دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الخميس، 18 سبتمبر 2014

من يدفع تكلفة تجوال المهدي بالخارج؟

أثارت الانباء المتواترة التى أشارت الى أن السيد الصادق المهدي زعيم حزب الامة القومي الموجود حالياً خارج السودان أجرى اتصالاً هاتفياً ببعض افراد سكرتاريته الخاصة بالداخل يطلب فيها رقم هاتف المستشار الثقافي لجمهورية ايران بالخرطوم؛ أثارت تساؤلات شتى بشأن تحركات الرجل التى يقوم بها في الخارج، وما إذا كان يسعى لخلق تعقيدات وتوترات ضد بلاده إعتماداً على بعض الخطط التكتيكية التى تمس عصب سياسة السودان الخارجية وأمنه القومي! إذ المعروف ومما بات الكل يستشعره ان المهدي عازم على إحراق مراكبه السياسية ورؤاه منذ أن قام بالتوقيع على اعلان باريس فى أغسطس الماضي ومن ثم شرع في انشاء (منفى سياسي اختياري) بدأ بالتجوال فيه ما بين بعض الدول العربية والاوروبية أملاً في أن ينجح –بحسب تقديراته– في خلق رأي عام عالمي وإقليمي يطيح بخصومه فى الحكومة!
ولا شك أن الرجل وبإعتباره سياسياً عريقاً يتحمل مسئولية تحركاته الخارجية المشبوهة هذه في ظروف كان من الأجدى والأنفع للرجل الثمانينيّ ان يكثف فيها جهوده لإنجاح عملية الحوار الوطني باعتبارها شأناً وطنياً خالصاً، ولكن الذي يستوقفنا فى هذه التحركات المريبة محض تساؤلات منطقية من الصعب ان يتجاهلها أي مراقب مخلص يولي احتراماً لسياسي سوداني فى هذه السن يختار لنفسه هذه الخيار الغريب.
هذه التساؤلات تتعلق بالكيفية التى يتحرك بها الرجل فى الخارج إذ المعروف أن بمعيته عدداً من المقربين إليه ومنسوبي حزبه والذين يعاونونه وبما لا يقل عن 10 أشخاص على أقل تقدير. تُرى كيف يدير المهدي تحركاته وتحركات من هم معه ويتنقلون بين العواصم الخارجية وينزلون فى أفخم الفنادق ذات الخمس نجوم ؟
من يا ترى يتدبر لهم تذاكر الطيران (الدرجة الأولى) فى رحلات ماكوكية لا تهدأ؟ ومن يوفر لهم (مواصفات طعام المهدي الخاصة جداً) عالية الكلفة؟ ومن يمنحهم نثريات الأكل والشرب والتجوال؟ قد يبدو للبعض إن هذه أموراً (صغيرة) وقد يعتبرها البعض الآخر من سفاسف الأمور باعتبار أن المهدي بإرثه الأسري والعائلي ومكانتهم السياسية التاريخية لا يمكن التساؤل حيالهم بمثل أمور كهذي.
ولكن الحقيقة المفجعة ان المهدي على الصعيد الشخصي وصعيد أسرته وطوال السنوات الماضية كانوا يعيشون على (حد معين) من الأموال، وأضطر الرجل في أحيان كثيرة (موثقة ببعض الصحف) للإقرار بحالة الكفاف التى يعيشونها فى صمت داخل أسرته، بل وحتى ولو قلنا أن للرجل أموالاً كثيرة فإن من غير المنطقي ان يسعى لتبديدها على هذا النحو، فقد قام الرجل حتى الآن ومن تاريخ توقيعه على إعلان باريس بأكثر من 17 رحلة بالطائرات الى عدد من العواصم التى تراوحت ما بين الخليج (الامارات وقطر) والعاصمة المصرية القاهرة وبعض الدول الأوربية وطاف بأكثر من 9 فنادق من أشهر الفنادق ذات القيمة العالية.
لو قلنا ان الرجل صرف من أمواله الخاصة فهي لن تكفي إذ ان للرجل (مسئوليات) داخلية هنا. ولو قلنا ان الرجل يصرف من أموال الحزب، فإن من المؤكد ان الحزب لن يطيق إحتمال كلفة عالية كهذه وهو الذي ظل يعاني من شح المال في السابق لدرجة عدم تمكنه من إقامة مؤتمره العام! بل وحتى ولو احتمل الحزب هذه الكلفة التى هي بغير طائل، فإن الحزب لن يحتمل كلفة ليس معروفاً متى تنتهي!
إن المؤسف والمؤلم فى تحركات المهدي الحالية ان الرجل ربما كان يعيش على (بنود خاصة) من بعض مخابرات دولة بعينها فى محيطنا العربي تستثمر في الرجل استثماراً قصير الأجل

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

حلايب ... انتماء سوداني يؤكده التاريخ ...!

من جديد تعود قضية حلايب السودانية إلى سطح الأحداث السياسية لتشغل الرأي العام المصري من جديد والعودة هذه المرة جاءت في غضون تسلم مفوضية الانتخابات السودانية ترسيم الدوائر الجغرافية للولايات ، حيث حوت دوائر ولاية البحر الأحمر دائرة حلايب الجغرافية وهو ما أثار الجدل الإعلام المصري لازال يصر (تمصير) حلايب رغم نفي شواهد التاريخ لذلك وفي الماقبل فإنها تؤكد سودانيتها  ، ففي السياق دعت قيادات بشرق السودان بإتاحة الفرصة لمواطني منطقة حلايب التابعة لولاية البحر الأحمر للاقتراع في الانتخابات العامة المقرر لها العام المقبل.،وبدوره فقد أكد عبد القادر محمد توم رئيس اللجنة العليا للانتخابات بولاية البحر الأحمر إكتمال ترسيم الدوائر الجغرافية بالولاية بما فيها دائرة حلايب ليتم تسليمها للمفوضية ، معتبراً أن المنطقة ظلت دائرة معتمدة منذ انتخابات العام 1953م وقام مواطنوها بالمشاركة في عمليات الاقتراع.من جهته دعا حامد إدريس سليمان عضو المجلس التشريعي لولاية البحر الأحمر، الحكومة لإتخاذ كافة السبل التي تمكن مواطني حلايب من ممارسة حقهم الدستوري والتصويت في الانتخابات، مشيراً إلى أنه من المستحيل التنازل عن شبر من أراضي حلايب التي تمتد على مساحة 20 ألف كيلومتر يقطنها أكثر من (27) ألف نسمة.


وبسبب ملف حلايب ظلت العلاقات السودانية المصرية تتأرجح بين التطبيع (الطبيعي) والتوتر وصل حد الاتهامات بين الطرفين ، وعلى الرغم من هذا التذبذب الذي ينعكس (للتو) في الإعلام وخاصة الإعلام المصري إلا أن العلاقات تظل (أزلية) بين البلدين إذ أن الشعبين تربطهما روابط اجتماعية يمتزج فيها دم القرابة والمصاهرة، وهم يرتوون من مياه نهر واحد نهر النيل.

وتؤكد قرائن الأحوال أن  العلاقات بين الخرطوم والقاهرة فيما يبدو تسير باتجاه التطبيع (الإيجابي) ترجمتها الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين، فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي زار السودان فور انتخابه كرئيس لمصر وهي تعتبر الزيارة الثانية له بعد انتخابه رئيساً لمصر، وكانت الزيارة الأولى لدولة غينيا فزيارة السيسي هذه ربما جاءت لتعيد الأمور إلى نصابها لما قبل التصعيد، تصعيد ظل الإعلام المصري يرفع ثيرمومتره دون مبرر، تلك الحملة الشرسة التي انبرت لها أقلام وآراء مصري ضد السودان.

وتقول الشواهد أن زيارة السيسي تلك أسهمت في إزالة بعض الشوائب التي علقت بجدار هذه العلاقة وكادت تصيبها بالاهتراء أو الصدأ أو ربما وصلت حد خطورة الداء السرطاني الذي بدأ ينخر في (أزلية) العلاقة لتكون النتيجة الانهيار والتلاشي!! زيارة الرئيس المصري جاءت بعد أن أدركت مصر العمق الاستراتيجي الذي يمثله السودان لها وهي تتجه إلى مرحلة جديدة في الحكم.. مرحلة تحتاج فيها إلى ترميم كل علاقات الجوار بما فيها السودان والتي أفسدتها التقديرات الخاطئة لقيادة مصر السابقة، ربما ساهمت في عدم الاستقرار والاضطراب استمر وقتاً طويلاً.

وها هي القيادة الرئاسية بالسودان ربما ترد بأحسن منها، فمن المتوقع أن يزور الرئيس البشير مصر في مقبل الأيام استجابة لدعوة قدمها له الرئيس المصري، وهي قطعاً ستزيد من تعزيز العلاقة بين البلدين الشقيقين وستؤطر لمزيد من التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي، ويقول مراقبون أن الزيارة المرتقبة  للرئيس  البشير لمصر سيكون أثرها السياسي ايجابياً، فمن المتوقع أن يحدث اختراق في ملف حلايب ونقله من مربع التوترات والتراشقات السالبة إلى مربع التفاهمات والحلول التي ترضي الطرفين، بجانب إزالة الكثير من الشوائب العالقة على جدار العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، وأهمها اتخاذ مواقف واضحة تجاه إيواء القاهرة للمعارضة السودانية وقادة الحركات المسلحة، وكانت السلطات المصرية قد اتخذت إجراءات ايجابية تجاه النشاطات التي تقوم بها بعض الأحزاب المعارضة ومنعت إقامة مؤتمر للجبهة الوطنية المعارضة كان تعتزم أن تقيمها بقيادة القيادي الاتحادي المعارض علي محمود حسنين مما كان له أثره البالغ على الحكومة السودانية، وعلى هذا النسق كان ينبغي أن تقوم السلطات المصرية بتحجيم حركة ونشاط الحركات المسلحة وتغلق مكاتبها هناك لإبداء حسن النية... إذا فمن المتوقع أن تدفع زيارة الرئيس البشير بهذا الملف إلى الأمام، كما أن مصر تحتاج للسند السوداني خاصة في ما يخص سد النهضة الذي يعتبر من أكثر المشاريع تأثيراً على مصر وظل يؤرق (مضجعها) منذ أن أعلنت عنه الدولة الأثيوبية.

الاثنين، 15 سبتمبر 2014

الاقتصاد السوداني وأكثر من خطوة الى الامام!

المنظار الموضوعي ذي الطبيعة الاستراتجيية هو المنظار الوحيد الذي بإمكان أي مراقب ان يتأكد من خلاله من خطوات التقدم والتطور للإقتصاد السواني. لا أحد ينكر ان هناك أزمة وجهها السافر البادي للعيان هو الغلاء وإرتفاع الاسعار ومعاناة المواطنين، لأن ذلكم هو الوجه الظاهر للعملية، وأما في وجهه الثاني فإن الاقتصاد السوداني يبدو مكتسباً لعافية مضطردة.
ففي نظام اقتصاديات النفط وصناعته فإن السودان قبل ايام أعلن رسمياً عن إمتلاكه خطاً ناقلاً للنفط بما يجاوز الـ1000 كلم. اصبح ملكاً خالصاً له ومن ثم أصبحت الموارد التى تجنى منه هي الاخرى خالصة وأدعى لزيادة هذا المورد المالي المؤثر في الموازنة العامة للدولة. وفى وزارة المالية والاقتصاد في السودان احصائيات حديثة مبشرة وحقيقية تشير الى ان معدل التضخم قد انخفض فى شهر اغسطس المنصرم -قبل أيام قلائل- انخفاض ملحوظ حيث تراجع من (48.8) الى (46.4) مقارنة بشهر يوليو الذي سبقه.
ويقول خبراء اقتصاديين إن التراجع حدث على الرغم من الغلاء وارتفاع الاسعار، وهذا معناه -وفق المؤشرات الاقتصادية ان هناك جهود ملموسة تقوم بها الدولة جدية ومثابرة سواء على صعيد زيادة الانتاج، أو تقليل الانفاق العام، أو المحافظة على سعر الصرف مقابل العملة الأجنبية وفق سياسات شاقة ومضنية يتبعها البنك المركزي بصرامة شديدة.
ولعل هذه المؤشرات الاقتصادية الجيدة هي التى تفسر التأكيدات التى أطلقها مساعد الرئيس، البروفسير غندرو وهو يخاطب مؤتمر اً عاماً للمؤتمر الوطني ان الاقتصاد السوداني يمضي فى كل يوم نحو الافضل. وتقول مذكرة رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في السودان إن المتوسط العام للرقم القياسي لأسعار المستهلك عن شهر اغسطس الماضي بلغ 46.22 مقارنة بـ448.9 نقطة تم تسجيلها عن شهر يوليو الذي سبقه. وهو ما سيتشف منه وجود توازن جيد ما بين ارتفاع السلع وغلائها والاستهلاك وهو بدروه يعني ان الأمور تمضي باتجاه خلق استقرار فى اسعار السلع فى ظل تراجع معدلات التضخم.
وعلى وجه العموم فإن هذه الصورة التى ربما كانت غائبة عن الكثيرين بفعل اللهث اليومي، والمعاناة التى يعانيها بعض قطاعات المواطنين من ذوي الدخول الاقل، هي الصورة الحقيقية للنمو الاقتصادي الذي يشهده السودان رغم كل ما يعانيه هذا البلد من حصار وعقوبات اقتصادية في بعض اطرافه وما يتطلبه ذلك من ضرورات المحافظة على الأمن الاستقرار لإفساح المجال للانتاج.
وغنيّ عن القول فى هذا الصدد ان اكتمال تحسن الاداء الاقتصادي، وتوزان الميزان التجاري وتراجع العجز في الموازنة العامة سوف تتبدى ملامحه أكثر في موازنة العام المقبل، حين تدخل حقول نفط جديدة بشّر بها قبل ايام وزير النفط الدكتور مكاوي عوض، وحين تصبح أجرة الخط الناقل للنفط (خالصة) للحكومة السودانية دون ان تشاركها فيها أي من شركات النفط العاملة معها، وحين تتمكن وزارة المعادن -وقد قطعت شوطاً مقدراً للغاية- من تنظيم التعدين الاهلي ومعالجة كافة إشكالات الانتاج والتسويق لجلب العملة الصعبة. السودان في الواقع سوف يبرز كمارد اقتصادي في المنطقة في العقد المقبل بمعطياته الحالية هذي.

