دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

من إيجابيات قرار رفع الدعم!

رغم تباين الآراء والمواقف سواء داخل الوطني أو على مستوى قوى المعرضة أو على مستوى الشارع السياسي العام حيال قرار رفع الدعم عن المحروقات؛ فإن المهم في الأمر برمته -رغم تحديات القرار وإفرازاته- أن الحكومة السودانية بدت قوية وهي تتخذ القرار وبدت أكثر شفافية وهي تدير حواراً حوله ويمكننا أن نعدد هنا جملة من الايجابيات التى يمكن أن تستفاد من الحدث بكامله.
أولاً، أظهرت الحكومة أنها ليس لديها ما تخفيه عن الكافة -معارضين ومواطنين- فالاقتصاد لغة أرقام وحقائق لا مجال لإخفاء رقم أو حقيقة مهما بدت مريرة وثقيلة الوطأة، وهذه إحدى أهم عناصر الممارسة الديمقراطية مهما إرتأى البعض أنها كارثية، ففي النهاية فإن العبرة بالشفافية وبإرادة الحكومة السياسية الواضحة فى إشراك الجميع في القضية.
الأمر الثاني، لم تجد الحكومة حرجاً فى مشورة القوى السياسية الموالية والمعارضة معاً وهذه تمثل إرساءً لقاعدة مطلوبة، فقد كان بوسع الحكومة أن تقرر الأمر اعتماداً على قوتها الذاتية وقبضتها الأمنية وكان بإمكانها أن تقرر ثم تنفذ وهي واثقة من أن المواطن السوداني -رغم كل معاناته- يعلم أن هذه هي الحقيقة ولا مجال لدس الرقاب في الرمال.
ثقة الحكومة فى المواطنين لم تكن ولن تكون ثقة قائمة على فرضيات بقدر ما هي ثقة جاءت نتاجاً لتجربة طويل امتدت لما يقارب الربع قرن، ولربما كان المواطن السوداني -رغم شدة القرار- يجد لها العذر كونها حاربت ولا تزال تحارب فى جبهات عديدة لم يكلف حملة السلاح أنفسهم للتمعن فى نتائج هذه الحروب وما قد تجلبه على مواطنيهم من تبعات اقتصادية واجتماعية.
الأمر الثالث أن المواطنين السودانيين على ثقة ويقين إن مجرد الاحتجاج أو التظاهر لا يحل المشكلة، فالمشكلة مركبة ولا يحلها تغيير الحكومة أو إبدالها بأخرى فالفوضى الضاربة بأطنابها التى خبرها السودانيون فى العهود الحزبية لا سيما آخر عهد حزبي (1986 – 1989م) كفيلة بجعل المواطنين يتحلون بالصبر أملاً فى غد أفضل، إذ على الأقل إن ما جرى إنما جرى بفعل وقائع ثابتة، حروب ظلت تنهك الميزانية العامة للدولة منذ العام 1989 وحتى الآن وعمليات تنمية فى مناطق أقل نمواً تكلف الكثير وفى ذات الوقت ترتيبات أمنية لمن ألقوا السلاح وهي الأخرى تكلف كثيراً.
وهكذا، فإن كان للقرارات من محمدة فهو أنه وحدت الشعور الوطني حيال الأزمة ولم تكن الأزمة أزمة خاصة بالحكومة وحدها، هي أزمة خاصة بمجمل الأداء الكلي للاقتصاد الخاص بالدولة، وإذا شئنا الدقة أكثر فإن توضيح الحكومة للحقائق المجردة وإيمانها بأنها تفعل الصواب كخيار من بين عدة خيارات أعطاها القدرة على مواجهة التحدي حتى ولو بخسائر ولكنها خسائر طفيفة ومحسوبة!

لماذا هذا الخيار دون غيره؟

ما لم يفهمه أو يتفهمه البعض بشأن قرار الحكومة السودانية رفع الدعم عن المحروقات (الوقود) سعياً لتحسين الاقتصاد السوداني وما يعانيه من اعتلال فى الموازنة العامة أن هناك معادلة سياسية اقتصادية أعدتها الحكومة إعداداً جيداً.
معادلة الحكومة تقوم على أمرين: الأول سد العجز فى الموازنة باعتبار أن ترك الموازنة بعجزها الحالي معناها توالي سقوطها الى ما لا نهاية والأمر الثاني، المواءمة بين محافظتها على الاستقرار السياسي والاقتصادي بحيث لا يضغط أحد على الآخر.
بالنسبة للأمر الأول فإن سد العجز في الموازنة أمر ضروري مهما كابر البعض من وجود بدائل أخرى، فحتى فى البدائل هناك بدائل أفضل من أخرى ولم نجد رأياً لإقتصادياً خبيراً وموضوعياً يضع بدائل أخرى أفضل، كما لا توجد عوامل أو أسباب موضوعية جديرة بالاحترام تفسر اختيار الحكومة السودانية لهذا الخيار وحده دون غيره إذا كانت هنالك خيارات أخرى مريحة.
وتقول الحكومة السودانية إنها برفعها للدعم سوف توفر ما يجاوز الـمليون جنيه سوداني وهو -بحسب قراءتها- يسد العجز بالموازنة. ربما تلام الحكومة السودانية فى شأن الأولويات أو الإنفاق العام، ولكن ليس هناك أدنى شك أن البدائل الاقتصادية محدودة للغاية.
وربما اعتقد البعض أن الحكومة قد اختارت الخيار السهل للغاية. وهذا ليس صحيحاً فهو الخيار الأكثر صعوبة ليس ففقط لكونه يزيد من الأعباء على  كاهل المواطنين ولكنه الخيار الذى ربما تفقد معه الحكومة مظلة التحصيل الضريبي المهمة لدفع إيرادات الموازنة فإرتفاع الأسعار ربما يقلل الضرائب وهي العمود الفقري للموازنة العامة.
كذلك ربما اعتقد البعض أن سد العجز فى الموازنة العامة للدولة بهذا الإجراء معناه لجوء الحكومة الى تحميل المواطنين عبء أخطائها هي ولكن هذا أيضاً ليس صحيحاً على ارض الواقع باعتبار أن الحكومة السودانية كانت تدفع أموالاً للمواطنين عامة (فقراء وأغنياء) لدعم السلع الأساسية وأن هذا بدأ يؤثر فى موازنتها العامة.
بمعنى أدق فإن الحكومة التى انتهجت منذ أكثر من عشرين عاماً سياسة تحرير الأقتصاد لم تنتهج فى ذات الوقت سياسة تحرير الأسعار للسلع الاستهلاكية وظلت تدفع (فرق السعر) من موازنتها العامة للحفاظ على سعر ثابت ومناسب للوقود. وهي الآن حين تقرر رفع هذا الدعم إنما ترد هذه السلع الى أصلها لتكون على حقيقتها.
أما من جانب المواءمة بين السياسة والاقتصاد فإن الحكومة السودانية بإختيارها هذا الخيار لا شك أنها تعلم أنه يكلف كلفة سياسية كبيرة، ولعل هذا أكبر دليل على أنها لا تملك خياراً آخر، فهي الأكثر حساسية حيال إثارة الشارع السياسي أو تهييجه أو إغضاب موطنيها طالما أنها وجدت أن هذا الشارع هو السبيل الأوحد -رغم وعورته- فهذا يعني أنها ضربت أخماس فى أسداس وتمعنت فى كل شيء ولم تجد بُداً من أن تقرر هذا القرار رغم كلفته السياسية الباهظة!

سيدي الرئيس لا تسافر..!

بقلم/ مكي المغربي
لا أعتقد أنني سأكتب ما أريد كتابته من قراءة وتحليل للمؤتمر الصحفي للسيد رئيس الجمهورية أول أمس وذلك لأنني انشغلت بشواغل وأفكار وأرق... وأريد تأجيل الكتابة حتى يصفو بالي قليلاً....
كما أنني قبل الكتابة أريد أن أناشد السيد رئيس الجمهورية بعدم السفر إلى نيويورك ليس بسبب أن الأمريكان أو غيرهم ربما يخططون للتواطؤ ضد السودان ممثلاً في رمزه وسيادته ولكن لسبب موضوعي وجوهري وهو أن هذا التردد والتماطل في منح التأشيرة فيه مقدار من الإهانة للسودان وللرئاسة السودانية.
أولاً: ليس من حق أي متحدث باسم واشنطون أن يدعو رئيس أي دولة للتنازل من حقه وواجبه الدستوري في تمثيل المتبعة للسفر.
ثانياً: هذا التأخير والتردد ضار بجدول أعمال الرئاسة والدولة السودانية .. من حق الرئيس أن يعرف موعد سفره ويتيقن منه لأنه بذلك يلغي ارتباطات داخل السودان وربما خارجه .. من حقه أن تتم إجراءاته قبل وقت مريح ليسافر ويأخذ مقداراً من الراحة واللقاءات الجانبية قبل أن يخاطب الجمعية العامة يوم الخميس.
على سبيل المثال لو كانت أمريكا قد قررت عدم منح التأشيرة فإن هنالك واجبات أخرى تنتظر الرئيس ومنها رحلة إلى دارفور أو زيارة تفقدية لسير العمل في مشاريع التنمية .. ستيت وأعالي عطبرة أو التعدين في بربر أو...
كيف يمكن أن يعرف الآن؟ أليس هذا إضاعة لحقي كمواطن في دولة ورئيس يقوم بأعبائه كاملة؟.
هل يمكن أن يسافر الرئيس مثلاً يوم الثلاثاء داخل السودان ثم يسافر الأربعاء ليدرك نيويورك الخميس صباحاً وهو مرهق فيلقي خطابه وعله أثر السفر؟.
دعكم من الرئيس أو بقية المسئولين، أنا سخصياً تأخرت لي تأشيرة من قبل مما أدي إلى تعديل تذكرة السفر ودخلت في المؤتمر من المطار مباشرة ولم يكن هنالك فاصل سوى وضع الحقائب في الغرفة والاستحمام وشرب كوب نسكافيه بالحليب.
وفوراً دونت احتجاجي وسلمته لإدارة المؤتمر وطلبت تأجيل مداخلتي من ورقة إلى أخرى لأنني لا يمكن أن أعمل في يوم السفر وبعد نقاش تم لي ما أريد وأعتقد أن الشكوى أحيلت للإعلام الخارجي ثم للخارجية لأنني التقيت سفير الدولة المعنية في الخرطوم فسلم علي باسمي ثلاثياً .. وأنا متأكد أن السفراء أو المسؤلين الذين يعرفونني عبر الإعلام يعرفون الأم الأول واسم العائلة فقط الاسم الكامل أوحي لي بأن الرجل تم تنبيهه للخطأ لأنه قرر بالإنابة عن شخصي أنني لا أحتاج ليوم قبل المؤتمر وقرر أنني أستحق دخول بلاده وكأنني ماكينة أو طرد نم ضمن مرفقات المؤتمر.
كأنني مجرد قنينة مياه توضع على الطاولة جوار رئيس الجلية، يمكن شرؤاها صباح المؤتمر.
هذه ((الجهجهة)) وحدها إهانة كافية تستحق إلغاء الرحلة واستدعاء القائم بالإعمال والاحتجاج له وتقديم شكوى للأمم المتحدة وتحميل أمريكا مسئولية غياب الرئيس من القمة.
ويمكن أن تتبني هذه الشكوى الكتلة الأفريقية بالأمم المتحدة.
كما يمكن ضم هذه الشكوى إلى عشرات الشكاوي والمطالبة بنقل مقر الأمم المتحدة من نيويورك إلى أي مكان في العالم أو انعقاد الجمعية العامة المقبلة في أفريقيا لتثبيت الحق والاحتجاج.
مجرد وجود مقترحات من هذا القبيل سيؤدي إلى جدل حقيقي بغرض إلجام هذه الغطرسة والبلطجة الأمريكية ... مجرد وجود هذه الأفكار في الصحف والمقالات له أثر كبير.
لا يوجد رئيس في الدنيا نسمع بأخبار طلبه للفيزا من سفيرة في الأمم المتحدة تدين طلبه للفيزا. هذه إهانة غير مقبولة.

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

مؤتمر الرئيس الصحفى . ربما ولكن !

قدم السيد رئيس الجمهوريَّة خلال مؤتمره الصحفي أمس بقاعة الصداقة، مرافعة كاملة عن خطَّة الحكومة لما تسميه الإصلاح الاقتصادي الذي يحتوي على حزمة من الإجراءات الاقتصاديَّة في مقدِّمتها رفع الدعم عن السلع وخاصَّة المحروقات، ولا جدال أنَّ الرئيس البشير بحنكته وخبرته السياسيَّة وميزاته وقدراته الذاتيَّة استطاع شرح ما تنتوي الحكومة فعلَه دون أن يخوض في مصطلحات الاقتصاد الجامدة ومتاهة الألفاظ المعلَّبة التي كانت تُقال خلال الأيَّام الفائتة، بالرغم من أنَّ خوفَنا وفزعَنا وجزعَنا من آثار هذه الإجراءات لم يتزحزح..

وكان المؤتمر الصحفي جيداً في تنظيمه إلا أنَّ وزير الإعلام الدكتور أحمد بلال، لم يكن موفَّقاً على الإطلاق في إعطاء الفرص وتوزيعها بشكل عادل ومُنصف بين الصحافيين وخاصة رؤساء التحرير، فلا يمكن أن نتصوَّر أن رئيس الجمهوريَّة لم يستمع لأسئلة وتعليقات كل الصحف الرئيسية في البلاد عدا «السوداني» و«آخر لحظة»، وأُعطيت فرصتان لصحيفة واحدة، وكانت هناك فرص مُنحت لبعض الزملاء لم تكن مصوَّبة للقضايا الرئيسة والبعض استعرض نفسه فقط وبعضهم مجرد ساي يحمل كاميرا في إحدى المحليَّات، وكانت الفائدة ستكون عميمة لو تحدَّث في هذا المؤتمر قادة الأجهزة الإعلامية والصحف مثل النجيب قمر الدين وحسين خوجلي وعادل الباز ومزمل أبو القاسم وصلاح حبيب وعوض جادين ومحمد حاتم سليمان وتيتاوي وعبد الماجد عبد الحميد وغيرهم ولم تكن هناك حاجة لطريقة الاستمزاج الشخصي حتى ساد اعتقاد بأنَّ المسألة مرتَّبة!!
المهم أنَّ رئيس الجمهوريَّة تصدَّى لكل ما يدور في أذهان الناس وما يجول في أوساط الرأي العام، وقدَّم معلومات مهمَّة وضروريَّة، تمهِّد الطريق للفريق الاقتصادي في الحكومة لتقديم حزمة الإجراءات الاقتصاديَّة التي يختلف حولها الناس ويخشَون من وطأتها الشديدة عليهم..
لكن ما لم يُقل في المؤتمر الصحفي من أسئلة بسبب إدارة الدكتور أحمد بلال للمؤتمر الصحفي وعدم عدالته في توزيع الفرص، كان كفيلاً بجعل المؤتمر الصحفي أكثر وأعمّ فائدة وأكثر سخونة.. وفوَّت وزير الإعلام على الناس الفرص في طرح أسئلة حقيقيَّة على الرئيس، حول حقيقة الإصلاح الاقتصادي والرؤية المتكاملة له وكيفيَّة ولاية وزارة الماليَّة على المال العام ومحاربة ووقف التجنيب وأين ستُصرف الأموال من عائدات رفع الدعم وكيف؟ وما هي معايير وإحصاءات الأسر الفقيرة التي سيخصَّص لها الدعم المقدر بـ «150» جنيهًا في الشهر وهل ذلك سيكفي؟ وهل تخلَّت الدولة عن وظيفتها الاجتماعيَّة لتترك المواطن يواجه غلاء الأسعار ومواجهة جشع السوق وارتفاع نسبة التضخُّم.. والآثار المترتبة من هذه الإجراءات؟ وهل هذه الإجراءات لدواعيها الاقتصاديَّة ونابعة من مطلوب ضروري وملحّ أم أنَّها تأتي مثلها مثل كل سياسات التقشُّف ورفع الدعم التي يقدِّمها صندوق النقد والبنك الدوليان لدول العالم الثالث في سبيل معالجة اختلال اقتصاديَّتها؟
وتظلُّ هناك مسافة فاصلة ما بين الافتراضات النظريَّة للاقتصاديين في الحكومة والواقع اليومي، فالحكومة تبحث عن فرص لزيادة النمو الاقتصادي وتتوقَّع عائدات ووفورات ماليَّة كبيرة تُعينها على تلبية كل الاحتياجات التنمويَّة ومداواة علل الاقتصاد، بينما كثيرٌ من الناس يفزعون إلى الرأي الذي يقول إنَّ أيَّ إيرادات تصبُّ في جيب الحكومة من عائدات الإجراءات الاقتصاديَّة الحاليَّة ستذهب مصروفات ولسد النقص في الفصل الاول واحتياجات الجهاز التنفيذي، ولن يستفيد منها المواطن كثيراً، صحيح ستكون إنقاذاً للحكومة وتحسيناً لظروفها الماليَّة وتضخيماً لإيراداتها، لكن إن لم تُرشَّد عمليَّة صرفها واستخدامها فلن تُثمر الثمرة المطلوبة..
لكن ثمَّة سؤال آخر صغير: هل البرنامج الثلاثي الاقتصادي، الذي نُفِّذ منذ يناير «2012م» وتبقَّت له أقل من سنة ونصف تقريباً، كان ناجحاً؟ وهل حقَّق مراداته؟ وبماذا نصف الحالة الراهنة التي اقتضت هذه الجراحة القاسية؟ وقبل اجتماع مجلس الوزراء زادت أسعار البنزين والجازولين والغاز ولم تكن الطلمبات ومحلات الغاز في حاجة حتى لقرار وزاري!!

