دولة الجنوب.. شهوة السلطة تسرج خيول الحرب

ألغت دولة جنوب السودان الانتخابات الرئاسية المتوقع انعقادها في مطلع يونيو القادم في اجتماع مجلس الوزراء أمس الأول واتفق أعضاء المجلس على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير ميارديت عامين آخرين من

الحوار الوطني فرص عديدة للنجاح

يفتح تمسك الأحزاب والقوى السياسية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية، الباب واسعا أمام فرص نجاح الحوار الذي جاء إنطلاقاً من مبدأ الشورى والديمقراطية وأنه ليس عمل سياسي تكتيكي لمرحلة معينة. لذا فقد طالبت تلك الأحزاب مؤخرا بالسير في طريق الحوار حتى تتحقق غاياته المرجوة، فليس هنالك مخرجا من حل مشكلات البلاد سوى

تجدد مزاعم تابت .. محاولة يائسة للإبقاء على اليوناميد

حسن فعلت وزارة الخارجية ،وهي تعلن أنها لن تسمح بإعادة فتح التحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي بقرية تابت بولاية شمال دارفور، فإعادة إنتاج القضية، هي محاولة للإبقاء على البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي "يوناميد" بالسودان.والأمم المتحدة بمطالبها الجديدة بفتح التحقيق

غندور في وشنطن ... أمريكا تراجع سياساتها تجاه السودان

لعل من ثابت القول أن اللقاءات المكثفة لتي يجريها مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور بواشنطن هذه الأيام حول حزمة من القضايا والمشكلات العالقة وتبحث عدداً من الملفات علي رأسها دعم السلام في السودان، و

الخطوط المتقاطعة ما بين التخريب والمقاطعة

لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، و

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

مشار وباقان.... أولاد قرنق في مهب الريح .!!

كانت الخطوات التي اتبعها سلفاكير منذ ان بدا خطة الاستراتيجي في التقارب مع الخرطوم كانت كلها تشير الي شتاء قارس لأولاد قرنق في جوبا ومستقبل مظلم يواجه تلكم المجموعة ذات الخلفيات اليسارية اليت ما فتئت تثير المشاكل مع السودان وتتحين الفرص لحياكة المؤامرات ضد الدولتين معا السودان وجنوب السودان وقد بدا سلفاكير خطواته لعزل أولاد قرنق بعزلهم من مواقعهم في الدولة ثم اتبع ذلك بحل الهيئات المركزية للحركة الشعبية بحجة ان مدتها قد انتهت وتلكم الأجهزة لعلها كانت الوجهة الثانية لأولاد قرنق ليتحصنوا بها في مواجهة الرئيس سلفاكير فاسقط في أيديهم.. مما جعل حماقة الإقدام علي محاولة انقلاب عسكري في الجنوب هي الأرجح لاستعادة مواقعهم في الدولة والحزب وهو ما حدث في اليومين الماضيين ويبدو ان الرئيس سلفاكير كان متحسباً له كما اشرنا.
ويقول مراقبون أن ما يدور في دولة الجنوب له علاقة وثيقة بما تسمي بالجبهة الثورية فاهم مكون لهذه الجبهة ما يسمي بقطاع الشمال وهو لا يزال يرتبط سياسياً وعسكرياً بالحركة الشعبية الحاكمة في دولة الجنوب لكن يبدو ان الخط الجديد الذي انتهجه الرئيس سلفاكير بتهدئة الأوضاع مع السودان ، لم يأت بالرياح التي تشتهيها الجبهة الثورية فالاتفاق مع السودان وسير الأمور نحو التهدئة بين الدولتين يعني بصورة مباشرة ان الجبهة الثورية قد فقدت خطوط إمداداتها من الجنوب، وبعد الاتفاق الذي عقده السودان مع كل من تشاد وإفريقيا الوسطي فإن أطراف الكماشة قد بدأت تطبق علي الجبهة الثورية وما رحلة أوروبا الفاشلة لقيادات الجبهة الثورية الشهر الماضي الا تعبيراً عن فرفرة الذبيح التي تعاني منها الجبهة الثورية .. وتأتي التطورات الأخيرة اثر المحاولة الانقلابية الفاشلة في جنوب السودان لتزيد من تعقيد الأمور بالنسبة للجبهة الثورية .. وإذا كانت جولة أوروبا الفاشلة تعبيراً عن فشل الجانب السياسي لأعمال الجبهة الثورية فإن تجدد القصف علي مدينة كادوقلي هذا الأسبوع تعبير أخر عن الفشل العسكري للجبهة الثورية ومحاولة أخيرة تحاول ان تعبر بطريقة مأساوية ان لها وجوداً في الساحة.
وتصاعد الأحداث في عاصمة الجنوب يقودنا الي ان الصراع أضحي صراع قبلي بامتياز بين قبيله الدينكا ويمثلها سلفا وقبلية النوير التي تدين بالولاء الكامل للدكتور ريك مشار رجل النوير القوي،،، هذا اذا استصحبنا الاختلاف بين دينكا أبيي بقياده ما يسمون اولاد قرنق كدينق الور وادوارد لينو،الذين يرو ان سلفا لم يقدم شيئا لمنطقة أبيي بل لم يعترف بنتيجة الاستفتاء الأحادي الذي أجراه دينكا نقوك،وهناك أيضاً ربيكا قرنق ارملة قرنق والتي لها سند ومناصرين داخل قبيلة الدينكا أيضاً،،،،ولا ننسي باقان اموم المرتكز علي القبيله الثالثة وهي قبلية الشلك والتي بالقطع ستقف مع ابنها المبعد والمحارب من سلفا كير.هذا غير حنق القبائل الصغيرة كالمورو والانواك التي تري ان سلفا لم يقم بما يكفي لتحجيم هجمات قبيلة الدينكا علي مواشيهم والاعتداء علي مناطقهم مما ولد حنق علي الرجل وقبيلته.
عموماً لم يكن خافياً علي احد ان مجموعة اولاد قرنق بقيادة رياك مشار منذ ان تم عزلها من مناصبها في دولة جنوب السودان ستقدم علي عمل يعيدها الي مراكز السلطة ودوائر صنع القرار في دولة جنوب السودان، وإذا كان هذا معلوماً ومتوقعاً من المراقبين العاديين فإن الرئيس سلفاكير بخلفيته الاستخبارتية وبما تحت يديه من الة الدولة ومعينات التصدي لمثل هذه المؤامرات لابد انه كان يعلم بهذه المؤامرات من تلكم المجموعة؛ لكن لعله أراد ان يضبطها متلبسة بالجرم المشهود تتقدمهم أدلة لا يمكن إنكارها لتكون العقوبة انكي واقسي.