دلالات رفع العلم الاقتصادي مؤخراً في السودان!

الاسبوع الماضي احتفل السودان -بغبطة بالغة- باستقلال جديد. الاستقلال الجديد كان تجسيداً لعطاء وأداء اقتصادي أضاء شعلة مضيئة فى سمائه، حيث قاد السيد وزير النفط السوداني، الدكتور مكاوي عوض احتفال إنزال أعلام الشركة الصينية الوطنية للبترول وشركة بتروناس الماليزية وشركة (ongc) الهندية من سارية الوزارة، ورفع العلم السوداني وحده.
جرت مراسم الاحتفال بحضور ممثلي هذه الشركات إيذاناً بأيلولة الخط الناقل للنفط الممتد من حقول النفط مروراً بمصفاة الجيلي ثم الى ميناء التصدير فى بشاير والذي كان قد تم انشاؤه فى شهر يونيو 1999 بتكلفة بلغت حينها حوالي 1.2 مليار دولار تكلفت بدفعها -في ذلك الحين- الشركات المذكورة فى سداد ما عليها وفق التكلفة المذكروة ومن ثم أصبح الخط بكامله فى الوقت الراهن ملكاً خالصاً للسودان بنسبة سداد بلغت 100% .
وينظر العديد من المراقبين والمهتمين بالشأن الاقتصادي السوداني الى هذا التطور الاقتصادي الكبير باعتباره انجازاً اقتصادياً جديراً بالاحتفاء، إذ على الرغم من كل الظروف التى واجهها السودان طوال العقد ونصف الماضي من حروب على الأطراف بعضها ما يزال مستمراً، وعقوبات اقتصادية ما تزال تثقل كاهله، ومعاناة داخلية فى كيفية معالجة الموازنة العامة للدولة ومشاكل الاقتصاد المتمثلة في التضخم وغلاء الاسعار.. على الرغم من كل ذلك -وبما يشبه المعجزة- استطاع السودان على اية حال ان يسدد ما يفوق المليار دولار ليصبح الخط الضخم الذي يبلغ طوله 15.5 كيلومتر وقطر الانبوب 28 بوصة ملكاً خالصاً لحكومة السودان.
وبهذا يمكن القول إن السودان استطاع ان يحوز على اكبر عنصر من عناصر البنية التحتية للصناعات البترولية يجعله قادراً على الاستفادة استفادة حقيقية من بنيته الاقتصادية التحتية دون ان يشاركه أحد فيها، وعلى ذلك يمكن القول ان ايجار هذا الخط لدولة جنوب السودان -بعد هذه الايلولة- سوف يصبح ذا تأثير بالغ على ميزانية الدولة ومواردها، لأن هذا الايجار فى السابق كانت تخصم منه تكلفة الانشاء بواسطة الشركات الشريكة التى مولت عملية الانشاء ومن ثم كان المتبقي -بعد الخصم- أقل بكثير مما هو مرتجى ومطلوب.
ومن جانب آخر فإن مجرد امتلاك السودان لخط ناقل كهذا يعطيه سمعة دولية واقليمية جيدة، إذ ان اقتصاديات البترول فى كل دول العالم كما معروف تقوم على امتلاك الدولة المعنية للبنية التحتية الجيدة لاقتصاديات وعمليات النفط. كما ان استطاعة السودان –رغم كل الظروف التى أشرنا إليها– سداد ما عليه من قرض طوال الفترة الماضية يمنحه أيضاً سمعة دولية طيبة وسط الشركات العالمية العاملة في صناعة البترول وفى المجالات الاخرى ففي السوق الدولي فإن العبرة بتنفيذ الالتزامات والحرص على أداء الدولة المدينة لديونها الاقتصادية حتى تصبح دولة جديرة بالتعامل.
وتبقى هذه المناسبة السعيدة فى مجملها بمثابة عملية دفع للسودان نحو تحقيق ذاته فى ظل ما ظل يواجهه هذ البلد من عنت ومشقة من قبل قوى دولية بعينها تستكثر عليه أن ينهض ويتقدم، وهذا ما جعلنا نقول ان احتفال السودان بأيلولة هذا الخط، كان في الواقع احتفالاً موازياً لاحتفالات رفع العلم فى مناسبة الاستقلال فى الاول ما يناير 1956 ففي الحالتين كان السودان يضع خطواته على عتبات خضراء جديدة متسلحاً بإرادة فولاذية لا تلين.

قفزة نوعية جبارة للإقتصاد السوداني!

وقعّت وزارة الزراعة والرعاية والضمان الاجتماعي مؤخراً أضخم إتفاقية عرفها السودان في مجال الاستثمار الزراعي. الاتفاقية وُقعت ما بين وزارة الضمان الاجتماعي وحكومة الولاية الشمالية. الغرض من الاتفاقية انتاج 5000 فدان من التقاوي المحسنة لزراعة محصول القمح بتكلفة كلية بلغت 100 مليون دولار.
الكمية المتوقع انتاجها من محصول القمح باستخدام هذا القدر من التقاوي المحسنة بهذا القدر من المساحة سوف تسد ما يصل الى 20% من الاحتياجات الكلية للبلاد من محصول القمح الأمر الذي يعتقد الكثير من الخبراء الزراعيين والاقتصاديين أنه سوف يحقق قدراً مهولاً وغير مسبوق للأمن الإقتصادي الاستراتيجي للسودان. ذلك ان محصول القمح كما هو معروف فى العالم بأسره من المحاصيل الرئيسية ذات الطابع الاستراتيجي، وليس سراً ان سلعة القمح فى ضمار العلاقات الدولية أصبحت سلعة سياسية بإمتياز، تستخدمها بعض القوى الدولية -علناً- فى تحقيق غايات وأهداف استراتيجية لصالحها ولسنا فى حاجة لتعداد أمثلة فى هذا الصدد، فالعلاقات الدولية بمثابة كتاب مفتوح ومقروء!
ومن المؤكد ان السودان بدخوله في هذا المضمار الزراعي المؤثر يضع وبقوة قدمه فى نادي القمح ففضلاً عن ان التجربة قد جرى الاعداد لها من كافة الجوانب وأصبح من المستحيل تماماً ان تعيقها أية عوائق، فإن حسابات الخبراء تشير إن التجربة قابلة للإستنساخ في الولاية الشمالية نفسها حيث ما تزال توجد حتى بعد إنجاز هذا المشروع الكبير الوارد فى هذه الاتفاقية، مساحة تتجاوز الـ4 ملايين فدان تطرحها الولاية الشمالية رسمياً لمن يرغب من المستثمرين الوطنيين فى استثمارها.
على الجانب الآخر فإن سد احتياجات البلاد من القمح بهذه النسبة (20%) كمرحلة أولى يعيد التوازن الى الميزان التجاري للدولة، وذلك عبر الاستفادة من الاموال التى كان يتم استيراد القمح بها فى استيراد احتياجات أخرى. من جانب آخر فإن، التجربة نفسها مشجعة للقفز بهذه النسبة الى نسبة أكبر تباعاً، لحين الوصول الى ذروة ما هو مطلوب بسد كافة احتياجات البلاد بنسبة 100% من سلعة القمح، وهذه إن تحققت فهي لوحدها سوف تبعث روحاً جديدة في هياكل الاقتصاد السوداني الذي يختصر الكثير من الخبراء أزمته المحورية فى قلة الانتاج وإرتفاع فاتورة الاستيراد.
هناك جانب مضيئ آخر يتمثل في ما يمكن ان يحققه هذا الاتفاق من تشغيل للعمالة وخلق فرص عمل جديدة لمن لا يجدون عملاً، كما أنه يمنح وزارة الرعاية والضمان مزايا جيدة تعود على العامليين والعمال المستظلين بمظلة الضمان الاجتماعي بريع افضل يمنحهم مزايا مادية جديدة مستقبلاً باعتبار ان الاموال المستخدمة فى المشروع هي أموالهم بالضرورة.
وهكذا يمكن القول ان الاقتصاد السوداني بهذه الخطوة الكبيرة يحرك ساكن الكثير من المثالب التى ظلت تعرقل انطلاقته، وهذا يعني ان السودان موعود في القريب العاجل بقفزة نوعية جبارة من شأنها ان تضع قدمه -بقوة- على اعتاب مرحلة جديدة كلية.

الخميس، 11 سبتمبر 2014

بعد إغلاقها المركز الإيراني ... الخرطوم تواجه المد الشيعي ...!!

الخطوة التي اقدمت عليها الخرطوم بإغلاقها المراكز الثقافية الإيرانية في العاصمة وبقية الولايات وصفت بالمفاجئة ، حيث طلبت السلطات من الملحق الثقافي الإيراني وطاقم المركز مغادرة البلاد خلال فترة 72 ساعة فقط ، وجاء قرار الحكومة السودانية نابعاً من حالة قلق وتحذيرات أطلقتها دوائر دينية وإعلامية حيال انتشار الفكر الشيعي وسط الشباب السوداني بعد تكثيف الملحقية الثقافية الإيرانية أنشطتها في الخرطوم.

فخطوة الخرطوم الأخيرة أتت بعد خروج المراكز الإيرانية عن الأطر الدبلوماسية والقانونية المسموح بها للسفارات في الترويج للثقافات المختلفةلمتعارف عليها دوليا وا، الأمر الذي يؤدي إلى إذكاء نيران الفتن المذهبية والعقدية في الدولة المضيفة.

وفي أول رد فعل محلي رحبت الجماعات الإسلامية بقرار السلطات بإغلاق المركز الثقافى الإيرانى بالخرطوم وفروعه بالبلاد بعد إعتباره تهديداً للأمن الفكري والإجتماعي بالبلاد.وقال محمد أبو زيد رئيس اللجنة السياسية بجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان أن غلق المركز الثقافية الإيرانية يفتح الباب واسعاً للتعامل مع دول الخليج العربى، والتى أبدت فى عدة مناسبات قلقلها من انشطة تلك المراكز، مؤكداً أن الخطوة ستمهد لعودة العلاقات السودانية-الخليجية الى سابق عهدها، مشيراً الى ان المركز الثقافى السودانى بطهران لم يحظ بالتسهيلات التى كان يحظى بها الإيرانى بالخرطوم.

من جانبه وصف المجمع الصوفي العام إغلاق المركز الثقافي الإيراني بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح لتنقية الساحة الدينية من الأفكار الضالة وتصحيح الوضع الديني بالبلاد.وقال الشيخ عبد السلام الكسنزاني نائب رئيس المجمع الصوفي العام إن هذه الخطوة لابد لها من إجراءات لاحقة بإغلاق جميع الحسينيات والمدارس الشيعية والتي تبث الضلال في المجتمع، مبيناً أن المتصوفة وقفوا بقوة ومازالوا في وجه المد الشيعي بالسودان ، وأضاف أن إغلاق المراكز خطوة إيجابية تستحق الوقوف معها بقوة.وأشاد الكسنزاني بقرار السلطات المختصة مطالباً في الوقت ذاته بإجراء مماثل في سبيل مكافحة جماعات التطرف حتى يعود السودان بلداً للوسطية والتسامح الديني.

ويدور منذ مدة جدل في الساحة الداخلية حول تنامي الوجود الشيعي في السودان ، وحذرت منابر خطابية عديدة في المساجد السلطات من تمدد الفكر الشيعي ، وعدته تطوراً خطيراً ينبغي الالتفات إليه وحسمه.وكان أول ظهور علني حاشد للشيعة في السودان في العام 2009 عندما نظموا احتفالية بذكرى مولد الإمام المهدي أحد أبرز أئمة الشيعة في ضاحية جبل أولياء الشعبية أقصى جنوبي العاصمة الخرطوم.

