دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الخميس، 10 ديسمبر 2015

واشنطن تتلاعب بالعلم الإنساني في المنطقتين!


الولايات المتحدة وعبر ممارسة تعكس ليس فقط سوء النية وإنما أيضاً سوء الخلق السياسي، تعبث بالأوضاع الإنسانية في المنطقتين جنوب كردفان والنيل الأزرق! هذا العبث المؤسف تمارسه الولايات المتحدة -عن عمد وسبق إصرار- من خلال الحركة الشعبية قطاع الشمال.
وهي تلعب هذه اللعبة دون أن يطرف لها جفن، مع أنها بذات القدر ترفع صوتها عالياً في أروقة مجلس الأمن الدولي مطالبة بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في تلك المناطق! وليس سراً في هذا الصدد أن مجلس الأمن الدولي وبإيعاز صريح من الولايات المتحدة في مايو 2012 دعا الأطراف السودانية للعمل بقوة لفتح ممرات آمنة وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في مناطق النزاع (المنطقتين).
وحينها كانت واشنطن تراهن على الاتفاق الموقع بين الحكومة والحركة الشعبية في ذات العام فيما عرف وقتها بالاتفاق الثلاثي. وقد مرّت كل تلك السنوات -أكثر من 3 سنوات- دون أن تعمل الحركة من جانبها على تنفيذها هذا الاتفاق، ضاربة عرض الحائط بالاتفاق من جهة، وبقرار مجلس الأمن الدولي من جهة أخرى!
ولو ضربنا صفحاً عن كل ذلك وتغاضينا عنه فإن أحداً لا يمكنه أن يتقبل انهيار الجولة العاشرة من المفاوضات في نوفمبر 2015 والتي كانت متخصصة لوقف العدائيات والدفع بالعملية الإنسانية إذ أن هناك شواهد مادية واضحة على أن واشنطن -الحاضرة في تلك الجولة من وراء ستار- عملت على تعقيد المفاوضات مع إدراكها التام بوجود إتفاق سابق وقرار من مجلس الأمن. إذ أن المبعوث الأمريكي الخاصة (دونالد بوث) ظل حاضراً في كواليس كل الجولات والتفاوض والعشرة الماضية بما في ذلك الجولة الأخيرة، والمدهش في هذا الصدد أن الولايات المتحدة تعلم أن العملية الإنسانية ضرورية وممكنة وأن الحكومة السودانية موافقة عليها، ولكن موقف الحكومة السودانية كان أن تمر الإغاثة عن طريق السودان وليس عبر حدود السودانية الجنوبية وذلك لأمرين هامين، وفقاً لما أوضحه مساعد الرئيس السوداني، إبراهيم محمود؛ أن تكون العملية الإنسانية تحت بصرها ونظرها رغم أن الذي يتولاها فعلياً هي الأمم المتحدة وذلك تفادياً لأن يتم إدخال أسلحة وذخائر إذا ما تم هذا العمل عبر دولة جنوب السودان لأن العالم بأسره يعلم طبيعة الدعم اللوجستي الذي ما زالت حكومة الجنوب تقدمه للحركات المسلحة، وهي نقطة من الوضوح والبساطة بحيث لا تحتاج لكثير إيضاح.
الأمر الثاني -وهو الأهم- أن العملية الإنسانية الخاصة بدولة الجنوب -في الوقت الراهن- تتم رسمياً عبر السودان وتم توقيع وثائق رسمية مع الأمم المتحدة بهذا الخصوص مؤخراً بما يعني أن دولة الجنوب نفسها وحتى فيما يخص أوضاعها الإنسانية الخاصة بها بفعل النزاع الجاري فيها ليست مؤهلة لإدخال إغاثات عبرها!
هذه الحقائق واضحة في ذهن الولايات المتحدة ومع ذلك دفعت وفد قطاع الشمال لإفشال العملية التفاوضية بما يعني بالضرورة أن العملية الإنسانية التي تتذرع بها واشنطن من حين لآخر ليست سوى روقة سياسية تستخدم حسب الحاجة فقط!

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

تاني مفاوضات!!