الزعتري وهيل.. طرد تسنده الاعراف الدبلوماسية

من حق الخرطوم ممارسة حقها السيادي في حالة تجاوز أي من منسوبي الأمم المتحدة لاختصاصاته ومهامه الوظيفية المرسومة أو يتدخل في الشؤون التي تعتبر من صميم إعمال السيادة وسلطانها الداخلي وفق ميثاق الأمم المتحدة.و قرار الخرطوم بإبعاد المسؤولين الأمميين علي الزعتري وأيفون هيل من الأراضي السودانية قرار سيادي يستند إلى الأعراف الدبلوماسية الراسخة في هذا المجال وأحكام المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961م.وتنص المادة على أن "للدولة المعتمد لديها في أي وقت وبدون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس أو أي عضو من طاقم بعثتها الدبلوماسي أصبح شخصاً غير مرغوب فيه". والمعلوم عرفاً وقانوناً أنه لا يجوز لأي موظف دولي مهما كان أن ينصب نفسه قيماً وحكماً على أداء رئيس دولة ويسئ لشعب بأكمله وهو المطلوب منه خدمة شعوب الأمم المتحدة بتجرد ومهنية عالية". فالأول أساء للشعب السوداني وقيادته، والثانية ألغت مشروعات ذات مردود تنموي للسودان

. فالحكومة السودانية اضطرت لإبعاد المدير القطري لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أيفون هيلي، لأسباب عدة من بينها ما رصدته الحكومة السودانية من أن المسؤولة المذكورة شديدة التحامل على حكومة السودان وتتعامل مع المسؤولين السودانيين بغطرسة وتعال.

وهيلي اتخذت دون مشورة الحكومة السودانية قرارات بإيقاف الدعم المالي والفني لعدد من البرامج والمشروعات الاستراتيجية ذات المردود التنموي والسياسي والاقتصادي للسودان بما يتعارض مع مهامها ودورها كممثله للأمم المتحدة في معالجة الأوضاع التنموية وخفض الفقر وزيادة النمو وتطوير وبناء المؤسسات العامة".فهيلي تجاوزت إطار المساعدات التنموية للأمم المتحدة الموقع بين حكومة السودان والأمم المتحدة في يوليو 2012، مشيراً إلى أن الإطار يمثل الرؤية الاستراتيجية للتعاون بين السودان والأمم

المتحدة للفترة من 2013 حتى 2016 م.كما إنها عملت على وضع أولويات تنموية وتدخلات بدون مشاورة الجهات الحكومية، وألغت عدداً من المشروعات الناجحة ذات المردود التنموي والمؤسسي للسودان.

اما قرار الإبعاد في حق علي الزعتري جاء نظراً لأنه أساء إلى الشعب السوداني وقيادته السياسية عبر تصريح صحفي لإحدى الصحف النرويجية في خطوة تناقض مهامه كموظف دولي رفيع للأمم المتحدة بالسودان، وقد تم استيضاحه حول الأمر ومنح الفرصة الكافية لإبراز التسجيل الصوتي للحوار الصحفي الذي أجرته معه الصحيفة النرويجية على أساس أن الصحيفة قد حرفت أقواله، إلا أنه لم يفعل.

والذي يوجب التعامل القوى وتقول القرائن أن تصريحات الرجل التي أوردتها الصحيفة تجاوزت النطاق المكلف به ومضت إلى الحديث عن رئيس الجمهورية وعن المجتمع السوداني ووصفه بأنه أصبح (مرتبطاً بالمساعدات الإنسانية).فالرجل ساق اتهاما يضع السودان في خانة التسول ويمس الرموز والسيادة والأمة كلها يستحق أن يطلب من الرجل التوقف عن عمله إلى أن يبين موقفه بصورة جلية وليس بتبريرات ناقصة.

ويقول مراقبون بأن تسامح الخرطوم غير المبرر مع المنظمات الدولية والمسئولين الأمميين سيلحق المزيد من الأضرار بالسودان ، ويستشهدون على ذلك بأن السودان قد تاذى في قضية قرية تابت واتهامات الاغتصاب من إذاعة تعمل خلسة في السودان ولم تلجأ لمعالجة مع الدولة التي تستضيفها وتسمح لها العمل من أراضيها واليوم نقبل اعتذاراً لا يرقي للمستوي المطلوب ولا يفي الغليل.

"دريج" والغضب وأنثي البعوض

بقلم: خالد حسن كسلا
أقوي سبب لمغادرة البلاد بغضب شديد كان وراء  سفر  أحمد إبراهيم دريج حاكم إقليم دارفور "المتنحي" أو "المغادر لمنصبه" وقد غادر "دريج" البلاد بعد أن حال بعض مساعدي نميري دون الجلوس إليه لرفع التقرير الرسمي عن الأوضاع في إقليم دارفور.
إنه المرحوم الدكتور بهاء الدين محمد إدريس "عليه رحمة الله" الذي كان مساعداً لنميري ويحمل درجة الدكتوراه في الأحياء الدقيقة "المايكروبيولوجي" بعنوان "تكوين الجنين في بويضة أنثي البعوض".
إن حكومة نميري لم تستفد منه في مكافحة البعوض النقال للملاريا.. وقم يفهم رئيسها شيئاً عن إقليم دارفور حتي جاءت الانتفاضة الشعبية في السادس من أبريل عام 1985م، بعد أن غادر "دريج" البلاد مغاضباً.
وكان لا بد أن يغضب، لكن الغضب الأشد والأقوى كان من نصيب نميري حينما سقط حكمه تماماً بسبب نفس المساعدين والمسؤولين الذين منعوا حاكم الإقليم "دريج" من لقائه لمعالجة مشكلات الإقليم.
ومشكلة إقليم دارفور كانت اقتصادية وتنموية، أما الآن فإن حصاد ما زرعه مساعدي "نمير" هو انفجار الأوضاع الأمنية.
إضافة إلي عصابات النهب المسلح وعصابات اليوناميد يواجه الحال الأسواء من الذي تركه عليه.
وحينما زاره وفد نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن بعد عودته، قال الحاكم الأسبق لإقليم دارفور: "ليس هناك ما هو أفضل لدارفور من السلام"، وكان دريج أيام  حكومة للإقليم يجتهد لإعلان  المجاعة في إقليمه.. الآن زيدت الطينة بله، فالمجاعة أهون من نسف الأمن والاستقرار.
الآن لا توجد مجاعة في إقليم دارفور، لكن حركات التمرد تهدد مشروعات التنمية في بعض المناطق، ويلاحظ أن المناطق التي تضم مشروعات التنمية ولم يستطع التمرد أن يصل إليها مثل (تابت) تطلق الشائعات الساذجة بشأنها ورغم سذاجة الشائعات فإن بعض القوي الأجنبية تحاول الاصطياد في الماء العكر.
والمثل الشعبي يقول :"المودر يفتح خشم البقرة".. والقوي الأجنبية تبحث عن ذريعة للمناطق التي يصعب علي المتمردين دخولها لتعطيل فيها التنمية.
وها هو دريج يعود ويري بنفسه من يقف أمام التنمية لإيقافها في إقليم دارفور؟! إن "دريج" كان يريد محاربة الجوع في إقليمه.. ومحاربته تكون بالتنمية، والآن التنمية تحاربها الحركات المسلحة كما هو مرئي.. فما هو تعليق "دريج" إذن حول هذا الأمر.
هل سيدين التمرد الذي صعد من أزمة دارفور أو استبدل فيها المجاعة بانهيار الأمن؟ ولو كان المركز أيام جماعة بهاء الدين أحمد إدريس يتسبب في تهميش الإقليم الغربي فإن بعض أبناء الإقليم يتسببون المجازر ضد بعضهم.
الآن حان وقت جلوس إبراهيم مادبو ودريج وسيسي وعلي حسن تاج الدين ودوسة ومردس جمعة وأمين بناني وغيرهم من مثقفي إقليم دارفور ليقولون كلمة موحدة بشأن مصلحة الإقليم.. وأبونا "دريج" بالطبع قد فهم كل شئ وعرف "من أطفأ النور" كما يقول البعض.