وبحسب الوقائع فإن الشعب السوداني والذي هو سني المذاهب يرفض جله المد الشيعي في البلاد ، حيث يعده منحرفاً، فالمجتمع السوداني مجتمع متسامح، وهذا دليل على أنه مجتمع سني، لم يجد التشيع إليه سبيلاً.. فالتشيع كما يقول ارتبط تاريخياً بالعنف، والفكر الشيعي لا يقبل أصلاً بالآخر حينما يقوى. ووصل المد الشيعي إلى السودان نتيجة لأسباب عالمية عبر وجود دول داعمة للتشيُّع وتتبناه، وتحرص على وجود خط شيعي أقوى من السني، والشيعة يستغلون جهل بعض السودانيين بالحقائق التاريخية،

عموماً ، فقبل الخطوة الأخيرة للخرطوم حذر علماء مما أسموه مداً شيعياً منظماً تُستخدم فيه الأموال، ويُغرر فيه بالشباب بوسائل فيها معصية لله، وبوسائل زواج المتعة والزواج العرفي، وبخاصة في الجامعات السودانية. و أكدوا أن هناك اختلافاً كبيراً بين السنة والشيعة، وأن هناك مخططات شيعية لنشر المذهب وسط السنة، مبدياً رفضه التام لهذا الأمر، محذرين من مخاطر نشر التشيع وسط أهل السنة، وإصرار الشيعة على غزو المجتمعات التي يعيشون فيها بمعتقدهم المشوه.

الحركات المسلحة .. عودة الوعيء الوطني ...!!!

لم تقرر الحكومة السودانية بعد، ما إذا كانت ستضطر الى استكمال حزم رفع الدعم الذي كانت قد بدأتها في سبتمبر من العام الماضي أم أنها ربما تجد بدائلاً أخرى إذ من الواضح ان الاقتصاد السوداني -في كل الاحوال- في حاجة ماسة لمعالجة يمكن بواسطتها مواجهة الاوضاع الماثلة والتى تأتي في مقدمتها الظاهرة الاقتصادية الاكثر زيادة لمعاناة المواطنين اليومية والمتمثلة في الغلاء والارتفاع المتوالي في أسعار السلع والخدمات.
أمين الامانة الاقتصادية بحزب المؤتمر الوطني الحاكم، د. حسن أحمد طه يقول إنه لا خيار إلا برفع الدعم. ويضيف أنه ليت رفع الدعم فى حزمته الاولى –العام الماضي– كان قد تم بنسبة 70% . ويقطع الدكتور طه إن أية خيارات تلجأ اليها الحكومة -بخلاف رفع الدعم- سوف تؤدي الى ارتفاع التضخم.
الحكومة بالمقابل لم تقطع بأنها لن تلجأ الى هذا الخيار الاقتصادي الصعب إذ يبدو انها أرجأت أي قرار في هذا الصدد الى حين استكمال بعض المعالجات اللازمة والتى من شأنها تخفيف وطأة مثل هذه القرارات. ومع أن بعضهم ينظر اليها بأنها سياسة غير مبررة إلا أن الامر المفروغ منه لدى خبراء الاقتصاد ان رفع الدعم هو السبيل الوحيد والأمثل للوصول الى معادلة اقتصادية متوازنة. ولعل أصدق دليل على ضرورة هذا الاجراء العلاجي وفور تسلم الرئيس السيسي لمهام منصبه الى إتخاذ قرار رفع الدعم رغم كل ما يمكن ان يؤدي اليه قرار كهذا -في ظروف مصر المعروفة- من تعقيدات هو في غنى عنها تماماً.
كذلك من المعروف ان سياسة التحرير الاقتصادي والتى باتت سمة غالبة في غالب بلدان العالم تستلزم فيما تستلزم كأمر ضروري ولازم ان تأخذ شكلها وجوهرها الصحيح بألا تلجأ الى التدخل بحيث تؤثر على الانسياب العادي لتسعير السلع والخدمات.
صحيح ان البعض ما يزال يطالب الحكومة السودانية بأن تعمل على تقليل الانفاق العام وهو واحد من أكثر أدواء الاقتصاد، وصحيح أيضاً ان البعض كان ينتظر ان تخلق الحكومة السودانية في الفترة ما بين الحزمة الاولى -العام الفائت- والعام الحالي بدائلاً تعمل على زيادة الانتاج وتشجع الاستثمار واستجلاب رؤوس الأموال.
هذا كله صحيح ولكن بالمقابل فإن الحكومة طوال الفترة الماضية عالجت بدرجة ما قضية تشجيع الاستثمار وعملت -في حدود مناسبة- على استجلاب المزيد من رؤوس الاموال الوطنية والاجنبية كما قللت شيئاً ما من انفاقها العام، ولكن كل ما فعلته الحكومة في هذا الصدد -للاسف الشديد لم يكن، ولن يكون كافياً بحيث يمكن الاستغناء عن قرار رفع الدعم، ولهذا فإن الجدل الدائر الآن بشأن ما إذا كان مناسباً الشروع فوراً فى حزمة جديدة لرفع الدعم عن السلع والخدمات الاساسية أم لا؛ هو في الواقع جدل يستند على تقديرات ذات طبيعة سياسية واجتماعية بأكثر مما هو تفكير اقتصادي مجرد.
قضية رفع الدعم، هي قضية اقتصادية هدفها ملامسة الواقع الاقتصادي للدولة مهما كان قاسياً وصعباً، ففي خاتمة المطاف فإن الاقتصاد -أي اقتصاد - ما هو إلا ترجمة حقيقية مباشرة لما هو ماثل في أي دولة. وليس الأمر هنا يقتصر فقط على ما هو مطلوب من الحكومة فعله، فهنالك دور كبير للمواطنين في هذا الصدد، خاصة فيما يتعلق بزيادة الانتاج، والمحافظة على المال العام وهناك أيضاً أمر يتعلق بما بات يُعرف بالزيادات المفاجئة وغير المبررة من قبل العديد من التجار والباعة في الأسواق وهو سلوك أقرب الى انتهاز الفرص والجشع بأكثر مما هو تعبير عن واقع حقيقي، ولهذا فإن تضافر جهود المواطنين كافة -منتجين ومستهلكين- على المحافظة على الطبيعة الحقيقية للإقتصاد السوداني تبقى شيئاً مطلوباً بشدة لتعافي الاقتصاد بالصورة المطلوبة.

بهذه الكيفية لن يكون حواراً وطنياً!

حتى ولو غضضنا الطرف مكرهين عن الموقف غير الرسمي وغير الحصيف الذي وقفته الحركات السياسية المسلحة المعارضة في السودان ضد الحوار الوطني الذي طرحته الحكومة السودانية منذ أشهر طوال كادت ان تمتد لعام كامل وما ظللنا نرى ونلمس من تردد، وتلكؤ من قبل هذه القوى المعارضة وفرض شروط ثم قبول بالحوار ثم تراجع، ثم فرض شروط!
وحتى ولو غضضنا الطرف عن هذا الإهدار غير المبرر بل غير المعقول لهذه السانحة السياسية الوطنية النادرة وعزينا الأمر الى قلة خبرة العديد من هذه القوى المعارضة، أو ارتباط بعضها بأجندات أخرى؛ لو غضضنا الطرف عن كل ذلك فإن من الصعب أن نغض الطرف عن الشروط الاكثر غرابة التى ساقتها بعض القوى المعارضة المسلحة والتى اشترطت ان تجري وقائع الحوار في الخارج وذلك بأن تستضيف قطر أو اثيوبيا جلسات الحوار!
أنظر كيف أفرغت هذه القوى المسلحة الامر من مضمونه وأخرجته من سياقه المنشود تماماً!.. فلو كانت القضية قضية إلتقاء فرقاء سودانيين في أي مكان فقط من أجل تسوية مشاكلهم، لكان ذلك أسهل بكثير من شرب كوب ماء. ولو كان الامر في مجمله الجلوس في قاعة والحديث عن ما فعله كل طرف فى مواجهة الآخر في الفترة الماضية، فإن هذا متاح وممكن عبر الهاتف والوسائط الالكترونية الحديثة ومن بينها (الفيديو كونفرانس)، بل إن المقصد الحقيقي المنشود من الحوار الوطني الشامل كما طرحته الحكومة السودانية هو تسوية الازمة السودانية تسوية شاملة نهائية بجهد سوداني وطني كامل.
وحين يقال بجهد سوداني كامل وفى الداخل فإن معنى ذلك -وهذه هي النقطة المحورية في الامر كله- أن المطلوب حل سوداني بأيدي سودانية وأفكار سودانية لقطع الطريق منذ الآن وحتى المستقبل على أي عمل معارض يستند الى أطراف خارجية أبعد ما تكون عن المصلحة الوطنية السودانية مهما بدت تلك الاطراف حادبة على من تقدم لهم الدعم.
إن أي حديث من أي طرف عن موائد خارجية أو ضامنين دوليين أو حتى وسطاء هو حديث دون أدنى شك غير مسئول وغير وطني. وإذا كان كل مأخذ القوى المعارضة أنها لا تثق في المؤتمر الوطني -أو أنها تخشى من أن لا يلتزم الوطني بأيّ اتفاقيات -رغم عدم موضوعية ذلك- فإن المحك هذه المرة ان (الكل) حاضر للحوار ومن المستحيل -حتى ولو صح أن الوطني يعبث بالاتفاقيات- ان يفعل الوطني ذلك مع كل هذه القوى مجتمعة، كما أن الوطني يبدو هذه المرة بالذات لأسباب تخصه أكثر حرصاً على استقرار مستدام..
استقرار على كافة الاصعدة. استقرار يتيح تداولاً سلمياً للسلطة، اقتصاداً معافىً، وساحة سياسية حريصة وحادبة على الاستقرار لأن المهددات الخارجية والتى يتجاهلها العديد من المعارضين باتت فى الواقع أكثر خطراً من أي شيء آخر وكلنا يرى ما يجري الآن في اليمن وسوريا والعراق وفي الجارة ليبيا!
هنالك ما يشبه الفوضى الخلاقة التى تضرب بأطنابها في خاصرات الاقليم العربي والافريقي وبلدان الشرق الاوسط وهي أمور عادة ما يكون أدواتها هم المعارضون أنفسهم الذين يعتقدون خطأً أن هنالك من يقدمون لهم الدعم (لسواد عيونهم)!
إن قضية الحوار الوطني بغير أدنى شك هي قضية وطنية سودانية من الدرجة الاولى وما من قضية تعلو عليها وهي المفتاح الاسترايجي لكافة مشاكل وأزمات السودان، وإن إلتأم شمل الفرقاء السودانيين داخل الخرطوم وهم عازمين على طرح رؤاهم ومواقفهم مهما بدت غير واقعية أو بها قدر من الجنوح والمبالغة هو المخرج الأوحد لكل هذا الذي يجري، ولكن محاولة تدويل هذا الحوار وإسباغ لون خارجي عليه جراء مخاوف غير موضوعية من أن يفشل هؤلاء المعارضون فى الحصول على مطالبهم هو الذي سوف يجرّ على هذا البلد ويلات لم يعرفها في تاريخه أبداً!

الحوار الوطني وسياسة خلط الأوراق!

بصرف النظر عن مدى صحة ما قِيل مؤخراً من أنَّ القوى المعارضة المسلحة وبعض القوى المتحفظة على الحوار الوطني دفعت بشروط جديدة للمشاركة في الحوار تتراوح ما بين وجود وسطاء دوليين، وأن يُستضاف الحوار في عاصمة خارجية وبإشراف مباشر من الآلية المشتركة، فإن مجرد التفكير فى استضافة خارجية مهما كانت قريبة من الخرطوم سياسياً ووجدانياً، ووسطاء، وشراكة اقليمية ودولية على غرار ما جرى من قبل الحركة الشعبية فى نيفاشا مطلع الالفية الثالثة هو بمثابة إفراغ لإطارات الحوار الوطني من الهواء!
ولن يكون حواراً وطنياً مثمراً ذلك الذي يجري في الخارج، ومن ثم لن تكون أية آليات وطنية حينها ذات جدوى، وسنعود القهقري الى المسلسل المطول من الاتفاقات السياسية المتقاطعة بضامنين وبقرارات دولية وأخرى صادرة من مجلس السلم الافريقي! تلك دوامة تجاوزها السودان وأخذ منها عظة ودرس لا ينسى.
كما أن المطلوب حالياً ليس عقد الاتفاقات ذات الطابع الثنائي قصيرة الاجل والتى بموجبها تصبح هذه الحركات أو تلك شريكاً في الحكم والسلطة ينصبّ كل اهتمامها حول مكتسباتها ومتابعة حقوقها التى جنتها من الاتفاق الثنائي! الحوار الوطني هو عملية تأسيس؛ أو لنقل (جمعية عمومية) لحملة الاسهم الوطنية السودانية لإنشاء مؤسسة وطنية متكاملة بنظامها الاساسي ورأس مالها وكافة معينات البناء.
ولئن يقع البعض الآن في خلط سياسي فإن مردّ ذلك الى ان البعض ينطلق من فرضية خاطئة مفادها ان الحكومة السودانية أو على وجه الخصوص المؤتمر الوطني يبحث عن مخرج! صحيح هناك أزمات تمسك بخناق السودان لا ينكر ذلك إلا مكابر. وصحيح أيضاً ان هذه الازمات واحدة من أهم مسبباتها العمل المسلح الذي يستنزف موارد الدولة ويأكلها كما تأكل النار الحطب؛ ولكن بالمقابل فإن الحكومة -مع كل هذا القدر المهلك من الازمات- استطاعت ان تمسك بدفة القيادة لأكثر من ربع قرن من الزمان!
ومن الطبيعي ان تكتسب خبرات أكثر وقدرات أكثر ومن ثم لا مجال للقول إنها باتت عاجزة عن مواصلة العطاء. كما ان الحكومة -بل في الواقع أية حكومة- تنظر الى الامر من منظار الحرص على وجود أكبر قدر من الاستقرار على كافة الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية، وأن تترسخ قضية التداول السلمي للسلطة، ولهذا فإن من المستغرب ان لا تعي القوى السياسية والقوى المسلحة هذه الفرضية الواضحة كالشمس.
إننا إذا أردنا فهم مغزى الحوار الوطني فإن بالامكان ايجاز الامر كله في أن المطلوب هو التنادي لخلق ما يمكن ان نسميها (مصالحة وطنية) قائمة على أسس يضعها اعضاء مجلس الصلح أنفسهم وأن يتم وضع كل قواعد اللعبة متجاوزين كل المرارات السابقة مهما بدت بالغة القسوة والمرارة فالسياسي الحصيف هو من ينظر الى الحاضر والمستقبل بأكثر مما يطيل النظر في الماضي.
إن نجاح الفرقاء السودانيين فى عقد لقاء في الداخل حول مائدة مستديرة يديرونه بأنفسهم، يتحاورون فيه بوضوح وصراحة هو في حد ذاته نصف الطريق الى الحل النهائي. وإذا ما نجح لقاء داخلي كهذا -بضمانات خاصة لحملة السلاح- فإن من شأن ذلك تعزيز الثقة وفتح مسام التعامل السياسي وهو ما يفتح الطريق لاحقاً لتسهيل أية مفاوضات مطلوبة لمعالجة قضايا حملة السلاح والحركات المسلحة.
إن مجرد التركيز في هذه المرحلة على الاستضافة الخارجية والوسطاء يفسد تماماً الحكمة من الحوار وما يمكن أن يفضي اليه.