بقلم: نجل الدين آدم
علمت أن ترتيبات تجري الآن لاستئناف مفاوضات الحكومة مع حركات دارفور ومع قطاع الشمال من جهة أخري، بشأن قضية المنقطتين تحت رعاية ذات الوسيط الأفريقي وفي المكان العاصمة الإثيوبية "أديس أبابا"  في غضون الأيام  المقبلة.
ومعلوم أن الجولة العاشرة قد فشلت قبل أيام تماماً مع الطرفين ووصلت الأطراف إلي طريق مسدود حيث لم يجدوا أية نقاط التقاء في ظل تمسك كل طرف بشوطه، كان علي رأسها الشروط التعجيزية التي وضعها قطاع الشمال بشأن ملف المنطقتين.
وقد أشرنا إليها من قبل في هذه المساحة حيث يريد "عقار" و"عرمان" وزمرتهم رفع سقوفات الطموح، كأنما يقولون ما فارقة نضغط إذا الحكومة وافقت  خير وبركة وإذا رفضت تطرشق الجولة الجاية ونجي نقعد تاني.
وبالفعل رفضت الحكومة وطرشقت الجولة وعاد القطاع مرة أخري يلملم أطرافه بدعوة من الوساطة بغية محاورة الحكومة وكذا حركات دارفور!.
أي حديث عن مفاوضات بالتأكيد هو شي إيجابي بغية أن تتوصل الأطراف إلي اتفاق مرضي لكل منهم، لكن إذا كان الحوار والتفاوض مجرد جرجرة وكسب وقت ونزهة شهرية في "أديس"، فإن الأفضل أن يبقي كل طرف في موقعه إلي أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
تطاول أمد المفاوضات والجولات التفاوضية المطرشقة يعني أن صرفاً كبيراً من خزينة الدولة يتم لقاء هذه الاجتماعات الفاشلة التي لا جدوى منها إلا التنزه في فنادق العاصمة "أديس".
الغريب في الأمر أنه ما أن تنفض الجولة إلا ويأتي الوسيط الأفريقي ويدعو ذات الأطراف التي وقفت ألف في العبور إلي نقاط تلاف، ويبلغ الطرف الحكومي ويقول ببساطة نحن جاهزون وكذا الحركات، طيب وين الجاهزية وأنتم تعلمون مسبقاً وقبل أن تجلسوا أن الجولة ستنفض إلي رجعة ثانية.
يفترض علي الوفد الحكومي في هذه المرة وقبل أن يرفعوا أرجلهم في الطيارة أن يعلموا ما الجديد الذي دعاهم من أجله الوسيط لجولة تفاوض جديدة، وهل هناك مرونة إلي الحد الذي يمهد لجولة ناجحة، وإلا فإن النتيجة الحتمية ستكون فشل الجولة الجديدة، لا تتعجلوا حتي لا تتعثروا وتدور الساقية وتبقي لسه مدورة والله المستعان.

نتائج مهمة حققها الحوار الوطني


حقق مشروع الحوار الوطني الجاري حالياً بقاعة الصداقة بالعاصمة السودانية الخرطوم والذي يدخل شهره الثالث بعد أيام قلائل، حقق حتى الآن وقبل أن تظهر نتائجه ومخرجاته النهائية عدة مكاسب إستراتيجية بالغة الأهمية بحيث يمكن القول إن هذه المكاسب وحدها وبمعزل علن النتيجة النهائية كافية لإصلاح الساحة السياسية السودانية في المستقبل القريب والبعيد على حد سواء. فما هي إذن هذه المكاسب الإستراتيجية التي حققها مشروع الحوار الوطني وهو لم لم ينقض بعد؟
أولاً، أنشأ جسراً قويا جداً لعنصر الثقة الذي ظل مفقوداً منذ سنوات بين الفرقاء السودانيين، فقد مرت الآن حوالي 8 أسابيع ونيف والمجموعات السياسية المختلفة تطرح أوراقها ومقترحاتها دون أن تنغلق فيما بينهم طاقة الاحتمال. عنصر الثقة هذا وحده، وإمكانية التحاور بين الجميع دون أية مشاكل أو عقبات وهو العنصر المفقود الذي في جانب منه قاد إلى رفع السلاح في وقت من الأوقات، وهذا يعني ابتداءاً أن المستقبل لن يشهد اندلاع أعمال عنف بين الفرقاء لأنهم أدركوا من خلال هذا الحوار أن من السهل أن يتحاوروا وأن بالإمكان تحقيق الكثير من المطالب والأهداف عبر الحوار.
ثانياً، الأفكار والأوراق التي حركت حتى الآن -علمية كانت أن غير علمية- أوضحت بجلاء أن مساحة التلاقي بين كل الفرقاء السودانيين مساحة ضيقة للغاية فالكل متفقون على وحدة السودان وعلى حق الأغلبية في طرح رؤاها مع احترام رأي الأقلية، لم يشذ في فعاليات الحوار الوطني رأي يمكن وصفه بأنه شاذ، حتى ولو بدا أن هناك رأي نشاز فإن طريقة التحاور النقاش سرعان ما تفضي إلى مناخ جيد.
ثالثاً، إن المطلوب هو أن يفهم الفرقاء -قدر الإمكان- أفكار بعضهم باحترام تام وتقدير وهذا ما حدث فعلاً ، ففي حقب سابقة كان هناك شد و جذب و عدم احترام للرأي، هذه حقيقة و كان مردها إلى أن الكل معتد برأيه وموقفه، الآن بدا واضحاً أن لدى الأطراف الحاكمة آراء  تجد قبولاً لدى الأطراف المعارضة. وأن لدى الأطراف المعارضة -بالمقابل- آراء تجد قبولاً لدى الأطراف الحاكمة.
رابعاً، اتضح  أيضاً أن الوطن -كوطن وشعب- حاق به ظلم كبير جراء حالة الشد والجذب بين المتصارعين، فقد تبين للكثيرين ممن شاركوا في الحوار وخاصة أولئك الذين كانوا في الخارج أو في ميادين القتال، أن الوطن قد تأخر كثيراً بسبب هذا التشاكس غير المبرر، وأن المواطن بدوره لحق به ظلم فادح في عيشته أو تعليمه أو صحته، لأن الصرف على الحرب وتأمين البلاد -جراء الحرب- تكون له الأولوية.
خامساً، اتضح كذلك أن إمكانية التحاور وإسماع كل طرف لوجهة نظره للآخر عملية سهلة و ممكنة لا تحتاج إلى وسطاء. لقد كانت من ابرز نتائج هذا المشروع الوطني إنتفاء الحاجة نهائياً لوسطاء وضامنين، فالتقاليد السودانية الراسخة هي وحدها القادرة على حلحلة مشاكل السودان وان السودانيين -بطبيعتهم- أهل تسوية و صلح ومعالجة للأزمات.
سادساً، إن الديمقراطية المرتجاة بالنظر إلى ظروف السودان لست بالضرورة هي الديمقراطية المستمدة من الدول الكبرى الغربية، إذ بالإمكان ابتداع أسلوب ديمقراطي لا تنقصه الحرية و يراعي بعين الاعتبار ظروف السودان وثقافة أهله وطبيعة نسيجه الاجتماعي، وتنوعه، وهي أمور من المنتظر أن تتطور في المستقبل إلى نهج ديمقراطي متفرد خاص بالسودان.
سابعاً، إن الحكم وحده والوصول إلى السلطة لا يجب أن يكون الهدف للقوى السياسية السودانية. هنالك إمكانية للقيام بأدوار وطنية مؤثرة مفيدة للبلاد دون أن يكون من هو وراءها مسئولاً في السلطة . هذه النقطة على وجه الخصوص يمكن اعتبارها مفتاح الاستقرار في البلاد، إذ أن قضية السلطة والوصول إليها ومن ثم انقسام الكل لفريقين، فريق يحكم وآخر يقاتل من أجل الحكم، لم تعد هي القضية الرئيسية، فالكل حاكم طالما انه يقدم أشياء مفيدة لبلاده.
وهكذا، فإن بالإمكان أن القول إن قضية الحوار الوطني في جوهرها، وكما كان مأمولاً منها، لامست وبعمق القضايا الأساسية لكيفية بناء الدولة السودانية وربما كانت هي المرة الأولى التي يجري فيها حوار على مستوى كافة النخب للوصول إلى كلمة سواء لصالح المصالح الوطنية العليا للسودان.