جدول خروج اليوناميد

هو خيار العقلاء.. فالسودان لن يتراجع من قراره.. وهنالك رفض شعبي ووطني طبيعي ضد أي وجود أجنبي وتلاحم الموقف الشعبي والرسمي سيكون له آثار أكبر مما يتوقع المراقبون. يستحسن تفادي التصعيد والدخول مباشرة في النقاش والحوار حول الجدولة دون أي مماطلة أو نبرة تهديدية ومن يتبنى أي تهديدات سيكون شريكاً في أي خسائر قد تحدث بسبب اهتزاز العلاقة بين السودان والمنظمة الأممية.
لا يوجد "وجود أجنبي"  يخرج برضاه، نحن نعلم جيداً أنه لو منحت اليوناميد عشرون سنة لن تخرج. وجود شخصيات بل قيادات منصفة في الحراك الدولي والأفريقي أو من يمثلونه داخل السودان، لا يعني أن اليوناميد تختلف عن اليوناميس واليونيفيل واليونسفا وغيرها من اليوني فلان أو علان أو فرتكان.. تختلف المسميات وتتشابه العلل.
هذه العلل ليست من اجتهادي أو آرائي المتواضعة.. توجد دراسات دولية.. بل دراسات تحت مظلة الأمم المتحدة نفسها عن دور البعثات الأجنبية في إطالة أمد الصراع.
توجد دراسات عن تحول الأزمات إلى سوق كبير للموظفين والمغتربين الدوليين.. المسألة ليست فقط مرتبات ونثريات ومظاريف محشوة بالدولارات وهي دخول ضخمة ومعفية من الضرائب والملاحقات، المسألة تشمل تحسين السيرة الذاتية والتأهيل إلى مواقع متقدمة.. ومن أجل هذه الإمتيازات والطموحات بعضهم يدوس على أخلاقه وهويته وإنسانيته.. وينفذ ما يطلب منه دون تردد. على سبيل المثال.. يان برونك كان مسئولاً في بعثة حفظ السلام في البوسنة والهرسك وصربيا وفي عهده تم إخلاء البوابات وفتح المسار لمليشيات الصرب وهي تدخل سيربينيتشا ومعها كراكات ضخمة.. كل الناس يعرفون أنها كانت لحفر القبور الجماعية. كوفي عنان كان مسؤولاً من بعثة رواندا وبورندي.. وحدثت المذبحة.. تلقى برونك وعنان المكافآت والترقيات لاحقاً. الشخص المطيع للنفوذ الدولي يمضي للأمام.. والعاصي مثل بطرس غالي يتم تجاوزه سريعاً.. والمسألة لا علاقة لها بأن هذا الشخص مسلم أم مسيحي.. مصري أم أردني.. المسألة هي الطاعة وتمرير المخططات.. وهنا يظهر الضعف البشري في الأشخاص فالأمر يشمل مرتبات وفرصاً أفضل ودفعيات غير معلنة بملايين الدولارات.
أنا شخصياً لو انتقدت الحكومة السودانية فإنني لن انتقدها في قرار إنهاء وجود اليوناميد إطلاقاً ولكنني ربما انتقدها في أنها لم تستبق هذا الأمر بنشر الأرقام الفلكية من الدولارات والامتيازات.. لم تستبق هذا بنشر أو بالأحرى إعادة نشر كل ما يتعلق بتخصص المنظمات والبعثات الأممية وقياداتها في إطالة أمد الصراع.
نصيحتي لليوناميد وقياداتها.. دعونا نفكر في خروج حميد وآمن وجدولة واقعية.. إذا لم يحدث هذا.. فإنني لا أضمن أن تتكرر تجارب دولية مريرة.. نعم مريرة.. نسأل الله ألا تحدث في السودان.

قرارات الطرد.. أليس فيها تسرُّع

بقلم: جمال علي حسن
لا شك أن الحكومة السودانية لديها أسباب محددة وشواهد ودلائل مقنعة على مخالفات المسؤولين الأمميين اللذين قررت طردهما علي الزعتري المنسق المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وإيفون هيلي المديرة القطرية للبرنامج .
ولكن ألم يكن أمام السودان خيار آخر يجنبه المواجهة مع الأمم المتحدة بأن يتقدم بشكوى رسمية للمنظمة الدولية التي هو عضو فيها مثله ومثل بقية دول العالم؟..
إن تصريحات علي الزعتري وما فعلته إيفون هيلي هي مخالفات وتجاوزات تجعل من حق السودان أن يغضب ولا يرغب في بقائهما داخل البلاد، لكن هناك فرقا بين عدم الرغبة في وجود قوات مثل قوات اليوناميد وتنبيهها لإعداد خطة للخروج وبين عدم الرغبة في وجود مسؤولين أمميين بسبب سلوكهما الشخصي.. والفرق بين الحالتين هو أن عدم الرغبة في وجود هذا الموظف بالاسم يختلف عن عدم الرغبة في وجوده هو ووجود وظيفته نفسها، وبالتالي فإن الخطوة الأولى المتوقعة من السودان لم تكن هي المواجهة المباشرة مع الأمم المتحدة باتخاذ هذه القرارات بل مواجهة الخطأ الذي يمارسه موظفها في السودان ومحاولة معالجة المشكلة في حدودها الطبيعية..
الخطوة الأولى في تقديري لا يفترض أن تكون قرار الطرد بل مطالبة الأمم المتحدة بتغيير هذا الموظف أو الموظفين المخالفين ..
لكن من الواضح أن السودان لا يزال مستاءً جداً من تصريحات الإخوة الأردنيين والموقف الذي حدث من المندوب الأردني الدائم بالأمم المتحدة قبل أيام الذي أظهر تأييده لتقرير مدعية المحكمة الجنائية الدولية بنسودا الذي قدمته لمجلس الأمن لكن علي الزعتري الموظف الأممي الأردني الجنسية الذي طرده السودان ليس ممثلاً لبلاده بل هو مسؤول أممي وموظف بالمنظمة، وبالتالي فإن موقفه رسمياً لا يحسب على الموقف الأردني والعكس أيضاً صحيح.. لكن عملياً قد يكون هناك تعاطف في الموقف أو حتى تشابه يجعل من الأفضل المطالبة بتغييره ..
وسائل الإعلام العالمية اعتبرت أن السودان ينوي المواجهة مع الأمم المتحدة ربما لأن السودان يشعر بعدم إنصاف من المجتمع الدولي ويشعر بتواطؤ ضده وكلها احتمالات وافتراضات واردة لكن المعالجة التي تجعل السودان في (السيف سايد) هي اتباع خطوات تظهر براعته الدبلوماسية وقدرته على الصبر والتحمل وإدارة موقفه مع المجتمع الدولي بحكمة بحيث لا يظهر أمام العالم بالوجه الانفعالي.
كنا نتوقع من الدبلوماسية السودانية أن تحسن إدارة هذه الملفات بمهارات أعلى وبرود وصبر أكبر بالاستفادة من حقها القانوني وعدم التسرع في الوصول إلى مرحلة المواجهة .

