دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الأربعاء، 31 يناير 2018

عبث استراتيجي مصري بالعلاقة الاستراتيجية مع السودان!


على الرغم من مما يبدو -ظاهرياً- إن الحكومة المصرية راغبة فى الاحتفاظ بعلاقاتها الاستراتيجية مع السودان باعتبار ان البلدين جارين شقيقين تربطهما أواصر إستراتيجية ومصير مشترك و تاريخ مشترك، إلا ان واقع الأمر -بكل أسف- يشير ان الحكومة المصرية تعبث عبثاً صبيانياً غير مسبوق بهذه العلاقة
، بحيث وصفه احد الدبلوماسيين الغربيين في العاصمة البريطانية لندن بأنه مدهش وغير قابل للتصديق () – بنص تعبيره!
ولمن يريد ان يتعرف على المدى المدهش الذي تردت اليه الحكومة المصرية في عبثها بعمقها الاستراتيجي فان بإمكانه ان يلاحظ عدة أمور بالغة السوء والخطورة :
أولاً، تحتضن الحكومة المصرية عياناً بياناً وبلا مواربة عناصر المعارضة السودانية المسلحة وعناصر وقادة الاحزاب والمنظمات السياسية والحقوقية و تتيح لهم الشقق و المقار و الدور وفتح المكاتب لممارسة أنشطتهم العامة في الساحات والصالات، و في أماكن واضحة و استخراج وثائق ثبوتية تتيح لهم التنقل حول العالم. وهذه الممارسة تقوم بها السلطات المصرية بلا مدارة ومعروفة على نطاق واسع لكل المواطنين المصريين والمقيمين السودانيين في مصر.
ثانياً، تقوم السلطات المصرية بتحريض هذه الحركات المسلحة -علناً- للقيام بأنشطتها العسكرية داخل السودان و توفر لهم العتاد الحربي اللازم، فحركة العدل و المساواة لها شقق و مقار معروفة و هي تنشط في الحركة و السفر إلى ليبيا. و حركة عبد الواحد لها مقر فى منطلقة (البارجيل) بالجيزة وتمارس أنشطة التهريب إلى إسرائيل، وقد سبق للمخابرات المصرية ان أجرت تنسيقاً لهذه الحركات للاجتماع باللواء (حفتر) فى القاهرة بغية تسهيل الحركة الى ليبيا.
ثالثاً، المتمعن في طبيعة العناصر المعارضة التى تجد هذا التسهيل و هذا (الكرم المصري الحاتمي) يجد حركة تحرير السودان جناح مناوي . حركة عبد الواحد – حركة تحرير السودان (الوحدة) الحركة الشعبية قطاع الشمال ، جبهة تحرير كردفان!
 أما العناصر السياسية فانك تجد قادة لحزب الأمة القومي . الحزب الشيوعي السوداني، الجبهة الوطنية العريضة ، مؤتمر البجا – جبهة الشرق. أما الروابط الحقوقية و المنظمات فهناك حركة (قرفنا) ومجموعة (السودان ينادينا) ، والتحالف العربي من اجل السودان. الرابطة العالمية لأبناء جبال النوبة ، منظمة معن، منظمة تسامي الحقوقية ، حركة تمرد السودان .
فلنتأمل عزيزنا القارئ كل هذا الكم  الهائل من عناصر المعارضة السودانية و الناشطين و الحقوقيين و حملة السلاح تأويهم الحكومة المصرية في الوقت الذي فيه لا يوجد ولو معارض مصري واحد أو حتى نصف معارض مصري في السودان ولو عن طريق الخطأ! وإذا تساءلنا عما تستفيده الحكومة المصرية من هذا العمل العدائي الصارخ فإنها تستفيد فائدة مباشرة من المعلومات و العمل على الضغط على الخرطوم.
و لعل أكثر ما يؤكد هذه الحقيقة ان عناصر من الأمن و عناصر من ضابط المخابرات المصرية يتلقون هؤلاء و يجتمعون بهم باستمرار، ففي 8/1/2018 كما أفاد شهود عيان التقى ضابط بتربة المقدم من الأمن العام المصري يدعى (محمود موافي) في منطقة (سعد زغلول) برئيس مكتب حركة مناوي . الاجتماع جاء بطلب من ضابط الأمن المصري و الذي طب منه -لاحظ هنا طبيعة الطلب- قائمة مفصلة بعضوية الحركة و حذره من القيام بأي نشاط دون الرجوع اليه!
اجتماع آخر دعا له ضابط برتبة عميد يدعى (هشام محفوظ) حضره كل من إسماعيل من الحزب الشيوعي السوداني . و الأمر نفسه حدث في منطقة (طبرق) الليبية حيث تم عقد لقاء ترأسه اللواء حفتر وضم كل من احمد قادريا من حركة مناوي و صلاح حامد و منصور يحى صابر بغية التحرك إلى حدود الليبية.
الأمر إذن واضح و مكشوف، مصر تغامر بعمقها الاستراتيجي ولا تضع اعتباراً لعلاقات حسن الجوار ولا تهتم بمخاطر إثارة بغض وغضب شعب السودان و هذه الممارسة المصرية تطن في صميم الجوار المشترك و تدمر العلاقة الاستراتيجية بين البلدين! ولا يدري احد لِمَ تفعل مصر ذلك.

الزي السياسي المصري الفاضح!


بالطبع يدهش المحلين السياسيين و المراقبين غاية الدهشة مما تخوض فيه الحكومة المصرية وتنافقها فيه أسمرا! و مصدر الدهشة هنا ان القاهرة تعيد ذات ما جربته اسمرا في تسعينات القرن الماضي وانتهى بعودة الرشد والعقل للرئيس أفورقي! القاهرة تفعل الآن الشيء ذاته – مع فارق الظروف و المعطيات
, طبيعة التجربة ، فنظام السيسي يعاني الأمرين من الانقسام الحاد في المجتمع المصري و وجود تيار واسع النطاق يلاحقه النظام و تفزعه غاية الفزع بضع عمليات عسكرية في سيناء، تحولت إلى كابوس ثقيل مثير للرعب!
و نظام السيسي الذي لا يحتمل (كمائن مسلحة عابرة) داخل عمقه ، كيف به ان يتحمل وزر المعاملة بالمثل، اذا ما مضى السودان - مستنداً للقانون الدولي - إلى مبدأ المعاملة بالمثل؟ نظام السيسي مصاب بالجنون حيال سد النهضة ولا يري كيف يتصرف حياله و مع ذلك يغوص في إيذاء السودان بتجميع العناصر المعارضة المسلحة في القاهرة! من المؤكد ان اسمرا إما أنها سعيدة بنقل تجربتها المريرة إلى القاهرة لكي تسعد أكثر بقطع ذنب القاهرة جرياً على قصة الثعلب الماكر الشهيرة، و إما انها (موعودة) بفوائد ما بعد الخدمة التى تحتاجها لظروفها الاقتصادية و بؤسها المعروف. وفى الحالتين فان اسمرا معذورة، لانها لا تملك مجرد اغلاق السودان لحدوده معها أخرج منها صرخة مؤلمة لانها لا تمتلك بدائل و ليس لها عمق من أي نوع . لماذا اذن ارتضت القاهرة بكل عراقتها و تاريخها ان تنزل لهذا الدرك؟ تبيع دينها السياسي الاستراتيجي بدنياها العابرة؟ كيف لنظام حكم لا يحتمل المنافسة الانتخابية –ولو كانت صورية– فيما لاحق رئيس اركان الجيش السابق (سامي عنان) وكتم أنفسه السياسية ثم أجهز علي الفريق شفيق لمجرد تفكيره في الترشح! كيف لنظام بهذه المثالب الفاضحة و الزي السياسي الفاضح ان يفكر في معاداة السودان؟ ان وجه الغرابة في ما تفعله القاهرة الان أنه و حتى على عهد الباشاوات وايام البلاط الملكي وخديوية مصر لم يحدث ان امعن نظام في معاداة شعب جار و شقيق على هذا النحو. سباب و شتائم الاعلام المصري تشبه ثقافة الحواري والازقة المعروفة. الاعلام المصرية يأتمر بأوامر رئيسه فيوزع السباب يمنة و يسرة لمجرد موقف سياسي اتخذه السودان لصالح شعبه. ثم تتكشف الفضيحة حين (يطلب) الرئيس شخصياً من الاعلام المصري ان يكف عن السباب! و يفلت لسان الرئيس السيسي نفسه حين يضيف لتوجيهاته عبارة (مهما كانت درجة الالم) ! يا سبحان الله، وما درجة الالم التى تحسها القاهرة جراء شيء فعله السودان ؟ بل ما الذي فعله السودان أصلاً لكي ينال هذا الكم المهولة من السباب و البذائة المعروفة على لسان المصري الذي لا لجام له؟ ان هذه الممارسة الخاطئة من جانب نظام السيسي ثمنها باهظ للغاية و الرجل لم يدرك هذه الحقيقة بعد، وغداً وحين تجيء ساعة الحقيقة  ربما يدرك الرجل أنه اخطأ خطأ فادح.

العلاقات الأمريكية المصرية …في مرمي نيران “واشنطن بوست”


لم يعد الدور السالب الذي تعلبه مصر على المستويين الإقليمي والدولى محل إنتقاد من أجهزة الإعلام العربية بل تعدي الأمر الى صفحات الإعلام الغربي الذي بدأ خلال الفترة الأخيرة في التركيز على تسليط الضوء على الإنتهاكات والممارسات السالبة التى تقوم بها القاهرة فيما يختص بملف حقوق الإنسان والحريات السياسية بجانب بعض تحركاتها المعادية تجاه بعض الدول المحيطة بها.
ودفعت الأوضاع المزرية في مصر “واشنطن بوست” والتى تعد الثانية من حيث التداول في الولايات المتحدة الى اعداد تقرير من خلال إفتتاحيتها قامت فيه بتقديم النصح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن عليه ان يدرك أن ديكتاتور مصر، “في إشارة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي” ليس صديقاً لأمريكا.
ولم تغفل الصحيفة الاجتماع الأخير بين نائب الرئيس الأمريكي مايكل بينس والرئيس السيسي والذي تمت خلاله إثارة اثنين من الموضوعات الأول كان بخصوص الأمريكيين المسجونين ظلماً في القاهرة، والثاني معاملة المنظمات غير الحكومية والحريات الدينية، وهي القضايا التى وصفتها الصحيفة بانها الأمور التى يقوم النظام المصري بانتهاكها بشكل صارخ.
وقفت الواشنطن بوست على تصريح بينس عقب الإجتماع المشار اليه اذ وصف السيسي بـ “الصديق”، معتبراً أن العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر أقوى من أي وقت مضى ، وقالت الصحيفة ان “الأمر الذي يزيد الشعور بالإحباط والخيبة لدى شريحة واسعة من المصريين أن السيد بينس استغرب سير الديمقراطية في مصر، وتابعت الصحيفة قبل وصول بينس إلى القاهرة أعلن السيسي أنه سيرشح نفسه للانتخابات الرئاسية التي ستجري في مارس المقبل، وقبل إعلان السيسي أُقصي اثنان من المرشحين المحتملين، هم رئيس الوزراء الأسبق الجنرال أحمد شفيق، وابن شقيق الرئيس الأسبق، محمد أنور السادات”، كما ألقي القبض على سامي عنان، الجنرال العسكري ورئيس هيئة الأركان المصرية السابق، عقب إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية.
اعتبرت الواشنطن بوست ان السيسي أساء إلى المعايير الديمقراطية التي سعى إليها المصريون بشكل جماعي خلال السنوات الماضية، ودعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى ضرورة ان تتخذ الإجراءات المناسبة تجاه تصرفات السيسي التى وصفتها بالمثيرة والمقلقة.
اثارت تقارير الواشنطن بوست حفيظة الحكومة المصرية لجهة انها لم تكن الأولى فقد سبق أن كشفت عن وجود شحنة مقذوفات مضادة للدبابات من كوريا الشمالية تم ضبطها على متن سفينة تجارية قبل حوالي عام، كانت متجهة إلى مصر الامر الذي سعت الاخيرة الى نفيه، واتهمت حينها الصحيفة بانها تحاول ان تخلق انطباعا خاطئا بأن مصر لا تلتزم بتنفيذ قرارات مجلس الأمن فيما يتعلق بكوريا الشمالية غير ان تقرير الصحيفة استند الى مسؤولين أمريكيين سابقين وحاليين نوهوا الى أن القاهرة لا تزال تشتري سلاحا من بيونغ يانغ عبر شركات خاصة لسد احتياجات الجيش المصري وذلك خرقا للعقوبات الدولية ضد كوريا الشمالية.
عددت صحيفة واشنطن بوست مآخذها على الرئيس السيسي ولم تتردد في وصفه بالفشل وتحميله مسؤولية مايجري في بلاده اذ اوضحت “انه فشل في جلب الاستقرار لمصر ومنعِ بروز وانتشار تنظيم داعش في شبه جزيرة سيناء، كما أنه أساء في إدارة ملف الاقتصاد، وقالت ان القمع السياسي في عهد السيسي يعد الأسوأ في تاريخ مصر، حيث قتل الآلاف، واختفى المئات، وغصت السجون بالآلاف من المعتقلين، بالإضافة إلى أنه قمع حرية الإعلام والمجتمع المدني.
وتابعت الصحيفة انه في ظل هذا الوضع المتفاقم فإنه لا عجب أن يقدِم اثنان من كبار الجنرالات المتقاعدين في الجيش المصري على الانتخابات الرئاسية ليكونوا بدائل للسيسي، ومن هنا كانت ردة فعل السيسي باعتقالهم دلالة أخرى على تآكل قاعدته وعدم إيمانه بقدرته على تحقيق الفوز في الانتخابات، ورسمت الصحيفة مستقبل السيسي بانه بدأ يفقد قاعدته في تلك المؤسسة العسكرية ومن ثم فإنه لا يمكن اعتباره صديقاً لأمريكا بل سيكون مسؤولاً عما سيجري في مصر.