هل هؤلاء سودانيون ؟


من الخطأ أن يعتقد أمثال ياسر عرمان وعبد العزيز الحلو ومالك عقار وآخرين أن عبثهم وتلاعبهم بالمفاوضات الجارية بينهم وبين الحكومة السودانية وتعنتهم من حين لآخر هو موضع حفاوة لدى السودانيين، أو أن السودانيين أقل ذكاء من أن يدركوا خطل هذه اللعبة البائسة!
هذا العبث بالمفاوضات والتلاعب بالشأن السوداني ومصائر أناس بسطاء تعطلت حياتهم مزارعهم وفقدوا ثرواتهم الطبيعة، فقط لأن هنالك ذوي طموحات يستخدمون هذه الظروف لصالح طموحاتهم الخاصة، لن يكون ثمنه سوى فشل مريع لهؤلاء القادة وخسران مبين في خاتمة المطاف.
حتى الآن انقضت 10 جولات تفاوضية لم يتحرك فيها التفاوض قيد أنملة! إذ ما تزال القضايا محل التفاوض مجهولة دعك  من الأجندة التفاوضية وإمكانية التوافق حولها. إن مثل هذا الوضع في بلد كالسودان كره الحرب وتكاليفها الباهظة وزادت معاناة الناس جراء هذه الحرب لن يقابله السودانيين برضاء وقبول، إذ أن الأمر في خاتمة المطاف حرب على حياة مستقرة بادر بها هؤلاء الذين يرفضون الآن -وبإصرار غريب- وضع حد لها!
إن النتائج المترتبة على هذا العبث المؤسف من قبل قادة قطاع الشمال وحركات دارفور بعملية السلام والشأن السوداني في المناطق التي تشهد أعمال عنف وحروب يمكن أن نضعها في نقاط أسياسية:
أولاً، سيذكر التاريخ القريب والبعيد أن هؤلاء القادة حتى حين حملوا السلاح لم يحملوه على أساس (فكرة) أو رؤية وهو أمر يعني أنهم من الأساس ليس لديهم منطق سياسي بدليل أنهم في كل مفاوضات يدخلون إلى التفاوض بهدف إفشاله!
ثانياً، إن رفضهم للإغاثة والعمل الإنساني فيه أسطع دليل على أنهم غير مهتمين تماماً بما قد يؤول إليه حال أهلهم الذين يرزحون تحت ظروف قاسية ومؤلمة. في كل الدنيا ومهما كانت ضرورة الخصومة والعداء بين المتحاربين هناك اهتمام شديد بالجانب الإنساني فما بالك بمناطق يطلق عليها هؤلاء المناضلين (مناطق مهمشة) ومع ذلك يمنعون عنها هم -على تهميشها- أقل حد للعمل الإنساني!
ثالثاً، وجود رجل كياسر عرمان الذي لا صلة له بالمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) في هذه المفاوضات لهو أقوى دليل مادي على أن المقصود هو استخدام قضية الحرب في هاتين المنطقتين -تكتيكياً- لأغراض أخرى مغايرة تماماً!
رابعاً، وجود أشخاص يطلق عليهم (خبراء ومستشارين) ينتمون على وجه الخصوص للحزب الشيوعي السوداني في أروقة المفاوضات يوضح بجلاء أن المنطقتين -للأسف الشديد- ليست سوى قميص يجري رفعه والتلويح به لصالح آخرين.
خامساً، قادة قطاع الشمال والحركات الدارفورية المسلحة هم الآن -في كل أرجاء السودان- موضع استهجان واستنكار لعدة أسباب: السبب الأول أنهم استمرءوا الحرب رغم انتفاء الحاجة لها في ظل وجود منابر للتفاوض، ومشروع وطني عام للحوار الوطني. ما من سوداني عاقل أو غير عاقل يقف الآن مؤيداً لهؤلاء المتعنتين رافضي التفاوض في ظل وجود سوانح وفرص حقيقة للتسوية والحل النهائي!
السبب الثاني، إن هؤلاء القادة -المرتبطين بجهات مشبوهة بالخارج- أثبتوا أنهم تخلوا تماماً عن التقاليد السودانية التي تجنح للصلح والحل وداخل البيت ما قبل ركونهم لجهات خارجية وتسليم قرارهم لها.
وعلى كل فإن هذا الذي يجري الآن من قبل هؤلاء الذين يحملون السلاح وتلاحقهم الهزائم العسكرية بإستمرار ثم يرفضون التفاوض ويعرقلونه ويضعون شتى العقبات في طريق الحل والتسوية النهائية إنما هم موضع إدانة من كافة النخب والموطنين السودانيين، وهذا وحده أمر كفيل بإلحاق هزيمة نهائية مدوية بهم وتلاشي حركاتهم إلى الأبد.