الصادق الرزيقى

حينما تصبح المعارضة عبئاً على نفسها!

يختلف المأزق الحالي الماثل أمام قوى المعارضة السودانية (تحالف الإجماع) عن مآزقها السابقة؛ ففي السابق كانت قوى المعارضة تجد هنا أو هناك ما تراهن عليه, أزمة هناك، خلل أمنى هناك، مشاكل اقتصادية هنا، خلافات فى الأطراف.
الآن لا يوجد شيء من هذا على الساحة، والأدهى وأمرّ أن تحالف الإجماع قد تفتت عملياً منذ أن بدأ التقارب –وهو جاري بشدة الآن– بين بعض مكونات التحالف (الشعبي، والأمة القومي) والمؤتمر الوطني.
وهو تقارب لم تفرضه مصالح خاصة لهذا الطرف أو ذاك بقدر ما فرضته طبيعة الأشياء. ففي السياسة لا مجال للقفز فوق أسوار الواقع.
تحالف المعارضة يعيش الآن مأزق من شقين: الشق الأول فقدانه لمشروعية استثمار الأزمات والشق الثاني، فقدانه لمشروعية الوحدة والانسجام؛ والشق الأخير بالطبع لا يحتاج الى شرح وكبير عناء فى تبيانه إذ لا يمكن لأحزاب تاريخية ذات خلفية دينية معروفة -الأمة القومي- أن تلتقي مع يسار عريض هو عدوها التقليدي المعروف، ولا يمكن لحزب مثل الشعبي -رغم حداثة عهده فى الساحة- أن يلتقي بمن يطالبون بعلمانية الدولة!
لقد كان التحالف فى الواقع يخادع نفسه ويمنيها بمستقبل متجاهلاً الماضي والحاضر. كانت فكرة بالغة المثالية تلك التى جمعت أقصى  اليمين مع الوطني مع أقصى اليسار, أما الشق الأول فإن هذه ليست هي المرة الأولى التى تواجه فيه الحكومة السودانية تحديات اقتصادية وأزمات حقيقية تمس صميم معاش الناس.
المتغيرات التى طرأت فى هذا الصدد كثيرة، أبرزها أن المواطنين السودانيين بإمكانهم الاحتجاج وطلب المعالجة ولكن ليس أكثر من ذلك، ففي إدراكهم ووعيهم أن السلطة الحاكمة حالياً هي الأفضل من بين الخيارات الأخرى.
لو كان ارتفاع الأسعار والأزمات الاقتصادية تصلح للإستثمار السياسي وتتيح للمعارضة التوسل بها الى التغيير والحلول محل السلطة الحاكمة فقد تكررت هذه الأزمات كثيراً ولا يوجد أدنى حس لقوى المعارضة، فقد فقدت هذه القوى صلتها بالشارع السوداني منذ سنوات.
الشارع السوداني لم يعد طوع بنان المعارضة، تحركه متى شاءت ولأي غرض كان. يكفي أن المرتين التى تحرك فيهما الشارع (أكتوبر 1964 وأبريل 1985 لم تثمر شيئاً!
من جانب آخر فإن تفهم المواطن السوداني لطبيعة الواقع الماثل تجعله بمنأى عن مسايرة قوى المعارضة، فالاقتصاد السوداني كتاب مفتوح لدى عامة المواطنين. صحيح أن هناك مثالب وأشياء سالبة تحتاج الى معالجات ولكن القسم الأكبر من الاقتصاد السوداني عائد على طبيعة الأزمات السياسية التى تواجهها الدولة (حروب دارفور وكردفان والنيل الأزرق) وطبيعة الأعداء الذين يحاربونها حرباً استنزافية لا يريدون معها رفاهية لشعب السودان ولا راحة.
لقد أصبح وجود قوى المعارضة السودانية للمفارقات عبء على المعارضة نفسها!

قرار رفع الدعم.. نظرة أعمق!

من المهم جداً -ودون أن ندافع دفاعاً أعمى عن قرار رفع الدعم عن المحروقات- أن ننظر الى الواقع الاقتصادي السوداني نظرة موضوعية منصفة. فالأمر هنا لا يتعلق بأحلام سياسية أو أمانٍ وردية فحين يجري الحديث عن الاقتصاد فالأرقام وحدها من تتحدث ولا شيء سواها.
صحيح أن الاقتصاد فى جانب منه ليس سوى محمول من محمولات عدة للسياسة وصحيح أيضاً أن الاقتصاد السوداني طالت فترة أزمته دون أن يقع انفراج يمكن اعتباره انفراجاً حقيقياً يلمسه المواطن السوداني فى حياته ومعاشه. ولكن بالمقابل فإن رفع الدعم -حتى ولو تباينت المواقف بشأنه- هو قرار واقعي وعلينا أن نضع هنا عدة اعتبارات.
الاعتبار الأول أن السودان كغيره من بلدان عديدة فى العالم يتبنى اقتصاد السوق بكل ما تعنيه من تحرير للأسعار وإطلاق العنان للسلع والبضائع لتعرض نفسها وتحدد نسبة الطلب عليها.
اقتصاد السوق واحدة من تبعاته نأي الحكومة عن التدخل لتسعير السلع كبديهية معروفة وهذا بدوره يقتضي أن يكون كل شيء يُقدم للمواطن السوداني ينبغي أن يقدم بسعره الحقيقي، وهذه هي المعضلة، فالحكومة السودانية لأسباب إرتئتها منذ سنوات ظلت تدعم بعض السلع الحيوية حرصاً منها على مستوى معيشي متوازن للسودانيين وهذا هو مربط الفرس فى الواقع فى القضية كلها.
ففي اللحظة التى شعرت فيها الحكومة أن دعمها لهذه السلع قد أصبح عبئاً على الدولة وأنها لا تتعامل مع الأمر بواقعية اضطرت لاتخاذ هذه القرار، ولهذا فهو يبدو كقرار عنيف أو مؤثر بينما هو فى الحقيقة قرار يصب فى مصلحة الاقتصاد عموماً إذا كنا نتحدث عن الشفافية وضرورات الواقعية.
الاعتبار الثاني الوثيق الصلة بالاعتبار الأول فإن من الصعب القول إن الحكومة السودانية تملك بدائلاً أخرى ولكنها غفلت عنها فأيِّ بديل آخر موضوعي ومعقول -إن وجد- كان سيكون أفضل لها من خيار كهذا؛ وهو ما يشير الى أن الخيارات قد سُدت أمامها لأن هذا الخيار -إن لم تكن الحكومة صادقة وواثقة من نفسها- هو الأخطر عليها!
بمعنى أدق فإن الحكومة لو لم تكن جادة ومضطرة لهذا القرار لما لجأت إليه لأنه -لو كانت تخشى على بقائها- لما لجأت إليه.
الاعتبار الثالث أن الحكومة السودانية تنظر الى الاقتصاد السوداني نظرة أشمل، نظرة إستراتيجية، فهي تواجه تحديات سياسية وأمنية وحروب على الأطراف، وتواجه استحقاقات عمليات سلمية فى الشرق وفى دارفور (تنمية وترتيبات أمنية) ولتواجه عملاً مسلحاً فى جنوب كردفان والنيل الأزرق. لو لم تتخذ الحكومة موقفاً استراتيجياً حقيقياً وسط كل هذا الكم الهائل من المشاكل فإن من المؤكد أن هذه المشاكل سوف تعصف ليس فقط بالاقتصاد ولكن بكل شيء.
وهكذا فإن قرار رفع الدعم الذى لا يختلف خبراء الاقتصاد على كونه (علاجاً بالكيّ) إلا أنه اقصر الطرق لمعالجة بعض أدواء الاقتصاد السوداني، وربما تنفرج الأمور أكثر كلما تنامت خطوات التطبيع وتحسن العلاقات بين الخرطوم وجوبا وإذا نجح السودان فى مسعاه لإلغاء ديونه.

ما الذي أثار واشنطن حيال الخرطوم؟

بالتأكيد هنالك ما أثار غضب واشنطن وجعلها تفقد كل عناصر المنطق السياسي والقانوني فى معركتها (غير ذات المعترك) بشأن منح الرئيس البشير، رئيس وفد السودان الى نيويورك تأشيرة دخول الى هناك لحضور فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة. فما هي إذن (عناصر الإغضاب) التى اعتملت فى نفس الولايات المتحدة وجعلتها تفقد أعصابها وتقع فى هذا الخطأ الكبير؟
بغض النظر عن المنح والمنع، فإن مجرد (شعور واشنطن) بأنها يجب أن تمنع رئيس دولة ذات سيادة من حضور فعاليات دولية خاصة بالأمم المتحدة وليس الولايات المتحدة فيه (استصغار) لشأن فهي استصغرت نفسها لدرجة شعورها بأن حضور الرئيس السوداني البشير الى نيويورك فيه (تحدي لها)!
هذا الشعور مستغرب لأن الدول الكبرى -مجازاً- إنما تنتظر للقضايا الكبرى الإستراتيجية ولا للقضايا العابرة (المتعلقة بالتأشيرات) فالأمر هنا يتصل (بضباط الجوازات) بأكثر مما يعني دولة عظمى ويثير أعصابها.
ولعل أولى مسببات الغضب الأمريكي الفاضح أن الولايات المتحدة وطوال ما يجاوز الـ5 سنوات – منذ صدور مذكرة التوقيف بحق الرئيس البشير فى العام 2009 فشلت فى الحد من تحركات الرئيس البشير وأسفاره وفشلت فشلاً ذريعاً فى منع الدول التى استقبلته من أن تفعل وكانت الطامة الكبرى أن مذكرة التوقيف -كورقة سياسية مهمة كما تصورتها- لم تفدها بشيء، فلا هي أفادت فى الضغط على السودان لفعل شيء أو تقديم التنازل عن شيء؛ ولا هي نجحت فى إبتزاز السودان. الورقة كما هي طوال الـ 5 سنوات لا أفادت ولا قدمت.
الأمر الثاني أن السودان لم يكتف فقط برفض المذكرة وعدم التعاون مع لاهاي وعدم وقف أنشطة رئيسه الخارجية ولكن نجح السودان -من حيث لم تحتسب واشنطن- فى دفع رصفائه فى الدول الإفريقية لاتخاذ موقف قوية حيال المحكمة، إذ ليس سراً أن القادة الأفارقة بصدد التفكير الجاد فى الانسحاب من المحكمة بكل ما يعنيه هذا الوضع من بداية انهيار للمحكمة.
والغريب هنا أن واشنطن هي أول من سخر من المحكمة ورفضت التوقيع على ميثاقها، ولكنها بالطبع لن تستغني عنها طالما أنها (ورقة سياسية رابحة).
الأمر الثالث أن السودان حين قرر مشاركة رئيسه فى فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قرر ذلك وفى ذهنه ليس فقط اجتماعات الجمعية العامة ولكن ايضاً اللقاء المرتقب للقادة الأفارقة على هامش الاجتماعات، وهو لقاء تعلم واشنطن أنه يعزز من قوة مواقف القادة الأفارقة حيال المحكمة الجنائية بصفة خاصة والسياسات الأمريكية الدولية بصفة عامة، وأن كل هذه الاجتماعات والفعاليات تنعقد على أرض داخل مدينة أمريكية! أي أن واشنطن (تشهد حرباً سياسية) تنطلق من داخلها وهي التى درجت على (أخذ الحرب) الى خارج حدودها وملاحقة خصومها فى عقر دارهم.
وأخيراً فإن إدارة أوباما التى تورطت فى قضية تعبئة الرأي العام العالمي ضد سوريا وفشل الرئيس أوباما فى حشد الدعم لضربته العسكرية تعيش جراحها الخاصة وآلامها النازفة وتبحث عن أي معركة (جانبية) لكي تضرب فيها ضربة سياسية عوضاً عن الضربة السورية التى فشلت!

النبك الدولي: السودان مؤهل لأن يصبح قوة اقليمية كبيرة

أكد البنك الدولى أن السودان مؤهل لأن يصبح قوة اقليمية كبيرة وأنه يزخر بامكانيات وفيره لكن لم يتم استغلالها.

وقال البنك فى تقرير له أن السودان الذى يعتبر أكبر اقتصاد فى اقليم شرق افريقيا يمتلك اراض خصبه واسعة وثروة حيوانية كبيرة كما أنه موقع لسوق استراتيجى فى تقاطع طرق افريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط.

وجاء في تقرير البنك الدولي أن اكتشاف النفط وتصديره خلال العقد الماضى حقق نمواً غير مسبوق فى الناتج المحلى الاجمالى تضاعف أكثر من ست مرات خلال ست سنوات من 10 بليون دولار أمريكى فى عام 1999م الى 65 بليون دولار فى عام 2010م .

وأشار التقرير الى أن الكثير من امكانيات السودان لم يتم استغلالها نتيجة للنزاع الطويل والتحديات التى تواجه الحكم  ، واشار لحاجة السودان للاستفادة من مكاسب النمو التى تحققت خلال العقد الماضى الى استثمار عام متقدم ومنتج يساهم فى خفض نسبة الفقر .

البشير:عائدات رفع الدعم ستوجه للفقراء ومرتبات العمال

أكد الرئيس السوداني المشير عمر البشير ان عائدات رفع الدعم عن المحروقات ستوجه للدعم المباشر للاسر الفقيرة بالسودان عبر وزارة المالية وديوان الزكاة السوداني ، بالاضافة لدعم مرتبات العاملين في الدولة ، وزيادة الدعم الرأسي للطلاب ، وذلك ضمن معالجة الآثار الاولية الناتجة عن رفع دعم الدولة للمحروقات البترولية والذي يجيء في اطار برنامج الاصلاح الاقتصادي في السودان.