السبت، 27 يناير 2018

قادة الطوائف المسيحية في حديث الصراحة عن واقع الحريات الدينية بالسودان


الكنيسة الخمسينية تنفي بشدة الحديث عن  تعرض بعض كنائسها للإزالة
القس تريزا: الإدعاءات بعدم وجود حريات دينية بدأت بعد انفصال جنوب السودان
رئيس الطائفة الإنجيلية: هؤلاء فشلوا في تحديد موقع أي كنيسة ادعوا هدمها
القس حمد يتهم جهات برفع تقارير مغلوطة من أجل “البزنس” وجمع التبرعات
رئيس كنيسة المسيح: وفود من استراليا وكندا شهدت بتوفر الحريات الدينية في السودان
مجلس التعايش الديني: انتقلنا من مرحلة التعايش إلى التآخي بين المسلمين والمسيحيين
أدار الندوة/ عبد الله بشير- مروة الطيب
أثارت عدد من المنظمات الغربية في الآونة الأخيرة قضية الحريات الدينية في السودان، كما عبرت تقارير صادرة عن الإدارة الأمريكية عن قلقها عن أوضاع غير المسلمين، وذلك بالتزامن مع حملة منظمة ضد الحكومة في محاولة لإظهار عدم احترامها لحقوق غير المسلمين.. وقد اعتبر السودان هذه التقارير غير منصفة وتتناقض مع الإشادات التي حظي بها من العديد من رموز وقادة المؤسسات الدينية العالمية، والتي أشادت بمستوي الأمن والحريّة واحترام حقوق المسيحيين في السودان.
ولتسليط الضوء على هذه القضية عقد  المركز السوداني للخدمات الصحفية وصحيفة سودان فيشن ندوة شارك فيها عدد من قادة الطوائف المسيحية بالسودان للوقوف على واقع الحريات التي يتمتع بها المسيحيون في السودان وتجربة التعايش الديني في البلاد وتقييمهم للتقارير الصادرة بشأن الحريات الدينية..

تعايش بالفطرة
استهل القس انجلو الزاكي ناصر رئيس اللجنة التنفيذية لكنيسة المسيح السودانية الحديث بتأكيد أن التعايش الديني يعتبر فطرة في السودانيين لذلك هو واقع معاش وليس إدعاء، مبيناً أن المسيحيون يحتفلون هذه الأيام بختام احتفالات أعياد الميلاد وأعياد الإستقلال لارتباط المناسبتين الدينية والوطنية، قائلاً أن عطلة عيد الميلاد في أمريكا يوم واحد لكنها في السودان ثلاثة ايام وهو ما يدل على احترام حقوق المسيحيين.
وتأسست كنيسة المسيح السودانية بواسطة إرسالية السودان المتحدة (SUN) في 1920 وهي  تضم عددا من الكنائس وتم عقد اول مجمع لها في العام 1960.
وذكر الزاكي أنهم من خلال زيارة عدد من الدول لم يجدوا تعايشاً بين المسلمين والمسيحيين مثلما هو حادث في السودان، قائلاً أنه في دول مجاورة تجد الكنائس تحتاج إلى حراسة كما أن هناك استهداف لدور العبادة وهو ما لا يوجد في السودان، مضيفاً: المسلم والمسيحي هنا يمكن أن يموت أي منهما دفاعاً عن الآخر.
واتفقت القسيسة تريزا فيليب القسيسس الإداري في الكنيسة الخمسينية مع ما ذهب إليه الزاكي، قائلة إنها حضرت إلى الخرطوم في 1981 ولم يكن هناك انتشار للكنائيس ماعدا الكاثيوليكية في شرق النيل والاسقفية في العمارات والانجلية والقبطية، وأنها شاركت في “النهضات الروحية ” التي مارست عملها بحرية، واشارت أنهم طيلة هذه السنوات تعايشوا مع المسلمين ولم يلمسوا إلا التعاون من الحكومة.
وتأست الكنيسة الخمسينية في جوبا في العام 1975  وانتقلت لشمال السودان ولديها 5 فروع.
وأشارت تريزا أنه بعد حدوث انفصال جنوب السودان بدأ البعض في ترويج الإدعات بعدم وجود حريات دينية، وهي تصدر من افراد يحاولوا التشويش لأنهم لم يجدوا مناصب في الكنائس.

مسيحي.. مسلم، لا فرق
وعن مدى الحريات الدينية المتوفرة في السودان أكد القس حمد محمد صالح رئيس مجلس الطائفة الإنجيلية بالسودان أنهم لا يجدون فرقاً بين مسيحي أو مسلم ولم يشعروا أن هناك تمييزاً يمارس ضدهم بسبب الدين، ويدل على ذلك أن المسلمين والمسيحيين في السودان يتزاورون ويهنئون بعضهم في الأعياد، كما أن المسيحيين يمارسون عباداتهم في الكنائس بكل حرية.
وتأسس مجلس الطائفة الإنجيلية في 1963، في أعقاب تسليم العمل الإداري للكنيسة الإنجيلية المشيخية للسودان والتي تأسست بدورها في عام 1903 بواسطة الارسالية الأمريكية.
أما الزاكي فقد قال بثقة: “انا اتيت الي هنا بالمركبة العامة وانا ارتدي لباس القسيس دون أن يشكل ذلك ذلك فرقاً لدى الناس”، مؤكداً أنهم  يمارسون شعائرهم يوم الأحد دون وجود أي عوائق، واشار إلى أن كنيسة المسيح صادقت عليها الحكومة بعد أن اتبعنا كافة الاجراءات المتبعة.. وهناك اصدقاء يأتون إلينا من بلدان مثل استراليا وكندا ويرون بأنفسهم  مدى الحريات الدينية المتوفرة في السودان.
تقارير منافية للواقع
وعن تقييمهم للتقارير التي تتحدث عن وجود تضييق على حرياتهم الدينية ، استغرب القس حمد صدور مثل هذه التقارير التي جزم ، بأنه يتم بنائها على معطيات غير واضحة، مؤكداً أن التعايش الموجود في السودان لا يوجد له مثيل في كل دول العالم، وذلك مقارنة مع كثير من الدول التي زارها ومن بينها الولايات المتحدة وبلدان أوربية.
وقال القس حمد إن التقارير التي تصدر من جهات بالخارج تسعى لتشويه صورة السودان، ولها مصلحة في رفع معلومات مغلوطة وعكس صورة منافية لحقيقة الأوضاع.

من يروج للأكاذيب؟
وحول الإدعاءات بتعرض بعض الكنائس التابعة  للكنيسة الخمسينية للهدم، قالت تريزا إن جميع كنائس الطائفة  تمت المصادقة من السلطات على قيامها ، موضحة أن بعض منسوبي المعسكرات حاولوا الترويج لأكاذيب بتعرض بعض الكنائس للإزالة لإثارة الناس ضد الحكومة.. وأكدت أنهم يؤدون الصلوات وبرامج الوعظ بحرية في مختلف انحاء السودان وهو ما شرحوه للوفد الذي زارهم من استراليا مؤخراً.
وقطع رئيس الطائفة الإنجيلية أن من يرفعون تقارير لمنظمات بالخارج يفعلون ذلك للحصول على أموال، أي أنهم  يمارسون “بزنس” لتحقيق مصالح شخصية، كما أن هذه المنظمات تستفيد من هذه التقارير في جمع بها التبرعات.
وقال انهم بدورهم طالبوا من يطلقون مثل هذه الدعاوي تحديد مواقع هذه الكنائس حتى يتم بزياتها وتفقدها، لكهم لم يجدوا اجابة منهم، وهو ما يدل على أن هذا الحديث غير صحيح.
التصديق بكنائس جديدة
وعن مدى تأثرهم بالتقارير التي تتناول أوضاع المسيحيين بصورة مغلوطة شددت تريزا أن الكنائس التابعة لهم معروفة لدى الجميع لكن هناك طوائف صغيرة لا يوجد لها مقر كما أن هناك قساوسة ليس لديهم كنائس وهم من يحدثوا البلبلة، قائلة أنهم في الكنائس يهتمون بالعبادة وليس التحريض ضد الحكومة، لأن الكتاب المقدس يطلب منهم احترام السلطات العليا  ومساعدتها والصلاة من أجلها..
وفي ذات السياق أشار القس حمد محمد صالح  أنهم يتضررون من أي استهداف للدولة لأنهم جزء منها ويتأثرون بما تتأثر به، مبيناً أن الكنيسة لا تلجأ إلى رفع أي تقارير لجهات بالخارج، بل يتعاونون مع وزارة الارشاد التي تهتم بتقديم التسهيلات اللازمة لهم لممارسة شعائرهم الدينية. واشار أن السلطات تتعاون معهم في منح التصاديق لإقامة الكنائس ومؤخراً تم منحهم  قطعتي أرض في مدينة كوستي لتشييد كنيسة عليها.

من التعايش إلى التآخي
وخلال الندوة اشار د. النور جادين عضو اللجان الإستشارية في مجلس التعايش الديني بالسودان أنهم قاموا بتشكيل لجان ولائية للتعايش الديني بكافة الولايات، وقال إن هذه اللجان مناصفة بين قيادات مسلمة ومسيحية مشيراً إلى حرصهم على أن تكون هذه القيادات مؤثرة لكافة الطوائف المسيحية والجماعات الإسلامية.
وعن تقييمه للتجربة قال انها انها كانت جيدة لأنها أوجدت تعايشاً وتواصلاً كان مفقوداً في السابق، مبيناً أنهم انتقلوا من التعايش الديني إلى التآخي بين المسلمين والمسيحيين.
وقال أنهم في ولاية النيل الأبيض زارهم “القس والإمام” من الجمعية التي تمثل التجربة النيجيرية في التعايش، حيث قاما بالاجتماع بكل القيادات الدينية، ومن اهم النقاط التي خرجا بها أن التعايش الديني في السودان طبيعي وغير مصنوع، ففي الحي والبيت الواحد يمكن أن تجد المسلم والمسيحي . وقال جادين أن نصيحتهم لنا حينها “لا يكفي ان تكونوا متعايشين ويجب أن تحتاطوا للظروف والمتغيرات في العالم” لأن هناك جماعات لديها أهداف في تفكيك هذا التعايش.. ونحن في المجلس نقوم بواجبنا في رعاية مختلف الأديان وتنظيم الاحتفالات المختلفة.
وعطفاً على حديث جادين يوضح القس انجلو الزاكي إن برنامجهم في مجلس التعايش الديني شعاره ما جاء في الكتاب المقدس “التوبيخ الظاهر خير من المحبة المستترة” حيث أنهم يطبقون التعايش بطريقة واسعة وعلمية من خلال جمع رجال الدين المسيحيين والمسلمين وإقامة برامج مشتركة منها زيارة القساوسة للمساجد وزيارة الإئمة إلى الكنائس.

الأربعاء، 24 يناير 2018

تساؤلات مشروعة عما يجري في (ساوا)؟


 عقلاً و منطقاً، من المستحيل ان يرى السودان أسلحة مصرية حديثة وقوات  يتم نقها الى منطقة (ساوا) الحدودية بين السودان وارتريا بحيث يتم تحويل المنطقة الى قاعدة عسكرية و ترسانة حربية و يجلس منتظراً، أو يصدق تصريحات الرئيس المصري السيسي الناعمة وأحاديث افورقي المثقلة بالتساؤلات.

من الطبيعي ان يستعد السودان لأي طارئ من الممكن ان تفضي اليه الوضع الجاري حالياً، ولهذا فان قرار السلطات السودانية إغلاق الحدود مع ارتريا و تعزيز القوات السودانية على الجبهة الشرقية، إجراء تحوطي مطلوب بشدة إذ ان الأمن القومي لأي بلد تؤخذ فيه الأمور مهما بدت مستبعدة او نادرة على محمل الجد؛ خاصة و ان للسودان تجربة قاسية مع ارتريا في تسعينات القرن الماضي حين تجاوزت اسمرا كل الأعراف الدولية وفتحت أراضيها للمعارضة السودانية المسلحة وأصبحت قاعدة انطلاق العمل المسلح النشط ضد السودان.
ان قيام السودان بإتخاذ هذه الخطوات الاحترازية إجراء ضروري لصيانة أمنه القومي . وهو في ذلك يتحسب -وهذا حقه- لأسوأ الاحتمالات، ان الأمر  يبدو في مجمله مثير للاستغراب، فالقاهرة ظلت تعادي السودان طوال سنوات مضت من واقع احتلالها لأرضه في مثلث حلايب. وهو احتلال يعتبر بمقاييس القانون الدولي بمثابة إعلان حرب وعدون على السيادة الوطنية للسودان ، خاصة في ظل رفض مصر لأي تفاوض او تحكيم طالما أنها تدعي أنها صاحبة حق في السيادة على المثلث.
هذه الاحتلال المصري لأرض سودانية و العمل  على تمصيرها وتركيز القوة العسكرية عليها يشي بأن مصر لا تكترث قط لما يمكن ان يؤدي إلى صدام محتمة بينها وبين السودان. احتلال مصر لمثلث حلايب بالقوة يحمل مؤشراً واضحاً  على ان مصر من الممكن ان تطلق النار على صدر السودان و تنال انه.
لذا حين يقول الرئيس المصري إن بلاده لا تستهدف لا السودان ولا إثيوبيا ، ولا غيرهما في المنقطة ؛ فان الرجل يزيد الأمر غموضاً. و يدفع المراقبين و المحللين السياسيين للاستغراب، لان وجود قوة عسكرية مصرية و طائرات حديثة في منطقة كهذه ، يعني ان هناك (عدو) في ذات المنطقة، و الذين هم في المنطقة بحكم الجغرافيا السودان وإثيوبيا، فيا ترى ما هي دواعي إحضار كل هذه القوة، و بهذه الكثافة في المنطقة و ليس هناك عدو محتمل فيها؟ هل تصلح منطقة حدودية و شريط حدودي صغير كهذا لمحاربة (قوة خارجية) في منطقة جغرافية بعيدة عن المنطقة ؟
وإذا كان الأمر كذلك -ولنفترض ان مصر تستهدف عدواً بعيداً- هل من الطبيعي إحضار قوات ومعدات في حدود دولة جارة دون التنسيق مع السودان؟ بل ولندع كل ذلك ولنفترض ان مصر تود فقط إنشاء قاعدة عسكرية تراها ضرورية لأمنها في المنطقة؛ هل بإمكاننا ان نتصور ذلك دون إخطار السودان (العمق الاستراتيجي لمصر)؟
الأمر في أوله و آخره يتسم بغموض محير، وفى الغالب فان مثل هذه الغموض المحير يفضي الى عواقب وخيمة يأمل كل المراقبين أن يحسم الرئيس السيسي- قبل الرئيس أفورقي- ادارك كل جوانبها قبل فوات الأوان.