«حزب الترابي» ومخالفة الرأي العام

بقلم: خالد حسن كسلا
حينما طرحت الدولة مشروع الحوار الوطني ليقوم على خلاصاته ونتائجه وتوصياته منهج حكم للبلاد كارتقاء سياسي نشاهده في عمليات تداول الحكم في دول اروربا الغربية، فإن حزباً صغيراً واجهته السياسية شهرت رجلاً واحداً مارس نشاطه تحت الأضواء منذ عام 1964م حينما استمالته مؤامرة 21 اكتوبر 1964م الخبيثة، نجده يتخذ من مشروع الحوار الوطني باباً لعودة محفوظ معها «ماء الوجه». لقد عاد من هذا الحزب أو «الحُزَيْب» عشرات الاعضاء البارزين وغير البارزين وهم قيادات، بعد ان وجدوا أنفسهم داخل دائرة غضب زعيم الحزب، وأن الأمر كله لا يعدو أن يكون رد فعل من أكاديمي ولج السياسة بالشباك وليس بالباب. والدليل على ذلك إنه في عام 1964م في آخر أيام حكم «عبود» وقف خلف منصة الندوة المعروفة في ميدان جامعة الخرطوم وقال :«إن حل مشكلة الجنوب لا تحل إلا بحل المشكلة في الشمال بتغيير الحكم العسكري». انتهى. أي إنه يقصد أن يعيد «عبود» الحكم وقتها إلى قوى الأحزاب الطائفية التي كانت قد سلمته إياه حينما استدعاه رئيس الوزراء عبد الله خليل. وجاء تصريح الترابي هذا بعد ان وصل تقرير للفريق عبود من الاستخبارات في جنوب السودان يفيد بأن بعض الأجانب يقومون بحيلة التنصير والتبشير بالعمل لصالح التمرد. وبالطبع هم مأجورون. وكان قرار الرئيس الأسبق طرد المبشرين من الجنوب لإبعاد الفتنة. وهنا كان ينبغي أن يتجاوب الإسلاميون بزعامة الترابي مع القرار، فهم اسلاميون. لكنهم ركبوا أو بعضهم مع الترابي موجة تغيير النظام الذي طرد المبشرين. لقد أصبح عبود طارد المبشرين عدواً مشتركاً للترابي وعبد الخالق محجوب. فأين كان التكتيك؟ ألم يكن التحالف مع عبود هو الافضل والأنسب سياسياً للإسلاميين بزعامة الترابي؟! لكن ماذا كانت النتيجة؟! بعد ان اعاد عبود الحكم الذي سلمه اياه بعض الاحزاب عاد المبشرون بقيادة بعض الاجانب الالمان وغير الالمان، وجاءت ديمقراطية أخرى هشة اطاحها العقيد جعفر نميري واشرك معه الشيوعيين لمدة عام ونصف العام من 25 مايو 1969م إلى 16 نوفمبر 1970. وهي فترة اطول من التي تقلد فيها الشيوعيون بعض المناصب في حكومة سر الختم الانتقالية التي استلمت من عبود. وبعد ذلك لم يجد الإسلاميون استقراراً سياسياً وتنظيمياً إلا بعد  مصالحة 1977م وامتدت إلى عام 1985م.. ثمانية اعوام صالحوا فيها حكم نميري العسكري، لكنهم لم يصالحوا حكم عبود رغم انه لم يقم بانقلاب، بل سُلّم الحكم بتوجيه من رئيس الوزراء وزير الدفاع آنذاك عبد الله خليل. وأثناء حكم الإنقاذ لم يضع  الترابي نظرية سياسية ذكية للتعامل مع الحكومة، وكانت نتيجة لذلك قرارات الرابع من رمضان. وبعد القرارات لم يصبر مثلما يفعل جهابذة السياسة، بل انشق من الحزب الحاكم وكون مجموعة تفاءلت باتباعه حزباً صغيراً عاد منه الكثير مثل محمد الحسن الأمين والي شمال كردفان الأسبق، والدكتور بدر الدين طه والي ولاية الخرطوم الأسبق، والدكتور الحاج آدم يوسف نائب رئيس الجمهورية السابق. وحامد  ممتاز أمين الشباب بالمؤتمر الوطني حالياً.. وغيرهم كثر. وها هو حزب الترابي يلبي نداء الحوار الوطني، وهذا جيد جداً لكنه يأتي للحوار باتجاه معاكس للرأي العام، فكل المجتمع السوداني بكل احزابه وجماعاته بارك قرار الحكومة بإغلاق المراكز «التجنيدية» الإيرانية إلا حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي. فهو إذن لا يعبر عن الرأي العام وتطلعات المجتمع السوداني، وإذا كان يريد كسب الذين تعرضوا للتشيُّع على قلتهم، فيبقى هذا عملاً تنظيمياً رخيصاً ومكلفاً في الدنيا والآخرة.. اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.

حلايب.. وتنازع الأمهات

بقلم : اللواء ركن (م) يونس محمود محمد
ما كاد إعلان اللجنة القومية للانتخابات، ينتهي إلى الأسماع بتقسيم الدوائر الانتخابية، حتى تحولت الأنظار صوب (حلايب) الدائرة الانتخابية التي ظلت في قيد الانتخابات السودانية منذ العام 1954م وحتى يومنا هذا، ولكنها ظلت متنازعة السيادة ما بين مصر والسودان، منذ أيام الاستعمار الانجليزي وترسيم الحدود وقتها، ثم إعادة ترسيم الحدود لاحقاً، وكل ذلك مسطور في الوثائق البريطانية، وموجود في أضابير الملف السوداني المودع لدى مجلس الأمن بكامل هيئته، والذي تجدد الشكوى فيه بصورة سنوية حتى لا تسقط بالتقادم، حيث كان الرجاء أن يحتكم الطرفان لمحكمة العدل الدولية، غير أن قانونها يقضي بتقديم كلا طرفي الصراع بطلب التحاكم وليس طرفا واحداً، الأمر الذي رفضته مصر وترفضه ليس بحجة أنها في غنى عن الاحتكام ما دامت يدها على حلايب، ولكن لخشيتها من مآلات الحكم، لأنها تفتقد البينات، والشواهد، والوثائق المؤكدة لهذا الادعاء.
مصر.. استغلت مشغوليات السودان بالحروب الأهلية التي تجاوزت عمر استقلاله، واستنزفت موارده وقواه وترتيب أولوياته، أيهما أحق بالمباشرة حرب الجنوب أم جبهة حلايب؟ وما كادت حرب الجنوب تضع أوزارها حتى علا أوار حروب دارفور والحركات المسلحة، التي لا تخفي علاقاتها مع مصر منذ سنوات حكم مبارك، مما يثير التساؤلات الجريئة هل سعت مصر لإضعاف السودان من خلال تبني هذه الحركات؟ وإدامة الصراع وحالة الإرهاق المصاحبة للسودان، حتى تتاح لها الفرصة كاملة للسيطرة على حلايب، وإحداث التغيير الديمقرافي فيها، وتحويل ولاءات المواطنين من السودان الى مصر، من خلال التعليم، والخدمات والضب الإداري والإمساك بالمصالح الحيوية، من خلال قوانين التجارة، والأنشطة الاقتصادية، والوجود الشرطي، وغيره من مظاهر السيادة؟ مع العلم بأن ذلك لن يتم إلا بعد مرور سنوات طويلة حتى يؤتي أكله.
وكذلك تتخذ مصر (التقية) وتعمل كل ذلك في صمت، بعيداً عن أعين الإعلام، حتى ينضج تماماً، ويصبح أمراً واقعاً مثل ما هو اليوم، حيث أعلنت محافظة أسوان في شهر أغسطس الماضي (ضم منطقة حلايب وتوسيع حدود المحافظة)، حيث كانت حلايب حالة استثنائية بحكم وضعها المتنازع عليه.
ولكن شاهد الضم لمحافظة أسوان، يؤكد أنها (لم تكن أرضاً خالصة لمصر وإلا لكانت ضمن خريطة المحافظة منذ نشوء الدولة المصرية)، وظهرت كأنها فتح جديد، وأرض بور، تمت تسويتها وإلحاقها بالمزرعة الأم.
الإعلام المصري (كالعهد به) خص هذا الأمر (أمر إعلان حلايب دائرة انتخابية سودانية) خصه بحملة تفاوتت فيها الآراء، حيث أعتبره من سموه خبيراً استراتيجياً، اعتبره تجاوزاً من السودان، وأمراً مرفوضاً، وأن السودان يسعى (لجر شكل مصر) هكذا قال، بمعنى جرها لدولة متنازعة الحدود، أسوة بالدول التي تعاني من هذا الداء، وأن حلايب هي محض أرض مصرية.
مساعدة وزير الخارجية للشؤون الإفريقية السابقة، قالت بأن على مصر وضع يدها على حلايب، وممارسة كامل السيادة والسيطرة عليها، وأن إعلان السودان لا يتجاوز (كلام للاستهلاك الشعبي) الداخلي لمقابلة حاجات الرأي العام السوداني.
وذهبت بعض الغلاه أن السودان مدفوع من (قطر) لإثارة هذه المشكلة في هذا التوقيت، الذي تعاني فيه مصر مشكلات أمنية، وسياسية، وتمر بوقت حرج.
الخارجية المصرية (تمت المقصرة) وقالت إن إثارة هذه المشكلة سيؤثر على محادثات (سد النهضة)، وكأنها تريد القول أسكت يا سودان.. حتى لا أغضب.. فيظهر ذلك في تسوية الحقوق المائية في مفاوضات سد النهضة أو بمعنى آخر إذا أردت الماء فأنسى حلايب.
هذا المنطق، إما أن يعبر عن (غباء عجيب) لمن أصدر هذا الإعلان، أو يظن بالسودان (غباءً مماثلاً).
فما علاقة حلايب التي تجاوز عمر النزاع فيها ستين عاماً بمشكلة سد النهضة التي ظهرت في العام الماضي 2013م؟
وهل السودان أصلاً ممنون لمصر بحصته المائية، ولولاها لقتله الظمأ أم ماذا؟
وهل يمكن مقايضة حلايب باسترضاء مصر لاعتبار مصالح السودان المائية في مفاوضات السد؟ أم كل هذا مسرحية من مشاهد الكوميديا، لعادل إمام، وسعيد صالح، ويونس شلبي.
فقط الخبيرة (أماني الطويل) قالت فصلاً في الأمر بعيداً عن تغريدات أولئك أجمعين، اعترفت بأن حلايب محل نزاع في السيادة بين مصر والسودان، وأن كل دولة تدعي الحق في السيادة عليها، وأنها كانت وستظل قنبلة موقوتة تهدد العلاقات بين البلدين، ولذلك الاحوط الجلوس بنفس هادئ ومناقشة الأمر، وتسويته بطريقة نهائية، بأن تكون حلايب منطقة تكاملية بين البلدين، تدار من خلال (سلطة ثنائية) لتكون لحمة التواصل بين البلدين، وليست مشروع نزاع متجدداً، وهذا ما دعا به السودان أكثر من مرة، وعلى لسان الرئيس، ولكن مصر تنظر الى الأمر بعين (الخليط الباغي) "وإن كثيراً من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض".
المهم.. الآن حلايب دائرة انتخابية سودانية، لا تراجع عن ذلك، وعلى متنافسي تمثيل الدائرة وضع تاريخ حلايب، وأهميتها، في الاعتبار والدعوة إلى ممارسة السيادة، وعدم رفع اليد، وترك فراغات تتمدد فيها السلطات المصرية، وأن يبقى الملف الأمني حاضراً يتجدد كل عام، وألا تطغى (الفهلوة) المصرية على (الطيبة السودانية).
لتأكيد أن الأمر، (ليس مجرد كلام للاستهلاك الداخلي، كما قالت مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية).
ولكنه موقف صاحب حق، يبقى وراءه أبداً، حتى لا يضيع، مهما بذلت مصر في  حلايب من مجهودات لتبديل الحقائق، وتحويل الولاءات.