وقال الرئيس السوداني خلال مخاطبته المؤتمر الصحفي الذي عقده بقاعة الصداقة بالعاصمة السودانية الخرطوم وسط حضور كبيرة لقادة الاجهزة الاعلامية المختلفة (مقروءة - مسموعة - مرئية) ، ومراسلي وكالات الانباء والفضائيات وقنوات الاخبار الخارجية ، قال ان حجم الدعم الذي توفره الدولة للمواد التبرولية يشكل خطورة كبيرة علي الاقتصاد السوداني ، مشيراً الي ان الحكومة السودانية تشتري برميل البترول بـ (100) دولار وتبيعه لمصفاة الخرطوم بـ (40) دولار ، وقال ان فارق السعر يمثل نسبة دعم الدولة للمحروقات.

واوضح الرئيس البشير ان حدود السودان يصعب مراقبتها ومكافحة التهريب عبرها لدول الجوار ، واضاف ان رفع الدعم سيسهم في الحد من التهريب ، كما اكد قدرة الحكومة السودانية علي تقوية الاقتصاد السوداني ، مشيراً الي مساهمة الذهب في دعم الاقتصاد السوداني خاصة بعد خروج بترول الجنوب من موازنة الدولة.

واشار الرئيس السوداني الي ان الحكومة السودانية ستولي الزراعة اهتماماً كبيراً خاصة زراعة القمح ، وأضاف "سنرفع اسعار القمح لتشجيع المزراعين علي زراعته ، وسنوجه عائداته لسد عجز الميزانية ودعم الشرائح الضعيفة من الشعب السوداني" ، وزاد "بدون استقرار اقتصادي لن يكون هناك انتاج زراعي او صناعي" ، مؤكداً انه بمقدور السودان ان يسهم في حل ازمة الغذاء العالمي.

وقال الرئيس البشير ان الهجرة الافريقية والدولية علي السودان وتحويلات الاجانب لذويهم في بلدانهم شكلت ضغطاً آخر علي الاقتصاد السوداني.

واكد الرئيس السوداني خلال مخاطبته المؤتمر الصحفي ان نجاح الصين في السودان لفت انظار الدول الافريقية لما حققه السودان في ظل تعاونه مع الصين ، وقال "هذا ما يضايق الغرب" ، مشيراً الي ان الغرب يضع شروطاً للسودان لرفع اسمه من قائمة الارهاب اهمها قطع العلاقات مع ايران وحماس والتطبيع مع اسرائيل ، لكنه اكد ان السودان لن يقطع علاقاته مع ايران وحماس ولن يطبع مع اسرائيل مهما كان الثمن.

وحول مشاركته في اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة بنيويورك ، اكد أحقية السودان في حضورها ومشاركته في اعمالها ، كما اكد مشاركته فيها.
ورداً علي سؤال صحفي عن الفساد في اجهزة الدولة  ، اكد الرئيس البشير ان الحكومة السودانية تتعامل بحسم وردع مع كل اشكال الفساد والتعدي علي المال العام.

الخميس، 19 سبتمبر 2013

مواقف السودان الخارجية، تُحسب له أم عليه؟

تبلورت مؤخراً بصورة أكثر وضوحاً وسطوعاً سياسة واضحة وقاطعة للسودان حيال القضايا الخارجية. لقد بدا ذلك أكثر وضوحاً منذ أن بدأت الأحداث فى الشقيقة مصر، فرغماً عن كل شيء ورغم الرابط التاريخي والحبل السري الواحد بين الجارتين لم يشأ السودان أن يعلن موقفاً منحازاً لطرف ضد طرف، بل أعلن رسمياً أنه يعتبر ما يجري هناك شأناً داخلياً؟
كثيرين هم الذين أعابوا على السودان هذا الموقف واعتبروه غير منصف ولكن السودان تمسك به. ثم جاءت الأزمة السورية واعتزام واشنطن التدخل عسكرياً فيها فأعلن السودان رسمياً رفضه التدخل الأجنبي فى شأن عربي والواقع إن ذات الموقف الذي وقفه السودان فى الحرب الدائرة هناك، وهو ذات الموقف الذي وقفه السودان ضد التدخل الأجنبي لم يمنعه من إدانة استخدام أسلحة كيمائية فى الحرب الدائرة هناك، وهو ذات الموقف الذى وقفه السودان ورفضه التدخل الأجنبي فى العراق أيام عاصفة الصحراء.
ويومها أُحتُسِب موقف السودان وكأنه يقف فى صف العراق فى احتلاله للكويت بينما كان الأمر عكس ذلك تماماً.
إن المواقف المبدئية أصحبت فى عالم اليوم عملة نادرة ولكن السياسة الخارجية للسودان باتت فى الآونة الأخيرة أكثر اتساقاً مع مقتضيات العلاقات الدولية والقانون الدولي، وهو ما ينبغي أن تتم محاسبته فى خانة الايجابيات، ففي مصر الشقيقة مثلاً، من الجائز أن يلعب السودان دوراً فى حل الأزمة سواء بثقله الإقليمي أو معرفته بالأطراف هناك وحقه -بحكم الجوار- فى أن تستقر مصر حتى يستقر السودان.
لقد كان وزير الخارجية السودانية معبراً بصورة جيدة عن موقف الخرطوم من الشأن المصري حين أشار الى أن ما يؤثر على استقرار مصر ينسحب ويؤثر على استقرار وأمن السودان وتلك كانت لفتة بارعة للدبلوماسي الأول فى السودان كونها تلفت نظر العالم الى أن السودان رغم تأثره بما يجري فى مصر –إلا أنه يتخذ موقفاً محاذراً وحريصاً على ألا يتدخل فى الشأن المصري الداخلي، وربما كانت الشقيقة مصر الأكثر إرتياحاً للموقف السوداني وربما لهذا السبب كانت أولى محطات وزير الخارجية المصري نبيل فهمي فى جولته عبر العالم هي السودان.
أما بالنسبة للموقف السوداني فإن من الطبيعي أن يتمسك السودان بموقفه المبدئي فى رفض التدخل الأجنبي والضربة الأمريكية فسوريا قطر عربي وهناك آليات عربية يمكن عن طريقها حل الأزمة فى سوريا, حتى ولو لم تنجح هذه الآليات تماماً فى حل المشكلة فإن هذا لا يبرر مطلقاً إعطاء الضوء الأخضر -من الدول العربية- لضرب دولة عربية أخرى.
وليتذكر بعض القادة العرب أن سوريا وحين بدأ التحضير لضرب العراق قبل عشرة أعوام وقفت موقفاً مبدئياً بعدم موافقتها على ذلك رغم ما بين سوريا والعراق وقتها من عداء وخصومة سياسية مستحكمة.
إذن المواقف لا تتجزأ والسودان فى الواقع وبهذه المواقف إنما يربح ويكسب سياساته الخارجية بوسعه أن يمد رجليه أمام العالم كله ويؤكد على مبدئيته.

مهام المبعوث الأمريكي

تقرير: محمد المعتصم حاكم
تظل العلاقة بين جوبا والخرطوم محل اهتمام مستمر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي درجت علي تعيين مندوب خاص بها مسؤولاً عن استقرار العلاقات الثنائية بين السودان.
فالمبعوث الجديد للرئيس الأمريكي "باراك أوباما" هو رجل خبير في شأن النزاعات الأفريقية وله إسهامات في عدد المعالجات والحلول في الصراع "الإفريقي- الإفريقي" وتكليفه بملف تطوير العلاقات "السودانية – الجنوبية" ناتج عن متابعاته لتداعيات تلك العلاقة من بعد اتفاق السلام الشامل في نيفاشا ليصبح السيد "دونالد بوث" هو المبعوث الخاص للسلام في السودان ودولة جنوب السودان الذي سينتقل بين الدولتين الشقيقتين لأداء مهامه التي تجد كل القبول والترحاب في جوبا والخرطوم، خاصة بعد الزيارة التاريخية للرئيس "سلفاكير" التي أجابت عن كل التساؤلات بعد الاتفاق مع الرئيس البشير علي كل بنود المصفوفة التي تم التوقيع عليها بأديس أبابا في نهاية العام الماضي ليتفق الطرفان مرة أخري علي التضامن والعمل المشترك تحقيقاً لمصالح الشعبين الشقيقين هنا وهناك ليأتي المبعوث الخاص للولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة وليجد الطريق أمامه معبداً بالتفاهمات في كل الملفات العالقة، فالبترول سيتواصل ضخه دون سقف زمني والتجارة الحدودية قد أوشكت علي الانطلاق كما أن العدائيات قد توقفت تماماً...بين البلدين حيث لا مكان لمعارضة مسلحة هنا أو هناك والطيران المدني قد انتظم بين جوبا والخرطوم يومياً بعد توقف دام لشهور عديدة ويأتي "دونالد بوث" للخرطوم في ظروف جديدة لمبعوث أصبحت مهامه محدودة في تطوير العلاقة بين دولتي السودان وجنوب السودان في مجالات التجارة وتبادل الخبرات علي طريق فتح الحدود وصولاً إلي التكامل الاقتصادي وإجازة قانون الحريات الأربع.
مما يجعل مهمة المبعوث الخاص تدعم رغبة الدولتين في التعاون المشترك كما أنها تفتح الطريق أمام الحوار الأمريكي – السوداني في شأن التطبيع الكامل بين البلدين والذي قد يبدأ بخطوات بطيئة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي تري مصالحها المستقبلية مع السودان في كثير من الاتجاهات السياسية والاقتصادية خاصة وأن المعضلة الكبرى في عدم التطبيع كانت تكمن في توتر العلاقات السابقة مع دولة جنوب السودان، وأما ملف المحكمة الجنائية الدولية فقد أًصبح إلي زوال بعد موقف الاتحاد الأفريقي الرافض لها من حيث المبدأ مما يعجل بقرارات من مجلس الأمن تغير من تلك السياسات القديمة الانتقائية، كما أن المبعوث الجديد سوف يلعب دوراً هاماً وإيجابياً حينما يشاهد ويتابع جهود السودان الرامية للسلام ونبذ الحروب الداخلية والعمل بجدية ومثابرة في تطوير العلاقات مع دولة جنوب السودان.

مواقف السودان الخارجية، تُحسب له أم عليه؟

تبلورت مؤخراً بصورة أكثر وضوحاً وسطوعاً سياسة واضحة وقاطعة للسودان حيال القضايا الخارجية. لقد بدا ذلك أكثر وضوحاً منذ أن بدأت الأحداث فى الشقيقة مصر، فرغماً عن كل شيء ورغم الرابط التاريخي والحبل السري الواحد بين الجارتين لم يشأ السودان أن يعلن موقفاً منحازاً لطرف ضد طرف، بل أعلن رسمياً أنه يعتبر ما يجري هناك شأناً داخلياً؟
كثيرين هم الذين أعابوا على السودان هذا الموقف واعتبروه غير منصف ولكن السودان تمسك به. ثم جاءت الأزمة السورية واعتزام واشنطن التدخل عسكرياً فيها فأعلن السودان رسمياً رفضه التدخل الأجنبي فى شأن عربي والواقع إن ذات الموقف الذي وقفه السودان فى الحرب الدائرة هناك، وهو ذات الموقف الذي وقفه السودان ضد التدخل الأجنبي لم يمنعه من إدانة استخدام أسلحة كيمائية فى الحرب الدائرة هناك، وهو ذات الموقف الذى وقفه السودان ورفضه التدخل الأجنبي فى العراق أيام عاصفة الصحراء.
ويومها أُحتُسِب موقف السودان وكأنه يقف فى صف العراق فى احتلاله للكويت بينما كان الأمر عكس ذلك تماماً.
إن المواقف المبدئية أصحبت فى عالم اليوم عملة نادرة ولكن السياسة الخارجية للسودان باتت فى الآونة الأخيرة أكثر اتساقاً مع مقتضيات العلاقات الدولية والقانون الدولي، وهو ما ينبغي أن تتم محاسبته فى خانة الايجابيات، ففي مصر الشقيقة مثلاً، من الجائز أن يلعب السودان دوراً فى حل الأزمة سواء بثقله الإقليمي أو معرفته بالأطراف هناك وحقه -بحكم الجوار- فى أن تستقر مصر حتى يستقر السودان.
لقد كان وزير الخارجية السودانية معبراً بصورة جيدة عن موقف الخرطوم من الشأن المصري حين أشار الى أن ما يؤثر على استقرار مصر ينسحب ويؤثر على استقرار وأمن السودان وتلك كانت لفتة بارعة للدبلوماسي الأول فى السودان كونها تلفت نظر العالم الى أن السودان رغم تأثره بما يجري فى مصر –إلا أنه يتخذ موقفاً محاذراً وحريصاً على ألا يتدخل فى الشأن المصري الداخلي، وربما كانت الشقيقة مصر الأكثر إرتياحاً للموقف السوداني وربما لهذا السبب كانت أولى محطات وزير الخارجية المصري نبيل فهمي فى جولته عبر العالم هي السودان.
أما بالنسبة للموقف السوداني فإن من الطبيعي أن يتمسك السودان بموقفه المبدئي فى رفض التدخل الأجنبي والضربة الأمريكية فسوريا قطر عربي وهناك آليات عربية يمكن عن طريقها حل الأزمة فى سوريا, حتى ولو لم تنجح هذه الآليات تماماً فى حل المشكلة فإن هذا لا يبرر مطلقاً إعطاء الضوء الأخضر -من الدول العربية- لضرب دولة عربية أخرى.
وليتذكر بعض القادة العرب أن سوريا وحين بدأ التحضير لضرب العراق قبل عشرة أعوام وقفت موقفاً مبدئياً بعدم موافقتها على ذلك رغم ما بين سوريا والعراق وقتها من عداء وخصومة سياسية مستحكمة.
إذن المواقف لا تتجزأ والسودان فى الواقع وبهذه المواقف إنما يربح ويكسب سياساته الخارجية بوسعه أن يمد رجليه أمام العالم كله ويؤكد على مبدئيته.

