الخميس، 5 سبتمبر 2013

قمة (البشير سلفا) بالخرطوم والنار التي ستصبح برداً وسلاماً

مدونة سياسية: محمد حسن رابح المجمر
إذا نظر المحلل السياسي لزيارة الرئيس سلفاكير ميارديت للخرطوم من زاوية نظر (رجل الشارع البسيط) في البلدين، ولا أعتقد بأنني لست كذلك، فإنه يرى وبوضوح تام أن هذه العلاقات السياسية التي لطالما كانت عرضة للتقلب والمزاجية الحادة في بعض الأحيان بحاجة إلى ضماضات قوية وملزمة بالإحترام بأن تستمر بهذه الإيجابية.
بعيداً عن حسابات السياسة وتعقيداتها، فإن الوضع الإقتصادي في البلدين لايسمح أن تعمل أي من هاتين الدولتين بعكس مصالحها العليا في الأمن ومعيشة الناس، بأن تتم تسوية الخلافات القائمة حول ماتبقى من إتفاقية السلام على أساس (التوافق)، لأن التجربة السابقة في الحرب والتعارض لم تقدم حلولا ًيمكن الركون إليها، خصوصاً بدولة جنوب السودان، حيث أن التطور الناتج من عودة آلاف الجنوبيين من المهاجر الأجنبية ومن الداخل السوداني، فرض واقعاً جديداً سمته التنافس على الموارد المتاحة وفرص العمل الضئيلة في الدولة الوليدة التي لم تشرع بعد في تأسيس بنيتها التحتية على مختلف الأصعدة الخدمية.
ومن النتائج المهمة لحاصل جمع هذا العدد الكبير من أبناء الجنوب السوداني داخل دولتهم، هو أن يسترجع الناس في مدن وقرى الجنوب ما بذاكرتهم من تجارب سابقة في كيفية التعاطي مع متطلبات الحياة اليومية ومستحقاتها، وخصوصاً اولئك الذين تم (ترحيلهم) من السودان، وهم في حال (البداية من الصفر) في مرحلة التعرف على الذات، والتعرف على الإمكانات الذاتية لدولتهم في جزئية (التخديم) والسعي نحو الرزق والكسب الشريف، وعلاقة زيادة السكان بنقص الموارد (المالثوسية) سيئة الذكر تحضر بكثافة في هذا المقام، والتنافس الحاد على موارد شحيحة في دولة (منعزلة) لايختلف سوى الخلل الأمني والرغبة في الهجرة.
يخطئ من يعتقد أن (إبتكار) أي دولة حرب من عدو متوهم أو حقيقي يجمع من حولها مواطنيها ويكون سبباً في توحدهم، لأن هذا الشرط يتحقق في تأكيد حقيقة أن الحرب المزعومة (عادلة) وهي فعلاً قضية هذا المواطن، لذلك فإن القرارات السياسية والإدارية التي إتخذها الرئيس سلفاكير في الفترة الماضية جاءت ومن داخل (ذاكرة الوطن)، جاءت وهي لاتحمل بهرج الثورة أو زينة الترويج السياسي (لأحلام ثورية) ظلت كامنة منذ الثمانيات في أذهان الكثيرين من معاصري إنطلاقة الحرب في نسختها الثانية بجنوب السودان عام 1983م، وهو الأمر الذي جعل من هذه القرارات مفاجئة حتى للمقربين منه حد (الصدمة).
وزيارته للخرطوم أمس الثلاثاء تعكس مدى معرفته في إدارة معاركه الخاصة بعيداً عن التأثيرات الجانبية على مستوى صناعة القرار، مما يوحي بأنه أصبح أكثر (بوليسية) من السابق، لأن قراراته الكبيرة التي أطاحت ببعض معاونيه في الحركة والحكومة جلبت له مخاطراً ومهددات في أمنه الداخلي لإنتشار أنصار خصومه حتى في داخل مواقعه المحمية، وواقع حريق مكاتب مسؤولين في حكومته (بمن فيهم مكتب باقان أموم) مؤخراً لاتزال ماثلة، كما وأن هناك مؤشرات كثيرة على أنه يخطئ بقبول شعبي كبير، وخاصاً أنه من المسؤولين الذين يهمهم الإطلاع على تقارير الرأي العام بشكل مستمر، وما كانت لتكتمل هذه الخطوات ـ شبه الإنقلابية ـ على رفاقه في الحركة دون الإستئناس بهذه القرارات الطولة.