الثلاثاء، 23 يناير 2018

مصر المتآمرة … سيناريو بنغازي … سيناريو كسلا


في تصريحات صدرت يوم الاثنين 16/1/2018م ، نقلها تلفزيون مصر خلال افتتاح مشروعات بمحافظة المنوفية شمالي القاهرة ، قال الرئيس المصري : «مصر لن تحارب أشقاءها . أنا أقول هذا الكلام كي يكون رسالة لأشقائنا في السودان».
ماهذا؟. ولماذا إذن الإحتلال العسكري المصري لمثلث حلايب ؟. حيث وضع رئيس مصر بقوَّة السِّلاح حلايب السودانية وشلاتين السودانية تحت السِّيادة المصريَّة. لماذا تهدر جيوش رئيس النظام المصري في جبال البحر الأحمر السودانية ولماذا تنتشر بكثافة في سواحل ميناء حلايب وميناء شلاتين ؟. لماذا يحتل جيش رئيس مصر أرض السودان ويقتل السودانيين «الأشقاء» ويهدم ديارهم ويرعب أطفالهم بطائرات الهليوكوبتر العسكرية وهي تضجّ من فوقهم ترهبهم بالتحليق القريب ؟. لماذا يطارد جيش رئيس مصر السّودانيين «الأشقاء» إلى الجبال ليلاقوا حتفهم عطشاً ؟. لماذا يحارب رئيس مصر «الأشقاء». لماذا يحارب السودان في حلايب وشلاتين السُّودانيتين في كلّ خرائط العالم ، إلا «خريطة» رئيس مصر. لماذا يضرب رئيس مصر بخرائط العالم عرض الحائط . قال رئيس مصر «مصر لن تحارب أشقاءها» . لكن رئيس مصر «يتحدث» سلام و «يفعل» حرب . لماذا ترسل مصر شحنات السّلاح إلى متمردي دارفور برفقة قيادات عسكرية مصرية . لماذا تفتح مصر لمتمردي دارفور مكاتب في القاهرة بدرجة سفارات؟ . لماذا ترسل مصر السِّلاح إلى «قطاع الشمال» عبر رئيسه سلفاكير «متمرد بدرجة رئيس» ؟. «مصر لا تحارب أشقاءها»، أو كما قال رئيس مصر. لكن لماذا يتواجد «1500» عسكري مصري « ألف وخمسمائة عسكري مصري» في قاعدة «ساوا» العسكرية في غرب أريتريا على بعد «30» كيلومتر من الحدود السُّودانية ؟. لماذا يتواجد هؤلاء العسكريون المصريون في قاعدة «نورا» العسكرية الأريترية يدرِّبون ويسلِّحون حركات التمرد السودانية، ثمّ يحتلون الأراضي السودانية في الشرق وتسليمها إلى «حفتر» سوداني ، لإعادة إنتاج دور مصر في شرق ليبيا . لإعادة إنتاج «سيناريو بنغازي في شرق ليبيا» في «سيناريو كسلا في شرق السودان». هدف السيناريو فصل السودان وإقامة دولة جديدة أو إسقاط نظام الحكم . هذا الدور العسكري التآمري الخطير الذي تقوم به مصر اليوم في شرق السودان ، قامت به في التسعينات «CIA» وإسرائيل. لماذا يقوم رئيس مصر اليوم بـ»تمصير» ذلك الدَّور . تصريح رئيس مصر «مصر لن تحارب أشقاءها»، بينما «حلايب» محتلة ، بينما «شلاتين» بالسلاح تحت السيادة المصرية ، بينما «سيناريو كسلا» تحت التنفيذ ، يقرع أجراس الحكمة التي تقول «سوء الظَّنِّ من الفطنة».

لماذا يطالب السودان بإلغاء اتفاقية الحريات الأربع مع مصر؟

تتصاعد في الأوساط الشعبية و بين النخب المختلفة في السودان تساؤلات ملحة جميعها تدور حول: لماذا يلتزم السودان -من جانب واحد- باتفاقية الحريات الأربعة الموقعة بين الدولتين منذ أغسطس 2004 في الوقت الذي لم تلتزم فيه مصر قط بأي سطر من هذه الاتفاقية؟

هذه التساؤلات التى امتدت ألسنة لهيبها الى سماوات السودان بكثافة هذه الأيام، و ربما تدفع الحكومة السودانية لمراجعة الأمر برمته في ظل تصعيد متصل من الجانب المصري لنهج إزدراء هذه الاتفاقية الاستراتيجية.
ومن المعروف ان اتفاقية الحريات الأربعة وهي (حرية الإقامة ، حرية التملك، حرية التنقل، حرية العمل) جاءت تتويجاً طبيعياً لطبيعة العلاقات بين الشعبين وهي علاقات لمن يعرف طبيعة الجغرافيا و التاريخ وحساسية الموقع و الوادي الواحد، لها طابع استراتيجي أزلي، ليس من السهل ان يقلل أي طرف منها أو يستهين بها.
و كان المؤلم من بين ثنايا وطيات هذه الاتفاقية ان يتأسس إطار موحد للبلدين يرتكز على عمق الجوار الاستراتيجي و يحقق أفضل حياة لشعبيّ البلدين. ولكن المؤسف في الأمر -وما أكثر المؤسف في تصرفات النظام الحاكم في مصر- ان الجانب المصري منذ لحظة توقيع الاتفاقية قبل حوالي 13 عاماً  حتى هذه اللحظة لم تبد مجرد الرغبة فى تنفيذ ولو بند واحد منها، ففي ما يخص حرية الإقامة حدِّث ولا حرج، تلاحق السلطات المصرية المواطنين السودانيين و تجبرهم على تجديد الإقامة برسوم باهظة و تقوم بحملات انتقائية و انتقامية و إبعادهم من أراضيها. لقد عانى الموطنين السودانيين الأمرّين في مصر حتى اضطروا لتركها في الوقت الذي يكتظ فيه السودان في كل مدنه بالموطنين المصريين دون الحاجة إلى إقامة ودون شروط. وفيما يخص حرية التنقل فان السلطات المصرية درجت -وعلى نحو ممنهج- على إحتجاز مواطنين سودانيين في المطارات المصرية رغم سبق حصولهم على تأشيرة دخول رسمية صادرة عن القنصلية المصرية في الخرطوم. عشرات المواطنين السودانيين تلقوا إهانات بالغة واستجواب مستفزة وإعادة إلى الخرطوم بأمر المخابرات المصرية! أما حرية التملك فهي ضرب من المستحيل ، ففي حين إن المواطن المصري يسرح ويمرح في امتلاك ما يشاء في السودان وفي كل أنحائه حتى تكاثرت المطاعم و البقالات والفنادق المصرية في المدن السودانية؛ فان المواطن السوداني  في مصر توضع أمامه العراقيل وضرورة الحصول على تصاريح وأوراق وموافقات من المخابرات المصرية حتى ييأس ويدع الأمر!
وذات الشيء ينطبق على حرية العمل حيث لا مجال في القطاع العام ولا الخاص لمواطنين سودانيين في مصر، إذ ان البيروقراطية المصرية تبرع براعة تحسد عليها في وضع المتاريس أمام الموطنين السودانيين، وحتى الذين يمارسون العمل الخاص في مجال التعدين الأهلي تلاحقهم السلطات المصرية و تنزع عنهم معداتهم وأموالهم و تدخلهم السجون!
مجمل الأمر ان الجانب المصري لا يلتزم بالاتفاقية وفوق ذلك يمعن في إذلال المواطنين السودانيين، لذا من الطبيعي ان يطالب شعب السودان بأن تلغى الاتفاقية و ذلك ببساطة لأنه لا توجد اتفاقية ثنائية يقوم بتنفيذها طرف واحد ليتفرغ الطرف الثاني فقط لخرقها وتمرير حذائه عليها! 

اعتراف بريطاني تاريخي

لا شك ان الازمة في إقليم دارفور غربيّ السودان قد انتهت الان عملياً وعلى الارض فقد مضت أكثر من ثلاثة اعوام حتى الآن حينما وضعت الحرب أوزارها وخرجت الحركات المسلحة من ميدان القتال وعادت الحياة الى طبيعتها. هذه الحقيقة لا يتطرق اليها الشك لكل متابع لأوضاع الإقليم عن كثب
، غير أن وثائق بريطانية صادرة رسمياً عن وزارة الخارجية البريطانية فى شهر نوفمبر الماضي أي قبل اقل من شهرين من الآن اكدت رسمياً على هذه الحقيقة.
وتتجلى أهمية هذه الوثيقة البريطانية فى انها شهادة رسمية مبنية على ادلة على الأرض وصادرة عن جهة خارجية. يقول الخطاب الصادر عن الخارجية البريطانية والذي جاء في سياق رد من الحكومة البريطانية على طلب تقدمت به بعض الحركات الدارفورية المسلحة التى تود اعادة ادارة اسطوانة سوء الاوضاع فى الاقليم وسوء اوضاع المعسكرات و مطالبتهم بتدخل الدول الكبرى..
يقول الخطاب (فبالرغم من اننا نرى انخفاض معدل النزاع المسلح بين القوات الحكومية والحركات المسلحة فى الاشهر الاخيرة إلا ان الوضع الامني و الإنساني ما يزال رديء)! هكذا تقر الخارجية البريطانية  بإنخفاض معدل النزاع المسلح بين القوات الحكومية و الحركات المسلحة)! وهذه بلا أدنى شك شهادة ايجابية لها وزنها.
ثم يؤكد الخطاب (الحاجة الى إتفاق وقف اطلاق نار عن طريق التفاوض). وبإمكان أي مراقب ان يلحظ التوازن الموضوعي للخطاب البريطاني، ففي طياته إقرار مباشر وضمني بأن الاوضاع فى مناطق النزاعات على السودان لم تعد بالسوء القديم الذي كان يقال عنها، إذ ان الخطاب حرص على التأكيد على الحل السلمي،  وأن بريطانيا وباعتبارها من دول الترويكا تهتم بالشأن الانساني وبدا واضحاً أيضاً من الخطاب تحاشي تماماً التطور المتصاعد فى علاقات بريطانيا والسودان من الناحية السياسية وعنوانه العريض المعروف الحوار الاستراتيجي الذي ظل يجري بين البلدين ويمضي بوتيرة ايجابية جيدة.
 كما تحاشى الخطاب التطور الاقتصادي بين السودان وبريطانيا والذي كانت احدى ثمراته الشهيرة المنتدى الاقتصادي الذي اقيم فى لندن مؤخراً. ومن الواضح ان تفسير ذلك ان بريطانيا لا تود ان تفسد علاقتها الجيدة مع السودان وهي حريصة على الاقرار بالتحسن فى الاوضاع وفى ذات الوقت قدمت قدراً من المجاملة السياسية ذات الطابع الدبلوماسي للمجموعة التى رفعت المذكرة.
والذي يقرأ سطور الخطاب وما بين السطور بإمكانه ان يلاحظ جيدا مغايرة الموقف البريطاني للمواقف السابقة، فقد تغيرت الأمور وأصبح ما هو على الأرض غير قابل للانكار، كما ان طيات الخطاب تفيد بأن السودان على اية حالة تجاوز المرحلة السابقة ونجح في القفز من حالة الادانة والملاحقة التى كانت سمة بارزة لزمن مضى؛ الى حالة ايجابية جديرة باحترام.
ولن يفوتنا هنا ان نشير الى ان خطاب الخارجية البريطانية بذلت قصارى مجهودها لضمان وصول رسالة واضحة الى الحركات المسلحة بأن الوضع تغير تماماً، وقد جاء فى ذيل الخطاب (نشكركم مرة أخرى على خطابكم ومشاركتكم فى هذه الموضوعات المهمة) وهي عبارة تعني الكثير و الكثير جداً!

الاقتصاد السوداني وإستراتيجية مجاراة الواقع الإقليمي والدولي!


المتأمل في مجريات مسيرة السودان طوال العقود الثلاثة الماضية يلاحظ بوضوح ان المسار الاقتصادي قد تأثر للغاية بمؤثرات محلية وأخرى إقليمية و ثالثة دولية. ولان حركة الاقتصاد حركة كونية، دائرية لا يمكن لدولة من الدول ان تحتفظ لنفسها بموقف خارج نطاق هذه الحركة والدائرة فان السودان بهذه المثابة وجد نفسه في هذا الخضم الزاخر
. فالمؤثرات المحلية و التى عانى منها الاقتصاد السوداني معروفة:
أولاً، ميراث الديون المتوارث منذ خروج الاستعمار في العام 1956 . ديون السودان التى بلغت حوالي 43 مليار دولار ليست نتاجاً لنظام حكم بعينه وإنما هي نتاج لسلسلة أخطاء و ممارسات متوارثة.
ثانياً، المنازعات الأهلية المطولة التى بدأت بتمرد 1955 في جنوب السودان و نزوع الإقليم الجنوبي المستمر للاستقلال استنزفت ثروات هذا البلد، مضافاً اى ذلك نزاع دارفور ومناطق جنوب كردفان  و النيل الأزرق. وفي واقع الأمر فان المنازعات الداخلية فى السودان هي العامل المؤثر بجدارة على مسيرة الاقتصاد السوداني، فعوضاً عن المال المستنزف في الحرب فان الحروب أعاقت حركة التنمية و حجبت الاستثمار الاجنبي و أضاعت على هذا البلد فرصا ذهبية غالية للاستثمار.
أما المؤثرات الإقليمية فهي: أولاً، تدخل دول الجوار في الشأن الداخلي السوداني خاصة في حرب الجنوب وحرب دارفور وشرق السودان. لقد عانى السودان طوال أكثر من 30 عماً من تدخل دول الجوار في شئونه الداخلية بدعم المعارضة المسلحة و تعطيل التنمية لإدراكهم ان السودان غني بالموارد الطبيعة واذا ما استقر فانه سوف يصبح مارداً اقتصادياً وسياسياً قوياً.
 ثانياً، اعتماد بعض دول الجوار على السودان في الحصول على السلع الأساسية عبر التهريب في ظل حدود طويلة مفتوحة يصعب السيطرة عليها و لقد ثبت مؤخراً ان السلع الاساسية السودانية يجري تهريبها إلى دول الجوار بكثافة بما يلقي بظلال سالبة على أسعارها ووفرتها في السودان.
 أما الاسباب و المؤثرات الدولية ، ففي مقدمتها الازمة الاقتصادية العالمية التى ضربت العالم عام 2008 أزمة (وول ستريت) الشهيرة، وهي ازمة ظلت تداعياتها تؤثر على مجمل حركة الاقتصاد الدولي وبما ان السودان يستورد سلعاً من الخارج فان من الطبيعي ان يتأثر بها.
ثالثاً، أسعار النفط على سبيل المثال ان أسعار الوقود حالياً -على نطاق العالم- ارتفعت، ففي 4 دول خليجية هي الإمارات العربية و قطر و عمان والسعودية (يناير 2018 شهدت ارتفاعاً ملحوظاً وأوردت وكالة الأناضول للأنباء مؤخراً ان الزيادة هي الثانية على التوالي في الإمارات وعمان والربعة في قطر منذ نشوب أزمة الخليج. و تشهد اسعار الوقود فى هذه الدول ارتفاعاً متوالياً وهذا الارتفاع بطبيعة الحال يلقي بظلال سالبة على مجمل حركة المنطقة –كسعلة إستراتيجية عالمية– في كل أنحاء العالم.
فالمملكة العربية السعودية وابتدءا من 1/1/2018 زادت أسعار الوقود بنسب وصلت إلى 27%. والدول الخليجية بصفة عامة وبسبب انخفاض أسعار النفط عالمياً عانت من عجز في موازناتها للدرجة التى قرعت فيها دول الخليج ناقوس الخطر ولجأت إلى فرض ضريبة القيمة المضافة في محاولة لإيجاد حلول سريعة.
إذن لسنا بمعزل عن محيطنا الإقليمي الدولي فالصعوبات الاقتصادية فطالما أننا ندور داخل الدائرة الاقتصادية الدولية فان  من الطبيعي أن نتأثر ومن الطبيعي أن نعاني.