لماذا عادت جوبا مسرعة لأحضان الخرطوم؟

نجح الرئيسان الجنوبي سلفا كير والسوداني البشير فى وضع لبنة بناء علاقات واقعية على الأقل بين بلديهما فى الزيارة الأخيرة للرئيس ميارديت الى الخرطوم فى الثالث من سبتمبر 2013، ولعل من مفارقات القدر أن الزيارة تجيء قبل أن يكتمل عام – فى السابع  العشرين من سبتمبر الجاري – على ما عُرف فى تاريخ البلدين باتفاقية التعاون المشترك الموقعة فى 27 سبتمبر 2012 بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
ويوم أن وقعت اتفاقية التعاون المشترك بين الرئيسين كان الأمل داعب كليهما فى علاقات وثيقة قائمة على التعاون والاحترام المتبادل لعلاقات حسن الجوار، ولو كان للبلدين حسن حظ وقتها لكانت هذه الزيارة احتفاءً واحتفالاً باستكمال كافة مشاكلهما لعام كامل قبل أن تندفع جوبا باتجاه الخرطوم باحثة عن آفاق جديدة لعلاقتها بها فى مقدمتها قضية النفط أحد أهم ما ركزت عليه.
نجاح الرئيسين كير والبشير فى اللقاء فى حد ذاته كان مؤشراً على رغبة وإرادة البلدين فى حلحلة قضاياهما، فلأول مرة تسبق الزيارة عملية تحضير جيدة عبر وفد المقدمة الذى رابط فى الخرطوم ليومين، قطع فيهما فى العديد من القضايا والملفات المهمة بين الدولتين.
عملية التحضير وفقاً لمصادر تحدثت لـ(سودان سفاري) فى الخرطوم كانت بناءة ومختلفة تماماً عن عمليات التحضير السابقة ففي السابق كان غلاة المتشددين فى الحركة الشعبية يبالغون فى الأمور ويعملون على وضع القنابل الموقوتة فى طريق التعبيد، وحين يلتقي الرئيسان فإنهما يتفاجآن بأن الأمور ليست كما ينبغي.
لقد خادع الأمين السابق المقال للحركة الشعبية باقان أموم كثيراً ورتب لأمور بينما بلاده تفكر فى أمور أخرى الأمر الذي أدخل علاقات البلدين فى نفق مظلم. الزيارة الجنوبية الى الخرطوم وإن كانت قصيرة الوقت -ليوم واحدة- مع أنها كانت مقررة أن تستمر ليومين استطاعت أن تضع كل خلافات البلدين تحت المنشار، إذ ليس هناك فى العلاقات الدولية ما يمكن أن يستعصي على الحل طالما توفرت الإرادة السياسية لكل طرف فإلى أي مدى يا ترى توفرت الإرادة السياسية لطرفين هذه المرة؟
بلا شك كان الطرف الذى تعوذه الإرادة السياسية دائماً عن الطرف الجنوبي. الطرف الجنوبي نفسه لم تكن تعوذه الإرادة السياسية بقدر ما كانت تتلاعب به أهواء سياسية غير منطقية من شاكلة تمكين قطاع الشمال من الوصول الى السلطة ليسهل الحل.
لم يكن سراً أن مساعدي الرئيس الجنوبي أمثال أموم ودينق ألور كانوا يزينون له أن الحل السهل للقضايا الخلافية بين البلدين لا يتم مع الحكومة الحالية، إذ يجب أولاً إسقاط هذه الحكومة عن طريق دعم الحركات المسلحة ومن ثم يكون سهلاً سواء في ما يخص الحدود أو المناطق المتنازع عليها مثل أبيي والنفط الاتفاق مع سلطة وثيقة الصلة بالحركة الشعبية الجنوبية.
الآن مضى عامان على هذه المحاولات ولم تنجح وقد جربت جوبا كافة أشكال الدعم للحركات المسلحة ولكن لم ينجح مخططها فى بناء تحالف قوى يطيح بالحكومة السودانية ويحل محلها، ولهذا فإن الإرادة السياسية لجوبا لم تتوفر هذه المرة فحسب بقدر ما أنها صارت لديها قناعة بأن الطريق الى الحل هو بإلتقاء الجانب السوداني والتعامل مع السلطة الحاكمة الحالية بقدر من الصدق والجدية.
السودان من جانبه –مع إدراكه لهذه الحقيقة– سعى لكي يسهل مهمة جوبا فى الخرطوم حيث جرت عملية تمديد لإمدادات النفط وتصديره مما أرضى جوبا وأشعرها أن بالإمكان الاتفاق والتوافق!

أفريقيا هل تودع لاهاي الى الأبد؟

عززت مواقف الحكومة الكينية الأخيرة الرامية لنفض يدها من ميثاق روما المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية، من موقف السودان المناهض منذ سنوات لهذه المحكمة، فقد ثبت -بالدليل القاطع- أن السودان حين كان يتهم لاهاي بالانحياز والتسييس والبعد السحيق عن العدالة الحقيقية؛ كان على الأقل يقول الحقيقة وحدها، ولم يكن يتضجر من الاتهامات التى طالت كبار مسئوليه. فمحكمة الجنايات الدولية تلاحق حالياً فى كينيا رئيس ونائب رئيس كانا فى وقت من الأوقات على طرفيّ نقيض، ولكنهما الآن فى كابينة قيادة واحدة.
سوء تقدير المحكمة من شأنه أن يطيح بأمن واستقرار كينيا، إذ ليس من العدالة أو المنطق فى شيء أن تتم ملاحقة كبار مسئولي الدولة فى بلد بدأ لتوِّه فى استقرار ومعالجة مشاكله.
هذا الواقع وبحذافيره عايشه السودان منذ أن أحيل أمره الى محكمة الجنايات الدولية بقرار من مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 1593، فمنذ تلك اللحظة تباعدت فرص التلاقي بين حملة السلاح فى دارفور والحكومة المركزية، وتضاءلت كل سوانح الحل السلمي الناجز، إذ أعتقد المتمردون أن الجنايات الدولية هي وحدها الحل!
الآن كررت هذا الموقف محكمة الجنايات الدولية فى كينيا فهي تهدد الحراك الديمقراطي وتهدد تقوية هيكل الدولة واستقراره، وتمارس ابتزازاً غير مسبوق ضد المسئولين الكينيين.
ومن المؤكد أن من شأن موقف كهذا -لا تُعرف الحكمة منه ولا يرجى نفع من وراءه- أن يدفع كينيا ومن ثم دولاً افريقية أخرى للتفكير الجدّي فى الانسحاب من ميثاق روما.
وتشير متابعات (سفاري) الى أن دول القارة تعتزم عقد اجتماع طارئ لبحث الأمر تمهيداً لخطوة أكبر تجعل دول القارة فى حل من الميثاق. ومما لا شك فيه أن هذه الخطوة أضحت فقط مسألة وقت، ولهذا فإن التساؤل ما ينبغي أن ينصب هنا حول ما إذا كانت دول القارة قادرة على اتخاذ هذه الخطوة من عدمها ولكن التساؤل عن مصير الجنائية بعد الخطوة الإفريقية هو الذي يفرض نفسه هناك.
فمن جانب أول فإن المحكمة تكون قد خسرت حوالي 40 دولة سواء كانت موقعة أم لا، وهذا معناه أن المحكمة لم تعد تحظى بقبول قانوني دولي، فالمواثيق الدولية تتأثر تبعاً لقناعة الدول بها من عدمه؛ ولو لم يكن ميثاق الأمم المتحدة فى أكتوبر 1945 محل الاحترام وإجماع دولي لما استمرت المنظمة الدولية. ولم يحدث أن قررت دولاً في أي مرحلة تاريخية الخروج عن ميثاق الأمم المتحدة، ومن فإن ثم بقاء مشروعية المنظمة الدولية -بداهة- رهين ببقاء الأعضاء الموقعين على ميثاقها رغم ما ظل يشوب عملها من شوائب.
ومن جانب ثاني فإن خروج دول القارة من المحكمة سوف يفضي حتماً الى إغلاق المحكمة لأبوابها، اللهم إلا أن تستمر فى التعاطي مع الملفات الأفريقية السابقة على الانسحاب، لأن المحكمة لا تستطيع عملياً أن تقاضي الدول الأوربية والدول المتقدمة كما كانت تفعل بشأن القادة الأفارقة.
ومن جانب ثالث فإن الانسحاب سوف يشجع بلدان أخرى -من قارات أخرى- للتفكير فيه تبعاً لقراءة كل دولة الأمر الذى سيتسبب فى انهيار كامل للمحكمة وأخيراً فإن مجلس الأمن -على الأقل- سوف يضطر للتخلي عن قراراته الخاطئة بإحالة دولاً غير موقعة على الميثاق الى المحكمة، فالقرار الوحيد الذى أصدره ضد السودان -ظلماً- لا يلقى قبولاً فى الأوساط القانونية.

عقار يتلقى ضربة عسكرية قاصمة من قواته!

ربما تباهي ما يسمى بقطاع الشمال طوال الفترة الأخيرة الماضية بأنه محافظ محافظة كاملة على قادته العسكريين فى الفرقتين 9 و 10 وأن من المستحيل أن تبدأ هاتين الفرقتين فى الانهيار شيئاً فشيئاً ولو ببطء.
الآن حق للقطاع أن يفغر فاه، فقد بدأ يتهدم ويتحطم ذاتياً حيث استقبلت مدينة الدمازين حاضرة ولاية النيل الأزرق مؤخراً ضابطاً برتبة عميد فى الفرقة الثانية فى الثورية يدعى عبد الله على فضل، كان مسئولاً عن لواء الإدارة فى الثورية.
الضابط المذكور أعلن عن انسلاخه من الثورية. ليس ذلك فحسب ولكنه أشار الى أن الخطوة التى قام بها مردها إلى قرار من كبار ضباط الفرقة العاشرة بالجيش الشعبي (أبناء ولاية النيل الأزرق) بالانسلاخ والعودة الى الولاية، الضابط قال أيضاً إن قناعة قد تبلورت لدى كبار الضباط فى الفرقة العاشرة بعدم جدوى العمل المسلح، وعلى وجه الخصوص تحت قيادة المتمرد مالك عقار حيث يخلط عقار خلطاً تاماً ما بين طموحاته الشخصية ومطالب المنضوين تحت لوائه!
هذه الخطوة دون شك ستصبح أول الغيث لمطر انسلاخات منتظرة في الطريق ولهذا فإن من المفيد أن نقرأ الخطوة من جوانبها كافة.
فمن جهة أولى فإن رتبة الضابط وحساسية اللواء الذى يتولاه (لواء الإدارة) تشي بأن الانشقاق قد ضرب الفرقة العاشرة ضربة قاصمة، فالمسئول عن الإدارة هو المسئول الأهم والذي بحوزته تفاصيل الفرقة وأسرارها الإدارية، ومن ثم فإن انسلاخه فى هذا التوقيت وعودته يعني ببساطة أن الفرقة العاشرة على الأقل فقدت تماسكها.
ومن جهة أخرى فإن إشارة الضابط المنشق عن تبلور رأي عام بين كبار الضباط بعدم أهلية عقار للقيادة وربما عنى الضابط المنشق أن عقار قائد فاشل بدليل مرور أكثر من 3 سنوات منذ تمرده دون أن يحرز شيئاً على الأرض، هي إشارة خطيرة للغاية، بأن قوات عقار (الفرقة العاشرة على الأقل) فقدت الجانب المعنوي أو الدافع للقتال وهو أمر حتمي حين تتطاول السنوات دون أن تسفر عن نجاح أو حتى مجرد إشارة للنجاح وبلوغ الأهداف.
ومن جهة ثالثة فإن من المتوقع أن يكون (التمرد الداخلي) داخل الفرقة مرده الى بداية وقف جوبا لدعمها المالي والمرتبات الخاصة بالفرقة، فجوبا لديها ما يشغلها وهي تسعى لإصلاح علاقاتها مع الخرطوم، وهو ما يعطي شعوراً سالباً للضباط داخل الفرقة بأن الأفق مسدود أمامهم إذ ليس هناك مجال للحرب، والهزيمة محتومة وبالمقابل أيضاً لا مجال للتفاوض.
وأخيراً، فإن انسلاخ ضباط من الجيش الشعبي -فى ظل وجود حالة الجمود التي تعيشها الحركة- معناه أن الفرقتين بدأت تحل نفسها بنفسها وهو أمر طبيعي فى قوات متمردة تستند فى قتالها على دوافع مبهمة، وتأخذ راتبها ودعمها من دولة أجنبية هي فى خاتمة المطاف لها أهدافها وأجندتها التى يمكن أن تختلف أو تتقاطع مع أهدافهم.
لقد بدأت مدفعية الجيش الشعبي تضرب بعنف صدر عقار الضخم!

حركات دارفور تفشل فى (المعاينة الدولية)!

بفعل سوء التقدير وسوء قراءة الواقع تحولت الحركات الدارفورية المسلحة من حركات سياسية تحمل السلاح الى مجرد (تجمع قبلي عشائري) يمسك بزمام المال والسلطة فى مفاصل الحركة. ففي محادثات السلام التى أقيمت فى مدينة أروشا بتنزانيا مؤخراً بدا واضحاً أن حركتي جبريل إبراهيم (ما تبقى من حركة العدل والمساواة) وحركة مني أركو مناوي ليست سوى تجمعاً لأبناء عمومة من قبيلة الزغاوة.
لقد بدا واضحاً ذلك فى تشكيل الوفد حيث اصطحب مناوي معه للمحادثات 5 من أقربائه، أبناء عمومة وأبناء خؤولة واقتصر الوفد عليهم وحدهم دون الآخرين.
حركة جبريل بدا واضحاً أنها -ومع أبناء العمومة- فإن وفدها يحمل جوازات سفر أجنبية! وبالطبع فإن العلة هنا ليست فقط ركون هاتين الحركتين (للشركة الخاصة) أو (الشركة القابضة) بقدر ما أنّ العلة فى فقدان هذه الحركات لمصداقيتها التنظيمية إذ كيف لفصيل مسلح يمثل إثنية معينة وحتى داخل الاثنية يمثل أبناء عمومة بعينهم أن يزعم أنه يسعى لحل أزمة دارفور؟
وإذا كان من الجائز أن ينشئ من يريد حركة مسلحة كيفما يكون وبأي كيفية كانت، فإن المخاطر الناجمة عن هذا المسلك ستقضي على الحركة أول ما تقضي وهذا ما شهدناه فى الحركتين أعلاه. خرج منها من خرج فى فترات متباعدة ومتقاربة ثم دخلت هي الى الجبهة الثورية ولكن لم تُمنح أية امتيازات فى الثورية ولم يمنح جبريل إبراهيم حقه فى الرئاسة حين حان أوان دوره واضطر للرضوخ لقرارات الحلو وعقار ومداهنات عرمان ومخادعاته!
لقد بدا جبريل إبراهيم سعيداً بمحادثات أروشا والتي قال إنها أتاحت لهم شرح وجهة نظرهم – فى فرصة نادرة – للمجتمع الدولي وما درى أن محادثات أروشا أتاحت فى الواقع للمجتمع الدولي رؤية كيف تعمل حركات دارفور المسلحة؛ فالمجتمع الدولي ليس غائباً عن الساحة ولكنه كان يريد أن ينظر نظرة ثاقبة عن قرب لحملة السلاح. هل هم يحلمون قضية حقيقية جادة؟ هل يلتزمون بنظام تنظيمي دقيق؟ هل تضم حركاتهم كل الطيف السياسي والإثني فى إقليم دارفور؟
من الواقع إن المجتمع الدولي المتمثل في الدول الأوربية التى أقامت المحادثات ومعها واشنطن قد أدركوا جيداً أن الحركات الدارفورية المسلحة قد انتهى أمرها. ولعل العقلية الأوربية التى عادة ما تميل الى النظام الدقة والانضباط وجدت أن شرذمة من أبناء العمومة يحملون سلاحاً وسيارات دفع رباعي يخيفون بها أهالي دارفور ويتفادون الجيش السوداني يجلسون إليهم على مائدة بحثاً عن حل.
إن المجتمع الدولي لم يتعود أن يخلق لقادة الحركات المسلحة واقعاً يفوق واقعهم، إذ ليس من المنظور أن يتبنى أحد من منظمي المحادثات، محادثات سلام ذات طابع قبلي لحفنة من حاملي السلاح فقدوا المشروعية، وفقدوا المصداقية ويبحثون عن مخرج أو مهرب!

الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

ذكرى «11» سبتمبر.. هل تحتم مراجعة التعاون «السوداني ــ الأمريكي» ؟

كتب : المثنى عبدالقادر
لم يحصد السودان جراء تعاونه الأمني في مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن شيئاً يذكر خلاف إطلاق سراح المعتقلين السودانيين في غوانتانامو الذين فك أسرهم لعدم وجود أدلة ضدهم، حيث مازالت الخرطوم في قائمة الدول الراعية للإرهاب رغم حلول الذكرى الثانية عشرة لأحداث 11 سبتمبر 2001م التى تصادف اليوم «الأربعاء»، والسودان وامريكا بدأ تعاونهما الأمني منذ عام 2000م بواسطة بعثة المخابرات الأمريكية التى زارت السودان، وتوج ذلك التعاون قبل أسبوع من أحداث 11 سبتمبر 2001م بتعيين المبعوث جون دانفورث آنذاك، وصولاً إلى المبعوث الثامن الذي عين قبل أسبوعين السفير دونالد بوث، وخلال هذه الأعوام «12 عاماً»، ظل السودان من الدول المعاقبة من الولايات المتحدة وغيرها بأسباب متعددة، من ضمنها اعتماد الطاقم الذي يدير ملف السودان بالخارجية والكونغرس الأمريكي على المعلومات التى يقدمها أعداء الخرطوم ابتداءً من دول الجوار الجغرافي، بجانب معارضي السودان في الدول الغربية الذين ينفذون أجندة تفوق أعداء البلاد الحقيقيين. صحيح أن الخرطوم قدمت تنازلات عديدة ضمن مكافحة الإرهاب، لكن في المقابل لم تحصل على أفعال ملموسة تجعل السودان يتشجع في الاستمرار في ذلك التعاون، خاصة أن الأزمة المصرية وعدم دعم أمريكا للشرعية المنتخبة في القاهرة عكس انهيار النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، خاصة أن عدد قتلى مصر فاق ضحايا أحداث 11سبتمبر2001م، وتضاف إليها الأزمة السورية وكيف استطاعت روسيا والصين تنفيس الغضب الأمريكي وقبول واشنطن مقترحات موسكو مما يعني إلغاء الضربة العسكرية، وبالتالي تراجع النفوذ الأمريكي الذي بدأ في التآكل جراء الحروب التى اثخنت جسده. المهم أن السودان بعد مرور «12» عاماً على أحداث 11 سبتمبر التي تصادف ذكراها اليوم، بحاجة لمراجعة أجندته في تعاونه الأمني مع الولايات المتحدة خاصة أنه قدم الكثير ولم ينل إلا القليل. ولعل تعيين المبعوث الجديد دونالد بوث يؤكد مدى الضعف الذي وصلت إليه الإدارة الأمريكية بشأن اتخاذ قرارتها تجاه السودان، خاصة أن سيناريو تعيين المبعوث كان في حالة تنازع بين البيت الأبيض والكونغرس، مما يشير لحد كبير إلى أن الخلل سيتواصل بدوره على علاقات البلدين، ويظهر جلياً أن السبب الذي ألغت أمريكا بموجبه زيارة مساعد رئيس الجمهورية د. نافع على نافع إلى واشنطن التي كانت مقررة في يونيو الماضي انتفى بمرور بترول الجنوب عبر السودان، وحتى الأمس القريب ورغم مرور «12» عاماً على تعاون السودان وأمريكا لم تعلن واشنطن إلغاء ولو جزء بسيط من العقوبات المفروضة على السودان، فلماذا يستمر السودان في التعاون مع أمريكا وقد أصبحت غير حريصة على ذلك التعاون؟

مناوي وعبد الواحد فى حيرة من أمرهما!

ربما عاودهما الحنين لإعادة توحيد حركتيهما كما كانت واحدة قبل مؤتمر حسكنيتة الشهير فى فبراير 2005، فالمتمردين مناوي وعبد الواحد نور إذا قسنا ما هما عليه الآن -بما كان عليه قبل سنوات- خسرا خسراناً مبيناً.
فمناوي الذى بلغ به حسن حظه أن وطأت أقدامه -لأول مرة وربما لآخر مرة- عرصات القصر الجمهوري المطل على النيل فى الخرطوم كبيراً لمساعدي الرئيس فى مايو 2006 ورئيساً للسلطة الانتقالية فى دارفور هو الآن -لسخريات القدر- يحصل بالكاد على التشوين اليومي لقواته المنهكة الخارجة من مواجهات يائسة مع الجيش السوداني فى جنوب دارفور ويحصل بالكاد على فرصة لمقابلة الرئيس اليوغندي يوري موسيفيني إذا أراد تقديم شكوى من أمر من الأمور لحق بقواته من استخبارات الجيش اليوغندي، ويحصل بالكاد على سانحة نادرة لمخاطبة الرئيس الجنوبي سلفا كير فى شأن يتعلق بمعسكرات قواته فى جوبا.
والأدهى وأمرّ أن مناوي فشل هو رفيقه عبد الواحد فى الحصول على حقهما فى رئاسة الجبهة الثورية رغم وجود لائحة تمنحهما هذا الحق ويتساوى معهما فى هذا الظلم المرير جبريل إبراهيم وفصيله المشتت.
عبد الواحد من جانبه فترت علاقاته –كأمر طبيعي بإسرائيل، فالدولة العبرية ليست كما يتوهم عبد الواحد لقلة خبرته السياسية وعجلته وتعجله الأمور، ليست الدولة العبرية دولة عاطفية تحيط من يقاتلون معها بالرعاية والحنو الإنساني.
هي بدأت تشعر أن عبد الواحد لم يعد كما كان فى السابق مسيطراً على معسكرات اللاجئين والنازحين والمعسكرات نفسها لم تعد أمراً جاذباً، فقد أدرك معظم قاطني هذه المعسكرات أنهم لا يمكنهم أن يعيشوا كل حياتهم فيها.
عبد الواحد ايضاً طغت عليه قوى دارفورية أخرى أبرزها حركة التحرير والعدالة الموقعة على اتفاقية الدوحة بقيادة التيجاني السيسي وهي الآن تدير الأمور -كسلطة إقليمية- فى دارفور بحيث لم يعد من الممكن تجاهلها. أما مناوي فقد أصبح ملاحقاً من الجيش السوداني وفى الوقت نفسه لم يجد التقدير المطلوب من الثورية.
معاودة الحنين للرجلين للإلتئام من جديد هو نفسه حتى ولو تحول هذا الحنين الى واقع أصبح غير مجدي، فالأوضاع على الأرض قد تغيرت ولم ينسَ عبد الواحد ولن ينس لمناوي عقده لمؤتمر حسكنيته الذي أقصاه بموجبه كما لم ينس له دخوله فى العملية السلمية وذهابه الى الخرطوم قبل أن يعود مرة أخرى الى القتال فاراً من الخرطوم.
مناوي تزداد خسارته كلما تقدم فصيل حركة العدل والمساواة سواء الذى وقع الآن على اتفاقية الدوحة أو ذاك الذي يقوده جبريل إبراهيم لأن الإثنية التى ينتميان إليها هي ذات الإثنية التى ينتمي إليها مناوي وهي أثنية الزغاوة.
عبد الواحد هو الآخر تزداد خسارته كلما تقدمت حركة د. التجاني السيسي والتي يعد جزءاً مهماً منها فى أحشاء حركته. والأكثر خطورة من كل ذلك حين ينكشف غطاء الثورية فيخرج قطاع الشمال منها آجلاً أم عاجلاً بفعل تنامي حركة المصالحة بين جوبا والخرطوم وضرورة أن يكون الطرفين فى حالة من تبادل الثقة والاستقرار وقربان ذلك هو ذبح قطاع الشمال قرباناً على عتبة استقرار الدولتين!

بعد الإطاحة بمجموعة قرنق هل يصبح قطاع الشمال هو التالي؟

المسافة ليست ببعيدة ما بين استطاعة الرئيس الجنوبي سلفا كير ميارديت إزاحة المعوِّقين لسلطته (رياك مشار، باقان أموم، دينق ألور، تعبان دينق) وغيرهم، وبناء حكومة جديدة متوازنة، وما بين إمكانية نجاح الرئيس كير –بذات الدوافع والمعطيات– في التخلص من قطاع الشمال.
ففضلاً عن أن الرئيس الجنوبي بدأ لتوّه يشعر بأن عليه أن يحكم السيطرة على الأمور (داخل بيته) وأن يعمل على إزالة كل معيقات انسياب قراراته وسياساته فإن الرئيس كير بدأ يشعر أيضاً بذات القدر أن عليه أن يتخلص من كل ما يمكن أن يعكر صفو علاقاته بالخرطوم.
وبالطبع شعور الرئيس ميارديت هذا لا تحكمه العاطفة أو مجرد الرغبة الأخوية بقدر ما تحكمه مصلحة بلاده ومصلحة سلطاته وإمكانية فوزه فى الاستحقاق الانتخابي المقبل. وكما لم يواجه الرئيس الجنوبي حتى الآن أي معارضة لقراراته يمكن التخوف منها ومن مداها السياسي من حلفائها الأمريكيين -كما كان يجري فى السابق- معارضة أو عدم رضاء من حلفائه الأمريكيين. فالسيدة سوزان رايس الأكثر مغالاة فى الشأن الجنوبي لزمت الصمت حيال خطوات الرئيس كير ولم تفعل كما كانت تفعل فى السابق ترفع سماعة الهاتف لتعيد الأمور الى ما كانت عليه. هذه المرة لزمت رايس الصمت رغم أنها تسنّمت لتوها منصباً مرموقاً هو مستشارة الأمن القومي الأمر الذي يتيح لها حشر أنفها فى كل ما تعتقد أنه يمس أمن واشنطن القومي!
صحيح كانت هنالك مواقف تشير الى عدم رضا واشنطن عن ما يقوم به الرئيس الجنوبي تمثلت فى الصمت الأمريكي نفسه. وصحيح أيضاً أن واشنطن ربما بدأ اليأس يدب فى نفسها جراء (المفاجآت) التى ظلت تتلقاها من جوبا سواء فى قرار وقف ضخ النفط فى فبراير 2012 أو في قرارات الرئيس كير الأخيرة بإقالة كبار مساعديه.
ولكن بالمقابل يبدو أن واشنطن بدأت تشعر بأن عليها إعطاء الرئيس كير مساحة معقولة لتدبير أمور بيته، فهي فى النهاية تريد أن يظل الأمر فى جوبا هادئاً وسالكاً وسلساً. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن كل من تعرض لهم الرئيس كير من كبار مساعديه يحسبون ضمن مجموعة قرنق فإذا قرأنا بتمعن حادثة تحطم طائرة قرنق وغيابه أو تغييبه عن المشهد الجنوبي وكيف أنه كان وحدوي فى حين أن سلفه الرئيس ميارديت انفصالي وأن واشنطن عملت على فصل الجنوب باعترافها، فإن الخلاصة أن واشنطن أتاحت الفرصة للرئيس كير للتخلص من بقايا قرنق ولعل هنا يمكن أن يكمن سر المظاهرة التى قِيل أن مواطنين جنوبيين فى جوبا طالبوا فيها بالوحدة!
هذه النقطة مهمة جداً لكي تعطينا مؤشراً على أن قطاع الشمال هو التالي فى سلسلة خلاص الرئيس الجنوبي من مُعِيقي سياساته وبناء الدولة الجنوبية.

أبيي ومحاولة اختطاف فاشلة!

فى العادة فإن صاحب الحق الحقيقي فى شيء ما يقف متوازناً متحلياً برباطة جأش ومنطق سليم، بعكس الآخر الذى لا يملك الحق فهو دائماً عالي الصوت، شديد التوتر، كثير المحاولات لانتزاع الشيء المتنازع عليه أو إفساده وإحراقه.
الحركة الشعبية فى نزاعها مع السودان حول أبيي ينطبق عليها المثال الأخير فقد اعتدت أكثر من مرة على المدينة المتنازع عليها محاولة نزعها بالقوة مع أن هنالك بروتوكول معروف يحكم المنطقة، بل إن وجود قوات (اليونسيفا) فى المنطقة هو ثمرة محاولات الحركة الشعبية الحاكمة فى جنوب السودان لانتزاع المنطقة عنوة على طريقة فرض الأمر الواقع.
ولو كان السودان بلا حق ولا منطق لكان بوسعه مسايرة الأسلوب الجنوبي ولقامت الحرب واشتعلت بين الجانبين وراح ضحيتها أبناء المنطقة كوقود وحطام لها، ولكن السودان تحلّى ولا يزال يتحلى بالمثابرة واللجوء الى الطرق القانونية المستندة الى برتوكول المنطقة لسنة 2004م.
آخر محاولات حكومة جنوب السودان فرض الأمر الواقع كانت تهديدها الصريح والمباشر بإجراء استفتاء فى أبيي بطريقة أحادية الجانب ومنفردة بالمخالفة تماماً لبنود البروتوكول، وهو ما يعني أن جوبا تواقة لحل لمصلحتها بأي طريقة، ناسية ومتجاهلة أن الاستفتاء حين تقرر فى اتفاق نيفاشا 2005 وفى البروتوكول إنما تقرر (كحل وسط) بحيث يحتكِم الطرفان الى أهل المنطقة.
الغريب أن الطرف الجنوبي فى المفاوضات لم يزعم أن أبيي أرض جنوبية بوثائق ومستندات. كل حجته أنها تتبع إدارياً -لاحظ إدارياً- لبحر الغزال بقرار من الاستعمار! لم يزعم المفاوض الجنوبي أن أبيي تقع ضمن حدد 1956 الجنوبية، فهي خارج حدود الجنوب، ولكن تصادف أن نزح إليها دينكا نقوك، ولهذا فإن الحل الديمقراطي الوحيد الذى كان محتماً إنفاذه هو سؤال أهل المنطقة عما إذا كانوا يرغبون فى أن يتبعوا للجنوب أم للشمال.
ولعل الأكثر غرابة أنه وحين حان أوان الاستفتاء الذى كان مقرراً مع استفتاء الجنوب فى العام 2011 فإن الجانب الجنوبي فضّل تأجيله، ربما سعياً لكسب الوقت أو المراهنة على انهيار السلطة الحاكمة فى الخرطوم، ومجيء سلطة أخرى تتسامح معهم أو أي شيء من هذا القبيل.
ولعل إمعان الحكومة الجنوبية فى وضع العقبات أمام الحل الديمقراطي الصحيح يتضح من  عدة أمور: أولها، إصرارها غير المبرر وغير المنطقي على أن المعنِي بالاستفتاء فقط دينكا نقوك وأن قبائل المسيرية خارج العملية، فلو كان الأمر كذلك فما الحاجة للاستفتاء؟
ثانياً، سعيها للضم القسري وباستخدام القوة مثلما فعل ادوارد لينو فى العام 2008 ثم محاولات الجيش الشعبي فى العام2011 والتي اضطر معها المجتمع الدولي لاستجلاب قوات اليونسيفا الإثيوبية للسيطرة على الأمن والمحافظة على استقرار المنطقة، وقد كان هدف جوبا من وراء ذلك شنّ حرب وفرض أمر واقع ليكون التفاوض بعد ذلك بلا معنى، ويكون الاستفتاء مفرغاً من مضمونه.
ثالثاً، محاولتها الضغط على السودان باحتلال مناطق غير متنازع عليها كما فعلت فى منطقة (جودة الفخار) مؤخراً أواخر أغسطس الماضي بولاية النيل الأبيض، فقد كان واضحاً أن جوبا تبحث عن نقاط ضعف تتيح لها المساومة بها على أبيي. ولكن لم ينجح مسعاها.
إن قضية أبيي لا حل لها سوى بإجراء الاستفتاء فى وقت وتاريخ توافقي وبإرادة طرفيّ المنطقة، دينكا نقوك والمسيرية دون تفضيل طرف على آخر.

اليوناميد .. رحيل غير مأسوف عليه ..!!

القرار الذي أتخذته القوة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي العاملة في ولايات دارفور "يوناميد"، بخفض قواتها في دارفور من 19 إلى 14 ألف عنصر.بحلول يونيو 2014م ، يفتح الباب على مصراعيه من جديد حول جدوى وجود تلك القوات التي تعد ذات أهمية أمنية وعسكرية في دارفور بعد التطورات التي شهدها الأقليم في السنوات الأخيرة ، فالقرار الذي صدر بتخفيض تلك القوات لم يكن الأول من نوعه فقد خفضت الأمم المتحدة قوام هذه القوات أكثر من مرة .

التخفيض هذه المرة بحسب أ مسؤول في البعثة سيسمر حتى يونيو 2014.وقال المسؤول الأممي بحسب وكالة الأنباء الإماراتية "وام"، إن عملية التخفيض لن تؤثِّر على حماية المدنيين، مشيراً إلى أن البعثة ستركز على المناطق المأهولة بالسكان.وكانت الأمم المتحدة قد أوصت في نهاية أبريل الماضي، بخفض عدد الجنود وشرطة اليوناميد بأكثر من 4000 فرد، وذلك نتيجة لتحسن الأمن في بعض أجزاء دارفور، وأعلن ذلك أمام مجلس الأمن رئيس عمليات حفظ السلام آرفيه لادسو.وقال لادسو لمجلس الأمن إن عدد الجنود ينبغي خفضه بمقدار 3260 أو حوالى 16% من الحجم المرخص به، بينما ينبغي خفض قوة الشرطة بمقدار 770 شرطياً أو حوالى 12%. وأكد أن الخفض المقترح في المشاة يرجع بشكل أساسي إلى تحسن الأمن بمحاذاة الحدود بين دارفور وتشاد وفي أقصى شمال دارفور، في أعقاب تقارب بين السودان وكلٍّ من تشاد وليبيا. وأكد أن تخفيض قوات اليوناميد سيتم على مدى 18 شهراً.