الرئيس وأمبيكي.. كلمة السر

بقلم: محمد عبد القادر
ثمة ضوء يلوح في نهاية النفق علي ما يبدو، بالأمس كان لقاء الرئيس عمر البشير بالوسيط الأفريقي ثامبو أمبيكي مثمراً لجهة إنجاح مشروع الحوار الوطني، لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع هذه النتائج المبشرة بالنظر إلي تعقيدات المشكل السوداني وسقوفات التفاوض التي تتبناها الأطراف المتباعدة.
كان الرئيس البشير إيجابياًً للغاية وهو يرحب بما تم في أديس ويعتبره إيجابياً بالنظر إلي تضمنه ما ورد في حوار الوثبة في يناير المنصرم ووثيقة الـ(7+7) المعتمدة من الأطراف الراغبة في إنجاح الحوار من قبل المعارضة والمؤتمر الوطني.
كتبت من قبل أن تعامل الحكومة  مع ما حدث في أديس أبابا هو الذي سيوجه دفة الحوار في المرحلة المقبلة، وقد كان وأضحاً من خلال الهدوء الذي اتسمت به في التعاطي مع الموقف أن التواصل مع القوي السياسية المسلحة والمدنية بات مبدأ إستراتيجياً للدولة.
فالرئيس لم يكتف بتعضيد جهود أمبيكي والترحيب بها، بل أستبق لقاء الرجل بإطلاق سراح مريم الصادق المهدي وأكرم وفادته بالإفراج عن إبراهيم الشيخ بما يوصد الباب أمام أية تكهنات بعدم رغية الرئيس أو الحكومة في دفع استحقاقات المرحلة المقبلة والانفتاح علي مطالب الوساطة علي النحو الذي ينجح الحوار الوطني.
ويبدو أن التفاعل الإيجابي للمؤتمر الوطني مع اتفاق أديس أبابا قد فتح شهية أمبيكي ليتمدد في خارطة الحوار السوداني ويعلن أنه سيحيط بها مجلس السلم الأفريقي غداً ويتوجه بها إلي مجلس الأمن ويستحث الأطراف الدولية كافة لإعلان حوافز للسودان في حال نجاح الحوار الوطني تبدأ بإعفاء الديون الخارجية وقد تمتد لرفع العقوبات ودعم أي اتفاق قادم.
النتائج التي خرج بها لقاء الرئيس بأمبيكي جاءت إيجابية للغاية وقد خرج منها السودان منتصراً لأنها لبت رغبات الأطراف كافة وأماطت الأذي عن طريق الحوار بالتشديد علي كفالة الحريات واتخاذ إجراءات عملية ملموسة لإنجاح مساعي أمبيكي تمثلت في إطلاق سراح المعتقلين.
تنتظر الساحة السياسية في المرحلة المقبلة حصاد نتائج اللقاء التاريخي الذي انتظره السودان وكله أمل في إنهاء الخصومة بين أبنائه، اللقاء مضي إلي أبعد من ذلك وهو يضع التحدي القادم علي طاولة البحث وأعني مكان انعقاد الحوار.
جولة أمبيكي القادمة ستدخل الحوار السوداني في مرحلة أكثر تحديداً تنتقل بعدها الأطراف إلي مرحلة إعلان المبادئ والضمانات وإجراءات بناء الثقة، وعلي الأطراف كافة الاستعداد لدفع استحقاقات هذه اللحظة التاريخية من الآن والابتعاد بقدر الإمكان عن المناورة والتكتيك.

الحوار الوطني وسياسة خلط الأوراق!

بصرف النظر عن مدى صحة ما قِيل مؤخراً من أنَّ القوى المعارضة المسلحة وبعض القوى المتحفظة على الحوار الوطني دفعت بشروط جديدة للمشاركة في الحوار تتراوح ما بين وجود وسطاء دوليين، وأن يُستضاف الحوار في عاصمة خارجية وبإشراف مباشر من الآلية المشتركة، فإن مجرد التفكير فى استضافة خارجية مهما كانت قريبة من الخرطوم سياسياً ووجدانياً، ووسطاء، وشراكة اقليمية ودولية على غرار ما جرى من قبل الحركة الشعبية فى نيفاشا مطلع الالفية الثالثة هو بمثابة إفراغ لإطارات الحوار الوطني من الهواء!
ولن يكون حواراً وطنياً مثمراً ذلك الذي يجري في الخارج، ومن ثم لن تكون أية آليات وطنية حينها ذات جدوى، وسنعود القهقري الى المسلسل المطول من الاتفاقات السياسية المتقاطعة بضامنين وبقرارات دولية وأخرى صادرة من مجلس السلم الافريقي! تلك دوامة تجاوزها السودان وأخذ منها عظة ودرس لا ينسى.
كما أن المطلوب حالياً ليس عقد الاتفاقات ذات الطابع الثنائي قصيرة الاجل والتى بموجبها تصبح هذه الحركات أو تلك شريكاً في الحكم والسلطة ينصبّ كل اهتمامها حول مكتسباتها ومتابعة حقوقها التى جنتها من الاتفاق الثنائي! الحوار الوطني هو عملية تأسيس؛ أو لنقل (جمعية عمومية) لحملة الاسهم الوطنية السودانية لإنشاء مؤسسة وطنية متكاملة بنظامها الاساسي ورأس مالها وكافة معينات البناء.
ولئن يقع البعض الآن في خلط سياسي فإن مردّ ذلك الى ان البعض ينطلق من فرضية خاطئة مفادها ان الحكومة السودانية أو على وجه الخصوص المؤتمر الوطني يبحث عن مخرج! صحيح هناك أزمات تمسك بخناق السودان لا ينكر ذلك إلا مكابر. وصحيح أيضاً ان هذه الازمات واحدة من أهم مسبباتها العمل المسلح الذي يستنزف موارد الدولة ويأكلها كما تأكل النار الحطب؛ ولكن بالمقابل فإن الحكومة -مع كل هذا القدر المهلك من الازمات- استطاعت ان تمسك بدفة القيادة لأكثر من ربع قرن من الزمان!
ومن الطبيعي ان تكتسب خبرات أكثر وقدرات أكثر ومن ثم لا مجال للقول إنها باتت عاجزة عن مواصلة العطاء. كما ان الحكومة -بل في الواقع أية حكومة- تنظر الى الامر من منظار الحرص على وجود أكبر قدر من الاستقرار على كافة الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية، وأن تترسخ قضية التداول السلمي للسلطة، ولهذا فإن من المستغرب ان لا تعي القوى السياسية والقوى المسلحة هذه الفرضية الواضحة كالشمس.
إننا إذا أردنا فهم مغزى الحوار الوطني فإن بالامكان ايجاز الامر كله في أن المطلوب هو التنادي لخلق ما يمكن ان نسميها (مصالحة وطنية) قائمة على أسس يضعها اعضاء مجلس الصلح أنفسهم وأن يتم وضع كل قواعد اللعبة متجاوزين كل المرارات السابقة مهما بدت بالغة القسوة والمرارة فالسياسي الحصيف هو من ينظر الى الحاضر والمستقبل بأكثر مما يطيل النظر في الماضي.
إن نجاح الفرقاء السودانيين فى عقد لقاء في الداخل حول مائدة مستديرة يديرونه بأنفسهم، يتحاورون فيه بوضوح وصراحة هو في حد ذاته نصف الطريق الى الحل النهائي. وإذا ما نجح لقاء داخلي كهذا -بضمانات خاصة لحملة السلاح- فإن من شأن ذلك تعزيز الثقة وفتح مسام التعامل السياسي وهو ما يفتح الطريق لاحقاً لتسهيل أية مفاوضات مطلوبة لمعالجة قضايا حملة السلاح والحركات المسلحة.
إن مجرد التركيز في هذه المرحلة على الاستضافة الخارجية والوسطاء يفسد تماماً الحكمة من الحوار وما يمكن أن يفضي اليه.

الخميس، 4 سبتمبر 2014

سد النهضة.. تأييد سوداني منطقي ..!!

أحتضنت الخرطوم الجولة الرابعة من المفاوضات الثلاثية بين السودان وإثيوبيا ومصر، حول إنفاذ توصيات لجنة الخبراء الدولية حول مشروع سد النهضة الإثيوبي.وبالرغم من أن إثيوبيا تواصل في بناء مشروعها، إلا أنه ما زال هناك كثير من التعنت الواضح في التمسك بموقف واحد شد السد، من قبل مصر، في وقت طالبت فيه الخرطوم دولتي مصر وإثيوبيا بإبداء حسن النوايا من أجل التوصل إلي اتفاق حول مشروع سد النهضة الأثيوبي وعدم التقيد بالأفكار التقليدية– طالما أن لكل الدول الحق في الاستفادة من مياه النيل دون الإضرار بالآخرين.و إن الوقت حان للتوصل لاتفاق حول سد النهضة الإثيوبي لتحقيق وتعزيز التعاون المشترك بدول حوض النيل، خاصة وأن هناك قضايا ملحة ستحل ضمن روح التعاون بدلاً من انعدام الثقة، وقول مراقبون أن موقف الدول الثلاث جيد سياسياً وفنياً واقتصادياً ويمكن أن يسهم في التوصل إلي اتفاق بشأن الخلافات حول السد لإرساء أسس تعاون في الإقليم.

وأتت الجولة الرابعة لمفاوضات سد النهضة بين وزراء مياه دول حوض النيل الشرقي (مصر والسودان وإثيوبيا)، نتاجاً للقرار المشترك للدول الثلاث، بشأن استئناف هذه المباحثات وتنفيذ توصيات خبراء الهيئة الدولية لسد النهضة الإثيوبي، فالدول الثلاث اتفقت علي وضع آلية لمتابعة تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدوليين، وما أسفرت عنه الاجتماعات الثلاثة السابقة.وأكد تقنو ضرورة إنشاء اللجنة الوطنية لسد النهضة والتي تضم خبراء عن الدول الثلاث.

وعقدت الجولة الرابعة في وقت يشكك فيه اعلاميون مصريون في الموقف السوداني من الأزمة بين مصر واثيوبيا حيث يشير بعضهم إلى أن الموقف السوداني قد اتجه بالفعل إلى تغليب الاعتبارات السياسية اللحظية الخاصة بتوازنات السلطة القائمة وتحدياتها الداخلية، دون النظر في التغيرات الاستراتيجية في أوضاع المياه والأمن في النيل الشرقي.

الواقع يقول أن السيد رئيس الجمهورية المشير عمر البشير عندما أعلن تأييد السودان لسدِّ النهضة في 4 ديسمبر عام 2013م، لم يأت الأمر من فراغ ، فالسيد رئيس الجمهورية يعرف أن نائبه الأول وقتها، ووزيري الموارد المائية السابقين (الدكتور سيف حمد ومن بعده الوزير أسامة عبد الله) يؤيدان السد، لكنه لم يكن قد اتخذ قراره. والسودان لا بُدَّ أنه قد قارن كوارث السد العالي عليه بفوائد سد النهضة،إنه ليس قراراً سياسياً ، إنه قرارٌ بنى على ما شاهده الرئيس بنفسه، وعلى مصالح السودان، وعلى حقائق التاريخوالشواهد تقول أن إثيوبيا قد باعت للسودان مائة ميقاواط من الكهرباء بسعر التكلفة، ووصلت تلك الكهرباء في ذلك اليوم مدن وقرى منطقة القضارف والقلابات التي شاهدت بعضها الكهرباء لأول مرة في التاريخ (رغم أن كهرباء السد العالي بدأ استخدامها عام 1970). وقتها وضحت لرئيس الجمهورية الصورة الكبرى والفوائد التي يمكن أن يجنيها السودان من سدِّ النهضة.وقتها قارن الرئيس البشير كوارث السد العالي على السودان بفوائد سد النهضة، فكان القرار بتاييد قيام سد الألفية الاثيوبي.

والواقع يقول أيضا أن الطمي الإثيوبي أنهك سدودَ السودان وقنواته، وقد فقدت خزانات سنار والروصيرص وخشم القربة أكثر من نصف طاقتها التخزينية للمياه ولتوليد الكهرباء بسبب الطمي. وانهارت بنية الري التحتية لمشروع الجزيرة تماماً بسبب الطمي أيضاً.ويصرف السودان أكثر من عشرين ملايين دولار لإزالة الأطماء كل عام بلا فائدة، بل إن السودان يبني حالياً سدّي أعالي عطبرة وسيتيت بسبب إغلاق الطمي لخزان خشم القربة. مما لا شك فيه أن سد النهضة سيقوم بحجز كميات كبيرة من هذا الطمي ويطيل عمر سدود السودان ويجعلها تعمل بكفاءة أكثر بكثير من ذي قبل.

الترتيبات الأمنية.. مدخل سلام دارفور..!!