التعايش الديني بالسودان… محاولات غربية لتشويه الحقائق


التعايش الديني بالبلاد، واقع وحقيقة تعكس مدى التقارب بين المسلمين والمسيحيين، على عكس ما تحاول أن تبثه بعض المنظمات الغربية والتي تحاول تشويه هذه الصورة عبر التقارير التي تبثها بعض وسائل الإعلام الغربية التي تسعي لصياغة مفهوم خاطئ حول الإسلام وتصويره كأنه دين لا يحتمل التعايش مع أي دين آخر، والسودان يحظى بتعايش لا مثيل له في العديد من دول العالم بشهادة رموز وقادة المؤسسات الدينية العالمية.
وتحرص الحكومة علي تعزيز التعايش بين كافة الأديان وكفالة الحرية الدينية بما يحقق الأمان والإستقرار الديني بالبلاد، بالإضافة إلي تقديمها للعديد من الإعفاءات الخاصة بدور العبادة وتسهيل زيارات القساوسة واقامة الشعائر الدينية، والشاهد في الأمر أن التسامح الديني سمة أهل السودان جمعياً وهو الذي يفرض معياره علي الجميع.
ودائماً ما تؤكد وزارة الإرشاد والأوقاف، كفالة البلاد لحرية الإعتقاد وعدم التدخل فيها، ووصفت الإدعاءات والأكاذيب التي تسوقها بعض الجهات المعارضة والمنظمات بخصوص حرية الأديان بالسودان بأنها إفتراءات ظلّ يعيش عليها بعض محسوبيّ المعارضة ويتكسبون من ورائها لدي المؤسسات الكنائيسية العالمية.
وقال حامد يوسف وكيل الوزارة أن السودان مظلوم من الإعلام الغربي وأنه يعتبر أنموذجاً للتعايش الديني لا يوجد حتى في الدول الغربية ، وكشف عن عدد المسيحيين بالبلاد ويبلغ مليون و(400) الف نسمة، وأبان أن عدد الكنائس بالسودان تبلغ (458) كنيسة، فيما يبلغ عدد الطوائف المسيحية الموجودة بالسودان (36) طائفة، وأشار إلي أن كل  طائفة لديها دستور خاص بها في نطاق كنائسها وأنه بناءاً علي هذه الدساتير تنعقد الجمعيات العمومية للكنائس وتختار قياداتها التنفيذية بحرية كاملة.
ومؤخراً خاطب نائب وزير الخارجية الأمريكية جون سوليفان العديد من القيادات الدينية المختلفة بمسجد النيلين في نوفمبر الماضي، وإعتبر مراقبون المخاطبة من مظاهر ضمان الحريات والتعايش الديني.
ونجد أن هناك العديد من الإشادات التي حظت بها البلاد من رموز وقادة مؤسسات دينية عالمية، وأشاد رئيس أساقفة كانتربري جاستين ويلبي خلال زيارته الأخيرة بالضيافة الكريمة التي يجدها في السودان اللاجئون القادمون من مناطق النزاع حتي من المجتمعات الفقيرة.
فيما طالب الأب فيليب ساوث فرج المجمتع الدولي بمنح السودان جائزة التعايش الدولية، وأعتبر أن الوحدة الوطنية موجودة في أعماق السودانيين، وأشار إلي أنه منذ القدم عُرف عن المواطن السوداني حرصه علي التعايش مع الآخرين.
وبدوره كشف حسن دودو معتمد أم دورين بجنوب كردفان عن مشاركة ومعايدة المسيحيين أعيادهم، وأشار إلي أنه من شأن تلك المعايدات ترك أثر طيب في نفوس المسيحيين ومخاطبة التعايش الديني والسلام الإجتماعي.
مهتمين بالشأن السوداني أكدوا أن حالة التعايش الديني في السودان مثال ينبغي على الجميع دراسته، وأشادوا بمشاركة الرئيس البشير للمسيحيين أعيادهم في كنائسهم، وأشاروا إلي أنه لم تبرز في السودان عنصرية أو جهوية أو تمييز في التعليم أوالخدمات أو التوظيف علي إعتبارات اللون أو اللغة وظلت الكفاءة والجدارة هي الأساس.
والتعايش الديني في السودان يعتبر إرث علي الرغم من كِبر مساحة السودان وإختلاف الثقافات والأديان والعادات والتقاليد إلا أن ذلك لم يكُن عائقاً أمام التداخل والتعايش، وهنالك كثير من الطوائف المختلفة مذهبياً ولكنهم على وفاق.
ومما سبق يتضح لنا أن السودان ينعم بتعايش ديني لا مثيل له في العديد من دول العالم وهذا التعايش يعكس حقيقة التقارب بين المسلمين والمسيحيين في البلاد، ويبدو ان بعض الدوائر الغربية ولوبيات الضغط تحاول تشوية حقائق التعايش والحريات المكفولة لكل الطوائف الدينية بالبلاد.

بعد 13 عامًا من التوقيع.. ماذا بقي من اتفاق الحريات الأربع؟


الساعوري يطالب بإيقاف إتفاق الحريات الاربع مع مصر

عبد الرحمن سعيد: مصر متحفظة على تنفيذ بعض البنود

عبده مختار: أؤيد بشدة إلغاء الحريات من أجل الإحتفاظ بمواردنا

خدمة (smc)

شرعت لجان شعبية فى ولايات السودان المختلفة في تحركات لإلغاء اتفاق الحريات الأربع مع مصر، بحجة «عدم جدواها بسبب عدم جدية الجانب المصرى فى إنفاذها»، وأتهم مشاركون فى الحملة الحكومة المصرية بتجاهل الاتفاق الذى تم التوقيع عليه، في أغسطس 2004، فيما شرع السودان فى تطبيق الاتفاق ابتداءً من الشهر التالى مباشرة والذي يشمل «حرية الإقامة، العمل، التنقل، التملك.

والتحليل المبدئي للقرار يشير بوضوح إلى أنه جاء ردا على التسويف المصري الذي استمر 13 عاما في تطبيق اتفاقية “الحريات الأربع”.

وكان البلدان قد وقعا “اتفاقا تكميليا” منذ 26 عاما، يرمي على المدى الطويل إلى دمج اقتصادهما، ولكن لم يكن مصيره أفضل من “الحريات الأربع”.

ترددت مصر كثيراً في تطبيق اتفاقية الحريات الأربع التي تم التوقيع عليها في القاهرة منذ عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في 2004م ورغم ذلك التذبذب المصري تجاه بنود الحريات الموقعة مع السودان نجد أنّ السودان نفذ البنود بعد التوقيع مباشرة.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تبرز فيها مطالبات بإلغاء اتفاقية الحريات الأربع، ففي العام 2015 كانت هناك بعض المطالبات  التي تصب في ذات الإتجاه بإعتبار أن الحريات مطبقة من الجانب السوداني فقط، وهو ما يدعو لتعليقها أو إلغائها.

وحول هذه المسألة قال الخبير الأكاديمي والمحلل السياسي بروفيسور حسن الساعوري إن من حق السودان المطالبة بإلغاء اتفاقية الحريات الأربع مع مصر طالما أن الجانب المصري لم يلتزم بتنفيذ بنود هذه الاتفاقية في حين أن السودان كان ملتزماً بذلك، وحول ممتلكات السودانيين في مصر قال إن السودانيين بمصر لديهم ممتلكات قبل توقيع الاتفاقية بين البلدين منذ أزمان طويلة لذلك لا يمكن القول إنهم نالوها بموجب هذا الاتفاق.

من جانبه شدد بروفيسور عبده مختار موسى المحلل السياسي على ضرورة الإستمرار في المطالبة بإلغاء الحريات مع مصر والتي قال بأن التنفيذ فيها ليس عادلاً بيد أن السودان قام بالتنفيذ عكس مصر التي تتلكأ وزاد السودان غير مستفيد من إنفاذ تلك الإتفاقات والمستفيد الأول والأكبر هو مصر وشعب مصر لذلك أؤيد بشدة إلغاء الحريات من أجل الإحتفاظ بمواردنا لأنفسنا بدل من ان تذهب لمصر التي تحجم عن تبادل المنافع مع السودان.

وفي السياق قال الفريق عبد الرحمن سعيد القيادي بالحزب الاتحادي الأصل إن مصر لم تدل بوجهة نظرها بطريقة واضحة تجاه هذه القضايا والجوانب المشتركة مع السودان خاصة فيما يتعلق بمسالة الحريات وزاد “مصر متحفظة ومترددة من تنفيذ بعض البنود مع السودان لذلك لابد من وضع الخرطوم وثائق مشددة وثابتة وضبط حدودها مع مصر خاصة فيما يتعلق بحركة التنقل.

وتعالت أصوات سودانية في الفترة الأخيرة بضرورة الإسراع بإلغاء بنود الحريات الأربع مع مصر لأنها تعد الرابح الأكبر منها دون تقديم أي شئ يذكر للسودان الذي أصدر قراراً بإعفاء جميع المصريين من تأشيرة الدخول للبلاد عبر وزارة الخارجية، في الوقت الذي لا يستطيع أي سوداني السفر إلى مصر دون تأشيرة،  إلى جانب التعقيدات في إجراءات الإقامة هناك، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل لجأ الجانب المصري إلى مضايقة المواطنين  السودانيين، وعمل على إعادة عدد منهم، فضلاً عن مضايقة المقيمين هناك، وفرض غرامات ورسوم باهظة عليهم، ومعاملتهم  معاملة الأجانب، الأمر الذي دفع وزارة الخارجية السودانية أن تنتهج سياسة التعامل بالمثل.

الأحد، 21 يناير 2018

إتفاقية الحريات الأربع في الميزان الاستراتيجي الراهن فى السودان!


 تقول سطور التاريخ الخاص بمصر والسودان ان التطور التاريخي الطبيعي لعلاقات البلدين الجارين افضت الى توقيع اتفاقية الحريات الاربع يوم الخامس من شهر اغسطس 2004 وكان السودان حينها متلهفاً لعلاقات نموذجية لا مثل لها -بحكم الجوار الاستراتيجي والتاريخ المشترك الفريد من نوعه
- وكان ولا يزال لدى السودان وبغض النظر عن نظام الحكم القائم فيه طموحات اعلى و أكبر في علاقاته الشقيقة مصر.
اتفاق الحريات الاربع تضمن 4 حريات لمواطني البلدين، (حرية التنقل، حرية العمل، حرية التملك، حرية الإقامة). وكان واضحاً إن هذه الاتفاقية جعلت من البلدين بلداً واحداً لمواطن كل بلد. المؤسف فى هذه الاتفاقية ان الجانب المصري لم يبد أي اهتمام بها، فقد مارس الجانب المصري عدة ممارسات سالبة:
أولاً، ما زال المواطنين السودانيين يعانون اشد المعاناة في الحصول على الاقامة.  ثانياً، تفرض السلطات المصرية رسوماً عالية على الاقامة وتشترط موافقة الجهات الامنية وحتى لو تم منح مواطن سوداني اقامة فهي تمنح له فقط بغرض السياحة! في حين ان السودان قام بإعفاء المصريين من كافة اجراءات الإقامة منذ العام 2004م!
ثالثاً، فيما يتعلق بحرية التنقل حدث ولا حرج، مارست السلطات المصرية وما تزال عمليات احتجاز  للسودانيين فى مطاراتها ومنع دخولهم وإرجاعهم رغم حصولهم على تأشيرة دخول رسمية! كما ان السلطات المصرية درجت على القيام بحملات ترحيل  للسودانيين المنتهية اقامتهم!
رابعاً، حتى داخل مصر فإن السلطات المصرية تضع قيوداً صعبة لتحركات المواطنين السودانيين فيها بحجة ضرورة الحصول على تصريح من المخابرات المصرية وتوجد امثلة لا أول لها ولا آخر لسودانيين داخل السجون المصرية اغلبهم من الذين يمارسون التعدين.
خامساً، بالمخالفة للاتفاقية قامت السلطات المصرية بتصنيف السودانيين لفئات عمرية وتشددت فى ما يعرف بـ(كرت الحمى الصفراء) تشدداً غير مبرر! سادساً، فى مجال حرية العمل فتحت الحكومة السودانية الباب واسعاً للمصريين للعمل؛ ومن يتجول فى مدن السودان يلحظ ذلك بوضوح فى حين ان السلطات المصرية اشترطت تصريح من المخابرات المصرية!
وأخيراً ففي مجال حرية التملك وضعت الحكومة المصرية سلسلة من الاجراءات المطولة المعقدة التى يستحيل معها اجراء التملك. من هنا يبدو واضحاً ان الجانب المصري غير حريص البتة -لأسباب غير معلومة- على تنفيذ الاتفاقية التى وقعها بمحض إرادته.
ومن الجانب الآخر فان الجانب السوداني ابدى اهتماماً واضحاً بتنفيذ ما يليه من بنود الاتفاقية و الواقع ان اهتمام الجانب السوداني بتنفيذ الاتفاقية نابع من صميم شعوره بأزلية العلاقة وإستراتيجيتها، و ان الجغرافيا التى جعلت من البلدين لا غنى لأي منها عن الآخر لا يمكن تغييرها فأمن البلدين الجاريين امن مشترك، والبلدين متكاملين من كل النواحي، و ليس اقل من ذلك ان السودان هو العمق الاستراتيجي للشقيقة مصر.
وبما أن الجانب المصري استهزأ و استهان بهذه العلاقة الاستراتيجية فان من ما يعرف بـ(مبدأ المعاملة بالمثل) فى القانون الدولي يدفع السودان مضطراً لمراجعة هذه الاتفاقية، لان من البديهي ان الاتفاقيات الثنائية وجدت لتبقى ولكي يلتزم بها الطرفان.
 وحيث ان هناك طرف ورغم توقيعه على الاتفاقية غير راغب فى تنفيذها -لأسباب تخصه- فان السودان ليس لديه مبرر قانوني للالتزام باتفاق تحلل منه الطرف الآخر ذلك ان اتفاقية الحريات الاربعة اتفاقية لصالح شعبيّ البلدين والغرض منها تسهيل حركة وحياة وعمل مواطني البلدين ولا يمكن للسودان ان يفتح الباب واسعاً للمواطنين المصريين ولنيل حقوق الاتفاقية فى ظل حرمان مواطنيه هو من ذات الحقوق!
 لقد بدأت تتصاعد اصوات شعبية بنبرة عالية فى السودان تطالب بإلغاء هذه الاتفاقية لطالما أن الجانب المصري لا يلتزم بها و غير حريص عليها! وهذه الاصوات الشعبية بدأت الآن تطرق آذان السلطات العليا فى القصر الرئاسي فى الخرطوم وفي المجلس النيابي ومجلس الوزراء والأيام القادمة حبلى بالجديد!