المساعدات الإنسانية للمنطقتين.. عوائق ومفارقات!


بحسب مفوض العون الإنساني السوداني (أحمد محمد آدم) فإن الحركة الشعبية قطاع شمال ظلت تعرقل الاتفاق الثلاثي الموقع منذ ثلاثة سنوات لفتح المجال للإغاثة والعون الإنساني في المنطقتين (جنوب كردفان النيل الأزرق). ويضيف آدم، إن التقديرات الدقيقة لمن هم في حاجة ماسة العون الإنساني يمكن تقديرها بما لا يقل عن 180 ألف شخص في الوقت الذي يحتاج فيه 160 ألف طفل لحملات تحصين وتطعيم ضد العديد من أمراض الطفولة.
مفوض العون الإنساني وضع هذه الحقائق أمام الرأي العام الدولي عشية انعقاد المفاوضات في العاصمة الإثيوبية أديس، حيث تتجه الأنظار إلى هناك أملاً في أن يفضي التفاوض إلى اتفاق حول وقف العدائيات من جهة، وفتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات من جهة أخرى. وعلى الرغم من هذه الحقائق المفجعة والتي من المفترض أن تلفت الانتباه المجتمع الدولي والذي يفترض أنه دفع الطرفين إلى هذه المفاوضات -بقرار دولي صادر عن مجلس الأمن- لوضع حد لمعاناة مئات الآلاف جراء الحرب الدائرة في المنطقتين منذ 5 سنوات!
ولا شك أن مقتضى ما أورده مفوض العون الإنساني أنَّ الحركة الشعبية قطاع الشمال ليست غير جادة في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعيد الاستقرار إلى المنطقتين فحسب؛ ولكنها غير جادة أيضاً حتى في فتح ممرات للعون الإنساني. وبدوره يعني ذلك أن الحركة الشعبية قطاع الشمال سبب رئيسي من أسباب استمرار معاناة المتضررين من الحرب في المنطقتين، ومع كل ذلك فإن المجتمع الدولي لا يحرك ساكناً!
ولعل الأكثر الغرابة في الأمر أن لآلية الإفريقية التي أدهشت الكثير من المراقبين بطريقة إدارة التفاوض، لم تولي هذه النقطة الإنسانية البالغة الحساسية القدر الكافي من الاهتمام. وقد يقول قائل إن الحركة الشعبية قطاع الشمال قلت أنشطتها العسكرية عما كانت عليه قبل أشهر، سواء بسبب ترجيح الجيش السوداني كفة الميزان وقدرته على إلحاق الهزائم تلو الهزائم بها، أو حتى لأسباب تعاني منها الحركة جراء حركة الانسلاخات المتوالية التي شهدتها في الآونة الأخيرة، وهذا صحيح بدرجة كبيرة؛ ولكن ذات هذا الأمر يفسر تفسيراً واضحاً إصرار الحركة على ألاّ تسمح بمرور الإغاثة فهي تخشى من أن تفقد المعاقل القليلة التي تبقت لها والتي تستخدمها الآن كورقة على مائدة التفاوض!
ويُستشف من هذا الأمر -بالضرورة- أن المجتمع الدولي وبعض القوى الدولية المنحازة للحركة الشعبية يلتزمون الصمت حيال موقف الحركة الشعبية لأسباب تعود إلى حرص هؤلاء على ألاّ تلحق الهزيمة نهائياً بالحركة وتخرج من ميدان الصراع، الأمر الذي يؤكد بدوره أن القضايا الإنسانية في عرف العديد من القوى الدولية لا تعدو كونها (أوراقاً) ذات صبغة سياسية ترتبط بمصالحها، وتستخدمها استناداً إلى هذه المصالح فقط!

محجوب حسين.. رمتني بدائها وإنسلّت!