يسلط الإعلان الذي أعلنته الرئاسة بالتزامها بإكمال بند الترتيبات الأمنية الموقع مع حركة العدل والمساواة ، الذي دخل حيز التنفيذ الفعلي، الأسبوع المنصرم ، الضوء على بند الترتيبات الامنية في دارفور كمدخل رئيسي لتحقيق السلام في دارفور ففي السياق أكد النائب الأول لرئيس الجمهورية بكري حسن صالح ، خلال لقائه رئيس السلطة الإقليمية لدارفور د.التجاني السيسي ، حرص الدولة على دعم الجهود المبذولة لإنفاذ الترتيبات الأمنية حتى تصل غاياتها لتشمل كافة الحركات المسلحة التي وقعت على اتفاقيات السلام .

وأعلن السيسي بدء الترتيبات الأمنية لحركة التحرير والعدالة والخوالف من اتفاقية أبوجا وحركة العدل والمساواة قريباً في مراكز بمدن الفاشر والجنينة ونيالا بالتنسيق مع مفوضية الترتيبات الأمنية والقوات المسلحة ، وأشار - حسب مصادر صحفية - إلى أهمية بسط هيبة الدولة ووقف إراقة الدماء بشرق دارفور، مشيراً لمساعي السلطة الاقليمية ولجنة المصالحات لوضع حد لصراع المعاليا والرزيقات.وخلال الاسبوع المنصرم اندمج أكثر من 1300 متمرد دارفوري سابق، في القوات النظامية ، كما تم منح رتبة العميد لقائد حركة العدل والمساواة التي ينتمي لها المقاتلون بخيت دبجو، تنفيذاً للترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق الدوحة. ووقعت حركة العدل والمساواة اتفاق سلام مع الحكومة السودانية في السادس من أبريل 2013 بالعاصمة القطرية الدوحة بعد انفصالها من العدل والمساواة الأم في سبتمبر 2012م.

وقال رئيس حركة العدل والمساواة العميد بخيت دبجو، إن حركتهم دخلت الترتيبات الأمنية من أجل السلام والتنمية والاستقرار، مؤكداً حرصهم على وحدة وسلامة واستقرار السودان.وأوضح أن دخول قواته الترتيبات الأمنية جاء لتحقيق الانضباط والاستعداد للانضمام للقوات المسلحة لحماية البلاد وحسم التفلتات وحراسة السلام والتنمية.

ويقول مراقبون أن ما تشهده المنطقة يتطلب الإسراع في تنفيذ الترتيبات حتى يتم حسم كافة الإشكالات الأمنية والصراعات القبلية،وأن أهمية تنفيذ بند الترتيبات الأمنية يتأتى من كونه المدخل الحقيقي لتحقيق الأمن والاستقرار بدارفور، بجانب أنها تمثل البوابة الرئيسية للعبور نحو تنفيذ بقية بنود وثيقة الدوحة للسلام في دارفور .ويتوقع مراقبون أن تشهد عملية السلام في دارفور عقب تنفيذ بند الترتيبات الأمنية دفعا متسارعا لعمليات تنفيذ اتفاق سلام الدوحة خاصة ما يتعلق بتسريع عمليات التنمية والبناء والإعمار والتوسع في مجالات العودة الطوعية وزيادة القرى النموذجية والتحول الكبير بتوفيق أوضاع قوات الحركات المسلحة لصالح الاستقرار في دارفور. ويضيف المراقبون أن تأخر تنفيذ الترتيبات الأمنية في السابق، جاء بسبب عدم تمكن لجان وقف إطلاق النار من القيام بمهامها على الوجه الأكمل، وعدم معرفة أماكن وإحصاء مقاتلي حركة التحرير والعدالة، فضلاً عن الخلاف بين البعثة المشتركة لليوناميد ممثلة في رئاسة لجنة وقف إطلاق النار، وممثلي حركة التحرير والعدالة، بجانب أسباب أمنية على الأرض.وأن هذا التأخير كان بسبب ظروف خارجة عن الإرادة، وأنه انعكس سلبياً على الواقع الأمني بدارفور، حيث انتقلت الأحداث الدامية من المناطق النائية إلى داخل المدن الرئيسة وعواصم الولايات.

وتتم الترتيبات الأمنية وفق ثلاث مراحل، الأولى تشمل قوات حركة التحرير والعدالة، فيما تشمل المرحلة الثانية قوات المجموعات المسلحة الأخرى التابعة لاتفاقية أبوجا، إضافة إلى المجموعات المسلحة التي وقعت اتفاقيات محلية من الداخل ولم تحظ بالدخول فى الترتيبات الأمنية، علاوةً على المجموعات المسلحة الأخرى التي يتوقع انضمامها من الحركات غير الموقعة، وتشمل المرحلة الثالثة المجموعات الشبه عسكرية التي تحتاج للتنسيق مع الجهات المعنية «وزارتا الداخلية والدفاع»، وذلك إما أن يتم دمجها في الوحدات عموماً فإن الأمر يتطلب تكوين لجنة عاجلة للتحاور مع أطراف اتفاق الدوحة لدفع تنفيذ بنود الترتيبات الأمنية ، وتقديم الدعم اللوجستي غير العسكري بصورة عاجلة لقوات حركة التحرير والعدالة وخوالف اتفاقية ابوجا ، بجانب ضرورة تكوين لجنة عليا لبحث عملية تنفيذ الترتيبات الأمنية مع رئيس السلطة الإقليمية ومساعديه بالإضافة إلي تسهيل إجراءات استيعاب القيادات العسكرية الأساسية في الحركات الموقعة لدمجهم في القوات النظامية وتوفيق أوضاع المسرحين منهم العسكرية أو تسريحها.

الذين لم يدركوا قيمة الحوار الوطني!

أبدى العديد من المراقبين على النطاق الدولي استغرابهم الشديد جراء ممانعة بعض القوى السودانية المعارضة عن دخول الحوار الوطني الذي طرحته الحكومة السودانية مطلع العام الحالي 2014م. وتشير متابعات (سودان سفاري) في مقر الاتحاد الاوربي بالعاصمة بروكسيل -منتصف اغسطس الحالي- الى أن ممثلي الدول الاوربية وفي اجتماع انعقد هناك، ناقشوا بصفة غير رسمية وفي اطار التشاور، قضية الحوار الوطني في السودان وكيف ان الحوار -في حد ذاته وبغض النظر عن نتائجه ومخرجاته- بمثابة فرصة ثمينة -على حد تعبيرهم؛ لكافة القوى السياسية السودانية المعارضة والموالية لكي تختبر مصداقية المؤتمر الوطني وتسبر غور نواياه!
وأبدى احد المسئولين الاوربيين في أنس جمعه بنظير له عميق استغرابه من (ألاّ تصبر) القوى السياسية المعارضة على الخطوات التى كان قد أعلن عنها الحزب الحاكم لإجراء الحوار وتساءل الرجل بمرارة مشوبة بالغضب: (ما الذي يكلفه هذا الصبر)؟
والواقع ان القوى السياسية السودانية -للأسف الشديد- أثبتت وعن جدارة عدم مسئوليتها الوطنية وعدم اكتراثها للقضايا الوطنية ذات الطابع الاستراتيجي وهذا ناجم عن أمر في غاية الغرابة والبساطة معاً، فهي غير معنية بصورتها السياسية وسمعتها الوطنية وسط جماهير الشعب السوداني، إذ من المؤسف ان الاحزاب السياسية السودانية خاصة تلك التى نشأت فى كنف طائفي عادة ما يساورها الاعتقاد أنها تمتلك (صكوك غفران سياسية) دائمة تعصمها عن غضبة أو عزوف الجماهير عنها!
عادة ما تنظر هذه الاحزاب بقصر نظر الى مستقبلها ومستقبل البلاد. تهتم فقط (بمكانتها الدينية الطائفية) وتعتقد دائماً ألا أحد يجرؤ على التخلي عنها مهما فعلت فوزنها السياسي (محفوظ) ومحاط بسياج آمن.
هناك جزء آخر من القوى السياسية ذات  التوجه اليساري والليبرالي وهي قوى (بائسة ويائسة) في آن واحد، تدرك أنها لا يمكنها ان تصبح ذات أغلبية بل إن بعضها (يخجل) غاية الخجل إذا ما طُلب منه الخوض انتخابات عامة مهما كانت نزيهة لإدراكه العميق ان الارض التى يزرع فيها غير مواتية ولهذا تكتفي إما بعرقلة أي مسيرة سياسية تجعل منها تابعاً في الذيل أو على هامش الحياة أو بالتعلق بأستار أحزاب أخرى لا سيما الاحزاب الطائفية للإستفادة من وزنها السياسي.
هذا هو الوضع الغالب للقوى السودانية، مع وجود حركات احتجاجية مسلحة انحرفت عن مسارها وتحولت الى حركات تشبه عصابات الجريمة وميئوس من تحولها الى قوى سياسية فاعلة، ولهذا فإن من الطبيعي إزاء وضع كهذا ان يصبح الحور الوطني نقمة بدلاً من أن يكون نعمة فالذهنية السياسية السائدة لا تعي مثل هذه الأطروحات؛ هي فقط تستعجل الامور وتريد ان ينشأ وضع انتقالي وتفكك الحكومة القائمة نفسها ثم تجري انتخابات عامة وتتشاكس هذه القوى فيما بينها فتتشكل حكومة ثم تحل ثم تتشكل ثم تحل في مسلسل مطول لن يحتمله بلد مثل السودان مثخن الجراح يعاني الأمرّين.
إن استغراب المراقبين إزاء تقاعس القوى السودانية المعارضة عن تلبية دعوة الحوار الوطني استغراب مشروع وحقيقي فالسودان هو البلد الوحيد الذي يعجز فيه الساسة المعارضون للحكومة عن الاطاحة بها -سلماً وحرباً- وفي ذات الوقت يعجزون عن المنازلة السياسية في الملعب السياسي، وفي الوقت نفسه يصرخ قادة هذه القوى في الداخل والخارج طالبين تدخل المجتمع الدولي لتمكينهم من الانتصار على خصومهم!

خلافات داخل (الثورية) ومطالب أمام المنصة.!

بقلم : محمد حمدان
شهدت فنادق الشيراتون وراديسون بلو اجتماعات مكثفة بين وفد الجبهة الثورية من جانب والوساطة الأفريقية من جانب آخر. وأعضاء الوساطة بقيادة أمبيكي وبحضور مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد بوث في بداية المشاورات توجه إلى رسم خارطة تقضي بالاجتماع مع كل فصيل على حدة، إلا أنهم اصطدموا بموقف قادة الجبهة الثورية وتمسكهم بالجلوس على طاولة موحدة، وبعد تحركات مكوكية التأم اجتماع بين الطرفين الوساطة من جانب والمكتب القيادي للجبهة الثورية المكون من قادة الفصائل والقوى المدنية.
ووفقاً لمصدر مطلع أبلغ (السوداني) أن الطرفين عقدا اجتماعاً استمر لأكثر من أربع ساعات ناقش قضايا الحرب والسلام الشؤون الإنسانية والنازحين وأداء بعثة اليوناميد في دارفور، وقدمت الجبهة الثورية السودانية خارطة طريقها للحل السلمي الشامل والتحول الديمقراطي الكامل، وكشف ذات المصدر عن مطالبة الجبهة بإنهاء الحرب كمدخل أساس للحوار الذي يتطلب توفير الحريات، وإطلاق سراح كافة المعتقلين والمسجونين السياسيين، وتبادل أسري الحرب، وتهيئة بيئة الحوار بصورة تضمن مشاركة الجميع من نقطة الانطلاق وتشكيل الحوار، على أن يفضي الحوار الى قيام حكومة انتقالية تتولى معالجة إفرازات الحرب، وترتب لكتابة دستور دائم للبلاد، وتسليم السلطة لحكومة منتخبة.
خلافات التسوية
ثمة خلافات كامنة تدور بين مكونات الجبهة الثورية (حركات دارفور والحركة الشعبية) وبحسب مصادر فإن تبايناً في التوجهات برز منذ زيارة المهدي الى باريس وتوقيعه ميثاق باريس، وتنامي الخلاف عقب مقترح تقدم به الأمين العام للحركة الشعبية ياسر عرمان ينص على تكوين تحالف عريض يضم الجبهة الثورية والمعارضة المدنية يتزعمه الصادق المهدي، ويهدف بشكل أساسي الى إحكام التنسيق بين المجموعات المسلحة والمدنية ويدخل ذلك التحالف في مساومة للتوصل لتسوية سياسة مع الحكومة، إلا أن ذلك الاتجاه وجد معارضة حادة من قادة حركات دارفور لا سيما حركتي العدل والمساواة والتحرير فصيل مناوي، بينما وافق عبد الواحد نور بتحفظ على المقترح، وبحسب ذات المصدر المقرب من الجبهة الثورية فإن الهدف من التحالف العريض الاتفاق مع الحكومة على فترة انتقالية لمدة سنتين ومعالجة قضية الجنائية، ولم يستبعد ذات المصدر المطلع أن تكون الحكومة على علم بالموضوع، هذا المعطي يحمل اختلافات جوهرية حادة ربما تقود الى تفكيك تحالف الثورية.
المهدي.. جولات مكوكية
ظهر الإمام الصادق المهدي مرتدياً لبسة بيجية كاملة محكومة بحزام صارم وعلى رأسه قبعة متجانسة مع لبسته تعلو وجهه ابتسامة ارتسمت وهو يقف بجانب رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد نور. ابتسامة الرجل تحمل في طياتها دلالات بالغة الأهمية في ظل معطيات المناخ الجديد الذي يسود مع حلفائه أعداء الأمس، ووفقاً لمصادر (السوداني) فإن المهدي بدأ نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً للتبشير بإعلان باريس الذي أبرمه مع الجبهة الثورية، وقد التقى بلجنة الوساطة في أديس أبابا كما التقى بممثل الامم المتحدة في السودان هايلي منكريوس وتوصل معهم لتفاهمات مهمة حول الأوضاع في السودان وفي دهاليز أديس أبابا الساحرة التقى المهدي ليلية أمس الأول في عشاء عمل جمع بينه وقادة الجبهة الثورية مساء.
وقال مصدر لـ(السوداني) إن المهدي قدم تنويراً للثورية عن نتائج مباحثاته في مصر والإمارات، وأشار المصدر الى أن المهدي من المقرر أن يغادر من أديس أبابا الى دول جنوب إفريقيا لمخاطبة جلسة لبرلمان جنوب أفريقا وسيعود منها الى القاهرة، فيما تجري مشاورات واتصالات عن تحركات للرجل لزيارة المملكة العربية السعودية والكويت.