فتجربة البعثة المشتركة (اليوناميد) في دارفور - كما تقول الشواهد - هي نموذج لتجربة إهدار المال الدولي فيما هو غير مفيد, فالسنوات الست التي قضتها قوات اليوناميد في دارفور بدت فيها غير فاعلة ولم تقم بأي عمل ذي بال كان الإقليم في حاجة ماسة إليه, بل ان قوات اليوناميد أصبحت هي نفسها عبئاً علي الإقليم حين تعرضت مراراً لهجمات المتمردين وتورطت في أحيان أخري في تقديم الدعم للمتمردين. وحتي الآن لم نقرأ تقريراً حقيقياً صادقاً لهذه القوات بحجم الإنجازات الميدانية الملموسة التي أنجزتها, كل تقارير اليوناميد كانت إقرار بتحسٌّن الأوضاع وتوقف وتيرة العنف والمواجهات ومن الملاحظ هنا أن هذه البعثة المشتركة لم يحدث قط أن قدمت تقريراً أقتضي أن يغيَّر مجلس الأمن من تفويضها من الفصل السادس الي السابع. و مطالبة الحكومة السودانية بتقليص وخفض هذه القوات إنما هو من قبيل التعامل الدبلوماسي.

وتقول خلفيات نشر هذه القوات أن بعثة اليوناميد كان تم نشرها بدارفور وفق قرار مجلس الأمن الدولي ( 1769 ) المؤرخ بـ(31 يوليو 2007م) وتقوم مهمة اليوناميد الأساسية - وفق الموقع الالكتروني للبعثة - على حماية المدنيين، إلا أنها مكلفة أيضا بالإسهام في توفير الأمن لعمليات المساعدة الإنسانية، ورصد تنفيذ الاتفاقات والتحقق منه، والمساعدة على إجراء عملية سياسية شاملة، والإسهام في تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون، والرصد والإبلاغ فيما يتعلق بالحالة على طول الحدود مع تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى".ويقع مقر البعثة في الفاشر، عاصمة شمال دارفور، ولديها مواقع نشر إضافية في جميع أرجاء ولايات دارفور الثلاث. وتقوم البعثة بأكثر من 200 دورية يوميا محاولة زيادة فعاليتها غالبا في مواجهة الإعاقات البيروقراطية أو المسلحة. وتهدف البعثة إلى بذل كل ما في وسعها لحماية المدنيين في دارفور وتيسير وصول عمليات المعونة الإنسانية لجميع المناطق، بغض النظر عن المتحكم فيها، والمساعدة على تهيئة بيئة لترسيخ السلام.

ويبلغ القوام الحالي لليوناميد – وفق موقع البعثة الالكتروني - (بتاريخ 31 يوليو 2013) ،19,794 مجموع موظفا نظاميا و14,489جنديا،و350 مراقبا عسكريا، 4,955 الشرطة (بما في ذلك التشكيلات)و 1064 من الموظفين المدنيين الدوليين و 2910 من الموظفين المدنيين المحليين و449 من متطوعي الأمم المتحدة،والدول التي تساهم في البعثة بأفراد عسكريين هي (الأردن وألمانيا وإندونيسيا وأوغندا وإيطاليا وباكستان وبنغلاديش وبوركينا فاسو وبوروندي وتايلند وتوغو وجمهورية تنزانيا المتحدة وجمهورية كوريا وجنوب أفريقيا ورواندا وزامبيا وزمبابوي والسنغال وسيراليون والصين وغامبيا وغانا وغواتيمالا والكاميرون وكينيا وليسوتو ومالي وماليزيا ومصر وملاوي ومنغوليا وناميبيا ونيبال ونيجيريا واليمن وطاجيكستان). وتساهم غالبية هذه الدول بأفراد من الشرطة ،وبلغت خسائر اليوناميد في الأروح حتى يوليو2013م– وفق الموقع الالكتروني للبعثة 114 جنديا و33 شرطيا و1 مراقبا عسكريا و 3 مدنيا دوليا و 13 مدنيا محليا وبلغ المجموع الكلي لضحايا البعثة في دارفور¬(164) فرداً وبلغ حجم آخر ميزانية معنمدة للبعثة (1 يوليو 2013 - 30 يونيو 2014): 1,335,248,000 مليون دولار من دولارات الولايات المتحدة .

الاثنين، 9 سبتمبر 2013

حين يغرق قطاع الشمال فى فيضان الجيش السوداني!

قطاع الشمال -عملياً- ليس لديه القوة التى تجعله مؤثراً فى الميدان العسكري والسياسي. علينا أن نقرّ بهذه الفرضية طال الزمن أو قصر. صحيح أن القطاع المختفّي فى ثياب الثورية يتلقى دعماً رغداً من جوبا، وصحيح أيضاً أن هذا الدعم -سياسياً ولوجستياً- له تأثيره ولكنه تأثير لا يمكن رده الى القطاع فى حد ذاته فهو يرجع الى جوبا باعتبارها المستفيد رقم واحد.
وسواء أوقفت جوبا دعمها طواعية أم جبراً، فهي على أية حال لا تستطيع أن تظل داعمة للقطاع طويلاً. هناك استحقاقات داخلية خاصة بدولة الجنوب بدأت القيادة الجنوبية مؤخراً تنتبه إليها.
وإذا ما أراد الرئيس ميارديت أن يدخل الى حلبة الاستحقاق الانتخابي فى العام 2015 فإن الاستحقاقات المطلوبة منه يأتي فى ذيلها -بل في آخر الذيل- دعم حركة مسلحة من المستحيل أن تحقق شيئاً على الأرض، فالرئيس كير نفسه يعلم المدى الذى استطاعت حركته أن تصل إليه فى حربها الضروس مع المركز لما يقارب العقدين الزمان.
على ذلك فإن إعلان القطاع وقفه إطلاق النار - وهو أصلاً لا يملك النار الكافية - دعماً منه لكارثة السيول وفيضانات لم تكن سوى خدعة واضحة، وهو الأمر الذى جعل الجيش السوداني وعبر المتحدث الرسمي بإسمه يرد على الخطوة بأنها بلا قيمة. ومن المؤكد أن الجيوش تعرف قوة بعضها والمقاتلين وحدهم فى الميدان هم من يتسنى لهم وزن بعضهم بميزان الذهب.
غير أننا وبعيداً عن رؤية الجيش السوداني وهو ذي خبرة غير قليلة بالقطاع وألاعيبه، نتأمل قليلاً فى الدعوة التى قدمها القطاع ونمعن النظر فيها لنرى ما إذا كانت دعوة جادة وحقيقية تستحق أن يُنظر إليها أم لا.
أولاً: القطاع -لسو حظه- قصد تقديم الدعوة وطائرة الرئيس الجنوبي تستعد للإقلاع من جوبا لتحط رحالها فى الخرطوم فى زيارة تعتبر بكل المقاييس شديدة الأهمية وشديدة الأثر على مجمل الأوضاع فى الدولتين بما فى ذلك القطاع نفسه.
أي سياسي مبتدئ يمكنه أن يفهم (سطور الرسالة) فالقطاع يهدف الى إعطاء انطباع انه (وبكل براءة) يمد يده الى الخرطوم ويعزز ما يمكن أن يتباحث فيه الرئيسين البشير وكير ولكي يصبح الرئيس الجنوبي نفسه (فى وضع أفضل) وهو يتباحث مع رصيفه السوداني كون أنه ألزم القطاع ولو افتراضياً بوقف هجماته توطئة لتفاوض سياسي بعيداً عن الحرب.
وإن شئنا الاستيثاق من هذه الحقيقة فإننا نتذكر الدعوة التى وجهها الرئيس كير الى ياسر عرمان؛ أو شئت الاستدعاء الذى بموجبه سارع عرمان وطار الى جوبا فى اجتماع مغلق بين الاثنين لم يعرف أحد بعد ما دار فيه. من المؤكد أن الأمر جرى بحثه ووضعت (خطة) ما كي يبد وكأن جوبا تفرض على القطاع تهدئة الأمور ومن ثم يدخل فى تفاوض مع الخرطوم.
الأمر الثاني أن القطاع ربما كان يدبر لشيء ما فى جبهة أخرى غير جنوب كردفان التى سئم المواجهة فيها وخسر ما خسر فى جبالها الوعرة.
القطاع يدبر لمهاجمة النيل الأزرق وقد قام المتمرد الحلو بنقل ضباط من الفرقة التاسعة فى جنوب كردفان الى النيل الأزرق لهذا الغرض، فالعملية إذن عملية إلهاء مقصودة. وأخيراً فإن القطاع –قبل أبو كرشولا– كان فى موقف تفاوضي معقول ولكنه وبقدر وافر من الحماقة أراد توسع مدى المواجهة ظناً منه أن ذلك يتيح له وضع أفضل فقام بمهاجمة كردفان على نحو لا يخلو من مخادعة وخسة فى المخادعة نفسها.

حقائق جديدة عن مقتل د. خليل إبراهيم!

على الرغم من مضي أكثر من عام ونيف حتى الآن على رحيل زعيم حركة العدل والمساواة الدارفورية الدكتور خليل إبراهيم، حيث لقي مصرعه فى الثالث والعشرين من ديسمبر 2011 بمنطقة ود بندة، شمال كردفان إلا أن تداعيات وتفاعلات الحدث الذي هز الحركة هزة لم تشهدها من قبل، بل ربما تسبب فى رحيلها هي الأخرى وغيابها عن المشهد الدارفوري إلا من هجوم عابر هنا، وهزيمة نكراء هناك.
الجديد الآن بشأن مقتل د. خليل أن هنالك تسريبات بدأت تأخذ حيزاً داخل أروقة الحركة، وتجد شواهداً وأدله لها، فهنالك إشارة الى قيام دولة أروبية كبرى بتنفيذ العملية بالتعاون مع دولة افريقية مجاورة وهذه التسريبات راجت كثيراً، ولكن الأكثر خطورة فى هذا الصدد -وهو ما نحن بصدده- أن التسريبات أكدت ضلوع خلية داخلية -من داخل الحركة نفسها- بقيادة شخصية نافدة للغاية داخل الحركة يدعى (س.ص) ويتمتع بمكانه خاصة لدى د. خليل فى العملية.
الشواهد والقرائن على ضلوع هذه الشخصية تتجلى فى عدد من النقاط المهمة، أولها أن رئيس الخلية كان موضع ثقة كبيرة للغاية لدى خليل، أبرزها ما يؤكد ذلك أنه كان يشغل فى وقت من الأوقات مدير أمن ومخابرات الحركة. ومعلوم مثل هذه المناصب تعطي الشخص المعني سعة فى التحرك، سعة فى الثقة، سعة فى إجراء الاتصالات مع كافة الجهات وليس هنالك حاجة للتشكيك فيه.
النقطة الثانية أن خليل نفسه -وطوال أشهر- كما هو مثبت ومعروف غاب عن الميدان إبان تواجده فى طرابلس بليبيا ضيفاً على القذافي فى حينها. الغياب الطويل للدكتور خليل عن مسرح القتال والحركة أعطى رئيس الخلية فرصة نادرة وسانحة لا تعوض فى إجراء (إحلال وإبدال) فى القادة الميدانيين وهو ما تم بالفعل وإن لم يفض الى شيء ذي بال فالمهم فى الأمر أن الرجل وجد الساحة خالية أمامه واغتنمها كفرصة يندر أن تتكرر.
النقطة الثالثة وفيها إشارة غامضة عما إذا كان خليل قد استشعر ما يحيكه رجل مخابراته وقائد جيشه أم لا، ولكنها تعطي غطاءاً كافياً للرجل لكي (يضرب ضربته) فقد عين د. خليل، القائد الميداني بخيت دبجو قائداً عاماً لجيش الحركة، وكأني بخليل يقرص القيادي المذكور فى أذنيه قرصة ذات معنى، وبهذا أصبح من المرجح أن يتحرك القيادي المجروح فى قيادته.
وتمضي بعد ذلك القصة الى النقطة الحرجة والتي بمقتضاها تمكنت استخبارات الدولة الأوربية من إجراء اتصال عبر عميل لها بطرابلس مع عناصر من الحركة لإدخال جهاز الكتروني متقدم فائق الدقة فى حجم متناهي الصغر لا يتجاوز (رأس دبوس) داخل قوارير دواء الى حيث يوجد خليل ومن ثم تولى القيادي الجريح الغاضب على زعيمه مهمة زرع الجهاز فى المكان المطلوب وحينها كانت قافلة الحركة تزمع الاتجاه جنوباً وأصبح الوقت يدهم مخططي العملية.
وبالفعل أطلقت طائرة تتبع للدولة الأوربية صاروخاً من مسافة بعيدة للغاية لتصيب الزعيم فى مقتل. ولعل أبلغ دليل على ذلك أن القيادي الذي قام بمهمة التمهيد للعملية خشيت الدولة الأوربية من اكتشاف أمره أو الاعتداء على حياته، فجرى -وبعناية ودقة فائقة- اختيار إحدى الدول الاسكندنافية الهادئة لتكون ملجأ دائماً له وهو ما حدث بالفعل وما يزال الرجل هناك.
خلاصة هذا المشهد، أن حركة العدل والمساواة تعج بالمشاكل وفيها ما فيها من تقاطع المصالح الأمر الذى ظل وما يزال يعيق عملياتها العسكرية والتي أصبحت صفراً، ويعوق أيضاً دخولها الى قاعة المفاوضات برغبة جادة وأكيدة زاخرة بالمؤامرات والدسائس.

الخميس، 5 سبتمبر 2013

جوبا تحيِّر مجلس الأمن وتربكه!