في حوار أجرته معه "الجزيرة نت" منتصف نوفمبر 2015م بالعاصمة البريطانية لندن نجح محجوب حسين الذي يحمل صفة (مستشار) لحركة العدل والمساواة المتمردة في تشريح أزمة ما كان يعرف بالجبهة الثورية على وجه الخوص.
ففيما يتعلق بحملة السلاح عموماًً لا سيما الحركات الدارفورية المسلحة أعلن حسين رفض الحركات المسلحة لما أسماه (الحل الجزئي للأزمة السودانية)! مشيراً إلى تمسكهم بمشاركة الجميع في الحل السياسي.
والمدهش في هذا القول إن الحركات المسلحة وحدها –دوناً عن بقية المكونات السياسية في السودان هي التي ترفض التفاوض والحوار الوطني! أي إن محجوب حسين عكس تماماً المنطق السياسي، فبدلاً من أن يبرر بطريقة -موضوعية- إن وجدت، أسباب تعنتهم كحركات مسلحة في قبول التفاوض والحوار، إدعى أنهم كحركات مسلحة يريدون حلاً كاملاً غير مجزأ للأزمة بمشاركة الجميع! بينما هم في الواقع الذين يرفضون الحل!
أما فيما يتعلق بالجبهة الثورية وحين سئل عن أزمتها الراهنة قال إن الثورية (تحالف سياسي/عسكري) للمقاومة والوطنية وهي جزء من مكونات الشعب السوداني الذي هو -على حد وصفه- مجتمع انقسامي! أنظر هنا كيف مهد الرجل -بإنتهازية واضحة- للتبرير لأزمة الثورية حين وصف المجتمع السوداني بأنه (مجتمع انقسامي)! كان واضحاً في هذا التوصيف الذي لم يقل به أحد من قبل إن محجوب حسين يسابق السؤال لكي يبرر للإنقسام التاريخي  الخطير الذي ضرب الثورية.
ولن تنتهي الدهشة هنا فقط فقد مضى محجوب حسين -بحذر واضح- لتوصيف الأزمة داخل الثورية حين قال (أرادت الثورية -لأول مرة- أن ترسم في تجربتها التي لا تتعدى سنوات أن تحول بموجبها مفهوم التعاطي مع الديمقراطية والتداول والتجديد من كونه خطاباً سياسياً فجاً إلى واقع حقيقي معاش، ولكن بعض الشركاء في الحركة الشعبية قطاع الشمال أردوا الاستمرار في قيادة الجبهة بوضع اليد).
يعترف محجوب حسين بأن الثورية بدأت بتجربة الديمقراطية (لأول مرة)! مع أن عمرها سنوات! وبالطبع لم يسأله الذي أجرى الحوار عن سبب (تأخر) الممارسة الديمقراطية كل هذه السنوات -ولو كانت سنتين- ولماذا لم تبدأ الثورية بالديمقراطية منذ تكوينها طالما أنها تحالف عسكري سياسي؟ كما أن محجوب حسين بهذه الإجابة المفجعة أكد أن استئثار قطاع شمال بالقيادة عن طريق وضع اليد فيه دلالة قاطعة على أن الديمقراطية عصية على التطبيق داخل الثورية.
ثم يمضي حسين ليقرّ إن الحركة الشعبية حولت الأمر إلى خسارة مذهلة لسوء في التقدير! وهنا أيضاً لم يتسن لمجري الحوار أن يسأل حسين (المذهول بموقف قطاع الشمال) عما إذا كان جبريل إبراهيم نفسه المراد تنصيبه زعيماً للثورية، قد وصل إلى رئاسة حركة العدل بطريقة ديمقراطية وبعيداً عن كونه شقيق زعيمها السابق؟
ويمضي محجوب حسين لمزيد من (الإدهاش) حين يقرر أن نظام الحكم القائم في السودان حالياً (لا يملك أي أهلية سياسية أو أخلاقية) لقيادة الدولة وحل مشاكل السودان! فلو أن هذا الزعم صحيح، هل تمتلك الثورية الأهلية السياسية -دعك من الأخلاقية- لإدارة نفسها فقط وهي الآن تعيش واقعاً بالغ السوء. إن هذا الوجه القميء لطريقة ممارسة بعض قادة القوى المعارضة واستخدامهم لمنطق متداعي وواهن سرعان ما يرتد إلى صدورهم هي دون شك بمثابة تلخيص محكم لأزمة حملة السلاح الذين يسعون إلى السلطة وهم لا يملكون قيمة التذكرة السياسية.

الأسباب المسكوت عنها في إنهيار مفاوضات أديس!