إيران غاز..!!

بقلم: عبد العظيم صالح
يظل قرار إغلاق الثقافية الحدث الأبرز في الساحة السياسية السودانية إلي حين إشعار آخر.
في العام 1989م إن لم تخني الذاكرة وربما يصححني في هذا التاريخ الأستاذ فاروق أبو عيسي المحامي وكان وقتها الأمين العام لاتحاد المحامين العرب.. في ذلك العام استضافت الخرطوم مؤتمراً شعبياً عربياً ضم عدداً من الاتحادات والهيئات والأحزاب العربية باسم "مؤتمر الجماعات الأهلية لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية" وكانت في ذلك الوقت علي أشهدها!!
ظاهر المؤتمر البحث عن جهد عربي لإيقاف الحرب.. و"باطنه" دعم العراق واوضح ذلك من عضوية المؤتمر والتي كان أغلبها  يناصر العراق!!
جاء الصادق المهدي بصفته رئيساً للوزراء وخاطب الجلسة الافتتاحية ولكنه أغضب الوفود العربية عندما ألمح في كلمته بضرورة معاقبة المعتدي في إِشارة ضمنية للعراق.
كنت صحفياً في بداية طريقي وكان السيد فاروق أبو عيسي رئيساً لذلك المؤتمر وأجريت معه حواراً كما رصدت وراء الكواليس في القاعات الجانبية مدي غضب الوفود العربية من كلمة رئيس الوزراء والذي بدأ منحازاً بشكل لا تخطئه العين لإيران.
الآن ربما يكون مفيداً هذا الاستدعاء والذي يبدو قريباً من مواقف الإنقاذ والتي بصورة أو بأخري لم تفلح في بناء سياسة خارجية متوازنة في الإقليم.
مثل هذه "المقارنات" يجب أن يشتغل بها واضعو سياسات الدولة في المدي البعيد وأصحاب مراكز البحوث "إن وجدوا".. ومنها ينطلق السؤال المهم هلي تبني سياسة الدولة علي المصالح البعيدة أو علي الآيدلوجيات و"الشعارات" والتي أكدت الأيام عدم جداوها وهي سياسة للأسف ظلت طابع السودان خلال العقود الأخيرة وبدت آثارها المباشرة وحصادها المر فيها نشاهده ونراه الآن من حيرة وتخبط يكتنف علاقات السودان الخارجية والتي يري أغلب أفراد الشعب السوداني أنها قامت علي أحلاف "مرحلية" ربما تحقق بعض "الفوائد" ولكنها لا تجد قبولاً عند الناس ويكفي حجم التأييد والارتياح الذي يلحظه المراقب بسهولة لقرار إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية الذي وجده في الشارع السوداني.

التعقل والحكمة

بقلم: الصادق الرزيقي
تعاملت الخارجية بتعقل وحسن تصرف في موضوع إغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية، وجاء تصريحها الرسمي أمس على لسان ناطقها الرسمي السفير يوسف الكردفاني، موزوناً ومتطابقاً مع العرف الدبلوماسي واللغة الواضحة التي لا تقبل الـتأويلات والتفسيرات، ولم تحمل عباراته ومفرداته أوجهاً متعددة.. بحيث يصعب تحويره سياسياً إلى غير المقصود من الخطوة التي اتخذتها الحكومة وحيثياتها ومبرراتها.
وأسباب الإيقاف كانت مبينة من غير شطط، ودون إنزلاق في التوصيف المخل الذي ربما يدخل العلاقة السياسية بين البلدين في نفق مظلم لا يعرف حده ومداه، والمتعارف عليه في التعاملات الدبلوماسية لمثل هذه المواقف، ضبط اللغة ووزنها حتى لا يتم الخروج عن النص وتجاوز السياق الموضوعي للقرار نفسه، فالخارجية أبانت أن المركز الثقافي الإيراني تجاوز التفويض الممنوح له والاختصاصات التي تحدد عمله، ومعلوم أنه تتماهى فواصل وخطوط عديدة في عمل المراكز الثقافية، وجرت العادة أن السلطات المعنية في أية دولة تدرك الدوافع التي تجعل الدول المضيفة تتخذ هذا النوع من الإجراء، ففي الغالب تكون المراكز الثقافية إما تغطية للأعمال غير المعلنة في البلد المضيف مثل العمل الاستخباري، وبعض البلدان التي تمتلك توجهات فكرية وسياسية ومذهبية تعتمد على مراكزها الثقافية في البلدان المضيفة لنشر أفكارها وثقافتها وتوجهاتها، وليس الغرض منها إقامة الروابط الثقافية المعروفة.
ولم يجنح بيان الخارجية إلى الخوض في التفاصيل التي يمكن أن تمتد ظلالها وذيولها للعلاقات السياسية بين الخرطوم وطهران وتحميل ما حدث أكثر مما يحتمل، فالجانب الإيراني لا بد أن يكون قد تفهم الرسالة التي وصلته لأنها بليغة وواضحة وسيتعامل معها وفق المتبع في العرف الدولي بناءً على اتفاقية فينا التي تحدد كيفية التعامل مع مثل هذه الحالات بين الدول، لتبدأ مسيرة البحث عن تدفئة العلاقات بعد برودها، والتفتيش عن منصات أخرى للتعامل بعد إغلاق النافذة التي سُدت.
ومن الواضح أن رأياً شعبياً غالباً وجهات داخلية سودانية عديدة أيدت هذا القرار ورأت فيه حالة يقظة كانت غائبة عن الحكومة طيلة الفترة الماضية ونشاط المراكز يتصاعد والمد الشيعي في البلاد يتعاظم، بالرغم من أن ظاهرة التشيُّع لن يكون إغلاق المستشارية الثقافية سبباً في نهايتها أو الحد منها، فانتشار أية مذاهب أو أفكار له ألف باب، وتحصين المجتمع السوداني من ظواهر مثل التشيُّع أو غيرها يبدأ بالتوعية والتبصير والتنوير والحوارات المفتوحة.

زيارة البشير لمصر.. اختراقات متوقعة

بقلم : د. سامية علي
ظلت العلاقات السودانية المصرية تتأرجح بين التطبيع (الطبيعي) والتوتر حد الاتهامات باغتيال القيادات الرئاسية، وعلى الرغم من هذا التذبذب الذي ينعكس (للتو) في الإعلام وخاصة الإعلام المصري إلا أن العلاقات تظل (أزلية) بين البلدين إذ أن الشعبين تربطهما روابط اجتماعية يمتزج فيها دم القرابة والمصاهرة، وهم يرتوون من مياه نهر واحد نهر النيل.
الآن العلاقات بين الخرطوم والقاهرة فيما يبدو تسير باتجاه التطبيع (الإيجابي) ترجمتها الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين، فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي زار السودان فور انتخابه كرئيس لمصر وهي تعتبر الزيارة الثانية له بعد انتخابه رئيساً لمصر، وكانت الزيارة الأولى لدولة غينيا فزيارة السيسي هذه ربما جاءت لتعيد الأمور إلى نصابها لما قبل التصعيد، تصعيد ظل الإعلام المصري يرفع ثيرمومتره دون مبرر، تلك الحملة الشرسة التي انبرت لها أقلام وآراء مصري ضد السودان.
زيارة السيسي تلك ربما أسهمت في إزالة بعض الشوائب التي علقت بجدار هذه العلاقة وكادت تصيبها بالاهتراء أو الصدأ أو ربما وصلت حد خطورة الداء السرطاني الذي بدأ ينخر في (أزلية) العلاقة لتكون النتيجة الانهيار والتلاشي!! زيارة الرئيس المصري جاءت بعد أن أدركت مصر العمق الاستراتيجي الذي يمثله السودان لها وهي تتجه إلى مرحلة جديدة في الحكم.. مرحلة تحتاج فيها إلى ترميم كل علاقات الجوار بما فيها السودان والتي أفسدتها التقديرات الخاطئة لقيادة مصر السابقة، ربما ساهمت في عدم الاستقرار والاضطراب استمر وقتاً طويلاً.
وها هي القيادة الرئاسية بالسودان ربما ترد بأحسن منها، فمن المتوقع أن يزور الرئيس البشير مصر في مقبل الأيام استجابة لدعوة قدمها له الرئيس المصري، وهي قطعاً ستزيد من تعزيز العلاقة بين البلدين الشقيقين وستؤطر لمزيد من التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي، فعلى الصعيد الاقتصادي بدأت تلوح البشائر في الأفق، بعد أن تم افتتاح طريق اشكيت قسطل فعبره سيجني البلدان فوائد عظيمة، فهو بالطبع يتيح عبور البضائع والسلع وكل المنتجات إن كانت زراعية أو صناعية بجانب انتعاش التجارة بين السودان ومصر وتواصل الشعبين، فقد قدر المختصون أن حجم التبادل التجاري سيبلغ ما يوازي الـ(800) مليون دولار سنوياً بينما توقع آخرون أن يفوق التبادل التجاري أكثر من ملياري دولار..
هذا المعبر سيسهم بقدر كبير في إنعاش اقتصاد البلدين كونه يشجع التعاون المشترك في المجالات التجارية والاستثمارية ويزيد من حجم المنتجات كافة إذ ن الطلب سيرتفع بقدر زيادة حجم التبادل التجاري بين الخرطوم والقاهرة، وفي ظني أن مصر ستكون فائدتها أكبر إذ أن المعبر يمثل لها المنفذ إلى العمق الإفريقي، ومعروف أن السودان يمثل الرابط (المتين) بين عدة دول افريقية كإثيوبيا واريتريا وتشاد وجنوب السودان، ومن ثم تستطيع مصر أن تلج الأسواق الإفريقية وتعبر بمنتجاتها إلى العمق الأفريقي.
إذن فزيارة البشير لمصر سيكون أثرها السياسي ايجابياً، فمن المتوقع أن يحدث اختراق في ملف حلايب ونقله من مربع التوترات والتراشقات السالبة إلى مربع التفاهمات والحلول التي ترضي الطرفين، بجانب إزالة الكثير من الشوائب العالقة على جدار العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، وأهمها اتخاذ مواقف واضحة تجاه إيواء القاهرة للمعارضة السودانية وقادة الحركات المسلحة، وكانت السلطات المصرية قد اتخذت إجراءات ايجابية تجاه النشاطات التي تقوم بها بعض الأحزاب المعارضة ومنعت إقامة مؤتمر للجبهة الوطنية المعارضة كان تعتزم أن تقيمها بقيادة القيادي الاتحادي المعارض علي محمود حسنين مما كان له أثره البالغ على الحكومة السودانية، وعلى هذا النسق كان ينبغي أن تقوم السلطات المصرية بتحجيم حركة ونشاط الحركات المسلحة وتغلق مكاتبها هناك لإبداء حسن النية...
فمن المتوقع أن تدفع زيارة الرئيس البشير بهذا الملف إلى الأمام، كما أن مصر تحتاج للسند السوداني خاصة في ما يخص سد النهضة الذي يعتبر من أكثر المشاريع تأثيراً على مصر وظل يؤرق (مضجعها) منذ أن أعلنت عنه الدولة الأثيوبية، فهو قطعاً سيقلل من حصة مصر في مياه النيل وهي الأكثر حاجة إلى ذلك، بينما السودان لا يتأثر به كثيراً بل ربما يكون الأثر ايجابي بتقليل الإطماء التي تزيد وقت الفيضان وتؤثر على الأراضي الزراعية، ومصر تحتاج إلى عون السودان ومساندتها خاصة وان السودان له تأثير أكبر بحكم العلاقة الجيدة التي تربطه مع أثيوبيا..
إذن فزيارة البشير الى مصر سيكون لها ما بعدها ومن المنظور أن يرتفع سقف التطبيع الى آفاق أكبر، خاصة وان المحيط العربي والأفريقي يمور بكثير من الأحداث المتجددة والتحديات التي تحيط به كالسوار في المعصم، فمن المهم جداً أن توظف ما يتمخض عن الزيارات الثنائية بين البلدين لصالح الشعبين الشقيقين وان تتنزل الى ارض واقعهما عنباً وتمني...