لا يحتاج أيّ مراقب لكثير جهد ليدرك ما وراء بيان مجلس الأمن الدولي الأخير الصادر فى الأسبوع الماضي بشأن مرور وتصدير النفط الجنوبي عبر الموانئ السودانية.
البيان حضّ الخرطوم على عدم اللجوء الى قرار وقف الضخ. وكان واضحاً مبلغ القلق الطافح من بين ثنايا البيان، وكان واضحاً أيضاً أنَّ واشنطن على وجه الخصوص هي التى يتداعي جسدها بالسهر والحمى جراء قرارات الخرطوم النفطية هذه تجاه جوبا، فالولايات المتحدة تعيش منذ عقود عقدة النفط والحرب الشعواء التى استخدمها ضدها العرب فى حرب أكتوبر 1973 حين أوقفوا إمداداتهم النفطية للغرب كسلاح فاعل أذل الغرب وآلم واشنطن غاية الإيلام وجعلها تفكر منذ ذلك الحين بقيادة عرّاب سياستها الخارجية هنري كيسنجر فى نزع سلاح النفط من أي دولة فى العالم.
ولعل من المفارقات فى هذا الصدد أن واشنطن لم تتأثر عملياً فى ذلك الحين بقرار العرب ولكنها اعتبرتها ضربة قاصمة لهيبتها الدولية وهو ما حدا بها للتواجد الكثيف باستمرار – كسياسة إستراتيجية دائمة – قرب آبار النفط جاهزة ومستعدة للتدخل لمنع وقفه.
غير أن واشنطن فوجئت -مفاجأة كاملة- بأن جوبا هي من بادرت باستخدام سلاح النفط ضد السودان، فبراير 2012 ويومها أدركت واشنطن -وهي تشعر بخيبة أمل هائلة- أن جوبا بهذا الخطأ الاستراتيجي الهائل فتحت الطريق للسودان لكي يستخدم ضدها ذات السلاح، وهذا ما حدث بالفعل والأكثر سوءاً أن واشنطن استحال عليها -وما يزال مستحيلاً- أن تنزع سلاح النفط من الخرطوم بحال من الأحوال، أللهم إلا إذا استطاعت -كما يفعل السحرة والحواة- أن تنشئ بين غمضة عين وانتباهتها خطاً بديلاً للنفط الجنوبي لا يستغرق بناؤه سوى أيام!
لقد بدا واضحاً أن مجلس الأمن وبقدر حرصه على ممالأة جوبا ودعمها معنوياً والوقوف معها ضد السودان، بقدر ما ظلت الخيبة ومظاهر الفشل تلاحقه. ولهذا فإن المجلس لم يفكر قط ولن يكون بوسعه التفكير فى استصدار قرار ملزم من جانبه يلزم السودان بتمرير النفط الجنوبي عبر أنابيبه وهو ما جعله يكتفي فقط -وهو يعض بنان الحسرة- باستصدار بيان يحض فيه السودان على المداومة على ضخ النفط.
وقد كان من الممكن أن تصبح المعادلة معقولة لو أن المجلس - فى ذات البيان - دعا جوبا بعبارات قوية واضحة الى الحرص والحفاظ على علاقاتها المشتركة مع السودان والمضي قدماً فى تنفيذها بقدر من الجدية والحرص.
كان من الممكن أن يشير البيان – صراحةً – الى خطل الرأي الجنوبي حتى ولو كان مجرد تلويح بإجراء استفتاء أبيي منفرداً، فقد فقدت جوبا أوراق اللعب الصالحة للعب المربح منذ اللحظة التى قررت فيها وقف ضخ النفط عبر الأنابيب السودانية وفى ذهنها يومئذ أن السودان سيبادر بالصراخ ويمنحها ما تريد.
الآن بات على جوبا أن توقن أن سلاحها النفطي لم يعد غير فعال فحسب، وإنما أصبح سلاحاً مضاداً هو نفسه موجه ضدها، كما أن على مجلس الأمن الدولي أن يبحث عن صيغة ما تجعله يمالئ جوبا ويدافع عنها وفى الوقت نفسه يضمن لها انسياب نفطها دون أن تنفذ التزاماتها الدولية.

رجل غريب على المشهد السياسي السوداني!

سيكون عصياً وصعباً للغاية على المسئول السياسي لحزب المؤتمر الشعبي التواؤم مع أي مستجدات سياسية قد تدفع بحزبه للاتقاء بالوطني. كمال عمر حرق كل المراكب وراءه حابساً حزبه فى شريط ضيق للغاية والحزب فيه قادة أذكى وأكبر من كمال عمر وإن كانوا قلائل للغاية، فلماذا يا ترى ترك الحبل على الغارب لكمال عمر فى الشعبي ليفعل ما يشاء وهو فى كل لحظة يلحق المزيد من الأضرار بحزبه؟
هنالك ثلاثة احتمالات، إما أن الشعبي يعتقد أن خصومته السياسية المعقدة مع الوطني تستلزم فى هذه المرحلة وجود (سفيه سياسي) يلقي القول على عواهنه، ولسانه محاط بالأشواك السامة نكاية فى خصمه وهذا احتمال وراد لكون أن كمال عمر (لم يكن من قبل شيئاً مذكورا) وكان هو السبب الأساسي لخروج أكثر من 20 قيادي من الشعبي والتحاقهم بالوطني.
والاحتمال الثاني أن يكون الشعبي -بذكاء الترابي المعهود- جعل من كمال عمر (غطاء) لعمل سياسي آخر، بحيث ينشغل الناس بما يقوله كمال عمر ويعتقدون أنه رأى الحزب الرسمي فى حين أن رجل فى دهاء الترابي يعمل على طريق آخر وليس أدل على ذلك من التقارب الذي بدأ يدب منذ لقاء النائب الأول للرئيس على عثمان محمد طه بالدكتور على الحاج القيادي البارز فى الشعبي فى ألمانيا قبل أشهر وبذل كمال عمر جهداً خرافياً لإسباغ (صفة اجتماعية) على اللقاء!
الاحتمال الثالث أن كمال عمر الذي يُقال -سراً وجهراً على السواء- أنه صنيعة شيوعية تم زرعها بعناية فى الشعبي، والأمر لم يفت على الشعبي ولكنه -عقاباً له- تركه يهرِّف بما لا يعرف كما الببغاء! وهذا دليله عدم تعوُّد الشعبي على التنابذ بالألقاب وعدم الفجور فى الخصومة فى حين أن الحزب لم يساءل يوماً كمال عمر عن أخطائه الإستراتيجية فى هذا الصدد وخسران الحزب لعدد من الأحزاب جراء تصريحات أمينه السياسي.
وفى كل الأحوال الثلاثة المشار إليها، فإن الأزمة تظل أزمة كمال عمر  حتى ولو بدت كأزمة حزب معارض، ذلك لأن ظاهرة كمال عمر ظاهرة سياسية غريبة فالأحزاب السياسية تعمل وفق احتمالات بعضها راجح وبعضها محتمل ولكن الطريقة التى يعمل بها كمال عمر تبدو وكأنها طريقة رجل فى يده شفرة مهمة لتغيير النظام وأن التغيير سيقع بعد ثوان.
رجل يتحدث بلسان أطول من قامته ويعمل على ترسيخ كراهية ليست معهودة فى العمل السياسي فى السودان ولديه افتتان خاص باليسار، افتتان يتجاوز كونه افتتان حزب معارض دخل فى تحالف مع اليسار. هنالك (شيء ما) ما بين الرجل واليسار سوف تتكفل الأيام وحدها دون شك بإظهاره عاجلاً أم آجلاً!

موقف الخرطوم من أزمة القاهرة.. حقائق غائبة!

أعاب البعض من الناقمين على ما يجري فى مصر الشقيقة على الحكومة السودانية تعاملها مع الحكومة المصرية المؤقتة في القاهرة والتي جاءت على أنقاض وأشلاء النظام المنتخب الذي كان يمثله الرئيس مرسي، أعابوا عليها على وجه الخصوص قبولها زيارة وزير الخارجية المصري الى الخرطوم نبيل فهمي فى التاسع عشر من أغسطس الماضي. فهل بالفعل يعتبر موقف الخرطوم من القاهرة موضعاً للنقد؟
الواقع إن الخرطوم وقفت موقفاً صارماً بعدم التدخل فى الشأن الداخلي لأي دولة مهما كانت درجة قربها منها ومن المهم الوضع فى الاعتبار هنا أن الموقف ينبغي أن يكون مدخلاً للمدح والإطراء بدلاً من الذم والانتقاد الحاد، فالعلاقات الدولية – مهما نسي البعض – تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شئون الغير الداخلية.
صحيح أن الدماء التى سالت دماء بريئة وغالية، وصحيح أيضاً أن العلاقة بين البلدين ترتبط برابط سياسي مقدس وصحيح أيضاً أن السودان عمق استراتيجي حقيقي لمصر وظهر وسند أمني لها، ولكن السياسة لا تعرف العواطف والحسابات الفردية المضطربة.
لقد عانى السودان طوال عقدين ونيف من الزمان من التدخل الدولي في شئونه الداخلية وكلفه هذا التدخل وما يزال يكلفه الكثير من سمعته ومسيرته ونهضته ولكن ليس  من حق السودان أن يتقاطع مع مواقفه بهذه الحدة بتدخله فى شأن سياسي داخلي.
لقد كان بوسع السودان أن يقول ويفعل ما قالت وفعلت العديد من الدول ولكنه انتهز السانحة ليؤكد للعالم أنه لا يتدخل فى شئون الآخرين وإن تدخلوا فى شئونه فعسى ولعل أن يكفي هذا الموقف عنه شر المتدخلين فى شئونه.
لقد بدا واضحاً أن هندسة دقيقة للسياسة الخارجية السودانية تجري بدقة بعيداً عن الشطحات والصياح والبعد عن الموضوعية، ولهذا فإن جملة من الفوائد السياسية حققها السودان من هذا الموقف تتمثل فى: أولاً، كسب ثقة العالم بصفة عامة إذ أن الكثير من دول العالم كانت تنتظر من السودان أن يتدخل بحكم آصرة القربى السياسية وأن يتورط فى مستنقع آسن هناك لكي تسيمه صنوف العذاب ولكنه لم يفعل ومن ثم تأكد لهذه الدولة الجهات –الدولية والإقليمية – وعملياً، أن السودان ملتزم بهذا المبدأ الأخلاقي الكبير.
الأمر الثاني أن السودان بموقفه هذا كسب أيضاً أطراف الأزمة  فى مصر الشقيقة إذ من المؤكد أن الأمر يحتاج لمعالجة في يوم ما ووساطة بدرجة ما للمّ الشمل السياسي فى مصر وبقاء السودان على موقفه من الأزمة يمنحه فرصة واسعة وثقة كاملة فى التوسط فى الوقت المناسب بعدما يكون طرفيّ الأزمة لاحظوا موقفه ووثقوا به، فهناك العديد من الدول التى فشلت فى التوسط لأنها منذ البداية أعلنت موقفها المنحاز لطرف من الطرفين المتنازعين ومن ثم فهي فقدت صفة الحيادية والموضوعية.
الأمر الثالث أن السودان تعلم - وفق هذه السياسة - وعبر مِران علني وعملي كيفية الثبات على مبدأ سياسي ربما بدا صعباً وشاقاً، ولكنه خير دواء لأيّ داء.
لقد كان  مراناً جدياً مارسه السودان فى ممارسة أقصى قدر من الحيدية وضبط النفس رغم كونه جاراً قريباً وربما هاله ما جرى وأدمى قلبه ولكنه صبر على موقفه وهو ما يرشحه لأن يقف مثل هذه المواقف مستقبلاً ويشتهر على النطاق الدولي بأنه ملتزم بسياسة عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى وهو أمر غير قليل وشديد الأهمية!

الجنائية الدولية فى أفريقيا.. بداية النهاية!

تعزيزاً لقرارات سابقة صادرة عن الاتحاد الإفريقي بشأن عدم التعاون مع المحكمة الجناية الدولية باعتبارها أداة سياسية استعمارية لا تلاحق سوى القادة الأفارقة؛ فقد دفعت دولة ليبريا -الأسبوع الماضي- بمقترح يقضي بإدانة المحكمة فى مؤتمر الأحزاب الإفريقية المنعقد بالعاصمة الزامبية لوساكا.
مجرد صدور قرار من مؤتمر الأحزاب الأفريقية وغالبها أحزاب حاكمة يعني أن القادة الأفارقة قد بدئوا أولى خطواتهم باتجاه محاصرة الجنائية والقضاء على سلطانها، فيا ترى ما هو المدى الذي من الممكن أن يصل إليه القادة الأفارقة فى مواقفهم من الجنائية الدولية؟
الشيء المؤكد أن القادة الأفارقة ندموا غاية الندم على قبولهم الانضمام الى ميثاق روما 1998 المنشئ للمحكمة والمصادقة عليه، فقد حفلت تجربة 11عاماً حتى الآن منذ وصول الميثاق حيز التنفيذ بملاحقات مفصلة تفصيلاً على مقاس القادة الأفارقة، ولهذا فإن مؤشرات إمكانية خروج هؤلاء القادة عن الميثاق والانسحاب من المحكمة واردة على النحو الذى سوف نتطرق إليه فى النقاط التالية.
النقطة الأولى إن إستراتيجية القادة الأفارقة للخروج من الميثاق ومن ثم التحلل من المحكمة رمت فيما يبدو الى أن يبدأ الأمر من القاعدة، فالأحزاب الإفريقية هي القاعدة فى سلسلة السلطات فى بلدانها إذ أن اقتناع القوى السياسية الإفريقية بالفكرة والتأكيد عليها بصورة جماعية فى مؤتمر عام معناها تبلور الفكرة وإمكانية طرحها داخلياً (كل دولة على حدا) بحيث تتكفل هذه الأحزاب (داخلياً) بنشر الفكرة والترويج لها ومن ثم تصبح الفكرة قد بدأت تنتقل الى خطوات عملية.
مؤتمر الأحزاب الإفريقية أساساً جسم سياسي أراد به الأفارقة خلق حالة انسجام سياسي أوسع يبن دول القارة بحيث تتقارب الأفكار والرؤى أكثر حتى تتيح تقارباً أكثر فى الاتحاد الإفريقي.
النقطة الثانية إذا تبلورت الفكرة لدى الأحزاب الإفريقية فإن الاتحاد الإفريقي فى نهاية المطاف إنما تعتبر قاعدته الهامة هي هذه الأحزاب الإفريقية فعلى الأقل هي التى تمثل التيار الشعبي العام لأي دولة، خاصة وأن الاتحاد الإفريقي له تجربة سابقة فى منع بلدانه من التعاون مع المحكمة.
النقطة الثالثة، أن الاتحاد الإفريقي عانى وما يزال يعاني من زعزعة استقرار بلدانه نتيجة لقرارات الجنائية. الاتحاد الإفريقي يواجه تشويشاً غير محدود من الجنايات الدولية، وهو يسعى لحلحلة مشاكل بلدانه، فعلى سبيل المثال فإن استصدار مذكرة توقيف من المحكمة ضد مسئولين سودانيين كبار -بسبب أزمة دارفور- فاقم من حدة النزاع فى دارفور ودفع قادة الحركات المسلحة لعدم الانضمام الى العملية السلمية وجعل مجلس السلم الإفريقي -باعتباره المسئول الأول عن الأمن الإفريقي- غير قادرة على حل الأزمة  الشيء الذي جعلها أزمة ذات بُعد دولي وهو ما يتصادم مع أهداف الاتحاد وتطلعاته.
ولهذا فكلما وجد الاتحاد سانحة تجعله يتخلص من المنغصات التى تعيق تقدمه فهو يرحب بها والشيء المؤكد أن الاتحاد الإفريقي سيظل عاجزاً وغير قادر على العمل طالما أن هناك جهة دولية غير نزيهة وغير محايدة تلاحقه، كما أن الاتحاد الإفريقي وبمثلما نجح فى رفض الانقلابات العسكرية وعدم الاعتراف بها يسعى لإنشاء محاكم خاصة به و حلّ النزاعات الإفريقية الداخلية على طاولته قبل أن توضع على أي طاولة دولية أخرى.
إنها إذن بداية النهاية لمحكمة الجنايات الدولية التى اعتقد منشئوها أنهم وبعدما ضمنوا قيامها فإن بوسعهم فعل ما يريدون، دون أن يردعهم رادع، أو يزعهم وازع!