الموازنة العامة للعام 2015.. ما وراء الأرقام!

أودعت الحكومة السودانية الأسبوع الماضي منضدة البرلمان، الموازنة العامة للدولة للعام2015 والقوانين المصاحبة لها وشرع البرلمان فى جلسات متتابعة فى مناقشتها توطئة لإجازتها لتدخل حيز التنفيذ مطلع العام المقبل.
وبنظرة عامة لمؤشرات العام المقبل ووفقاً لتصريحات وزير المالية السوداني بدر الدين محمود فإن أهم ما بدا واضحاً على مشروع الموازنة: أنها لم تفرض ضرائباً جديدة من أي نوع، وهذه في الواقع نقطة محورية ذات أهمية قصوى، ذلك إن فرض ضرائب جديدة -باعتباره حلاً سهلاً- يلقي بالمقابل بتبعات جانبية خطيرة أقلها زيادة أسعار السلع ورفع نسبة التضخم.
ولهذا يشير بعض الخبراء الاقتصاديين إلى أن عدم فرض ضرائب جديدة يتيح من جانب آخر توسيع مظلة التحصيل الضريبي بحيث تحصل الدولة على ممولين جدد بدلاً من أن تفرض ضرائباً جديدة وهذا تطور من شأنه أن يرفع من الإيرادات العامة ومن ثم يسهم في دعم الموازنة العامة.
المؤشر الثاني: الاستمرار فى دعم المواد البترولية والقمح؛ وهذه أيضاً تقابله أقاويل عن نية الحكومة رفع الدعم عن السلع الأساسية وتطبيق الحزمة الثانية من حزم رفع الدعم التي ظل البعض يروجون لها طوال العام المنصرم 2014 باعتبارها أيضاً من الحلول السهلة، ويظهر هذا المؤشر فى الموازنة العامة فهذا يعني
على الأقل أن العام المقبل 2015 لن يشهد حتى انتهائه قرار برفع الدعم عن المحروقات.
المؤشر الثالث أن سياسة تثبيت قيمة العملة الأجنبية ستمضي بذات الوتيرة السابقة التي نجحت في خفض قيمة العملة الأجنبية حيال الجنيه. وزير المالية قال إن سعر صرف العملات الأجنبية قد تحسن تدريجياً وهذا ما يدفعه للاعتقاد أن تقليص الفجوة بين الجنيه والعملات الأجنبية سوف يصل  فقط إلى 30% فى الموازنة الجديدة.
المؤشر الرابع، أشار وزير المالية إلى أنه يتوقع أن تحقق الموازنة الجديدة معدل نمو يبلغ 7% خاصة إذا نجح السودان فى إنجاح الموسم الزراعي الشتوي. وعلى ذلك فإن موازنة العامة 2015 وإن بدت كموازنة طموحة إلا أنها في الواقع تستصحب قدراً كبيراً من حقائق الواقع، فقد حوت الموازنة تحديد 60 ألف وظيفة للخريجين، فى إطار سعي الدولة لمحاربة البطالة، كما لم تغفل الموازنة اهتمام الدولة بسداد الديون الخارجية لا سيما الحرجة منها.
كما اقر الوزير بمراجعة إلتزامات الدولة المالية حيال تكلفة الاستحقاق الانتخابي المقرر له من العام ابريل 2015 ودعم البرامج البحثية ومشروعات التقانة وتمويل الطرق والسكة حديد وكهربة المشاريع الزراعية ومنع الصرف خارج الموازنة . كل هذه المؤشرات والحقائق التي حوتها موازنة العام 2015 تعطي تأكيد واضح على أن الطريقة التي تتبعها الحكومة السودانية فى إدارة الشأن الاقتصادي -اتفقنا أو اختلفنا معها- هي على أية حال طريقة يمكن وصفها بأنها شفافة وواقعية في بلد يعج بالخبراء الاقتصاديين الذين بإمكانهم الوقوف على هذه الحقائق بسهولة وانتقادها.
وهي -أيضاً- طريقة مشابهة تماماً لتقرير المرجع العام الذي يراقب عن كثب الأداء المالي السنوي لأجهزة ومؤسسات الدولة حيث تحرص الحكومة السودانية فى كل نهاية عام مالي على إتاحة الفرصة للمراجع العام -من على منضدة البرلمان- لإعطاء صورة شاملة ودقيقة لأحوال التعامل المالي لأجهزة الدولة؛ ويجيء التقرير عادة محتوياً على المخالفات والأخطاء المالية بشفافية عالية مع أن بإمكان الحكومة -إن أرادت- أن تأتي بتقرير مراجعة يوافق هواها ولا يتضمن مخالفات!
وبذا يمكن القول إن وضع الموازنة العامة للدولة بذات هذا القدر من الواقعية ونشر تقرير المراجع العام -كما هو- بسالبه وموجبه هما أمران ينبغي أن يجدا الاهتمام الكافي من قبل المراقبين إذ أن معني هذا أن الحكومة السودانية -بغض النظر عن أي شيء- لا تملك ما تخفيه، بل ليس فى نيتها أن تخفي شيئاً، فهي تطرح الأمور على الملأ وتبسطها للتداول العام وهو ما من شأنه أن يؤسس لشفافية اقتصادية وسياسية هي دون شك مطلوبة وبشدة ولفائدة التحول الديمقراطي والممارسة الراشدة.