الأربعاء، 17 يناير 2018

سد النهضة.. ماذا تريد مصر من السودان؟


قامت الخارجية المصرية بنفي ما تناقلته صحف اثيوبية عن طلب الحكومة المصرية  إبعاد السودان من ملف سد النهضة وذلك خلال زيارة الوزير سامح شكري إلى أديس أبابا مؤخراً، وأوضحت على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية أن الاقتراح الذى تقدمت به مصر بطلب مشاركة البنك الدولي كطرف محايد في مفاوضات اللجنة الثلاثية الفنية، قد تقدمت به مصر بشكل رسمي للحكومة السودانية أيضًا، وأن مصر تنتظر رد كل من إثيوبيا والسودان على المقترح في أقرب فرصة ممكنة.
وصاحب مفاوضات سد النهضة كثير من اللغط الذي اثير حول ايجابيات وسلبيات السد، وتباينت الاراء حوله، إلا أن موقف السودان كان واضحاً منذ البداية وجاء بعد دراسات عميقة بواسطة العلماء والكفاءات التي يملكها في مجال المياه ، إذ أن هناك فوائد جمة يمكن أن تعود عليه  من قيام السد خاصة  في جانب الإستفادة من المياه الواردة عبر النيل الأزرق ، إضافة للاستفادة مستقبلاً من إمدادات الكهرباء التي يولدها السد. وقد أمنت اثيوبيا علي مشروع توليد كهرباء سد النهضة مؤكدة عدم تضرر دول حوض النيل من قيامه.
على الجانب الآخر عبرت مصر عن  مخاوفها من تأثير السد علي حصتها السنوية من مياه النيل ، وحاولت وضع العراقيل أمام قيام السد وهددت اكثر من مرة من محاولات المساس بما تسميه أمنها المائي وعبرت عن اعتراضها  على السعة التخزينية الكبيرة للسد، والتي تصل إلى 74 مليار متر مكعب في العام، إلا أنها تراجعت لاحقا عن هذه التهديدات ووقعت على الإتفاقية الثلاثية في الخرطوم حول سد النهضة في مارس 2015. وأعلن الرئيس المصري حينها أن بلاده اختارت التعاون والبناء والتنمية فى علاقتها مع السودان وإثيوبيا وتسعى إلى تحويل نهر النيل إلى محور للتعاون والإخاء من أجل شعوب الدول الثلاث. وقال إن القيمة الحقيقية لاتفاقنا هى استكمال التفاهم حتى ننتهي من مسار الدراسات الفنية لمبادرة حوض النيل.
وكانت المباحثات الفنية الثلاثية بشأن السد بين مصر والسودان واثيوبيا قد دخلت منعطفاً حرجاً بإعلان القاهرة  يوم 13 نوفمبر الماضي “عدم التوصل إلى اتفاق بشأن اعتماد التقرير الاستهلالي الخاص بالدراسات، والمقدم من الشركة الاستشارية المنوط بها إنهاء الدراستين الخاصتين بآثار سد النهضة على دولتي المصب” ، وحمّل الوزير الإثيوبي الجانب المصري مسؤولية عدم التوصل إلى اتفاق حول التقرير الاستشاري ،  بسبب مطالبه بإضافة موضوعات خارج مرجعية التفاوض المتعلقة بسد النهضة بينما أمن السودان علي أن المفاوضات هي السبيل الوحيد لحل الخلافات .
وبالرغم من أن السودان لعب دوراً كبيراً في تقريب وجهات النظر بين مصر وأثيوبيا ، ألا أن الحكومة المصرية كانت دائماً تحرص على تقدم  مصلحتها والتحامل علي السودان.
ويقول د. معاذ تنقو خبير القانون الدولي أنه اذا كانت هناك دولة متضررة بصورة مباشر من سد النهضة فهي السودان، لهذا الاولي ان يكون السودان الشريك الاساسي فيه وليس مصر. وأوضح أنه اذا كانت بالفعل مصر قد طلبت من اثيوبيا عدم مشاركة السودان في المفاوضات فهو يعتبر خطأ قانوني ودبلوماسي ويكشف نية مصر المبيتة ضد السودان التي تريد الاضرار بالسودان ولا شي غير ذلك.
فيما قال زين العابدين حمد وكيل نقابة المحامين أن تخطي السودان في اي من اتفاقيات حوض النيل يعتبر منافياً للاتفاقيات الدولية ، فمياه النيل شراكة بين دول المنبع والمصب لكل منها نصيب معلوم وان اي تخطي يعتبر خطاء قانوني، معتبراً ان أي محاولة لاستبعاد السودان عن مفاوضات سد النهضة فهو لا يخرج من باب المكايدة السياسية أذ ان طلباً كهذا لايمكن أن يسنده موقف سياسي أو قانوني.  ويضيف زين العابدين: بالرغم من ان مصر انكرت تقديم طلباً بستبعاد السودان من سد النهضة ، إلا أن هناك قلقاً مصرياً بالغاً تجاه قيام السد، فمنذ البداية كانت مصر تضع العراقيل لخوفها علي حصتها من مياة النيل، وادراكها لحجم الفوائد التي سيجنيها السودان من قيامه.
وأردف “السودان قدم مقترحاً بمخاطبة المكتب الاستشاري لسد النهضة، لإدراجه نقاطاً، لم تكن من بنود العقد الذي وقعته معه الدول الثلاثة”.
وفي نوفمبر الماضي تعثر اجتماع اللجنة الفنية الثلاثية المعنية بسد النهضة على المستوى الوزاري، الذي استضافته القاهرة حيث لم يتوصل فيه إلى اتفاق بشأن اعتماد التقرير الاستهلالي الخاص بالدراسات،  ودعا السودان مصر على طرح النقاط الواردة في التقرير على السودان واثيوبيا، وأن لا أن يتم أدخالها عبر الأبواب الخلفية.
وقال إنه لا مجال للتنازل عن حصة السودان في مياه النيل التي أقرتها اتفاقية 1959
وأكد عن سلامة موقفه وعدم التنازل عن حصته وفق القانون.

قلق واشنطن بشأن الحريات الدينية.. وعلاقته برفض الخرطوم لنقل القدس

رغم الشهادات الدولية بمستوى إحترام حقوق المسيحيين وكافة الطوائف الدينية بالسودان، فإن اللوبيات الأمريكية وبدعم من المنظمات المعارضة للتقارب مع السودان لازالت مستمرة في تشويه صورة ملف الحريات والتعايش الديني بالبلاد، وفي هذا السياق يأتي إدراج واشنطن للسودان على قائمة البلدان التي تشكل قلقاً خاصاً بشأن الحريات الدينية.
ويرى مراقبون أن هناك دوائر ضغط ولوبيات أمريكية أصبحت تحاول تسييس وتشويه عدد من القضايا للتأثير على تطبيع العلاقات بين واشنطن والخرطوم وإدخالها في نفق المكايدات والدسائس التي تشوه صورة كل ماهو جميل في السودان، رغم شهادات كل القيادات المسيحية العالمية التي زارت الخرطوم وإشادتها بالحريات الدينية المتاحة والتعايش بين كافة الطوائف الدينية.
وقد أعربت وزارة الخارجية عن أسفها “البالغ” لوضع واشنطن إسم السودان على قائمة البلدان التي تشكل قلقاً خاصاً بشأن الحريات الدينية. وقال بيان للمتحدث الرسمي باسم الخارجية قريب الله خضر ، إن هذا الإعلان يتناقض مع الإشادات التي حظي بها السودان من العديد من رموز وقادة المؤسسات الدينية العالمية أبرزهم كبير أساقفة كانتربري إضافة لمفوض الحريات الدينية بالاتحاد الأوروبي ووفد للكونجرس الأميركي.
كما أشار المتحدث لزيارة مفوض شؤون الأديان بالخارجية الأميركية ورئيس الكنيسة الإثيوبية الذي زار كنيسة الجالية بالسودان وامتدح مستوى الأمن والحريّة واحترام حقوق المسيحيين في السودان. ونوه خضر الى ان انفتاح السودان واستقباله لعدد من الوفود يؤكد ثقة السودان واستناده لتأريخ ممتد من التعايش والتسامح بين الأديان والأعراق وحضارة عريقة عمرها آلاف السنين.
وأكد أن السودان يوفر لمواطنيه والمقيمين فيه واللاجئين حريات واسعة لممارسة حقوقهم وشعائرهم الدينية من خلال 844 كنيسة تتبع لها 319 مؤسسة تعليمية إضافة إلى 173 مركزاً ثقافياً وصحياً.
ودعا البيان الخارجية الأميركية إلى مراجعة ” إعلانها السالب وإنصاف هذا البلد الذي يستضيف ملايين اللاجئين دون أن يسأل أي أحداً منهم عن ديانته ويمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية”.
وأكد خضر استعداد الخارجية السودانية لـ “مواصلة الحوار حول هذا الموضوع لبيان حقائق الواقع والتجربة السودانية المميزة إقليمياً ودولياً والتي تستند لدستور للبلاد يكفل ويصون الحريات الدينية”.
كما أعرب د. أبوبكر عثمان وزير الإرشاد والأوقاف عن أسفه لهذه الخطوة الأمريكية، مؤكداً أن السودان لم يحجر على أي جهة بشأن الحريات الدينية. ووصف عثمان هذا الإجراء الأمريكي بأنه إدعاء ويتناقض مع الإشادات والمجهودات التي بذلها وحظي بها السودان في هذا الشأن، وقال أن خير دليل على ذلك زيارة أسقف كنيسة كانتربري للسودان مؤخراً والتي أشاد فيها بدور السودان في إتاحة الحريات فضلاً عن التعايش والتسامح الديني.
وأكد عثمان أن السودان لن يقبل بتلك الإتهامات التي تنقص حقوقه رغم الجهود التي يبذلها من أجل الحريات الدينية وإتاحتها لكافة الطوائف الدينية بالسودان، وزاد بالقول نحن لا نرضى بإنتقاص حق السودان.
وكانت لجنة التشريع والعدل وحقوق الإنسان بالمجلس الوطني، قد إتهمت مؤخراً بعض المنظمات والجهات الخارجية بمحاولة التشويش على ملف الحريات بالبلاد، وقالت حينها أن حقوق الإنسان في السودان محفوظة وفق القوانين والدستور والمعتقدات الموجودة والأعراف التي تحفظ هذه الحقوق، وقالت أن السودانيون يتعايشون سلمياً ولا وجود لإي إضطهاد ديني بينهم.
وأوضح عثمان آدم حسن نمر رئيس اللجنة إن الشعب السوداني بكل تكويناته متسامح، وأشار إلى أن مؤتمر جنيف لحقوق الإنسان أثبت أن هناك تطور ملحوظ لحالة حقوق الإنسان بالسودان وأن تقرير الخبير المستقل أثبت ان حكومة السودان لديها عمل ايجابي في حقوق الإنسان بالبلاد.
وتابع حسن إن دعاوى بعض المنظمات والجهات الخارجية بعدم وجود حريات للأديان بالسودان ووجود إضطهاد لحقوق الإنسان في جانب الأديان بأنه حديث غير صحيح قائلاً ” أن التعايش الدينى موجود بين السودانيين ولايوجد أي سابقة في هذا الشأن”.
ويؤكد القانوني والمحلل السياسي د. إسماعيل الحاج موسى أن إدعاءات واشنطن عن الحريات الدينية في السودان إتهامات ليس لها سند قانوني أوبينات وحيثيات، وأضاف إن واشنطن لن ترضى عنا وستظل تتآمر علينا، وقال إن بالسودان تعايش وحريات دينية لاتتوفر في جميع بلدان العالم.
وأشار إلى أن امريكا لاتريد للسودان ان تقوم له قائمة، ضارباً مثالاً بإستمرار وضع واشنطن للسودان في لائحة الدول الراعية للإرهاب ضمن 6 دول على الرغم من ان الكل شهد للسودان بمكافحة الارهاب وتعاونه في هذا الصدد.
فيما قال أستاذ العلوم السياسية د. مرتضى الطاهر، من الواضح أن واشنطن قامت بربط موقف السودان الرافض لجعل القدس عاصمة لإسرائيل بهذه القرارات مدللاً على ذلك بالتهديدات التي اطلقتها أمريكا للدول الرافضة لهذا التوجه مؤخراً، وقال إن الولايات المتحدة تريد تطويع الكثير من الدول بخلق العديد من الموضوعات ومن ضمنها موضوع الحريات الدينية، وكذلك الضغط على هذه الدول وفرض عقوبات عليها.