لا شك أن إنهيار المفاوضات التي جرت مؤخراً بأديس أبابا بين الحكومة السودانية قطاع الشمال من جانب، والحكومة السودانية وحركات دارفور المسلحة في جانب آخر، كان أمراً راجحاً لمن يقرأ بعناية مواقف وتكتيكات هذه القوى المسلحة ومن يقفون وراءها.
فبالنسبة لقطاع الشمال فإن مأزقه السياسي الذي صنعه بيديه وعاونته عليه الولايات المتحدة أنه حاول إقتفاء أثر الحركة الشعبية الجنوبية في تجربة نيفاشا المعروفة، بينما المعطيات والظروف باتت مختلفة تماماً. كان واضحاً أن الحركة الشعبية قطاع الشمال سعت لإجبار الحكومة السودانية للتفاوض معها -عبر قرار دولي صادر من مجلس الأمن وهو القرار 2046- من ذات منطلق محاولة إعادة استنساخ نيفاشا جديدة وجنوب جديد بذات السيناريو ولكن مع تفادي سلبيات الاتفاق السباق بالنسبة لها!
وإمعاناً منها في محاكاة الحركة الشعبية الجنوبية التي كانت في ذلكم الوقت ترتبط بما كان يعرف بالتجمع الوطني الذي يضم أحزاب سياسية عديدة معارضة، فإن الحركة الشعبية قطاع الشمال سارعت بإنشاء ما كان يعرف بالجبهة الثورية والتي حاولت من خلالها استخدام القوى السياسية والقوى الدارفورية المسلحة -بمكر واضح- لإحداث تأثير عسكري على ميزان القوى في الميدان حتى تصبح أقوى وأكثر تأثيراً!
المفارقة التي حدثت وأفسدت على الحركة الشعبية قطاع الشمال خططها واضطرتها لإلتزام تكتيك عرقلة المفاوضات وإفشالها، أن حلفاؤها في الحركات الدارفورية المسلحة فطنوا بسرعة إلى خبثها الماكر، فقد تعلموا هم -وهذه أيضاً مفارقة- من تجربة التجمع الديمقراطي السابقة، فعملوا على عرقلة أي (إنفراد) للحركة الشعبية قطاع الشمال بمفاوضات بعيداً عنهم تأخذ مكتسباتها وحدها وتدعهم على قارعة الرصيف!
وبذا أصبحت المعادلة شديدة الضيق على الحركة الشعبية فهي لا تملك القدر الكافي من مساحة التحرك للمناورة، كما لا تستطيع أن تمضي قدماً في مفاوضاتها مع الحكومة بفعل العامل الخاص بحلفائها في الثورية وإمكانية انهيار الثورية انهياراً كاملاً يكشف غطاءها.
الحركة قطاع الشمال أيضاً ولأسباب -خاصة موقفها العسكري المزري في الميدان- لا تريد الدخول في إجراءات عمل إنساني وفتح ممرات إغاثة ومن ثم تصبح مكشوفة تماماً ويتضح للجميع أنها لا تعدو كونها (خيال مآته)!
أما حركات دارفور المسلحة فإن مأزقها السياسي أكثر وضوحاً من سابقتها، فهي (محكومة تماماً) بمقررات منبر الدوحة، حيث لا تستطيع أي حركة دارفورية مهما بلغت من المكابرة أن ترفض مقررات الدوحة وقد أضاعت -بسوء تقدير- فرصة الدوحة في حينها، ولا مجال حالياً لإنشاء منبر جديد أو بدء التفاوض السياسي من الصفر.
هذا المأزق قائم ولا يوازيه سوى مأزقها المعروف في الميدان، حيث تلقت جميعها -كل على حدا- ضربات موجعة من قوات الدعم السريع، كما تورطت -كل على حدا- في نزاعات خارجية في دول الجوار أفقدتها لياقتها العسكرية!
هذه المعطيات من المؤكد أنها جعلت مواقف هذه القوى المسلحة ضعيفة ولا تسمح لها بمناورة جيدة، كما أن الضغط الذي يتسبب فيه مشروع الحوار الوطني الجاري بالداخل حالياً يضيف أعباء ثقيلة عليها، لهذا فهي جاءت إلى أديس أبابا وهي تعلم  أنها ستعود كما كانت ولن تجرؤ على القبول بما رفضته من قبل!

الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

إجماع سوداني على إلغاء العقوبات القسرية على البلاد


كشف المقرر الخاص المعني بالتدابير القسرية الانفرادية التابع لمجلس حقوق الإنسان بجنيف الإدريسي الجزائري، عن إجماع نادر لشرائح المجمتع السوداني التي التقاها خلال زيارته الأخيرة، على إلغاء العقوبات الأحادية القسرية المفروضة على البلاد.
والتقى الجزائري خلال زيارته، وزراء ورجال أعمال وهيئات ومؤسسات وأحزاباً سياسية توافقت على إلغاء العقوبات الأحادية القسرية أو إعادة النظر فيها لتتواكب مع الظروف التي تشهدها البلاد.
وقال إن السودان يعتبر من الدول القليلة التي تعاني من عقوبات شاملة، مبيناً أن مجلس الأمن أصبح يتفادى هذه العقوبات لانعكاساتها السيئة على الشعوب وليست على متخذي القرار.
وأوضح الجزائري، خلال لقائه وزير العدل بحضور وزير النقل والطرق والجسور ووزراء الدولة بالمالية والخارجية والرعاية الاجتماعية ومحافظ بنك السودان، أن ما كان معمولاً به في العام 1997 لم يعد صالحاً لهذا العام.
وأبان الجزائري، أن الوقت بات مناسباً للعمل على إحراز تقدم في سبيل إلغاء العقوبات القسرية، خاصة وأن البلاد تشهد حواراً وطنياً. وقال إنه لاحظ، خلال الزيارة، الأضرار الجسيمة التي أثرت على تمتع المواطنين البسطاء بحقوقهم الأساسية في الصحة والغذاء والتعليم والتنمية.
وأضاف أن ما اتخذه الرئيس الأميركي أوباما من إجراءات جريئة بشأن كوبا وإيران يمكن أن تشمل السودان قبل انتهاء فترته الرئاسية ليدخل التاريخ، قائلاً "لا نضمن أن تكون هذه العناصر متوافرة في المستقبل".
وطالب الجزائري بالاستفادة من المرونة المتوافرة حالياً لإيجاد صيغة للتغلب على ردة الفعل المبالغ فيها من قبل بعض المؤسسات المالية والعمل على إزالة هذه العراقيل.
وأوضح أن السودان أصبح غير مدرج مع الدول الموضوعة تحت المراقبة من قبل الفريق العامل الخاص بالتحويلات المالية والنظر في إمكانية تحرير التحويلات.
وقدم المقرر الخاص مقترحاً بأن يبادر السودان بالاتصال بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتنظيم ملتقى مع البنوك المحلية والدولية والأفريقية بمشاركة أصحاب الأفق في الولايات المتحدة على أن يعقد الاجتماع في دولة أوروبية للتغلب على المخاوف.
وأكد أن الملتقى سيساعد على إدخال المرونة والتعاون مع البنوك المتعاملة مع السودان.

مشاهد من كواليس أديس أبابا!