العلاقات السودانية الجنوبية.. أين يكمن الخلل؟

من المؤكد أن الطريقة التي تدير عبرها الحكومة الجنوبية علاقاتها مع جارها السودان طوال الفترة التي أعقبت الانفصال في يوليو 2011 -قرابة الأربعة أعوام- طريقة مثيرة للاستغراب، ففي خلال هذه الفترة المهمة لنشأة وتطور الدولة الجنوبية الوليدة لم تنفذ ولم تستجب الدولة الجنوبية لأي اتفاق استراتيجي مع السودان، إذ انه وحتى البنود المهمة والخطيرة المتعلقة بترسيم الحدود وإنشاء المنطقة العازلة وتنظيم تجارة الحدود وإحكام الرقابة على طول الشريط الحدودي لصالح الدولتين والواردة فى إتفاقية التعاون المشترك المبرمة فى 28 سبتمبر 2012؛ حتى هذه الاتفاقية الإستراتيجية التي لا غنى لجوبا عنها وهي بعد دولة ناشئة، لم تعرها أدنى اهتمام .
لقد كان ولا يزال اهتمام جوبا منصباً على البنود المتعلقة بانسياب النفط فى أنبوب التصدير السوداني وجنيّ عائدات النفط. مع أن الدولة الجنوبية التي تواجه حرباً داخلية طاحنة فى أمس الحاجة لإقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح ضمن حدود معروفة ومرسومة تتيح لها التأكد وعلى نحو قاطع من أن المتمردين الذي ينشطون ضدها لا يتلقون دعماً من طرف خارجي أو مجاور عبر هذه الحدود، ومع أن ترسيخ اتفاقية التعاون بينها وبين السودان فى كافة المجالات يضعف وعلى نحو مباشر وملحوظ الاختلال الأمني المقيت الذي تعاني منه دولة جنوب السودان والذي وصل فيه ضيق وقلق المجتمع الدولي منه إلى درجة التفكير فى وضع دولة الجنوب ضمن الوصاية الدولية!
بل لا نغالي إن قلنا إن عدم إيلاء السلطة الجنوبية الحاكمة أدنى اهتمام استراتجيي لعلاقاتها مع السودان كان هو المتسبب الرئيسي ليس فقط فى اندلاع النزاع الداخلي الدامي فحسب ولكن في تفاقم النزاع واستعصائه على الحل ذلك أن العنصر الأساسي فى اندلاع الصراع الداخلي يرجع بالدرجة الأولى إلى غياب النظرة الإستراتيجية فى إدارة الدولة الوليدة مع تفاقم غياب الثقة بين القادة الجنوبيين وهذا فى مجمله راجع إلى ما يمكن وصفه بسوء النية فى إدارة ملف العلاقات مع الخرطوم عبر تأجيج الصراع فى المناطق الجنوبية للسودان (جنوب كردفان والنيل الأزرق).
لو كان القادة المتصارعين فى جوبا يدركون أهمية العلاقة الإستراتيجية مع الخرطوم وضرورتها لما وقعوا فى الصراع ولإستعانوا بالدولة الأم فى تحديد الأولويات ولعل اكبر دليل مادي على إخفاق هؤلاء القادة فى إدراك هذه الحقيقة أنهم -كلٌ منهم بأسبابه- عول على القيادة السودانية فى حل النزاع، قبل أن يداخل كل منهما الشك حيال وساطة الخرطوم واحتمال ميلها لأحدهما، ويركنا في النهاية إلى الإيقاد التي عجزت تماماً عن الحل.
السلطة الجنوبية الحاكمة كذلك ولدت بطموحات هي أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع مما أربك حساباتها حيال علاقاتها مع السودان، إذ ليس سراً أن شعور هؤلاء القادة أن القوى العظمى وفى مقدمتها واشنطن تقف داعمة لهم بصورة مطلقة، نزع من أذهانهم ضرورات الاهتمام بعلاقة حسن الجوار مع السودان. إذ من المدهش حقاً أن قادة الجنوب على إطلاقهم حتى الآن غير مدركين لأهمية علاقات حسن الجوار التي تقوم عليها ألف باء العلاقات الدولية.
لا يكن لأي دولة حتى ولو كانت دولة عظمى ذائعة الصيت بالغة القوة أن تستغني عن (علاقة حسن الجوار) مع جيرانها، والسبب فى ذلك بسيط للغاية أن الجار هو الطرف الوحيد القادر على إلحاق أفدح الأذى بك سواء لقربه الشديد أو لإدراكه التام -بحكم الجوار- لطبيعة نقاط الضعف التي تعاني منها. وعلى سبيل المثال فإن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة بكل ما تملك من قوة وبطش ومكر ودهاء، هي الآن تبدي حرصاً على علاقاتها بكوبا، الجزيرة الصغيرة التي استعصت عليها منذ أكثر من 60 عاماً!
لا شك أن إرهاصات التطبيع بين الدولتين -رغم الفارق المهول بينهما -تمليه علاقة حسن الجوار- . دولة جنوب السودان ايضاً تنشط بطريقة سافرة ومقززة فى استضافة حملة السلاح فى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وهو أمر لا يحتاج حتى لأدنى دليل مهما صغر، ومع ذلك تدع كل هذا وتتهم -كذباً- الحكومة السودانية بدعم متمردين جنوبيين!
المفارقة هنا واضحة بحيث يصعب معها التفاهم والحوار؛ ذلك أن الإنكار المثير للسخرية غير متعارف عليه بهذا المستوى فى العلاقات الدولية، وفى العادة حين تبنى دولة كل استراتيجيها على الكذب الصراح والكذب المثير للضحك والسخرية فإن من الصعب إن لم يكن من المستحيل التعامل معها. فحين يقول المتحدث باسم الجيش الجنوبي -فيليب اغوير- إن تهديد السلطات السودانية بملاحقة المتمردين السودانيين الموجودين على أراضي دولة الجنوب بمثابة إعلان حرب، فإنك لا تستطيع أن تخفي مزيج الدهشة والضحك والدموع التي تجتمع على صعيد واحد على ملامحك؛ مع أن الجيش الجنوبي الذي ينطق أقوير باسمه غير قادر عملاً على حسم التمرد الجنوبي لولا مساعدة النظام اليوغندي!
إن الخلل فى العلاقات السودانية الجنوبية هو في الواقع أعمق من أن يلقى معالجة على المدى القريب!

الافارقة والجنائية ... رفض مغلظ للإنضمام ..!!

التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء الأثيوبي هايلي ماريام ديسالين وقوله إن بلاده تؤيد انسحاب كل الدول الأفريقية من المحكمة الجنائية، يفتح الباب للحديث حول علاقة الافارقة بالجنائية ، فالعلاقة بين محكمة الجنايات الدولة والدول الإفريقية تمر بمفترق طرق. بعيد صدور مذكرة اعتقال بحق الرئيس عمر البشير 2008، وبعدها أصدر الاتحاد الإفريقي قرارات متتالية تنص على عدم التعاون مع المحكمة كان آخرها في قمة مايو 2013 في أديس أبابا حيث صوتت 53 دولة في الاتحاد ضد قرار المحكمة الخاص بكينيا مقابل صوت وحيد لبتسوانا مؤيد للقرار. أتهم الاتحاد الإفريقي محكمة الجنايات الدولية "باستهداف عنصري" للقارة الإفريقية. ويذهب الاتحاد الإفريقي إلى أنه في مقدرة العدالة الكينية على التعامل مع القضايا المرفوعة في المحكمة الدولية بعد الإصلاحات التي أدخلت على النظام القضائي الكيني مؤخرا. ليس لهذا القرار أي إلزام للمحكمة الدولية بل ينظر إليه كتكتيك سياسي أكثر من كونه إجراء قانونيا ذا تأثير على مجريات المحكمة.

لا يخفى على المراقبين كون كل القضايا التي تتعامل معها محكمة الجنيات الدولية تخص القارة الإفريقية. يتعلق الأمر أولا: بالإحالات التي رفعتها حكومات بصفة منفردة مثل أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى. كل هذه الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي اعترفت بعجز نظامها القضائي المحلي في التعامل مع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وطلبت تدخل محكمة الجنايات الدولية وفقا لمبدأ التكامل القضائي. ثانيا: إحالتان قدمهما مجلس الأمن الدولي يتعلقان بكل من السودان وليبيا.

