الخميس، 5 سبتمبر 2013

جوبا تحيِّر مجلس الأمن وتربكه!

لا يحتاج أيّ مراقب لكثير جهد ليدرك ما وراء بيان مجلس الأمن الدولي الأخير الصادر فى الأسبوع الماضي بشأن مرور وتصدير النفط الجنوبي عبر الموانئ السودانية.
البيان حضّ الخرطوم على عدم اللجوء الى قرار وقف الضخ. وكان واضحاً مبلغ القلق الطافح من بين ثنايا البيان، وكان واضحاً أيضاً أنَّ واشنطن على وجه الخصوص هي التى يتداعي جسدها بالسهر والحمى جراء قرارات الخرطوم النفطية هذه تجاه جوبا، فالولايات المتحدة تعيش منذ عقود عقدة النفط والحرب الشعواء التى استخدمها ضدها العرب فى حرب أكتوبر 1973 حين أوقفوا إمداداتهم النفطية للغرب كسلاح فاعل أذل الغرب وآلم واشنطن غاية الإيلام وجعلها تفكر منذ ذلك الحين بقيادة عرّاب سياستها الخارجية هنري كيسنجر فى نزع سلاح النفط من أي دولة فى العالم.
ولعل من المفارقات فى هذا الصدد أن واشنطن لم تتأثر عملياً فى ذلك الحين بقرار العرب ولكنها اعتبرتها ضربة قاصمة لهيبتها الدولية وهو ما حدا بها للتواجد الكثيف باستمرار – كسياسة إستراتيجية دائمة – قرب آبار النفط جاهزة ومستعدة للتدخل لمنع وقفه.
غير أن واشنطن فوجئت -مفاجأة كاملة- بأن جوبا هي من بادرت باستخدام سلاح النفط ضد السودان، فبراير 2012 ويومها أدركت واشنطن -وهي تشعر بخيبة أمل هائلة- أن جوبا بهذا الخطأ الاستراتيجي الهائل فتحت الطريق للسودان لكي يستخدم ضدها ذات السلاح، وهذا ما حدث بالفعل والأكثر سوءاً أن واشنطن استحال عليها -وما يزال مستحيلاً- أن تنزع سلاح النفط من الخرطوم بحال من الأحوال، أللهم إلا إذا استطاعت -كما يفعل السحرة والحواة- أن تنشئ بين غمضة عين وانتباهتها خطاً بديلاً للنفط الجنوبي لا يستغرق بناؤه سوى أيام!
لقد بدا واضحاً أن مجلس الأمن وبقدر حرصه على ممالأة جوبا ودعمها معنوياً والوقوف معها ضد السودان، بقدر ما ظلت الخيبة ومظاهر الفشل تلاحقه. ولهذا فإن المجلس لم يفكر قط ولن يكون بوسعه التفكير فى استصدار قرار ملزم من جانبه يلزم السودان بتمرير النفط الجنوبي عبر أنابيبه وهو ما جعله يكتفي فقط -وهو يعض بنان الحسرة- باستصدار بيان يحض فيه السودان على المداومة على ضخ النفط.
وقد كان من الممكن أن تصبح المعادلة معقولة لو أن المجلس - فى ذات البيان - دعا جوبا بعبارات قوية واضحة الى الحرص والحفاظ على علاقاتها المشتركة مع السودان والمضي قدماً فى تنفيذها بقدر من الجدية والحرص.
كان من الممكن أن يشير البيان – صراحةً – الى خطل الرأي الجنوبي حتى ولو كان مجرد تلويح بإجراء استفتاء أبيي منفرداً، فقد فقدت جوبا أوراق اللعب الصالحة للعب المربح منذ اللحظة التى قررت فيها وقف ضخ النفط عبر الأنابيب السودانية وفى ذهنها يومئذ أن السودان سيبادر بالصراخ ويمنحها ما تريد.
الآن بات على جوبا أن توقن أن سلاحها النفطي لم يعد غير فعال فحسب، وإنما أصبح سلاحاً مضاداً هو نفسه موجه ضدها، كما أن على مجلس الأمن الدولي أن يبحث عن صيغة ما تجعله يمالئ جوبا ويدافع عنها وفى الوقت نفسه يضمن لها انسياب نفطها دون أن تنفذ التزاماتها الدولية.

0 التعليقات:

إرسال تعليق