كان واضحاً من خلال الصورة العامة أن ما كان يسمى بالجبهة الثورية كانت تحاول الظهور بمظهر متماسك في أديس أبابا. ومع أن الخلاف كان وما يزال أعمق وأكبر من أن تتم مداراته بالنظارات الشمسية السوداء والملابس الثقيلة اللامعة! ولم يكن خافياً على أحد، إن بعض الشخصيات السياسية (من الداخل) والتي هرعت وسارعت إلى السفر إلى أديس، فعلت ذلك من وحي أملها أن تنجح في رأب الصدع -على الأقل في هذا المنعطف التاريخي الخطير- على حد قول الشيوعي المعتق الذي كانت ملامح الخوف والحزن تكسو محيّاه بحيث لم يفلح في إخفاءها.
ولكن بالمقابل فإن ما استطعنا أن نلمسه بوضوح من خلال وقائع هذه المفاوضات وغض النظر عن نجاحها أو إخفاقها عدة نقاط جديرة بالانتباه: أولاً، في حين إن مقصد التفاوض في هذه المرحلة -على المسارين- (المنطقتين ودارفور) كان قف العدائيات وفتح ممرات إنسانية؛ كان هدف ومقصد بعض الذين تسنىّ لهم الحضور كان هو محاولة إصلاح ما جرى في ما يسمى بالجبهة الثورية، ولهذا كان واضحاً أن أحاديث الكواليس وردهات الفنادق أكثر من غيرها!
ثانياً، قطاع الشمال الذي سعى حثيثاً لإرغام الحكومة السودانية على التفاوض معه إزدادت حساسيته تجاه هذه المفاوضات ولم يعد راغباً فيها لأسباب تتصل بمخاوفه من أن يفضي أي اتفاق بينه وبين الحكومة إلى مكاسب قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع، فضلاً عن خسرانه لبقية رفاقه في الحركات الدارفورية. مخاوف قطاع الشمال من المفاوضات باتت من الوضوح بحيث يمكن قراءتها في ملامح وتقاطيع وجه عرمان وحركة عينيه.
ثالثاً، الثلة السياسية من الذين نادراً ما تسمع لهم حس سياسياً هنا بالداخل، والذين وصلوا إلى أديس في ثياب وتحت صفات (خبراء) لم ينجحوا في مداراة صفاتهم الحقيقية، ومع أن هذا في حد ذاته يكمن احتسابه مكسباً سياسياً عاماً لصالح الحوار الوطني إجمالاً، إلا أن التساؤل يظل قائماً حول طبيعة الضرورات التي تجعل أمثال هؤلاء (مجرد خبراء) بينما هم في الواقع يمثلون أحزاباً سياسية معروفة! فإذا كان (التخفي) في شأن من الشئون تفرضه ضرورات معينة، فإن الشأن السياسي عادة ما من ضرورات تفرضه!
رابعاً، وصول بعض الساسة وهم لا يحملون أي صفة، لأي طرف من الأطراف ولا يمثلون طرفاً من أطراف العملية التفاوضية يثير هو الآخر التساؤل حول (المانع الموضوعي) الذي منع هؤلاء من الانخراط في الحوار الوطني طالما أنهم تواقون إلى حل سياسي سلمي! هل يا ترى دوافع هؤلاء الاحتماء بحملة السلاح؟ هل كان ولا يزال هدفهم الاستقواء بالحركات المسلحة؟
إجمالاً يمكن القول إن الصورة في أديس تثير الاستغراب، ساسة وخبراء يمثلون قوى سياسية معروفة لم ترق لهم المفاوضات والحوار إلا في الخارج وعلى موائد أجنبية! وتلك بحد ذاتها أزمة!

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

نجاحات مضطردة لمشروع الحوار الوطني!