ولقي الموقف الإفريقي المعادي لمحكمة الجنايات الدولية زخما كبيرا في القمة العادية الثامنة عشر للقادة والزعماء الأفارقة التي عقدت في يومي 29 و30 يناير 2012 في أديس أبابا، أثيوبيا. وأثناء القمة شدد قادة الاتحاد الإفريقي على قرارهم عدم التعاون مع المحكمة وخصوصا فيما يتعلق بمذكرة اعتقال البشير وذلك انطلاقا من القناعة السائدة بضرورة تطبيق مبدأ المحاسبة على جميع قادة العالم وليس على القادة الأفارقة لوحدهم. اضافة لذلك حاجَّ الاتحاد الإفريقي المحكمة بمون نظام روما الأساسي لا يمكنه أن يتجاوز الحصانة التي يتمتع بها المسئولون الحكوميون في الدول التي لم توقع على نظام روما الأساسي والمنشئ للمحكمة طبقا للأعراف الدولية.

رغم أن موقف الاتحاد الإفريقي تجاه المحكمة لم يحظ بإجماع الدول الإفريقية إلا أن هذا الموقف قد كسب زخما جديدا وضخت فيه دماء جديدة عن طريق الدبلوماسية الصامتة التي تتبعها الحكومة الكينية بعد فوز كل من الرئيس الكيني أوهارو ونائبه روثو بمنصب الرئيس ونائب الرئيس وهما المتهمان من طرف المحكمة الجنائية الدولية. في مؤتمر القمة الذي عقد في يناير 2012 اتخذ القادة الأفارقة قرارا بعدم التعاون مع المحكمة الدولية

وتجد الاتهامات التي يوجهها الاتحاد الإفريقي لمحكمة الجنايات الدولية ومجلس الامن التابع للأمم المتحدة بالانتقائية مصداقيتها في انعدام تحرك مماثل تجاه انتهاكات في دول أخرى مثل أفغانستان، العراق، كولومبيا جورجيا، سوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة حيث لم ترفع أي قضية أمام المحكمة الجنائية الدولية تخص هذه الدول. رغم ذلك لا يمكن وصف أي قضية من القضايا المرفوعة حاليا أمام الجنائية الدولية بالتفاهة أو نقص الأهلية القانونية لمعالجتها. في هذا الصدد ستكون التهمة التي يمكن توجيهها للمحكمة هي تهمة الإغفال وليس التفويض. من ناحية أخرى رحب القادة الأفارقة بتحرك المحكمة الجنائية الدولية في القضايا التي اتخذت فيها المحكمة قرارات ملاحقة تتلاءم مع أهواء ومصالح القادة الأفارقة كما في حالة موسيفيني في أوغندا، والحسن واتارا في ساحل العاج وجوزيف كابيلا في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

الإنتخابات .. مراقبة دولية ومشاركة واسعة

تقدمت 95 جهة خارجية لمراقبة الانتخابات العامة بالبلاد، بجانب العديد من الدول ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات ومنظمات إقليمية ودولية، فيما حدد الاتحاد الأفريقي رئيساً لبعثته للمراقبة ، يأتي ذلك في وقت استحدثت فيه مفوضية الانتخابات وسائل إلكترونية بفضل جهود شركات الاتصالات ساهمت في تقليل تكلفة العملية الانتخابية المقدرة بنحو 800 مليون جنيه في المدن والمناطق الحضرية من خلال الاقتراع الإلكتروني، بجانب انتداب كوادر في مجال الحسابات من المالية الاتحادية.
وأعلن الأمين العام لمفوضية الانتخابات بروفسيور مختار الأصم عن مساواة المفوضية للمرشحين في الدعاية الانتخابية في وسائل الإعلام المملوكة للدولة على المستويين الاتحادي والولائي في الفترة من 24-2 -2015 م حتى 10-4-2015م، منوهاً إلى أن بدء الاقتراع والفرز وإعلان النتائج سيكون في يوم 13-4- 2015م.
ونوه الأصم إلى أن يوم 24-5-2015م يمثل إنتهاء شرعية المجلس الوطني، وكذلك أمد انتهاء الفترة الرئاسية، موضحا أن عملية الترشيح ستبدأ في الـ 11 من يناير المقبل وتستمر حتى الـ 17 منه، وأن الـ 23 من فبراير المقبل يمثل آخر يوم لسحب الترشيحات.
من جانبه، أعلن الاتحاد الأفريقي تسمية الرئيس النيجيري الأسبق أبوسانجو رئيساً لبعثة مراقبة الانتخابات السودانية.وقال رئيس مراقبة الانتخابات بمفوضية الاتحاد الأفريقي إدريس كبارا، إن الاتحاد سيشارك في مراقبة الانتخابات السودانية، وإن الرئيس أبوسانجو سيرأس بعثة المراقبة، مؤكداً أن الاستعدادات قد اكتملت لمراقبة تسبق العملية الانتخابية، وتعقبها حتى مرحلة ما بعد إعلان النتائج.
وأشار كبارا إلى حرص الاتحاد الأفريقي على قيام انتخابات مستقرة وفي أجواء مثالية.وأكد أن وحدة مراقبة الانتخابات بمفوضية الاتحاد الأفريقي على استعداد لتقديم الدعم الفني لمفوضية الانتخابات بالسودان في مجالات التدريب وبرامج التأهيل، متى طلبت المفوضية السودانية العون لبرامجها.
وقريبا من مراقبة الإنتخابات فقد أكد 17 حزبا مشاركته في الانتخابات القادمة، فالانتخابات هي الوسيلة المثلى لتحقيق الاستقرار وتحقيق التداول السلمي للسلطة والثروة والتسوية السياسية لكافة القضايا. والحكومة أكدت مرارا حرصها على إخراج الانتخابات القادمة بصورة مشرفة بإشراك جميع القوى والأحزاب السياسية مع التأكيد على إتاحة فرص متساوية في أجهزة الإعلام الرسمية بالمركز والولايات لكل الأحزاب.فمراقبة عملية مراقبة الانتخابات ستكون مفتوحة لكل الأطراف من الداخل والخارج.
إذا فكل الإجراءات التي تقوم بها مفوضية الانتخابات تشير إلى انها ستجري في مواعيدها، وكما يؤكد بذلك المسئولون في المفوضية، فالتأجيل الذي تم الآن هو فقط ما يخص المرشحين لرئاسة الجمهورية والبرلمان من 31 ديسمبر إلى الحادي عشر من يناير القادم، فيما عدا ذلك فكل الأمور تسير كما ينبغي .. بينما آخرون يصطادون في الماء العكر ليجدوا مسوغاً قانونياً يدعم أهواءهم بتأجيل الانتخابات حينما صرح البعض بأن اللجنة الطارئة للتعديلات الدستورية لن يسعفها الوقت لاستكمال عملها لذا طالبت المفوضية بتأجيل موعد الانتخابات، ولكن بنفي هذه اللجنة هذا الحديث وإنها على وشك الفراغ من التعديلات وسيتم تقديمها للبرلمان في الثالث من يناير المقبل للقراءة الثانية، تكون قد قطعت الطريق أمام أية تكهنات بتأجيل الانتخابات.. فالانتخابات استحقاق دستوري، والحكومة الحالية والمجلس الوطني بعد العام 2015 تكون غير شرعية وهو ما يستدعي قيام الانتخابات في موعدها المحدد، إذا من الصعب على الحكومة أن تؤجل الانتخابات إلا في حال حدوث توافق مع الأحزاب المعارضة وتقديم مقترح بالتأجيل على المجلس الوطني الذي يجوز له أن يمدد لنفسه وللحكومة والسلطة التنفيذية، وهذا قطعا أمر فيه مغامرة والضامن الوحيد للاستقرار السياسي هو قيام الانتخابات في موعدها.ولذا فإن الأسلم والأوفق أن تقوم الانتخابات في تاريخها المحدد، فقيام الانتخابات يعود بالفائدة على العملية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