القاهرة، هل تعرف مغبة ما تفعل؟


إذا كان الأمر يتعلق بالصبر فان السودان صبر على أكثر من حكومة مصرية وأكثر من نظام في القاهرة اخترقوا أواصر الجوار و المصير المشترك على نحو لا يمكن الصبر عليه، اذ المعلوم انه ومنذ أكثر من 20 عاماً تحتل مصر -احتلالاً عسكرياً- مثلث حلايب في أقصى الشمال الشرقي
و تحاول تمصير قبائل سودانية معروفة لا يتوافق لسانها السوداني المبين مع التركيبة السكانية المصرية.
احتلال مصر لمثل حلايب عسكرياً أسوأ في مغزاه من احتلال إسرائيل للأراضي العربي، و المؤلم هنا، ان مصر نفسها جربت احتلال الأرض وانتهاك السيادة حين اجتاحت القوات الإسرائيلية الأراضي المصرية في سيناء و مناطق العريش و طابا في حرب حزيران 1967 الشهيرة!
والغريب هنا ان مصر الجريحة حينها لم تجد مشفىً سياسياً يطبب لها جراحها ويداويها سوى الخرطوم يوم ان أشهرت الخرطوم سيف اللاءات الثلاث و أعادت الاعتبار لمصر المهزومة. و إذا كان الأمر يتعلق بالمصالح الاستراتيجية المشتركة فان السودان ظل يحرس لمصر أمنها المائي بتفانٍ ونكران ذات كما يفعل الشقيق لشقيقه. أغرق السودان مدينة تاريخية هامة في أقصى شماله (وادي حلفا) لكي تنشئ مصر الخزان الاستراتيجي الأول لمياهها ممثلاً في خزان السد العالي في أسوان، الذي لولاه  لماتت المحروسة ظمأً و ظلاماً.
وإذا كان الأمر يتعلق بالأمن القومي المشترك فان السودان لم يضع أي اعتبارات لطبيعة النظام الحاكم في مصر في أي وقت، اذ ان أي نظام مصري قائم هو محل احترام السودان باعتبار ان هذا شأن داخلي مصري محض، يخص المصرين، ولو كان السودان يفكر مجرد تفكير في (ألاعيب السياسة) لما كان أسهل عليه من مساندة النظام الديمقراطي الذي كان يقوده الرئيس محمد مرسي عقب انقضاض الرئيس السيسي عليه!
تلك كانت سانحة جيدة للعب الذكي الماهر، ولكن السودان لم يفعل لانه يستند على قيم ومبادئ يعرفها المصريين. و اذا كان الأمر يتعلق بسد النهضة و الاعتقاد المصري الخاطئ ان السودان يبني علاقات إستراتيجية مع إثيوبيا موجهة ضده؛ فان مصر تستطيع معالجة خلافاتها مع اثيوبيا بالطريقة التي تراها، لا ان تسعى لمصادرة حق السودان في رعاية مصالحه! إن من المدهش ان تصادر مصر إرادة السودان في اتخاذ الموقف الذي يتواءم مع مصالحه والأكثر إدهاشاً ان تكون رغبة مصر ان يتخذ السودان (موقفاً ذيلياً تابعاً لها) لتحقيق مصالحها هي وحدها على الطريقة المصرية المعروفة في الدراما المصرية (وأنا، ما فكرتش فيّ؟)!
كيف يمكن لدولة ان تجبر دولة أخرى -إجباراً- على ان تدور في فكلها و ان تحقق لها مصالحها؟ وكيف يمكن لدولة ان تسعى لجعل دولة اخرى (شغالة) و خادمة في منزل؟ تنادي عليها فتأتي مهرولة وتنتهرها؟ مصر فعلت ذلك مع السودان مع سبق الإصرار وتحت لافتة كذوبة (نحنا أخوات).
ولهذا فان السودان حين يتحرك على طريقته الخاصة إنما يفعل ذلك لكي يضع مصر في الموضع الطبيعي لها، و ليصحح الفهم المغلوط الذي رسخ في ذهنها وجعلها تظن أنها (سيدة الفيلا) وأن السودان (الواد سيد الشغّال)!

امريكا: تحسن الأوضاع الأمنية في دارفور


أقرَّ وفد وزارة الدفاع الأميركية بتحسُّن الأوضاع الأمنية ونجاح عملية جمع السلاح في دارفور. وأكد استمرار بلاده في دعم السلام والاستقرار بإقليم ودفع عملية السلام إلى الأمام، وتشجيع الحركات السلحة غير الموقعة للانضمام للعملية السلمية، تحقيقاً للسلام الشامل بالسودان.
وضم وفد الوزارة الذي زار يوم الثلاثاء، ولاية شمال دارفور وضم خبراء، والملحق العسكري بالسفارة ومسؤول الشؤون السياسية والاقتصادية بالسفارة الأميركية والاس بين.
وامتدح الوفد جهوده ولاية شمال دارفور، في معالجة افرازات الحرب وإطلاق مشروعات التنمية، إلى جانب دور الحكومة في جمع السلاح والحد من ظاهرة تهريب البشر، داعياً إلى ضرورة بذل مزيد من الجهود لتطوير مشاريع تسهم في عودة النازحين واستقرارهم بمناطقهم الاصلية
وأكد الوفد – حسبب موقع (الشروق) استمرار بلاده في دعم السلام والاستقرار بدارفور، ودفع عملية السلام إلى الأمام، وتشجيع الحركات غير الموقعة للانضمام للعملية السلمية، تحقيقاً للسلام الشامل بالسودان.
وأوضح الوفد أنه سيتحدث مع بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (اليوناميد) حول جهودها لدعم مشروعات التنمية والخدمات وفق التفويض الجديد للبعثة وسيلتقي الوفد بعثة اليوناميد وقيادات الحركات الموقعة، ويزور محلية كبكابية.
بدوره، قال والي شمال دارفور عبدالواحد يوسف إبراهيم، إن حكومته تسعى خلال الفترة القادمة لتنظيم العديد من المؤتمرات والملتقيات بين المجموعات السكانية بالولاية لتحقيق المصالحات الاجتماعية، وإزالة الآثار التي خلفتها الحرب بدارفور، وصولاً لعقد اجتماعي جديد، ويتم من خلاله طي صفحات الماضي وفتح آفاق جديدة للتعايش السلمي بين تلك المكونات.
وأشار الوالي إلى سعي الحكومة لاستحداث مشروعات اقتصادية صغيرة مدرة للدخل، وتطوير وإدخال التقانات الحديثة في مجال الزراعة لزيادة الإنتاج، وتطوير أوجه الحياة العامة وتخفيف أعباء المعيشة للمواطنين.
وقدَّم الوالي للوفد تنويراً حول مجمل الأوضاع الأمنية بالولاية بعد تنفيذ حملة جمع السلاح التي أعلنتها رئاسة الجمهورية التي تم من خلالها جمع كافة أنواع الأسلحة الثقيلة منها والخفيف، مؤكداً أن العملية قد أسهمت في تحقيق الاستقرار الأمني المنشود بعد انتهاء كافة مظاهر الاقتتال والتمرد والانفلات الأمني.
وأبان أن حكومة الولاية قد توجهت الآن لمعالجة آثار الحرب وتداعياتها، خاصة عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية أو توطينهم في أماكنهم الحالية أو أي مكان آخر يختارونه.
وأشار الوالي إلى وجود أكثر من 247 ألف نازح بمعسكرات النازحيين، قال إن عودتهم تمثل تحدياً لحكومة الولاية، لأنها تتطلب تقديم كافة الخدمات الأساسية بمناطق العودة، مستعرضاً الخطة التي أعدتها حكومته في هذا الجانب.
وأضاف الوالي أن حماية الحدود الواسعة بين السودان وليبيا تشكل بدورها تحدياً آخر لحكومته برغم أنها تأتي في أولوياتها لمحاربة الهجرة غير الشرعية للأجانب وتجارة المخدرات، مشيراً إلى حاجة الحكومة للمساعدات اللوجستية والفنية، حتى تتم السيطرة على الحدود والحد من تلك الظواهر.
وحول إنهاء وجود بعثة الـ (يوناميد) أوضح الوالي أن البعثة قد أخلت حتى الآن ستة من المواقع التي كانت تشغلها بالولاية، مؤكداً أن الحكومة تقوم بدورها الوطني عبر أجهزتها الرسمية في حماية المدنين وبسط هيبة الدولة، مما يعني ضرورة توجيه صرف الأموال الأممية على مشروعات التنمية والبنى التحتية بدلاً من صرفها على القوات العسكرية.

جوبا ليست راغبة ولا قادرة!


تعاني حكومة جنوب السودان فيما يخص وجود الحركات المسلحة السودانية على أرضها من أمرين: الأمر الأول ان جوبا نفسها تبدو فاقدة للسيطرة حتى على جيشها الشعبي، ذلكم الجيش ذي المزيج القبلي الملتهب، اذ لا يمر يوم إلا وقد سقط منه قتلى برصاص ذات رفاقهم، أو فر منه قائد او تمرد أو لجأ اى دول الجوار.
فإذا كانت الحكومة الجنوبية لا تستطيع إحكام سيطرتها على قواتها فان من الطبيعي ان تفقد السيطرة على المرتزقة وعلى الذي يعملون في سوق المضاربات المسلحة بحثاً عن المال و السلاح.
الامر الثاني ان الحكومة الجنوبية في واقع الأمر تستفيد على نحو أو آخر من وجود هذه الحركات المسلحة في أرضها، كونها (تحت الطلب) حيث يمكن ان يتم تكليفها ومقاولتها لأداء اعمال حربية لا يصلح الجيش الشعبي لانجازها بحكم تداخلاته و تناقضاته الاثنية و القبلية. ولكن و على الرغم من هذين الأمرين فان جوبا التزمت بطوعها و إرادتها بالخلاص من هذه الحركات السودانية المسلحة متمثلة في حركات دارفور وقطاع الشمال.
الالتزام الجنوبي كما هو معروف جاء في اتفاقيات سودانية جنوبية في أكثر من مرة و كان آخرها التزام قانوني وافقت عليه جوبا، الالتزام الوارد في فى مصفوفة الاتحاد الافريقي الخاصة بالعملية السلمية بين الفرقاء الجنوبيين و التى طالبته فيها القوى المعارضة الجنوبية -ضمن مطالب أخرى- إخراج الحركات السودانية المسلحة من دولة الجنوب.
مصفوفة الاتحاد الافريقي أقرت اخراج الحركات المسلحة السودانية من دولة الجنوب في مدة اقصاها 45 يوماً! ولكن حكومة الجنوب قالت ان المدة التى تكفيها لإخراج هذه الحركات شهرين! المفارقة هنا التى بإمكان أي مراقب ان يلمس فيها عدم جدية الحكومة الجنوبية ان مدة الـ45 يوماً و الشهرين الفارق بينها فقط هو 15 يوماً بحيث يبدو مدهشاً ان جوبا تمتلك قيداً زمنياً عملياً لإخراج حركات مسلحة من أرضها كأنها دولة متقدمة كل شيء فيها محسوب بحساب!
ومع ذلك فان جوبا لا يبدو انها شرعت فعلياً في الوفاء بالتزاماتها فاذا نظرنا إلى الامر من زاويته التكتيكية فان الحكومة الجنوبية تعتبر قطاع الشمال جزء من جيشها الشعبي، ولا ننسى هنا ان التراتبية العسكرية و الترقيات و الرواتب لقادة القطاع ما تزال مرتبطة برئاسة الجيش العشبي في جوبا، كما لا ننسى ان قوات قطاع الشمال بالنسبة للجيش الشعبي الجنوبي هي عبارة عن الفرقتين 9 و 10 باعتبارهما جزء لا يتجرأ من هذا الجيش!
 على ذلك فان جوبا لا تمتلك عناصر الوفاء بالالتزام خاصة اذا قرأنا مجمل مشهدها السياسي الخالي تماماً من أي عوائق للوفاء بالالتزام بالعملية السلمية بين الفرقاء الجنوبيين التى تقودها الايقاد ويشرف عليها الاتحاد الافريقي.
المشكلة في دولة جنوب السودان انها نموذج مثالي جداً للفوضى التى ولدت بها الدولة منذ صرختها الاولى! نموذج لدولة يصبح رئيسها ملتزماً بالعملية السلمية و الاتفاقيات و يمسى ناقضاً لها رافضاً لتنفيذها! دولة كهذي لم يعرف لها مثيل في التاريخ الانساني و السياسي يصعب ربط حركاتها بحقوق وواجبات!

عودة الفاقد السياسي!



القرن الإفريقي: سيناريوهات الحريق وآفاق التهدئة



*
كاتب هذه الدراسة هو الدكتور الدرديري محمد أحمد وقد عمل بوزارة الخارجية حتى وصل درجة السفير وهو رجل قانوني ضليع خاصة فى القضايا الدولية ، وقد كان مسئولاً عن نزاع أيلولة منطقة أبيي بين السودان ودولة جنوب السودان .


