. وقال مقرر اللجنة إبراهيم دقش، إن اللجنة ومن خلال ما وصلها من حالات المضايقات التي يتعرض لها السودانيون بمصر، رفعت مناشدات إلى البشير للتدخّل بصورة مباشرة وشخصية لمعالجة الأزمة بأسرع وقت.

وتناقلت أوساط سودانية دعوات لمقاطعة الخطوط الجوية المصرية كنوع من الاحتجاج، فضلاً عن الضغط الشعبي لإجبار الخرطوم على إلغاء اتفاقية الحريات الأربع، وطرد السفير المصري رداً على تلك الإهانات، إضافة إلى معاملة المصريين في السودان بالمثل. وقادت مجموعة من الإسلاميين في السودان تلك الحملة في محاولة لتشكيل رأي عام ضد المصريين.

ودُعمت الحملة بتقرير نشرته إحدى الصحف السودانية القريبة من الحزب الحاكم، نقلت عبره قصة لرجل خمسيني يدعى يحيا زكريا قالت إنه تعرض لأقسى أنواع العذاب بمصر التي رُحّل عنها قصراً. وتناولت الصحيفة قصة الرجل الذي أكدت أنه ما زال يُعالج في أحد مستشفيات العاصمة جراء التعذيب في مصر، مشيرة إلى تقرير الكشف الطبي الذي أكد أن الرجل يعاني من نزيف في مقلة العين ورضوض وآثار حرق وجروح في يديه إثر التعذيب. ونقلت الصحيفة تصريحات الرجل، والذي سرد فيها قصة تعذيبه في أقسام الشرطة والأمن المصري، وأشار إلى أنه اقتيد من أمام أحد محلات الصيرفة في وسط القاهرة عند محاولته تبديل العملة. وقال إن السلطات سحبت منه ما يحمله من مبالغ مالية وقدرها 500 دولار، فضلاً عما يزيد عن ثلاثة آلاف جنيه مصري (نحو 383 دولاراً) قبل إخضاعه للتعذيب وترحيله إلى الخرطوم.

ويرى المحلل السياسي عبد المنعم أبو ادريس أن هذه الأحداث تمثّل مؤشراً إلى أزمة خفية بين البلدين لم تظهر معالمها بعد، وإن كانت التكهنات تشير إلى ملفي حلايب وسد النهضة الأثيوبي. ويعتبر "أن هناك تياراً سودانياً داخل الحكومة والحزب الحاكم ضد ما جرى في مصر من إزاحة الإسلاميين عن الحكم هناك، وبدأت أصواته تعلو، الأمر الذي يشير إلى قيادة هذا التيار لتلك الحملة". ويلفت إلى أن "ذلك التيار بدأ بالتحرك لمساندة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، لا سيما بعد التغييرات الإقليمية الأخيرة والمتصلة بعلاقة مصر بالسعودية وموقف الأولى من "عاصفة الحزم"، الأمر الذي يؤشر إلى إعطاء السودان الضوء الأخضر من بعض القوى الأقليمية للضغط على القاهرة".

من جهته، يرجّح المراقب السياسي أحمد رفعت، أن يكون سبب تأزم العلاقة بين البلدين، تراجع القاهرة عن اتفاق سد النهضة الذي وقّعه رؤساء السودان ومصر وأثيوبيا في الخرطوم في وقت سابق، ومحاولة مصر من خلال السودانيين الضغط على الخرطوم لتغيير موقفها الداعم لأثيوبيا. ويعتبر أن ما تم بشأن عمال التنقيب السودانيين والمضايقات، يندرج في سياق الضغط المصري، إضافة إلى احتضان القاهرة معارضين سودانيين، مرجّحاً أن تؤدي تلك الأزمة في حال تفاقمها إلى إلغاء اتفاق الحريات الأربع.

العقوبات الامريكية .. تجديد يؤكد غطرسة واشنطن..!!


مثلما هو متوقع فقد جددت الإدارة الأمريكية العقوبات الأحادية المفروضة على السودان منذ العام 1997، لفترة عام آخر اعتباراً من الثالث من نوفمبر الحالي، ويصادف الثالث من نوفمبر من كل عام (الذكري السنوية) لإقرار العقوبات على السودان.إذ تم صدور قرار العقوبات الأمريكية على السودان في اليوم الثالث من نوفمبر في العام 1997م، بقرار تنفيذي رقم 13067 من الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، بموجب القانون الأمريكي للطوارئ الاقتصادية تم بموجبه تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية للسودان، ومن ثم حصاراً اقتصادياً يلزم الشركات الأمريكية وأي مواطن أمريكي بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان.