مجلس الأمن والسودان، هل هناك إحتمالاً لقرارات جديدة؟

من الناحية النظرية المجردة فإن جعبة مجلس الأمن الدولي لا تخلو في العادة من القرارات الدولية المؤثرة حينما يتعلق الأمر بالأوضاع فى السودان، فعلى مدى عقدين ونيف اصدر مجلس الأمن الدولي ما يجاوز الـ20 قراراً دولياً بشأن السودان فى سياق إستراتيجيته التي تتحكم فيها الولايات المتحدة لاحتواء هذا البلد المثخن بالجراح والأزمات.
وحتى على صعيد هذه القرارات الدولية التي صدرت تباعاً بحق السودان، فإن الناتج الإجمالي والمحصلة النهائية لهذه القرارات أنها -حتى الآن- لم تستطع كسر النواة الصلبة للدولة السودانية حيث ما يزال السودان رغماً عن كل ذلك بلداً فاعلاً فى محيطه الإقليمي والدولي قادراً على التفاعل مع القضايا الدولية المختلفة، يدير أزماته بنسبة كبيرة من عناصر السيادة الوطنية الخاصة به ولهذا فإن إمكانية إصدار مجلس الأمن لقرارات إضافية وصلاً لتلك القرارات تبدو من الناحية العملية عديمة الجدوى ولو في سياق التهويش أو محاولة الإرباك التي درجت الولايات المتحدة على ملاحقة السودان بها، وهذا فى الواقع يكشف عن أمرين أساسيين من الضروري أن ينتبه إليهما مجلس الأمن وأن يوليهما كامل اهتمامه، الأمر الأول: أن مجلس الأمن كان يعتمِد في إصدار قراراته السابقة على أن مجرد  إصدار القرار، أن يصبح القرار فى حد ذاته مكمن مخاوف السودان وانصياعه لإرادة القوى الدولية .
تكرار القرارات من هذه الزاوية أعطى السودان قدرة جدية على مواجهة هذه القرارات وهي خاوية الأثر والتأثير، فعلى سبيل المثال حين أصدر مجلس الأمن الدولي قراره الخاص بإحالة الأوضاع فى إقليم دارفور إلى مجلس الأمن الدولي قبل سنوات وبدا له للكافة أن قراره هذا قاصمة ظهر الحكومة السودانية، فإن صمود السودان واحتماله للقرار فى النهاية إلى أن يعود الملف من جديد -إلى نقطة البداية- بحيث ردت المحكمة الملف إلى المجلس ومن الطبيعي أن يسقط فى يد المجلس لأنه ما من قرار إضافي آخر، ومن ثم ما من نتيجة!
الأمر الثاني، أن قرارات مجلس الأمن -بكاملها- بدت بمثابة (صناعة أمريكية محضة) بمعنى أن واشنطن اتخذت من آلية مجلس الأمن وسيلة لتصفية حساباتها مع السودان، والسودان سرعان ما يدرك هذه الحقيقة ومن ثم ينجح فى التعامل مع القرار بكل مكايدة ولضحة، فقرار الإحالة إلى محكمة الجنايات الدولية لم يكن سوى مكايدة أمريكية محضة أرادت من خلاله واشنطن الضغط على السودان لمصالحها الخاصة هي وليس لأي مصلحة دولية، فقد كانت واشنطن ولا تزال رافضة لمبدأ القاضي الجنائي الدولي وليست عضواً في المحكمة، بل عمدت إلى استثناء جنودها استثناءاً شاذاً إذ كيف لمن يناهض شيئاً ويرفضه، أن يرغم به الآخرون؟
على سبيل المثال أيضاً فإن القرار الدولي الأخير 2046 بالتفاوض مع قطاع الشمال، أرادت به واشنطن الضغط على الحكومة السودانية لتكرار تجربة نيفاشا 2005, لكن واشنطن هي نفسها عادت (من النافذة) وجلست مع قطاع الشمال لتمنعه من المضي قدماً في التفاوض! واشنطن تخشى من أن تنتصر حجج المفاوض السوداني على مفاوضة قطاع الشمال!
الأمثلة عديدة في واقع الأمر ولهذا فإن مجلس الأمن الدولي -من ناحية الموضوعية- لم يعد لديه القدرة على إحكام قراراته ضد السودان، والمعطيات المتاحة حالياً في السودان وفي المنطقة لم تعد تتيح -كما في السابق- إصدار القرارات الأمريكية ذات الطابع الدولي فى مواجهة السودان. الأمر بات أعقد بكثير من السابق ولهذا فإن مجلس الأمن لم تعد لديه ذات الإمكانيات لبدايات جديدة.

شهادة إقتصادية دولية تعزز مصداقية الحكومة السودانية!