رحب الخرطوم بهذه الزياره وعلَق عدد من المسؤولين في الحزب والحكومة على أهميتها كحدث له ما بعده، وظهرت جلية حقيقة أن الإتجاه للحوار والجلوس على الأرض بات مطلباً ملحاً وحيوياً لكل الأطراف، ويوحي هذا الحدث بتداعياته التي لامست حتى سوق الدولار (السوداء) في أن إنخفض سعر الصرف إنخفاضاً طفيفاً، بأن التوقعات السياسية التي (تحنطت) في داخلها عشرات الشخصيات القيادية بالخرطوم أو المهاجر في دول الجوار أو أوروبا بأن تكون نهاية التوترات الأمنية (حرب شاملة) لإعادة توحيد الدولتين على أساس جديد، لم تكن واقعية ومدروسة على نحو سليم، وإنما فقط مجرد توقعات خدمتها آلة إعلام (مجاني) في الداخل والخارج، لأن الحرب وبحسابات الإقتصاد لا يمولها (الفقراء) ومن يتعاملون مع موازنات هي أصلاً (معجزة)!!.
سيكون التناقض ظاهراً في سلوك دولة جنوب السودان التي تعمل في داخلها مكاتب (المساعدة الأمريكية) بحنوٍ ورفقة من يكفل أسرة فقدت عائلها، في أن تقوم بتوظيف ماتوفر لديها من أموال (بترودولار) لشراء وتوريد شحنات أسلحة لتأجيج الحرب ضد السودان لتكون الخسارة مركبة وفادحة، وتصعب الإجابة على السؤال: لماذا نختار الحرب في هذا التوقيت بالتحديد ولأجل من؟!.. حيث لاتنفع المبررات الأيدلوجية أو تكاليف (الوكالة) الباهظة من أي (دوائر) لها مصلحة في أن يختل الأمن بالسودان، لأن عامل الوقت في حسابات التنمية بالدولة الوليدة لن يكون متاحاً للأبد، وبنفس الهدوء والأريحية التي حسم بها الرئيس سلفا مشكلاته الداخلية في (بيت الحركة) إتجه خارجياً لأن يعيد أولويات دولته بموضوعية تحترم عقول أبناء شعبه. ليكون تدفق نفط الجنوب عبر اللأراضي السودانية بإتجاه موانئ التصدير مكسباً كبيراً لجوبا والخرطوم ، وبالقدر نفسه يعزز هذا الإجراء موقفها الدولي تجاه الشركاء الإقتصاديين ويقوي من أواصر الثقة في مجال(رأس المال الإستثماري) الخارجي الذي جيئ به إلى هذه الديار التي هي خرجت للتو من أطول حرب أهلية في القرن العشرين بثقة تامة بأن هنالك تغييراً سيحدث، ومن الثابت في تجارب الأمم والشعوب ألا حرب مؤبدة مطلقاً، لأنها حالة عارضة لا تلبث لأن تزول، والأصل في العلاقات الدولية المصلحة والمنافع المتبادلة والتي تحكمها إرادة الشعوب في الحياة، لذلك فإن إتجاه قادة دولتي السودان نحو الحوار كان قراراً صائباً وتأريخياً قياساً بالقرارات السابقة التي حكمت هذه العلاقة بين البلدين، ويمكن أن يلمح المرء من إرتفاع متوسط أن أفقاً من التوافق والإنسجام بين هذه الأطراف في الشمال والجنوب قد بدأ في الظهور وأن نتائجه ستنزل برداً وسلاماً على شعبي البلدين.

0 التعليقات:

إرسال تعليق