ومما يدعو للأسف أن التجديد الامريكي يأتي وقد رفض الإجماع الدولي أية إجراءات اقتصادية أحادية، لحكم افتقارها لأية شرعية، وما تمثّله من انتهاك بالغ وصريح للقانون الدولي ولحقوق الشعوب في النهوض وتحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه، والأخذ بأسباب التنمية المستدامة، من محاربة الفقر والجهل، والقضاء على الأمراض والأوبئة.فدول العالم قد أجمعت على أنَّ العقوبات الاقتصادية تمثل مهدِّداً للسلم والأمن الاجتماعي وتؤدي إلى تصعيد وإطالة أمد النزاعات.

ويأتي قرار واشنطن بتجديد العقوبات، في وقت ظل السودان يواصل جهوده البنّاءة في العمل على تحقيق الاستقرار وبسط الأمن في المنطقة ومحيطه الإقليمي، من خلال دوره في مجال مكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود وظاهرة الاتجار بالبشر والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، علاوة على إيوائه لأعداد كبيرة من لاجئي دول الجوار.

وظلت قضية العقوبات الأمريكية المفروضة على الخرطوم منذ منتصف تسعينات القرن الماضي ترواح مكانها ، ووبين الفينة وآخراها تتجدد الوعود برفعها .ومهما تكن وعود واشنطن فإن الحقيقة التي ظلت على استمرار هي أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية على السودان صارت متلازمة مع بقاء اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ العام 1993م، برغم أن تلك العقوبات لم تُؤثر كثيراً على الاقتصاد السوداني الذي تمكن بحسب تقارير اقتصادية دولية من تحقيق معدلات نمو مدهشة زادت على 10% في عامي 2006م و2007م، حيث سعت الحكومة السودانية إلى مستثمرين آسيويين وخليجيين لاستخراج النفط، وهو ما تحقق لها بعيداً عن تكنولوجيا شركات النفط الأمريكية، ولم يكن قرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما – العام الماضي - لتجديد العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة على السودان منذ عام 1997م لمدة عام آخر هو غريباً في حد ذاته، ذلك أن الحكومة على أية حال ظلت تتعايش مع عقوبات واشنطن هذه منذ العام 1997. وهي على قناعة بأن أسباب هذه العقوبات – دون أدنى شك – سياسية بحتة، ولكن الأمر الغريب حقاً هو ما أورده الرئيس أوباما في خطابه المرسل إلى الكونغرس بغرض تجديد العقوبات، حيث قال أوباما في خطابه بالحرف: "إن أعمال وسياسة النظام السوداني مناهضة لمصالح الولايات المتحدة، وتمثل تهديداً غير اعتيادي واستثنائي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة" وما من شك أن هذه العبارة هي الجور والظلم السياسي بعينه، فالرئيس أوباما يستهل العبارة بأن سياسة النظام السوداني مناهضة لمصالح الولايات المتحدة، وهي عبارة فضفاضة وغير دقيقة، فالسودان ساعة صدور هذا الخطاب كان يتباحث مع الموفد الأمريكي الخاص أسكوت غرايشون - حينها - ومازال يناقش معه القضايا الحيوية الهامة، ومن البديهي أن السودان لو كان يناهض مصالح الولايات المتحدة – غير الواضحة هذه – لما استقبل موفد واشنطن الخاص، وظل يستقبله ويتباحث معه منذ أكثر من عام. ولنا أخيراَ أن نتساءل: أيهما يُهدد مصالح الآخر؟، واشنطن بعقوباتها هذه على الخرطوم، أم الخرطوم التي ما فتئت تستقبل الساسة والمسئولين الأمريكيين وتتباحث معهم سعياً لعلاقة متكافئة ومعقولة؟ ولعل الأغرب إشارة خطاب أوباما لعبارة أن سياسة السودان "تمثل تهديداً دائماً واستثنائياً للأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية".

الاتفاقيات السعودية .. تحقيق أكثر من هدف اقتصادي

المياه التي تجري هذه الايام تحت جسر العلاقة بينهما تؤكد ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻭﺍﻷﺯﻟﻴﺔ بين الخرطوم والرياض ﻣﺎ ﺯﺍﻟﺖ ﻣﺴﺘﻤﺮﺓ ﻭﺗﺰﺩﺍﺩ ﻗﻮﺓ ﻭﻣﺘﻨﺎﻧﺔ ﺃﻛﺜﺮ، ﻭﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻷﺻﻞ ﻭﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲﻭﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻨﺒﻐﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴﻦ ﺍﻟﺸﻘﻴﻘﻴﻦ،بجانب ﻋﻮﺩﺓ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺍﻵﻥ ﺇﻟﻰ ﺳﺎﺑﻖ ﻋﻬﺪﻫﺎ ﻭﺃﻳﻀﺎً ﻓﻲ ﺃﺣﺴﻦ ﺣﺎﻟﺘﻬﺎ ﺑﺼﻔﺔﻋﺎﻣﺔ، ﻭﻳﻌﺘﺒﺮ ﻣﺮﺍﻗﺒﻮﻥ ﺃﻧﻬﺎ ﻗﺪ ﺗﺠﺎﻭﺯﺕ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻮﺗﺮ ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﻡ،ﻭﺍﻧﺠﻠﺖ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺗﻤﺎﻣﺎً.

وبالأمس اشاد مجلس الوزراء السوداني في اجتماعه الدوري ، برئاسة الرئيس السوداني المشير عمر البشير بالعلاقات المتميزة مع المملكة، معرباً عن شكره وتقديره لخادم الحرمين الشريفين للاستجابة السريعة في تبني هذه المشاريع الاستراتيجية. كما أجاز المجلس الاتفاقيات الإطارية الأربعة التي تم توقيعها مع المملكة العربية السعودية إبان الزيارة الأخيرة للرئيس لها، والتي تتضمن أربعة مشاريع استراتيجية بالسودان.وقال الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء السوداني د. عمر محمد صالح في تصريحات صحفية، إن المشاريع تتمثل في مشروع محطة كهرباء البحر الأحمر لإنتاج ألف ميقاواط والخط الناقل، ومشروع الشراكة في الاستثمار الزراعي لزراعة مليون فدان بمشروع أعالي عطبرة، ومشروع إزالة العطش في الريف، بجانب مشاريع سدود كجبار والشريك ودال.وأوضح أن هذه الاتفاقيات تدعم العمل العربي المشترك وتحقق المصلحة المشتركة لشعبي البلدين وتساعد على تحقيق برنامج النهضة الشاملة في السودان.

وكان مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين قد وافق على تفويض معالي وزير المالية رئيس مجلس إدارة الصندوق السعودي للتنمية – أو من ينيبه – على إكمال الإجراءات المتعلقة بمشروعات اتفاقات إطارية بين وزارة المالية (الصندوق السعودي للتنمية) في المملكة العربية السعودية ووزارة المالية في جمهورية السودان، في شأن تمويل مشروعات السدود كجبار، الشريك، دال. فضلاً عن الإسهام في خطة إزالة العطش في الريف السوداني وسقي الماء للفترة 2015 – 2020م كذلك شمل القرار تمويل المشروع الطارئ لمعالجة العجز الكهربائي من خلال مشروع محطة كهرباء البحر الأحمر (باستخدام الفحم الحجري) بطاقة 1000 ميقا واط مع الخط الناقل. من ناحية ثانية وافق مجلس الوزراء السعودي على تفويض معالي وزير الزراعة، أو من ينيبه، بالتباحث مع الجانب السوداني في شأن مشروع اتفاق إطاري بين وزارة الزراعة في المملكة العربية السعودية، ووزارة الموارد المائية والكهرباء في جمهورية السودان، في شأن الشراكة في الاستثمار الزراعي في مشروع أعالي عطبرة الزراعي، والتوقيع عليه، ومن ثم رفع النسخة النهائية الموقعة، لاستكمال الإجراءات النظامية.من الواضح أن المشروعات التي تقدم بها السودان للجانب السعودي ووافق علي تمويلها تركز على مشروعات الطاقة والري. فسدود كجبار والشريك ودال هي أساساً لإنتاج الكهرباء، ويضاف لها محطة كهرباء البحر الأحمر بما يعطي دفعة كبيرة جداً لمشروعات الكهرباء ويساعد على تغطية الفجوة في التوليد.ومعلوم أيضاً أن زيادة الطاقة المولدة في ولايتي الشمالية ونهر النيل يؤدي لاستكمال كهربة المشروعات الزراعية على النيل، ومشروعات الري المحوري بالتروس العليا، والتي يمكن من خلالها تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، والبدء في تغطية احتياجات المنطقة العربية من القمح، حسب مبادرة تحقيق الأمن الغذائي العربي التي قدمها السودان، ووافق عليها مؤتمر القمة العربية الذي أنعقد بالرياض في يناير 2013م، حيث تعاني الدول العربية من فجوات كبيرة في آمنها الغذائي تضطرها لاستيراد الغذاء من دول بعيدة غير عربية بمبالغ هائلة تتجاوز 70 مليار دولار سنوياً تزيد بوتيرة سريعة نظراً لزيادة عدد السكان بنسبة زيادة من أعلي المستويات في العالم. عموما فإن الواقع يؤكد وبعد التقارب السعودي السوداني الاخير فإن ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻲﺳﻴﺸﻬﺪ ﺗﺤﺴﻨﺎً ﺑﺪﺀﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻮﻡ، ﺑﻴﺪ ﺃن هذا ﺍﻟﺘﺤﺴﻦ ﺳﻴﻤﻀﻲ ﺑﺎﻟﺘﺪﺭﺝ بعد التوقيع الرياض علي اتفاقيات تمويل هامة للغاية لمشروعات حيوية.