قمة (البشير سلفا) بالخرطوم والنار التي ستصبح برداً وسلاماً

مدونة سياسية: محمد حسن رابح المجمر
إذا نظر المحلل السياسي لزيارة الرئيس سلفاكير ميارديت للخرطوم من زاوية نظر (رجل الشارع البسيط) في البلدين، ولا أعتقد بأنني لست كذلك، فإنه يرى وبوضوح تام أن هذه العلاقات السياسية التي لطالما كانت عرضة للتقلب والمزاجية الحادة في بعض الأحيان بحاجة إلى ضماضات قوية وملزمة بالإحترام بأن تستمر بهذه الإيجابية.
بعيداً عن حسابات السياسة وتعقيداتها، فإن الوضع الإقتصادي في البلدين لايسمح أن تعمل أي من هاتين الدولتين بعكس مصالحها العليا في الأمن ومعيشة الناس، بأن تتم تسوية الخلافات القائمة حول ماتبقى من إتفاقية السلام على أساس (التوافق)، لأن التجربة السابقة في الحرب والتعارض لم تقدم حلولا ًيمكن الركون إليها، خصوصاً بدولة جنوب السودان، حيث أن التطور الناتج من عودة آلاف الجنوبيين من المهاجر الأجنبية ومن الداخل السوداني، فرض واقعاً جديداً سمته التنافس على الموارد المتاحة وفرص العمل الضئيلة في الدولة الوليدة التي لم تشرع بعد في تأسيس بنيتها التحتية على مختلف الأصعدة الخدمية.
ومن النتائج المهمة لحاصل جمع هذا العدد الكبير من أبناء الجنوب السوداني داخل دولتهم، هو أن يسترجع الناس في مدن وقرى الجنوب ما بذاكرتهم من تجارب سابقة في كيفية التعاطي مع متطلبات الحياة اليومية ومستحقاتها، وخصوصاً اولئك الذين تم (ترحيلهم) من السودان، وهم في حال (البداية من الصفر) في مرحلة التعرف على الذات، والتعرف على الإمكانات الذاتية لدولتهم في جزئية (التخديم) والسعي نحو الرزق والكسب الشريف، وعلاقة زيادة السكان بنقص الموارد (المالثوسية) سيئة الذكر تحضر بكثافة في هذا المقام، والتنافس الحاد على موارد شحيحة في دولة (منعزلة) لايختلف سوى الخلل الأمني والرغبة في الهجرة.
يخطئ من يعتقد أن (إبتكار) أي دولة حرب من عدو متوهم أو حقيقي يجمع من حولها مواطنيها ويكون سبباً في توحدهم، لأن هذا الشرط يتحقق في تأكيد حقيقة أن الحرب المزعومة (عادلة) وهي فعلاً قضية هذا المواطن، لذلك فإن القرارات السياسية والإدارية التي إتخذها الرئيس سلفاكير في الفترة الماضية جاءت ومن داخل (ذاكرة الوطن)، جاءت وهي لاتحمل بهرج الثورة أو زينة الترويج السياسي (لأحلام ثورية) ظلت كامنة منذ الثمانيات في أذهان الكثيرين من معاصري إنطلاقة الحرب في نسختها الثانية بجنوب السودان عام 1983م، وهو الأمر الذي جعل من هذه القرارات مفاجئة حتى للمقربين منه حد (الصدمة).
وزيارته للخرطوم أمس الثلاثاء تعكس مدى معرفته في إدارة معاركه الخاصة بعيداً عن التأثيرات الجانبية على مستوى صناعة القرار، مما يوحي بأنه أصبح أكثر (بوليسية) من السابق، لأن قراراته الكبيرة التي أطاحت ببعض معاونيه في الحركة والحكومة جلبت له مخاطراً ومهددات في أمنه الداخلي لإنتشار أنصار خصومه حتى في داخل مواقعه المحمية، وواقع حريق مكاتب مسؤولين في حكومته (بمن فيهم مكتب باقان أموم) مؤخراً لاتزال ماثلة، كما وأن هناك مؤشرات كثيرة على أنه يخطئ بقبول شعبي كبير، وخاصاً أنه من المسؤولين الذين يهمهم الإطلاع على تقارير الرأي العام بشكل مستمر، وما كانت لتكتمل هذه الخطوات ـ شبه الإنقلابية ـ على رفاقه في الحركة دون الإستئناس بهذه القرارات الطولة.
رحب الخرطوم بهذه الزياره وعلَق عدد من المسؤولين في الحزب والحكومة على أهميتها كحدث له ما بعده، وظهرت جلية حقيقة أن الإتجاه للحوار والجلوس على الأرض بات مطلباً ملحاً وحيوياً لكل الأطراف، ويوحي هذا الحدث بتداعياته التي لامست حتى سوق الدولار (السوداء) في أن إنخفض سعر الصرف إنخفاضاً طفيفاً، بأن التوقعات السياسية التي (تحنطت) في داخلها عشرات الشخصيات القيادية بالخرطوم أو المهاجر في دول الجوار أو أوروبا بأن تكون نهاية التوترات الأمنية (حرب شاملة) لإعادة توحيد الدولتين على أساس جديد، لم تكن واقعية ومدروسة على نحو سليم، وإنما فقط مجرد توقعات خدمتها آلة إعلام (مجاني) في الداخل والخارج، لأن الحرب وبحسابات الإقتصاد لا يمولها (الفقراء) ومن يتعاملون مع موازنات هي أصلاً (معجزة)!!.
سيكون التناقض ظاهراً في سلوك دولة جنوب السودان التي تعمل في داخلها مكاتب (المساعدة الأمريكية) بحنوٍ ورفقة من يكفل أسرة فقدت عائلها، في أن تقوم بتوظيف ماتوفر لديها من أموال (بترودولار) لشراء وتوريد شحنات أسلحة لتأجيج الحرب ضد السودان لتكون الخسارة مركبة وفادحة، وتصعب الإجابة على السؤال: لماذا نختار الحرب في هذا التوقيت بالتحديد ولأجل من؟!.. حيث لاتنفع المبررات الأيدلوجية أو تكاليف (الوكالة) الباهظة من أي (دوائر) لها مصلحة في أن يختل الأمن بالسودان، لأن عامل الوقت في حسابات التنمية بالدولة الوليدة لن يكون متاحاً للأبد، وبنفس الهدوء والأريحية التي حسم بها الرئيس سلفا مشكلاته الداخلية في (بيت الحركة) إتجه خارجياً لأن يعيد أولويات دولته بموضوعية تحترم عقول أبناء شعبه. ليكون تدفق نفط الجنوب عبر اللأراضي السودانية بإتجاه موانئ التصدير مكسباً كبيراً لجوبا والخرطوم ، وبالقدر نفسه يعزز هذا الإجراء موقفها الدولي تجاه الشركاء الإقتصاديين ويقوي من أواصر الثقة في مجال(رأس المال الإستثماري) الخارجي الذي جيئ به إلى هذه الديار التي هي خرجت للتو من أطول حرب أهلية في القرن العشرين بثقة تامة بأن هنالك تغييراً سيحدث، ومن الثابت في تجارب الأمم والشعوب ألا حرب مؤبدة مطلقاً، لأنها حالة عارضة لا تلبث لأن تزول، والأصل في العلاقات الدولية المصلحة والمنافع المتبادلة والتي تحكمها إرادة الشعوب في الحياة، لذلك فإن إتجاه قادة دولتي السودان نحو الحوار كان قراراً صائباً وتأريخياً قياساً بالقرارات السابقة التي حكمت هذه العلاقة بين البلدين، ويمكن أن يلمح المرء من إرتفاع متوسط أن أفقاً من التوافق والإنسجام بين هذه الأطراف في الشمال والجنوب قد بدأ في الظهور وأن نتائجه ستنزل برداً وسلاماً على شعبي البلدين.

زيارة سلفا كير بين الواقعية والتآمر

بقلم: خالد حسن كسلا
حديث الأخبار عن أن رئيس دولة الجنوب سلفا كير حين زيارته للسودان أمس الأوّل قد حنا هامته أمام علم السودان وربما تعبيراً عن مجاملة سياسية في مناخ الزيارة الذي يلائمها ليس هو المهم في مضمون الزيارة، فالمهم هو بالنسبة للجنوب أن يستمر تدفق النفط عبر أراضي السودان على الأقل خلال السنوات الخمس القادمة، فربما مستقبلاً تهتم القوى الأجنبية ببديل لأراضي السودان يغني دولة الجنوب عنها حتى تكون مؤهلة لصفة عدو له كامل بحيث لا تتكرر زيارات الصلح إلى الخرطوم والانحناء لعلم السودان الحالي الذي هو ليس علم الاستقلال، إنما علم نميري. وبهذه المناسبة فإن باقان أموم حينما سألوه لماذا لا ترفع الحركة الشعبية علم السودان بعد اتفاقية السلام الشامل «اتفاقية نيفاشا» مع علم الحركة الشعبية أو بدلاً منه. فأجاب قائلاً «تقصد علم مايو؟!» إذن سلفا كير قد انحنى لعلم مايو علم نميري، رغم أنه تمرد على حكومة نميري عام «1983م» للمرة الثانية، وقد كان متمرداً عليها ضمن أنانيا «1» قبل اتفاقية أديس أبابا مارس «1972م».
لكن الخوف الأكبر يبقى من أن تكون زيارة الرجل أمس الأوّل على طريقة زيارات القذافي، فذاك كان يزور البلاد متظاهراً بالإخوة فهو لا يؤمن بمصطلحات السفارة والسفير، ولذلك كان يسمِّى سفيره أمين مكتب الإخوة، ومع ذلك تنطلق من بلاده مليشيات العدوان ضد السودان من عدوان «2 يوليو 1976م» إلى ضرب إذاعة أم درمان بداية الثمانينيات إلى غزو أم درمان الانتحاري بقوات خليل عام «2008م» إضافة إلى دعم نسف الأمن والاستقرار في ولايات دارفور. الآن قوات قطاع الشمال ما زالت تنشط وما زالت تتلقى الدعم بكل أنواعه، أرض وأموال وإيواء لقادة التمرد في الفنادق.
التقى معظم ممثلي القوى السياسية السودانية بالرئيس سلفا كير أمس الأوّل بقاعة الصداقة وخرجوا بانطباعات سادها التفاؤل بأن السودان لن يواجه بعد زيارة سلفا كير الأخيرة هذي مشكلات أمنية على حدود عام «1956م». فمثلاً قال الترابي بعد التقائه الرئيس الجنوبي الزائر «الآن الشعبان أدركا أن علاقاتهما أوثق مما كانا يريدان يوم تفاصلا».. انتهى. لكن هل هما «تفاصلا» أم «انفصل» شعب الجنوب عبر عملية الاستفتاء؟! إن فعل الماضي «تفاصلا» يعني أو يمكن أن في «الشمال» أغلبية صامتة عبّر عنها منبر السلام العادل وصحيفته «الإنتباهة»، وشعار هذه الصحيفة هو «صوت الأغلبية الصامتة». وها هو الترابي يقول عن الشعبين إنهما «تفاصلا». لكن الصادق المهدي بخلاف الترابي قد كان واقعياً وإيجابياً فقد ركز على ضرورة إنتاج الحلول الناجعة لصالح الأمن والاستقرار وقد اقترح على رئيس الحركة الشعبية قيام مفوضية حكماء لكي تحوّل لها كل القضايا التي تشمل طرف ثالث من السكان المحليين. وهنا كأنه يشير إلى قضية أبيي. أما الميرغني رئيس الاتحادي الأصل فقد أكد سلفا كير له عند لقائه به على أن «الجنوب» مع وحدة السودان من حلفا إلى نمولي. لكن من لا يعلم بتحريض سلفا كير قبل الاستفتاء على التصويت للانفصال من كنيسة القديسة تريزا؟! ويقول من حلفا إلى نمولي.. وحتى حلفا هناك من يتحدث عن أنها ستكون وسط دولة النوبة المرسومة في خيال بعض الناس. ثم إن الزيارة ليست لعودة الوحدة وإنما لاستمرار تدفق النفط مقابل وقف دعم التمرد في دارفور والمنطقتين.
أما لقاء سلفا كير بزعيم الحزب الشيوعي فإن الكلمات التي خرجت منه كأنما تخفي وراءها أسرار العلاقة التآمرية القديمة بين الحزب هذا والحركة الشعبية فقد كانت الكلمات عن نجاح لقاء البشير وسلفا.. ومعلومة هي علاقة قطاع الشمال بالحزب الشيوعي.

دارفور وصراع القبائل

بقلم/ بكري خليفة
قضية دارفور لا تزال تؤرق مضاجع السودان بما تفرزه من معاناة يومية يشهدها الإقليم المضطرب منذ سنوات بالرغم من أن القضية لم تعد تطفو على سطح الإعلام العالمي إلا نادراً بعد ثورات الربيع العربي وغيرها من الأحداث التي جعلت العالم يلتفت إليها ويدرك الجميع أن القضية لم تحل نهائياً لكن لم تعد بنفس الوضع القديم فالقضية المتشعبة أرهقت السودان كثيراً فبعد خروجه من حرب الجنوب وقبل أن يلتقط أنفاسه اشتعلت الحرب في دارفور وظلت تستنزف موارد البلاد الضيقة أصلاً إضافة إلى الضغوط السياسية التي يمارسها المجتمع الدولي من أجل وقف الصراع.
لخص الكثيرون مشكلة دارفور في الصراع بين المزارعين والرعاة ولم يكن الجانب القبلي والإثنى في يوم من الأيام هو مصدر الصراع بين القبائل التي تقطن دارفور سواء عرب أو أفارقة وما يثار عن صراع بين العرب والزرقة لا يتعدي تفلتات محدودة إن وجدت في حين تكمن المشكلة الأساسية في التنمية.
بالرغم من الإمكانات الهائلة لدارفور من أراض زراعية وثروة حيوانية ومياه جوفية ومعادن ثمينة من ذهب ويؤرانيوم ونحاس وغيره إلا أن المنطقة تفتقر بأبسط مقومات التنمية من مصانع وطرق ومستشفيات ومدارس وغيرها.
فالمنطقة تشتهر بزراعة المحصولات الزراعية والفواكه فحتى طريق الإنقاذ الغربي الذي صرفت عليه الملايين ما يزال في علم الغيب ولو أكتمل الطريق لنشطت التجارة بصورة كبيرة ونسبة لبعد المنطقة وانعدام الأمن جعلت السفر عبر الطرق البرية نوعاً من المخاطر واضطر الناس يلجأون إلى وسائل الطيران الغالية والتي ترتفع يومياً والتي ستجعل من دارفور منطقة معزولة اختيارياً.
تمكنت من زيارة دارفور أكثر من مرة، فقد زرت الجنينة والفاشر وتلك المناطق تتمتع بإمكانات هائلة لكن الصراعات والتي أخذت مؤخراً منحي خطيراً عبر الاقتتال القبلي تجعلها تقف على برميل بارود.
فالصراع القبلي يقوض الأمن ويجعل القبائل تتقاتل حتى تفني عن آخرها ومؤخراً كنت حضوراً في منزل والي شمال دارفور عثمان يوسف كبر، والرجل له باع طويل ويعرف كل صغيرة وكبيرة عن دارفور ويبذل جهداً كبيراً من اجل الاستقرار في المنطقة منذ أن كانت محط أنظار العالم أجمع ووجهة الفضائيات الأولي وحتى الآن بالرغم من انحسار التمرد إلا أن الصراعات القبلية عادت لتفرز ما تفرزه الحركات المسلحة فالقتال الأخير بين البني حسين والرزيقات وأيضاً بين المعاليا والرزيقات أسفر عن قتل المئات وتشريد الآلاف وحرق العديد من القرى والمزارع وبفضل الوالي الهمام عقد الصلح بين هذه القبائل وهو يعمل على تطبيق بنوده وعقد لقاء مع كل قبيلة لإلزامها بتنفيذ اتفاقية الصلح .. أعجبني حديثه بان الصلح مهما ظن أحد الأطراف بأنه مجحف إلا أنه أفضل من الحرب واستدل بصلح الحديبية بين قريش والرسول صلي الله عليه وسلم والذي أسفر عن فتح مكة.
أيضاً كما قال الوالي إن العمل الاجتماعي مهم جداً حتى يحصل تلاقح وتداخل بين القبائل إضافة إلى تنمية المنطقة حتى لا يكون هناك صدام حول المراعي أو مصادر المياه بالإضافة إلى تفعيل دور اللجان الأهلية والأجاويد لحل الإشكاليات حتى يعود الاستقرار .. لذلك على الدولة أن تدعم المصالحات القبلية وتتكفل بدفع الديات وتحقيق مزيد من التنمية للمنطقة حتى لا تعود دارفور لتحترق مرة أخرى بسبب قبائلها المتصارعة على الموارد الطبيعية.