شكلت اللحظة التي وضع فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قدميه فوق أرض جزيرة سواكن السودانية، شكلت صدمة كبرى في صفوف دول محور أبوظبي الذي تمثله حتى اللحظة كل من أبوظبي والرياض والقاهرة وأسمرا، وقد بدا أردوغان مزهوا بحصوله على صك الولاية على جزيرة سواكن التي تُجسّد العصر الذهبي للتوسع العثماني في الضفة الغربية للبحر الأحمر، وقد أحدث هذا الإختراق الإستراتيجي حالة من الهلع الشديد لدى عراب المحور، ولي عهد أبوظبي بشكل خاص، حيث رأى فيه تهديدا مباشرا لوجود قاعدته العسكرية في ميناء عصب الإرتري، كما تراءت له بصمة سرية لا تخطؤها العين لنجاح القيادة السياسية القطرية التي أصبحت تشكل كابوسا حقيقيا لطموحاته التوسعية عبر تأكيدها العملي المتكرر بأنها تفكر وتتحرك في بطئ وصمت مغلف بإطار من القيم الأخلاقية والإنسانية بوقوفها المعلن مع الخيارات الحرة للشعوب وبالكثير من الدهاء والعمق السياسي أيضا، ليس هذا فحسب، فقد مثلت زيارة أردوغان والحفاوة التي قوبل بها في السودان والكرم الذي وجده عند القيادة السودانية ضربة أخرى موجعة لمحور أبوظبي الذي كان يعوّل كثيرا على موقف القيادة السودانية في مواجهة المحن السياسية الكبرى التي جلبها محمد بن زايد ورفيقه بن سلمان على المنطقة دون أن تكون لهم أي خطة بديلة للخروج من شرنقتها، لقد نثر البشير، سامحه الله، المزيد من الملح على جرح محور أبوظبي عندما قفز من سفينة الجنون والعته السياسي في اللحظة المناسبة متأبطا وثيقة رفع الحظر الإقتصادي الأمريكي عن بلاده، وهو ما أدى إلى تسارع وتيرة الصراع الإقليمي بين محور أبوظبي وحلف قطر.
إن حالة الغليان السياسي المفاجئ التي أعقبت زيارة أردوغان للسواحل السودانية على البحر الأحمر، إنما هي حالة مدروسة وممنهجة تسعى إلى تحقيق غاية سياسية استراتيجية تتمثل في توجيه ضربة موجعة إلى النظام السوداني بإحتلال الشريط الساحلي السوداني وربما إسقاط حكومة البشير متى ما كان ذلك ممكنا، كما تهدف بذات القدر إلى توجيه صفعة كبرى إلى دول الحلف القطري بانتزاع سواكن من بين مخالب أردوغان، وهو هدف يسعى محور أبوظبي إلى تحقيقه بأي ثمن.
ولمعرفة مدى إمكانية أو استحالة تحقيق الهدف المذكور، تجدر بنا الإشارة إلى بعض الحقائق المتعلقة بموازين القوى العسكرية واللوجستية لبعض الدول التي من المرجح أن تكون ميدانا للصراع الإقليمي المحتمل في منطقة القرن الإفريقي.
السودان:
يأتي السودان حسب تصنيف عام 2017م في المرتبة الثامنة إفريقيا من حيث القدرات العسكرية ولديه ما يتجاوز ربع مليون رجل تحت السلاح، كما يمتلك الجيش السوداني أسلحة ومعدات عسكرية متطورة نسبيا، وفوق كل ذلك يتمتع الجيش السوداني بخبرات قتالية ميدانية هائلة اكتسبها من خلال خوض الحروب الأهلية ضد المتمردين في مختلف الجبهات.
إرتريا:
لولا أنها دولة ذات سيادة معترف بها من قبل الأمم المتحدة ولديها علم مرفوع جنبا إلى جنب مع أعلام الأمم الحرة، لأمكن القول أن دولة إرتريا في الوقت الراهن لا تملك جيشا يحمي حدودها، صحيح أن إرتريا كانت تملك جيشا قويا تجاوز تعداده 300.000 رجل تحت السلاح بحلول العام 2001م، إلا أن ذاك الجيش تبخر بشكل محزن وتحول إلى أثر بعد عين كنتيجة مباشرة للإستنزاف البشري المستمر منذ بداية العام 2003م، إن أفواج الشباب الإرتري التي تغص بها معسكرات اللجوء في السودان وإثيوبيا والضحايا الذين تتداول أخبارهم وسائل الإعلام من حين لآخر وهم يموتون غرقا في مياه البحر الأبيض المتوسط في طريقهم إلى أوروبا، هم عديد الجيش الإرتري المفترض، لقد استخدم نظام أسياس أفورقي سياسة التدمير الممنهج للجيش الإرتري حيث تحولت البلاد إلى حفرة مظلمة يسودها القتل والإختطافات والتشغيل القسري والإستعباد والتهجير وجرائم التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، وهو ما أجبر الشباب الإرتري، لاسيما أفراد الجيش الإرتري إلى المخاطرة بحياتهم للخروج من البلاد بأي ثمن، وبالنتيجة، تم إفراغ إرتريا من قواها البشرية الفاعلة، إن مجموع ما تملكه إرتريا من جيش في الوقت الراهن لا يتجاوز 40 ألف جندي جلهم من كبار السن، هذا عدا عن كونه جيش منهك وفقير التسليح ويعاني من هبوط الروح المعنوية وليس مستعدا لخوض أي حرب حقيقية، وللتدليل على الحالة المأساوية التي وصل إليها الجيش الإرتري تجدر الإشارة إلى أن الجيش الصومالي يأتي في المرتبة الثلاثين في سلم الجيوش الإفريقية وفقا لتصنيف العام 2017م وهو بكل الأحوال أفضل حالا من الجيش الإرتري بالرغم مما يعانيه الصومال من مشكلات كبيرة.
في ظل هذه الحقائق الماثلة، يأتي السؤال البديهي عن مدى إمكانية قيام حرب متكافئة بين السودان وإرتريا، وعن مغزى الأخبار المتداولة في الآونة الأخيرة عن حرب وشيكة بين الدولتين، بما في ذلك الأنباء المتداولة عن أسلحة مصرية وخبراء عسكريين في "قاعدة ساوا العسكرية" في غرب إرتريا والحشود العسكرية في الحدود بين السودان وإرتريا، واجتماعات سرية لأطراف عسكرية وأمنية تضم الإمارات ومصر ومجموعات سودانية وإثيوبية متمردة.
لا شك في أن نظام إسياس أفورقي في إرتريا امتهن الإجرام والتآمر وحوّل إرتريا إلى مرتع خصب لنسج المؤامرات وساهم في تغذية النزاعات وخلق الفوضى في دول الإقليم، في اليمن والصومال وإثيوبيا وجيبوتي، ومن البديهي أن يستضيف أي جهة تحاول إلحاق الضرر بالسودان وإثيوبيا، ولكن، هل من الممكن أن يوفر النظام الإرتري ركيزة أساسية لقوة عسكرية بالحجم الذي تتطلبه مواجهة عسكرية كبرى بين مصر والإمارات وإرتريا من جهة والسودان وإثيوبيا من جهة أخرى؟ في هذه الحالة، ستكون دول محور أبوظبي بحاجة إلى نشر ما لا يقل عن مائة ألف جندي مصري على الأقل، مصحوب بإسناد جوي من قاعدة عصب " الإماراتية" في إرتريا لكي تتمكن دول محول أبوظبي من خوض مواجهة عسكرية ذات مغزى مع الجيشين السوداني والإثيوبي في مساحة تمتد 1.517 كيلو متر هي طول الحدود بين إرتريا وكل من السودان وإثيوبيا، وهو أمر لا يمكن التفكير في حدوثه، على الأقل في المستقبل المنظور.
المصيدة:
يقوم محور أبوظبي ببث رسائل توحي بأن نظام عبد الفتاح السيسي في مصر عازم على مهاجمة إثيوبيا وتدمير طائراتها الحربية وهي لا تزال رابضة على المطارات داخل الأراضي الإثيوبية انطلاقا من "قاعدة ساوا العسكرية" وهنا لابد من الإشارة إلى حقيقة أخرى صادمة، وهي أن ما أطلقت عليه بعض وسائل الإعلام "قاعدة ساوا العسكرية" ليس في حقيقة الأمر إلا عبارة عن معسكر تدريب عسكري تقليدي لا يحتوي مطاره على مرابض كافية للطائرات ولا يمكن أن تتواجد به ثلاث طائرات في وقت واحد كونه لا يتوفر إلا على مدرج ضيق لا يتيح مناورة الإقلاع بشكل جيد، وهو مطار صغير جدا تم تصميمه خصيصا لإستقبال طائرة ديكتاتور إرتريا أسياس أفورقي عندما يزور المعسكر لحضور تخريج المتدربين من جنود الخدمة الوطنية.
إن القاعدة العسكرية التي يمكن الإعتماد عليها لتكون منطلقا لأي هجمات جوية مصرية من داخل إرتريا، من حيث المبدأ، هي القاعدة العسكرية والجوية في ميناء عصب التي طورتها حكومة أبوظبي لتلبية أهدافها التوسعية في اليمن والقرن الإفريقي وهي قاعدة تغص جنباتها بأكداس من الطائرات الحربية المتطورة ومن مختلف الطُّرُزْ.
يحتل الجيش المصري المرتبة الأولى في قائمة أقوى الجيوش الإفريقية بينما يأتي ترتيب الجيش الإثيوبي في المرتبة الثالثة إفريقيا، وهو ما يعني التكافؤ النسبي بين الجيشين، لكن، هل هناك نية حقيقية لدى حكومة عبد الفتاح السيسي للدخول في حرب مع إثيوبيا انطلاقا من الأراضي الإرترية؟
إن الترويج لإحتمالات وقوع حرب وشيكة بين إثيوبيا ومصر في الآونة الأخيرة لا يعدوا كونه دعاية سياسية يقوم النظام المصري بتسريبها عمدا إلى وسائل الإعلام لشراء الوقت وتهدئة الشارع المصري الذي بدأ يشعر بعجز وقلة حيلة حكومة السيسي أمام الإصرار الإثيوبي على استكمال سد النهضة، فعبد الفتاح السيسي ليس معنيا بضمان الأمن القومي المصري بقدر عنايته بضمان تلبية النزوات التوسعية لولي عهد أبوظبي، وبالتالي فإن كل الضجة الإعلامية المثارة لتضخيم التهديد المصري لإثيوبيا تهدف إلى تشتيت الإنتباه عن الخطة العسكرية التي ينوي محور أبوظبي تنفيذها للإستيلاء على الشريط الساحلي للسودان على البحر الأحمر.
كما تنطوي حملة الترويج الإعلامي بشأن " الحشود الإرترية والتواجد العسكري المصري في إرتريا" على تجهيز مصيدة كبرى لإستدراج الجيش السوداني لحشد قواته ووضعها في حالة تأهب قصوى على طول حدوده مع إرتريا التي تمتد لما يزيد قليلا عن 600 كيلومتر لمجابهة العدوان الإرتري المحتمل، وبالفعل قام الجيش السوداني بتحريك قوات الدعم السريع وهي قوات متمرسة في الحروب الخاطفة وتتمتع بالمرونة وسرعة الحركة، حيث تمركزت هذه القوات على مشارف الحدود الإرترية في ولاية كسلا، وبالمقابل لا توجد أي مؤشرات على وجود حشود عسكرية إرترية على الجانب الإرتري من الحدود حسب آخر المعلومات المتوفرة، لأن الحقيقة التي ما مفر منها هي أن نظام إسياس أفورقي في إرتريا لا يملك قوات عسكرية يحشدها على الحدود لمواجهة قوات الدعم السريع، وهو ما سوف يغري هذه القوات بالتوغل داخل الحدود الإرترية مدفوعة بنشوة انتصار رخيص الثمن، ويمكن القول أن قوات الجيش السوداني لن تجد مقاومة حقيقية عند اختراقها للحدود الإرترية حتى تتجاوز " قاعدة ساوا العسكرية" وربما تصل إلى مشارف هضبة بارنتو، ولكنها من الصعب أن تتقدم أبعد من ذلك لأن الطبيعة التضاريسية الجبلية ستكبح جماح تقدمها مع وجود القليل من المقاومة التي يمكن أن توفرها بقايا الجيش الإرتري مسنودة بوحدات قتالية من مرتزقة محمد بن زايد، ومن هنا فإننا نخلص إلى القول بأن الضجة الإعلامية المثارة حول تواجد أسلحة مصرية وخبراء عسكرين في " قاعدة ساوا العسكرية" ليست إلا لإستدراج الجيش السوداني إلى مصيدة في عمق الأراضي الإرترية.
لدغة الثعبان:
عندما تتوغل القوات السودانية داخل الأراضي الإرترية وتحتل معسكر ساوا، أو "قاعدة ساوا العسكرية" كما يحلوا لوسائل الإعلام تسميتها، ستنغرس أقدام الجيش السوداني في هضبة بارنتو في العمق الإرتري، ولا شك أن الجيش السوداني سيكون مزهوا بتحقيق تقدم عسكري سهل أمام قوات إرترية محطمة معنويا وعاجزة عسكريا، حينها سيكون الوقت مناسبا للجيش المصري لتنفيذ لدغة الثعبان ضد الجيش السوداني بالتحرك البري من مثلث حلايب مسنودا بقطع بحرية عبر مياه البحر الأحمر للإنقضاض على الجيش السوداني والتقدم بمحاذات الشريط الساحلي واحتلال السواحل السودانية (670 كلم) بما في ذلك ميناء سواكن بما يمثله من رمزية سياسية وانتصار معنوي لمحور أبوظبي، وفي هذه الحالة، لن يكون أمام الجيش السوداني إلا خوض حرب غير متكافئة في جبهتين متباعدتين جغرافيا، وسيكون من الصعب على الجيش السوداني تحقيق الإنتصار في أي من الجبهتين، قد يبدوا تطور الأحداث على هذا النحو الخطير أمر مستبعد وغير منطقي للوهلة الأولى، كونه ينطوي على تدخلات أجنبية واختراقات لحدود دول مستقلة، ولكنه وارد الحدوث إذا تم وضعه ضمن سياق التطورات السياسية والعسكرية التي تشهدها دول كثيرة في الإقليم كما هو الحال في اليمن وسوريا وليبيا، وتعتبر الأطماع التوسعية لدولة الإمارات العربية المتحدة هي القوة الدافعة والمحرك الرئيسي وراء كل هذه التطورات.
حلف قطر، تماسك الموقف السياسي وخذلان الجغرافيا:
تشكل دولة قطر بجانب تركيا والسودان وربما إثيوبيا، حلفا سياسيا وعسكريا، وإن كان غير معلن بصفة رسمية، ويعتبر اجتماع قادة أركان الجيوش الثلاث (قطر وتركيا والسودان) في الخامس والعشرين من ديسمبر 2017م في العاصمة السودانية الخرطوم أحدث المؤشرات على وجود هذا الحلف، قد يبدوا هذا الحلف قويا ومتماسكا من حيث تنسيق المواقف السياسية والعسكرية، لا سيما التنسيق والتعاون السياسي والأمني والعسكري بين أهم الفاعلين في الحلف قطر وتركيا، إلا أن المشكلة الكبرى التي يمكن أن تشكل عائقا أمام فاعلية هذا الحلف وتَحُول دون بروزه كحلف قوي ومؤثر تكمن في الشتات الجغرافي بين دوله، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتواجد العسكري في البحر الأحمر، فالدولة الوحيدة التي تطل على هذا الممر المائي الحيوي من بين دول الحلف القطري هي جمهورية السودان، فهل يمكن أن تقوم تركيا، مثلا، بتحريك أسطول حربي يتمركز في الشريط الساحلي السوداني على البحر الأحمر لردع أي تقدم مصري بهذا الإتجاه؟ هذا ما ستجيب عليه تطورات الأحداث في الأيام والأسابيع القليلة القادمة، وإذا حدث ذلك فإن التهافت للسيطرة على الساحل الغربي للبحر الأحمر يكون قد تأزم بشكل غير مسبوق ودخل مرحلة الصدام الدموي بين القوى الإقليمية.
الدور الإثيوبي المنتظر:
من حيث المبدأ، إثيوبيا ملزمة باتفاقيات التعاون الدفاعي المشترك مع جمهورية السودان، واتفاقية التعاون الأمني والعسكري بينها وبين دولة قطر، غير أن مسألة دخول إثيوبيا في مقامرة حرب يؤلف الجيش المصري أحد أضلاعها الرئيسية ليست بتلك السهولة التي يروج لها الإعلام، فالقرار السياسي في إثيوبيا، ليس طليقا كما هو الحال بالنسبة لأطراف الصراع الأخرى، لا سيما في القضايا المتعلقة بدخول حرب من هذا النوع ليست على الحدود المباشرة لإثيوبيا، وسيكون رئيس الوزراء الإثيوبي هيلي مريم دسالينج بحاجة إلى موافقة البرلمان الإثيوبي للدخول في حرب ضد مصر إلى جانب السودان، وهو ما لا يمكن التنبؤ بحدوثه في ظل ما يعانيه التحالف الحاكم في إثيوبيا من حالة شقاق داخلي، وفوق كل ذلك فإن السياسة الخارجية للدولة الإثيوبية في عهد التحالف الحاكم ومنذ عهد الرئيس الراحل ملس زيناوي تتمحور حول تحقيق الأهداف الإقتصادية الداخلية، وتعتبر إثيوبيا الفقر أهم أعداءها وتعمل على محاربته من خلال ربط سياساتها الخارجية بمبدأ الربح والخسارة الإقتصادية وهو ما يقلل من احتمالية انجرارها في حرب غير مضمونة العواقب.
الدور المحتمل لحركات المعارضة في الجانبين
حركات التمرد والمعارضة الإثيوبية في إرتريا
تعرضت الحركات الإثيوبية المتمردة التي يرعاها النظام الإرتري لحالة من التآكل التدريجي خلال السنوات القليلة الماضية، وهي تعاني من جفاف شديد في الموارد البشرية، حالها كحال الجيش الإرتري، فقد خلق النظام الإرتري وضعا أمنيا وسياسيا ومعيشيا لا يمكن القبول بالعيش تحته مهما كانت الأسباب، فقد ظل النظام الإرتري يتعامل مع المعارضة الإثيوبية وكأنها إحدى وحدات جيشه المقاتلة، حيث يتحكم بحركتها بشكل مطلق ويخضعها لنفس الشروط القاسية التي فرضها على الجيش الإرتري بما في ذلك استخدامها لقمع أي تمرد داخل جيشه، وهو ما حدث بالفعل عند محاولة الإنقلاب العسكري التي قادها العقيد سعيد علي حجاي في يناير 2013م، وبالنتيجة توقف إلتحاق الإثيوبيين بالمجموعات المتمردة في إرتريا بشكل تام منذ العام 2014م، ثم بدأت هذه القوات بالهروب من إرتريا وتسليم أسلحتها للجيش الإثيوبي الذي وفر من جانبه شروطا مغرية لكل من ينسلخ عن تلك المعارضة، وكان انسلاخ قائد المجموعات الإثيوبية المسلحة المعروفة اختصارا بـــ"دمحيت" الجنرال مولا أسقدوم في سبتمبر 2015م قاصمة الظهر لتواجد المجموعات الإثيوبية المسلحة في إرتريا، حيث سلم الجنرال أسقدوم بكامل جيشه وعتاده إلى الجيش الإثيوبي، وتبعته مجموعات أخرى في مراحل لاحقة، ومن هنا يمكننا القول، أن المعارضة الإثيوبية في إرتريا تعاني من شح قاتل في مواردها البشرية وهو ما يعني عدم قدرتها على القيام بأي دور فعال ضد الحكومة الإثيوبية مهما توفرت لها من معينات أخرى إلا على سبيل القيام بأعمال إرهابية وتفجيرات هنا وهناك.
حركات التمرد والمعارضة السودانية في إرتريا
كانت العلاقات الأمنية والسياسية بين النظامين السوداني والإرتري جيدة جدا حتى وقت قريب، غير أن تفاعلات الأزمة الخليجية (أزمة حصار قطر) أدت إلى حالة من الفتور السياسي بين النظامين حيث اختار السودان الوقوف في المنطقة الرمادية في بداية الأزمنة ثم حزم أمره وأبدى تعاطفا كاملا مع الجانب القطري، بينما دخلت إرتريا في تحالف وتنسيق إلى جانب دول الحصار، على أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية في البلدين ظل حاضرا حتى قبل أسابيع قليلة خلت، ولا أدلَّ على ذلك من تمكن عناصر استخبارات النظام الإرتري من اختطاف معارض إرتري من داخل مقر إقامته في مدينة كسلا الحدودية والدخول به إلى الأراضي الإرترية في شهر نوفمبر الماضي، وهو المناضل الإرتري محمد علي ود سيدنا.
وقد أدت العلاقات السياسية والأمنية الجيدة بين النظامين الإرتري والسوداني إلى منع ظهور مجموعات معارضة مسلحة في الجانبين طوال العقد الماضي، وهو أمرٌ لا ينفي تواجد هذه المجموعات بشكل أو آخر، ونظرا لعدم توفر القوى البشرية لمعارضة سودانية تنطلق من إرتريا لمواجهة الحكومة السودانية، يحاول النظام الإرتري في الآونة الأخيرة نقل بعض الوحدات المقاتلة من مجموعات المعارضة السودانية من إقليم دارفور في غرب السودان ويقوم بتجميعها في غرب إرتريا تمهيدا لإرسالها إلى الداخل السوداني كمجموعات تخريبية، وذلك بالتنسيق الكامل مع محور أبوظبي، على الرغم مما تنطوي عليه مهمة نقل مجموعات قتالية من غرب السودان إلى إرتريا من صعوبات لوجستية.
أما مجموعات المعارضة السودانية التي تنتمي إلى مجتمعات شرق السودان (البجا والرشايدة)، فقد وقّعت اتفاقية سلام شرق السودان مع الحكومة السودانية في العام 2006م، وأصحبت جزءا من الحكومة السودانية منذ وقت مبكر، وليس لديها أي نية ظاهرة للعودة إلى إرتريا لمحاربة الحكومة السودانية انطلاقا من هناك، لا سيما وأنها لا تزال تحتفظ في ذاكرتها التأريخية بما يكفي من التجارب المريرة مع النظام الإرتري، علاوة على أنها تحظى بهامش معقول من الحرية للعمل من داخل السودان كمعارضة سياسية سلمية.
المعارضة الإرترية في السودان وإثيوبيا:
يمكن الجزم بأن المعارضة الإرترية في شرق السودان هي الحاضر الأكبر والغائب الأكبر في آن واحد، فهي حاضرة بثقلها الجماهيري الهائل، وبمخزون بشري داعم يتواجد في معسكرات اللجوء والمدن بشرق السودان يتجاوز تعداده المليون نَسَمة غالبيته العظمى من الشباب، وهذا المخزون البشري الغاضب ظل طوال السنوات الماضية متحفزا للإنقضاض على نظام أسمرا وتحطيمه في أقرب سانحة ممكنة، إلا أن العلاقات السياسية والأمنية بين النظامين الإرتري والسوداني لعبت دور لجام شديد الإحكام ظل يكبح رغبة الشعب الإرتري في التخلص من نظام إسياس أفورقي واستبداله بنظام سياسي ديمقراطي يحترم الحقوق والحريات، هناك إجماع حقيقي لدى مختلف الشرائح الإرترية بأن النظام الحاكم في إرتريا يمثل الشر المطلق ويجب الخلاص منه بأي ثمن، وحينها فقط يمكن للشعب الإرتري أن يتنفس الصعداء، ليس واضحا حتى الآن إن كانت الحكومة السودانية راغبة في دعم المعارضة الإرترية، أو على الأقل، التوقف عن مطاردتها والسماح لها بالعمل انطلاقا من الأراضي السودانية لتغيير النظام الإرتري، فلم يصدر عن السودان الرسمي أي إشارة بهذا الإتجاه، إلا أن المؤكد هو أن حكومة السودان غاضبة جدا من نظام أسياس أفورقي هذه المرة.
إن اللحظة التي يفكر فيها الرئيس السوداني عمر البشير بقطع حبال الود بشكل نهائي مع حليفه السابق أسياس أفورقي، ستشكل منصة الإنطلاق لكتابة فصل جديد في التأريخ الإرتري، نظرا لتوفر كافة العوامل الذاتية والموضوعية التي من شأنها وضع النهاية المرجوة لنظام إسياس أفورقي على يد أبناء الشعب الإرتري وفي زمن قياسي.
وبالنظر إلى العوامل الذاتية داخل المعارضة الإرترية ومدى استعدادها لخوض حرب لتغيير النظام الإرتري، فإن مما لا شك فيه أن المعارضة الإرترية مستعدة، بل هي على أهبة الإستعداد، لخوض تجربة تغيير النظام الديكتاتوري دون تردد، متى ما توفرت لها أرضية الإنطلاق وحصلت على الدعم المعنوي والسياسي من دول الجوار، غير أن ضرورات تقنين وإحكام مركز القيادة والسيطرة يتطلب من كافة الفصائل الإرترية المعارضة الإستعداد والقبول بالإنضواء تحت لواء حلف سياسي وعسكري واحد، وهنا يأتي الدور الريادي لجبهة التحرير الإرترية لما تمثله من ثقل تأريخي وطني وما تتمتع به من قبول جماهيري في أوساط الإرتريين، ومن المؤكد أن جبهة التحرير الإرترية قادرة على توسيع مواعينها وأجهزتها التنظيمية لقيادة مسيرة التغيير الديمقراطي وإنجاز مهمة الإنتصار على نظام أسياس أفورقي الديكتاتوري، وبعد الإنتهاء من مهمة التغيير، يكون المجال السياسي مُشرَعا لجميع المكونات والأحزاب السياسية الإرترية لإثراء الحياة السياسية من خلال المشاركة السياسية الديمقراطية والتعددية الحزبية وصولا إلى تشكيل حكومة ديمقراطية منتخبة عبر أصوات الناخبين الإرتريين.
أما بالنسبة لوجود المعارضة الإرترية في إثيوبيا، فإن الحكومة الإثيوبية لعبت دورا إيجابيا في احتضان المعارضة الإرترية وحماية قياداتها من التسليم إلى النظام الإرتري في أوقات الشدة، وهو موقف إنساني وأخلاقي نبيل يستحق الإشادة والثناء، إلا أن الحكومة الإثيوبية ظلت مترددة وأحجمت عن تقديم أي دعم حقيقي ذا مغزى يرتقي بالمعارضة الإرترية إلى مستوى القدرة على مجابهة آلة القمع الديكتاتوري لنظام أسياس أفورقي بالرغم من حالة العداء السافر والمعلن بين نظام الديكتاتور أفورقي والحكومة الإثيوبية، وبالتالي ظلت المعارضة الإرترية في إثيوبيا تعيش في حالة من الركود السياسي وليس أمامها نقطة ضوء تهتدي بها لقيادة مسيرة التغيير الديمقراطي انطلاقا من إثيوبيا بالرغم من وجود ما لا يقل عن مائة ألف شاب من الإرتريين الهاربين حديثا من قمع النظام الإرتري في الأراضي الإثيوبية مستعدين لتحمل كل الأعباء النضالية من أجل إزاحة النظام الإرتري من سدة الحكم ليعودوا إلى ديارهم التي شردهم منها نظام أفورقي.
الخلاصة:
إن المعانات الإنسانية المؤلمة التي يشاهدها العالم اليوم في الصراعات الدموية الجارية في اليمن وليبيا وسوريا كفيلة بجعل العقلاء من صناع القرار في دول القرن الإفريقي يفكرون مَليًّا قبل فتح جروح جديدة على جسد شعوب القرن الإفريقي الذي أنهكته الحروب والقمع السياسي والجفاف والمجاعات المتكررة، إلا أن الواقع على الأرض يؤكد بأن مصائر الشعوب الضعيفة أصبحت رهينة لأطماع توسعية لدول تملك الكثير من المال والقليل من القيم والأخلاق الإنسانية، وتعمل على توسيع نفوذها دون الإلتفات إلى الأثمان الباهظة التي تدفعها هذه الشعوب، وتدل كل المؤشرات والتجارب بأن دولة الإمارات العربية المتحدة التي تقود محور أبوظبي هي الدولة الأكثر تعطشا لدماء الشعوب والأشد فتكا بالأبرياء وهو ما يتجلى في سلوكها وممارساتها التوسعية الهمجية في اليمن وليبيا وإرتريا، وحضورها القهري التطفلي غير المرحب به في الصومال وموانئ الدول الضعيفة على السواحل الإفريقية، وتحرشاتها المستمرة بالتنمر على كل من حاول النأي بنفسه عن مشاريعها التوسعية الهدامة في الشرق الأوسط.
وإنه لمن المؤسف حقا أن تتحول دولة الإمارات من رمز للتقدم والنجاحات الإقتصادية وريادة الأعمال إلى كلب مسعور يفتك بكل من يقابله على الطريق.
ومهما بلغت حدة التوتر السياسي والتصعيد العسكري، فإن الوقت مازال في صالح كل من مصر والسودان، الطرفان الأكثر تضررا من أي حرب محتملة، للتفكير في آفاق التهدئة والسعي لإفساح المجال أمام الجهود السياسية والدبلوماسية لحل أي خلافات بينهما، والإمتناع عن الإنزلاق إلى أي مواجهة عسكرية من شأنها جلب الدمار والخراب إلى المنطقة، وهو ما تسعى إليه دولة الإمارات العربية المتحدة، للأسف، من خلال تصدرها لمحور أبوظبي وإثارتها القلاقل ونشر الموت والفوضى في مختلف الأصقاع.