مؤتمر الحوار الوطني ... شهر من البداية الوطنية الجادة...!!


بعد مرور شهر علي انطلاقته هاهو قطار مؤتمر الحوار الوطني إلى محطاته المحددة مسبقا دون التأثر بمطبات معارضيه التعجزية والتي تريد لعجلاته التوقف ، لكن قطار الحوار يمضي بمن بداخله ويقف عند كل محطة برهة في انتظار ركاب جدد ينضمون إلي من داخله قبل إعلان الانطلاق لمحطة أخرى .

فالحوار الوطني أمرا مطلبيا ملحا ومتفقا عليه، ولكن عندما تتصاعد مطالبات القوى المعارضة نحو الرغبة في ازالة الحكومة المنتخبة وبناء نظام سياسي آخر، يتوجس الشارع السوداني،من المستقبل المظلم الذي ستحمله له تلك القوى المعارضة والتي ظلت ترفض الحوار منذ انطلاقته قبل أكثر من عام نصف ،ومع هذا التعنت غير المبرر من أحزاب لا تقدم مصلحة الوطن على المصلحة الذاتية إلا أن بعض أصوات المشفقين ممن يحرصون على إصطحاب الكل في قطار الحوار الوطني تطالب القائمين بأمر الحوار الوطني والحزب الحاكم على وجه التحديد، بتمدد السقف الزمني لمؤتمر الحوار الوطني على أن تكون مدته عاماً أو عامين بدلاً عن ثلاثة شهور فقط، حتى تكون مخرجاته قابلة للتنفيذ.فالحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس السوداني ، يعد بمثابة المؤتمر الدستوري الذي كانت تنادي به الأحزاب السياسية التقليدية، فهو فرصة مناسبة لمناقشة مسائل وقضايا لا يمكن أن تطرح إلا عبر مؤتمر دستوري ، لذا على الأحزاب السياسية أن تدرك أن ما كانت تنادي به منذ مؤتمر المائدة المستديرة في عام 1965 هو ذات الحوار الوطني، وهو بمثابة مؤتمر دستوري بكل المقاييس".

وظلت الحكومة السودانية ومنذ افتراع الحوار الوطني في يناير 2014م تؤكد حرصها على أن يكون ذاك ، سوداني سوداني. و إنها لا تسمح بأي تدخلات أجنبية فيه، وأن الآلية الأفريقية رفيعة المستوى، لا تحمل غيرصفة مراقب وشاهد على الحوار.هذه التأكيدات جددتها الحكومة مؤخرا ، خلال لقاءات قاداتها برئيس الآلية الأفريقية ثامبو أمبيكي، الذي زار البلاد مؤخرا، حين نقلت تلك القيادات إليه حرصها على إتمام الحوار الوطني وتهيئة الجو العام لإنجاحه، باعتبار أنه مبادرة شخصية من الرئيس البشير.وإن الحوار سيمضي في مساره عبر الآلية المشتركة والمعروفة بـ (لجنة 7+7) بمشاركة كل القوى السياسية المعارضة والممانعة، بما فيها توفير الضمانات اللازمة لإشراك الحركات المسلحة في الحوار.

وحين طرحت الحكومة برنامج الحوار الوطني هدفتت به الخروج برؤية تفضي الى تحقيق المواطنة وإتاحة حرية الفكر والتعبير بالإضافة إلى تحقيق الحكم الرشيد وتحديد السبل الكفيلة السلسة لانتقال كرسي السلطة دون اللجوء لطريق آخر باستثناء الانتخابات.

فالحكومة لازلت تؤكد التزامها بتنفيذ أي اتفاق سياسي تتوصل له الأطراف السودانية عبر مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا له الرئيس عمر البشير رئيس الحزب.لذا فإنه يجب التحذير من خطورة اللجوء لبدائل غير الحوار لحل مشاكل السودان. لأن البديل للحوار هو العنف والحرب،و التعامل عبر (البندقية) بأنه حجة فاشلة ومعوجة.والحكومة حين رفضت (إعلان باريس) جاء رفضها له لأنه جاء بحلول من خارج السودان وبأيدي غير السودانيين، لذا جاء تشديدها على ضرورة أن يتم الحوار بالداخل .

عموما فالحوار بالداخل هو الطريق الانسب لحل ازمات البلاد وليس بالخارج فمؤتمر الحوار ستطرح فيه مشاكل عالقة منذ الاستقلال. لذا لا مجال أمام الحوار خارج البلاد، فالرافضين لعقده داخل السودان يسعون لفرض وصايا علي الوطن من خلال مجلس الأمن وغيره. ويتطلب الأمر من الجميع التوافق على الدستور والقوانين بحيث تكون الحارس لهيبة الدولة والضامن للحقوق والواجبات المتساوية لكل المواطنين دونما تمييز، فالوطن يسع الجميع.