الحوار الوطني والانتخابات

بقلم: بدر الدين حسين علي
الحوار الوطني والحوار المجتمعي والانتخابات هي سيدة المشهد السياسي السوداني الحالي فهل يمكن الي يصل الحوار الوطني الي نهايات.
ترضي القائمين علي طرح المبادرة والمشاركين في الحوار والذين تشككوا فيه وعموم الشعب السوداني؟ ثم هل يمكن وفي ظل  التفاؤل بنجاح الحوار ان تقوم انتخابات ابريل 2015 في موعدها المحدد هذا؟ وهل يتغير موقف الحركات المسلحة وترتضي العودة الي السودان والمشاركة في الحوار الوطني؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما يحدد الاجابة عنها مسيرة الحوار والانتخابات القادمة.
أن طرح مبادرة الحوار الوطني من الايجابيات التي تحسب للحكومة بعيداً عن الكيد السياسي والانتماءات الضيقة، باعتبار أن الحكومة التي يعتبرها البعض أنها جسمت علي الديمقراطية أعادت حق حل قضايا السودان عبر الحوار وهي الجهة الوحيدة التي تملك السلطة ووسائل القهر، لذا فإن اتجاهها بهذا المستوي والمنحي يجعلها نثمن  الخطوة أو (الوثبة) كما تم تسميتها.
الحكومة هنا طرحت المبادرة هي بالتالي لديها رغية متوفرة للحوار مع الآخر، وهذا الحوار من قبلها ليس حواراً تنازلياً من جهة واحدة وليس ضعفاً أنما هو رغبة أكيدة في الوصول الي صيغة التقاء وطني علي ثوابت ظلت الأحزاب والنخب السياسية منذ الاستقلال بعيدة كل البعد عن الوصول الي حالة الالتقاء علي الثوابت الوطنية ون ثم  الاختلاف علي الطرف والمناهج والمدارس التي يحقق كل حزب أو جماعة مدنية أهدافه السياسية إلي لا تتعارض مع الثوابت الوطنية، لأجل ذلك ظل السودان طيلة الحقب الماضية يعاني من مسألة عدم مقدرة  القيادات السياسية في الوصول للتفرقة بين الدولة والحكومة والنظام مما كلف السودان العديد من المواقف التي اخذت شكل الكيد الحزبي غير أنها في تأثيرها كانت.
خيانة وطنية، اذا الحوار الوطني يظل مطلب قائم للتحول من التعصب الأعمي الي حالة طرح القضايا للحوار مما يعزز فرص التداول السلمي لسللطة في البلاد وينمي قيم الديمقراطية والشوري.
ويصبح من السابق لاونه الحديث عن تأجيل الانتخابات بالرغم من الاعلان عن المفوضية وحركة 22 حزب للأعلان عن مشاركتها في الانتخابات القادمة من جملة ما يناهز الثمانيين حزباً مسجلاً، ففي تقديرها أن مسيرة الحوار الوطني اذا سارت كما ينبغي لها فحتماً سوف تفضي في المقام الأول الي تأجيل الانتخابات لاعطاء الفرصة للذين يرغبون في المشاركة من أحزاب الحوار الوطني للدخول الي حلبة التنافس في هذه الانتخابات، ولكن الي ان تفضي لجنة الحوار إلي ذلك فان مسولية الحكومة تحتم عليها السير في اجراءات التجهيز المبكر لهذه الانتخابات.
حال وصول آليه الحوار الوطني إلي ضرورة تأجيل الانتخابات فإن ذلك سيخلق وضعاً إستثنائياً جديداً، يستوجب وجود حكومة انتقالية تقود البلاد حتي موعد الانتخابات فهل يا تري يعطي البشير هذه الفرصة التاريخية لتصبح عبرة الخواتيم كما قال القيادي بالمؤتمر الشعبي علي الحاج، أم يتم البحث عن شخصية أخري للقيام بهذا الدور، نتمني أن ينجح الحوار في تهيئة الجو لقادة الحركات المسلحة في دارفور للمشاركة من داخل الخرطوم وأن يكون الحوار سبباً في وقف نزيف الدماء.
الكل يحلم ويضع كل اماله في الحوار الوطني القادم في الوصول الي الثوابت الوطنية والتنافس الشريف الذي يخدم قضايا الوطني ويحافظ علي أمنة واقتصاده ويحفظه من إندلاع النيران بين أبناءه.

د. "غازي": نسعى لإلحاق الحركات المسلحة بالحوار الوطني

الخرطوم - المجهر

قال رئيس حركة "الإصلاح الآن"د. "غازي صلاح الدين"، أن لقائه مع قيادات الجبهة الثورية والحركات الرافضة للحوار ستتم عبر الوساطة الأفريقية برئاسة "ثامبو امبيكي"، مبيناً أن لجنة الحوار ستقدم اتفاق خارطة الطريق باعتبارها تؤسس لبناء دولة تستوعب الجميع.
على ذات الصعيد ذكر بيان من حركة "الإصلاح الآن" يفيد بمغادرة غازي برفقة عضو آلية الحوار والقيادي بالإتحادي"الأصل" أحمد سعد عمر مساء (الأربعاء) لأديس، مشيراً إلى أن الحوار والتفاوض مع الحركات المسلحة والقوى السياسية الأخرى الرافضة سيتم حسب التفويض الممنوح لهم من آلية الحوار (7+7) في اجتماعها الأخير الذي تم بقاعة الصداقة بالخرطوم، مبيناً أن آلية الحوار الوطني طلبت مقابلة الحركات المتمردة عبر الوساطة الأفريقية بالعاصمة الأثيوبية "أديس أبابا".

المهدي في منفاه ما بين المراجعة والتراجع!

مضت حتى الآن حوالي ثلاثة  أسايع على الاتفاق الذي وقعه زعيم حزب الامة القومي المعارض في السودان السيد الصادق المهدي مع ما يسمى بالجبهة الثورية فيما عرف سياسياً باتفاق باريس. المدة التى انقضت منذ توقيع الاتفاق حتى هذه اللحظة يمكن اعتبارها مدة كافية للحكم على الاتفاق وحساب مترتباته وما إذا كان حاز على قيمة سياسية اضافية من عدمه. ويمكن القول ان المهدي الذي بقي خارج السودان منذ لحظة توقيعه على الاتفاق لأسباب غير معروفة؛ يشعر الآن بمترتبات خطوته الكارثية التى أودت به الى ما هو عليه الآن.
ففي النطاق المحلي الداخلي فإن أحداً لم يقف مسانداً للإتفاق، حتى أحزاب الشيوعي والبعث والشعبي التى كانت حليفة للأمة القومي فيما عرف بتحالف قوى الاجماع الوطني رفضت -صراحة أو ضمناً- مخرجات الاتفاق، بل وحتى الذين أعربوا عن تأييدهم للإتفاق بصورة أو بأخرى قالوا صراحة ان المهدي ليس طرفاً موثوقاً منه! وبعضهم أعتبر المهدي خلق مساراً جديداً ذي أبعاد خارجية لا يمكن مسايرته فيها لأنها تقضي تماماً على سودانية الحوار الوطني ومحليته. وأما في دوائر الحكومة والمؤتمر الوطني فإن أحداً لم يتطرق للإتفاق رسمياً، وهو أمر في مضمونه يعني ان الوطني يعتبر الاتفاق ليس فقط بلا قيمة، ولكنه لا يستحق حتى عناء التعليق عليه!
السيد الصادق المهدي إذن خسر كل شيء دفعة واحدة. خسر حلفائه، وخسر احترام الحكومة التي كانت تعتقد ان الرجل اكبر من ذلك بكثير! ثم خسر سمعته الدولية إذ يعتقد الكثير من المراقبين الدوليين ان الرجل غير جاد ولكنه يكايد خصومه في الحكومة. المهدي أيضاً خسر بعض أنصاره في الداخل الذين يعتقد بعضهم أنه ترك إبنته الدكتورة مريم عرضة للإعتقال والاجراءات القضائية بينما آثر هو البقاء في الخارج يسأل القوى الاقليمية والدولية دعماً لخطوته أعطوه أو منعوه!
ولعل أكثر ما بدا واضحاً الآن للسيد الصادق المهدي وهو يتحسر على ما اقترفته يداه أن الجبهة الثورية لم تكن في الواقع جادة كما تصور، فقد كانت تعبث به وليس أدل على ذلك من محاولة قادة الثورية إلتقاء السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي أملاً في استمالته الى الاتفاق وفي الوقت نفسه التلاعب بالمهدي والضغط عليه حتى لا يتراجع مستقبلاً عن الاتفاق، وذلك من واقع الغيرة السياسية التاريخية المعروفة بين حزبيّ الامة والاتحادي وهو أمر يبدو ان عرمان على وجه الخصوص يدرك مضاعفاته ومآلاته.
إجمالاً يمكن القول ان السيد الصادق المهدي أدهش الجميع بخطواته التى لم ترد عليه أي دخل سياسي بل ألحقت به خسائر سياسية كان في غنى عنها تماماً، ولكنها تصاريف السياسة وأقدار الرجل الذي ظل يلازمه سوء التقدير السياسي طوال حياته السياسية ولم يعرف عنه طوال ذلكم التاريخ أنه أنجز انجازاً بعينه سارت بسيرته صحائف التاريخ!

قمة عسكرية مخجلة !

أنباء عديدة من مصادر عديدة أشارت الاسبوع الماضي الى اللقاء المطول الي جمع بين الفريق (ملونق) رئيس هيئة اركان الجيش بدولة جنوب السودان مع نائب القائد العام لحركة العدل والمساواة التي يقودها جبريل ابراهيم، العمدة الطاهر. الانباء قالت إن اللقاء تم في مدينة (اويل) وكان الهدف الاساسي منه الوقوف على احتياجات عناصر حركة جبريل اللوجستية والعسكرية للقتال الى جانب الجيش الحكومي في مدينة بانتيو حاضرة ولاية الوحدة.
الحكومة الجنوبية من جانبها لم تنف هذا الاخبار -على خطورتها البالغة- كما لم تكترث كثير لمآلاتها وتداعياتها، وهو أمر يرجع في الغالب الى ان الجيش الشعبي الحكومي الذي يقاتل المتمردين منذ منتصف ديسمبر من العام الماضي بلغ به القلق واستبدت به المخاوف الى الحد الذي لم يعد معه يلقي بالاً لما يعمله، كما لم يعد يستشعر أدنى حرج في الاستعانة بمن يقدم له المساعدة للدرجة التى بات معها رئيس هيئة الاركان، وهو أعلى منصب عسكري في الجيش الحكومي يقطع مسافة طويلة ويتكبد مشاقاً جمة للقاء عنصر عسكري في حركة مسلحة أجنبية!
وبإمكاننا في هذا الصدد ان نستنتج عدة أمور من بين ثنايات هذه الوقائع الغريبة: أولاً، بحث قيادة الجيش الشعبي المضني عن (مقاولين أكفاء) لخوض الحرب ضد المتمردين يعني وعلى نحو مباشر أن الحكومة الجنوبية من خلال سلوك قادة الحكومة وعدم ممانعتهم -علناً- من الاستعانة بأي قوات أجنبية لصد هجمات المتمردين، ولعل وجود الجيش اليوغندي –بكامل أسلحته– في ثكنات وبأعداد معتبرة في دولة الجنوب أمر يعرفه القاصي والداني. من جانب ثاني فإن سلوك الحكومة الجنوبية يشير أيضاً الى ان جوبا غير مدركة تماماً لمترتبات هذه الخطوة الخطيرة والتي تعمل على إضعاف الجيش الشعبي تدريجياً في ظل وجود عناصر عسكرية أجنبية هي التى تتولى القتال وهو أمر سوف تظهر نتائجه المدمرة على المديين القريب والمتوسط بشكل مفزع للغاية.
من جانب ثالث فإن الدعم الذي تقدمه قيادة الجيش الحكومي لعناصر حركات دارفور المسلحة سوف يتحول في المستقبل القريب الى حبل يتدلى في عنق الحكومة الجنوبية نفسها وذلك حين تجف منابع هذا الدعم أو حين يقرر المجتمع الدولي في مرحلة من المراحل إيقاع عقوبات على طرفيّ الصراع، أو إذا رأت بعض الجهات الداعمة للصراع حالياً رفع يدها، ففي تلك اللحظة سوف يتوقف الدعم عن الحركات الدارفورية المسلحة وهذا بدوره سيدفعها الى إرتكاب أعمال نهب وسلب وربما تحولت هذه الحركات المسلحة -كأمر طبيعي ومتوقع- للقتال الى جنب الطرف الآخر!
وعلى كل فإن ثبوت دعم الجيش الجنوبي للحركات السودانية المسلحة وعلى مستوى رئاسة الاركان حتى ولو تسامحت معه الخرطوم في الوقت الراهن بالنظر الى أن الخرطوم ما تزال تتمسك بفضيلة الصبر، ربما يعطي انطباعاً خطيراً ان الجيش الشعبي الحكومي في جوبا فشل في معالجة الصراع الجنوبي الجنوبي ولن يصمد في مواجهته إلا بدعم مباشر وتدخل سافر من قبل الحركات المسلحة وهو أمر من الناحية التاريخية والامنية لدولة حديثة عهد بالحياة يعد بمثابة طعن في شرفها الوطني بصورة مباشرة وسافرة!