من المتوقع أن تكون الناشطة السياسية المعروفة (تراجي مصطفي) قد انضمت إلى الحوار الوطني وبمعيتها (6) من الناشطين قادمين من كندا وأستراليا وبريطانيا. تراجي كانت قد أعلنت قبل أيام عن تلقيها دعوة رسمية من الرئيس السوداني للمشاركة في الحوار وأنها قبلت الدعوة وشرعت في ترتيبات مشاركتها فعلياً.
وبالنظر إلى أن تراجي ورفاقها المنضمين حديثاً إلى الحوار ظلوا طوال سنوات يعملون خارج السودان عملاً سياسياً معارضاً للحكومة  السودانية ومسانداً للحركات المسلحة فإن من المؤكد أن قبولهم الدعوة للمشاركة ومشاركتهم فعلياً في عملية الحوار يمكن اعتباره إضافة جدية لمشروع الحوار الوطني، إذ أن التعويل هنا ليس على الأشخاص والصفات -مهما كانت- ولكن التعويل بطبيعة الحال على نجاح مشروع الحوار الوطني في إجتذاب الناشطين وحضورهم إلى السودان للتفاكر والنقاش وإيصال الرأي بموضوعية وهدوء.
ولذلك يمكن القول إن مشروع الحوار الوطني حتى الآن استطاع أن يحقق انجازات تاريخية عديدة على أصعدة مختلفة: أولاً، إعادة ترسيخ عملية الثقة، إحدى أهم عناصر التواصل وتبادل الرأي بين كل الفرقاء السودانيين، فالذين حضروا حتى الآن وشاركوا في الحوار تعززت ثقتهم بدرجة كبيرة وممتازة بمخالفهم في الرأي وهذا في حد ذاته انجاز لا يدانيه انجاز.
ثانياً، ثبت بما لا يدع مجالاً لشك أن الأزمة الحقيقية بين الفرقاء السودانيين سواء في السابق أو الراهن الماثل لا تتجاوز إنعدام اللغة السياسية والتواصل فيما بينهم، بعيداً عن الوسطاء والأطراف الخارجية. بل لا نغالي إن قلنا إن الكثيرين ممن ينشطون سياسياً في الخارج هم أسرى لمفاهيم وتصورات ملتبسة وخاطئة بشأن طبيعة الأوضاع في بلادهم، لأن الصورة في الخارج عادة ما تصل إليهم وهي ليست واضحة!
إن الحكومة السودانية -ومهما قيل عنها من قبل المعارضين وبعض القوى الدولية المعادية لها- تتيح هامشاً مقبولاً من الحريات والممارسة الديمقراطية لا ينكره إلا مكابر، على الرغم من أنها تواجه حرباً وعملاً مسلحاً منذ سنوات، إذ من النادر أن تنجح حكومة ما، في مثل ظروف السودان الحالية في حمل السلاح للدفاع عن البلاد، وفى الوقت نفسه إتاحة أقصى قدر ممكن من الممارسة الديمقراطية!
هذه النقطة تحديداً أسرّ لنا بها أحد غلاة الناشطين ضد الحكومة ممن التحق حديثاً بمشروع الحوار الوطني مبدياً دهشته الشديدة من قيام الحكومة بهذا الدور الذي وصفه بأنه صعب. وعلى كل فإن مؤشرات نجاح عملية الحوار الوطني تبدو واضحة في الأفق لكل صاحب عينين ونظر، فالقضايا الآن تطرح وتناقش عبر لجان الحوار بصفة راتبة، والمشروع حالياً في شهره الثاني، ومن الممكن -بحسب أمين أمانة الحوار- أن يمتد لثلاثة أشهر أخرى إذا ما دعت الحاجة لذلك.

معوقات التفاوض في أديس أبابا!


العلة الأساسية التي عادة ما تصيب المفاوضات التي تجري في أديس أبابا أن الوساطة المتمثلة في الآلية الإفريقية رفيعة المستوى تخلط الأوراق! ومع عملية خلط الأوراق تدهشك الآلية دهشة بالغة حين تطلق ورقة من عندها، ثم تسعى لاجتذاب الأطراف نحوها، وتظل الأمور تراوح مكانها حتى تتباعد المواقف بين الأطراف، ثم ينفضّ السامر.
إن أسلوب طرح الأوراق التوفيقية والسعي لجلب رضاء الأطراف، أسلوب متكرر واثبت عدم جدواه. المفاوضات الحالية هي أصلاً مفاوضات ذات مسارين؛ مسار خاص بالمنطقين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، ومسار خاص بإقليم دارفور. المسار الخاص بالمنطقتين وكما هو معروف مسنود بقرار صادر من مجلس الأمن، العام الماضي.
وأما مسار دارفور فهو في إطار وقف العدائيات فتح الطريق نحو مفاوضات من المفروغ منه أن منبرها بالعاصمة القطرية الدوحة. ومن المؤكد أن  حسن إنجاح المفاوضات يقتضي احترام مقتضيات كل طل طرف والتركيز بصفة أساسية وصارمة -في هذه المرحلة-  على وقف الحرب وفتح مسارات للعمل الإنساني.
الآلية الإفريقية يبدو تصورها للأمر مختلفاً، فبنظرة واحدة عابرة للمشهد في أديس أبابا كان بوسع أي مراقب أن يرى أرتالاً من القادة السياسيين خارج سياق أطراف التفاوض. بعض القادمين إلى أديس أبابا جاءوا في سياق محاولة الإيحاء بوجود سياسي لما يسمى بالجهة الثورية أو ما بات يعرف بقوة نداء السودان!
الآلية الإفريقية كثيراً ما تمنح الموقف خلطاً وتداخلاً في المسميات والرؤى والمواقف ويخيل للآلية أن الفرقاء السودانيين المتواجدون هم وحدهم المعنيين بالأزمة ومن ثم يبدو لكل المراقبين وكأن الآلية تبدأ -للمرة المائة- من الصفر!
العلة الأخرى التي يمكن ملاحظتها هي الأخرى بسهولة أن قطاع الشمال يدخل قاعة التفاوض، بنية مسبقة ومبيتة على ألاّ يتوصل إلى حل! فالتكتيك الذي بات محفوظاً عن ظهر قلب بالنسبة لعرمان ورفاقه هو أن يجعلوا (الأمر صعباً) وأن يتحول الأمر إلى قرارات افريقية تليها قرارات دولية، والسبب في ذلك أن قطاع الشمال مضافاً إليه حركات دارفور –من حيث الوزن السياسي العام– اقل بكثير من أن يحصلوا على أية مكاسب، كما كان الحال في نيفاشا، بالنسبة للحركة الشعبية الجنوبية.
قطاع الشمال أيضاً يخشى كل الخشية أن ينفرد بحلول تخصه بمعزل عن حركات دارفور فيزداد الأمر سوءاً في علاقتهما المتأرجحة أصلاً!
إجمالاً يمكن القول إن الأطراف المعينة بالتفاوض في أديس تحتاج لاختراق حقيقي على صعيد مفاهيم وأسلوب الآلية الإفريقية من جهة؛ وعلى صعيد الحركات المسلحة من جهة أخرى. وما لم يتم هذا الاختراق، فإن أحداً ليس بوسعه توقع نجاح العملية.