أصدر صندوق النقد الدولي فى الثالث من ديسمبر الجاري بياناً أصدر من خلاله تقييماً إقتصادياً لأداء اقتصاد السودان. بيان الصندوق أشار إلى أن الأداء الاقتصادي للسودان للعام 2014 يعد مرضي للغاية وأن الحكومة السودانية –وعلى الرغم من التحديات التي تواجه البلاد– أوفت بكل المتطلبات التي تم الاتفاق حولها في يونيو الماضي حيث اعتمدت الحكومة إصلاحات هيكلية تمثلت فى تعديل قانون مكافحة غسيل الأموال وقانون ومكافحة تمويل الإرهاب، كما قامت الحكومة بقفل جميع الحسابات الحكومية فى البنوك التجارية واستمرت فى تقليل القروض بالشروط غير الميسرة واحتفظت بسجل مرضي من المدفوعات إلى الصندوق.
وتوقع الصندوق -ضمن بيان التقييم- أن يحدث نمو في القطاع النفطي بنسبة 2.9% بإسهام القطاع الزراعي والذهب فى ذلك. كما أن من المتوقع انخفاض معدل التضخم من 47 إلى 29% وتوقع البيان أيضاً انخفاض الأسعار نتيجة لموسم الحصاد الجيد. ومضى البيان يشير أيضاً إلى توقعات بانخفاض العجز في الناتج المحلي ليصل إلى 1% ونمو فى الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.4% .
ويقول البيان إن الصندوق لمس السياسات الإصلاحية التي يركز عليها البرنامج الحكومي فى هذا الصدد والهادفة إلى الحد من التضخم وزيادة الاحتياطيات وتحقيق معدل أفضل. ولا شك أن هذا التقرير الفني النادر من قبل صندوق النقد الدولي فى قراءته لملف السودان الاقتصادي يمكن اعتباره تقريراً موضوعياً مطابقاً للواقع الاقتصادي الحقيقي الذي يعيشه السودان إذ أن ابرز وأهم ما أشار إليه الصندوق: أولاً، تركيز الحكومة السودانية على حزمة من الإصلاحات الهيكلية واتباع سياسات إصلاحية جادة وهذه في الواقع تعتبر نقطة مركزية ومحورية؛ فعلى مدى سنوات ظلت الحكومة تتبع إصلاحات رئيسية شاملة فى الأداء الاقتصادي للدولة ولكن الكثير من معارضيها ظلوا وما يزالوا يزايدون عليها في هذا الصدد ويتحدثون عن ما يقولون إنه إنهياراً إقتصادياً!
وبالطبع لا يمكن أن نتصور قيام صندوق النقد -وهو جهة فنية استشارية دولية- بمجاملة وممالأة الحكومة السودانية فى هذا الشأن بحال من الأحوال إذ العكس صحيح، فإن مثل هذه المؤسسات الدولية فى ظل الواقع الدولي الذي يتعايش معه السودان -لما يجاوز الربع قرن- تنأى بنفسها فى الغالب عن إظهار لأيّ مؤشرات ايجابية تخدم مصداقية الحكومة السودانية لو لم يفرض الواقع الاقتصادي الصحيح الذي تتبعه الخرطوم نفسه على بعثة الصندوق.
ثانياً، التقرير أشار إلى تحسن الأداء الاقتصادي ولا شك أن التحسن يقتضي عناصراً عملية وواقعية وليس مجرد (تقارير ورقية). لا بد من مؤشرات على الأرض وهو ما أكد عليه التقرير وهذا معناه -أن السودان وعلى الأقل فى العامين الماضيين والعام المقبل- وضع القاطرة الاقتصادية على القضبان واتخذ الطريق الصحيح المفضي إلى النجاح.
ثالثاً، أشار التقرير إلى مفارقة مهمة وهي أن الأداء الجيد للاقتصاد السوداني تم على الرغم من التحديات التي يواجهها السودان، وهذه فى الواقع إشارة مهمة إلى أن الاضطرابات الداخلية والمنازعات المسلحة التي تغذيها اطرافاً إقليمية ودولية رغم شدة وطأتها لم تفت فى عضد الحكومة السودانية وحرصها على تحسين أداء اقتصادها، وهذا بدوره يعني بالضرورة أن الاقتصاد السوداني إذا ما ألغيت العقوبات الاقتصادية الأمريكية أحادية الجانب عليه وتم حل النزاعات المسلحة سيصبح اقتصاداً قوياً شديد العنفوان.
وعلى أية حال فإن تزامن صدور البيان مع مناقشات الموازنة العامة للدولة فى البرلمان السوداني حالياً يعطي صورة حقيقية للاقتصاد السوداني ويعين النواب على قراءة مشروع الموازنة العامة للعام 2015 قراءة صحيحة.

جوبا واستمرار العبث بالأمن القومي السوداني!

أشارت أنباء من مصادر في العاصمة الجنوبية جوبا أن الحكومة الجنوبية فى الأسبوعين الماضيين كثفت من إنشاء المزيد من معسكرات الإيواء للعناصر السودانية المسلحة التي تقاتل الحكومة السودانية، خاصة حركة العدل والمساواة والتي يقودها جبريل إبراهيم.
الأنباء أشارت إلى أن حركة العدل -وبدعم من الحكومة فى جوبا- نشطت فى اعتقال مواطنين سودانيين من المقيمين على الحدود السودانية الجنوبية توطئة لتجنديهم تجنيداً إجبارياً للقتال فى صفوفها ضد متمردي الحكومة الجنوبية، حيث تتركز أكبر معسكرات القتال وفقاً لشهود عيان فى ولاية بحر الغزال ويشرف على هذه المعسكرات قادة كبار من الجيش الشعبي الجنوبي.
ولا شك أن هذا التطور السالب يؤشر بوضوح إلى أن الحكومة الجنوبية التي تستغرب وتنفي بإستماتة اتهامات الحكومة السودانية لها بإيواء ودعم هؤلاء الناشطين تجد صعوبة بالغة فى الالتزام بمبادئ حسن الجوار مع الدولة الأم.
ولا شك أن بعض دوافع الحكومة الجنوبية لهذا السلوك غير المسئول مخاوفها المتصاعدة من عدم قدرة جيشها الشعبي -وحده- على مواجهة التمرد الذي يقوده نائب الرئيس الجنوبي السابق، د. رياك مشار على الرغم من أن الجيش اليوغندي يقاتل إلى جانب الجيش الحكومي هو الآخر منذ اندلاع النزاع المسلح العام الماضي.
جوبا فيما يبدو تراهن على اللعب بالنار -بصورة أكبر مما هي عليه الأوضاع- حتى تعطي انطباعاً للمجتمع الدولي أن ما تواجهه أكبر من مجرد نزاع داخلي مسلح مع أن المجتمع الدولي -لسوء حظها- يعلم مسبقاً أن النزاع داخلي وان أسبابه لا تتجاوز الطموحات الشخصية الخاصة بكل طرف.
حتى الأمم المتحدة نفسها وعلى لسان أمينها العام بان كي مون حذرت من اتساع نطاق النزاع وردت أسبابه إلى ما أسماها أمينها العام طموحات شخصية لكل من الرئيس كير وخصمه سلفا كير!
ولعل الوقت قد حان الآن لكي يتلفت المجتمع الدولي باهتمام إلى الدور السالب للقوى الدارفورية المسلحة التي باتت تمارس هذا الدور القذر فى تأجيج النزاعات الأهلية وتوسيع نطاقها إذ أن حركة العدل والمساواة على سبيل المثال لعبت هذا الدور فى الجارة الشقيقة ليبيا على عهد الرئيس القذافي وقاتلت الشعب الليبي فى عقر داره محاولةً إجهاض ثورته فى تناقض مريع وسافر لحركة مسلحة تزعم أنها تقود ثورة شعبية وأنها تملك مطالباً سياسية عادلة.
الآن حركة العدل تفعل ذات الشيء فى دولة جنوب السودان إذ تقاتل -مقابل الدعم والإيواء- إلى جانب صفوف القوات الحكومية وتمارس القتل والإبادة والاغتصاب ونهب البنوك فى وضح النهار. المؤسف فى هذا المشهد كله أن الحكومة الجنوبية من جانبها غير عابئة بما يمكن أن تسفر عنه تصرفاتها هذه حيال هذه الحركات السودانية المسلحة، إذ أن هذه الحركات -إذا ما رجحت كفة المتمردين- بإمكانها أن تقاتل فى صف المتمردين أيضاً، فهي هنا لا تلتزم بموقف مبدئي وليست لها مصلحة سياسية معينة بقدر ما أنها مدفوعة بمصلحتها الخاصة المتمثلة في الحصول على المقابل.
حركة العدل والمساواة من الجانب الآخر غير مدركة لمترتبات ما تفعله إذ من الممكن أن تجري تسوية سياسية بين الطرفين وفي هذه الحالة يتعين لها (سداد الدين) بفوائده وخدماته كاملاً غير منقوص!

الخميس، 25 ديسمبر 2014

مجلس الأمن والسودان، هل هناك إحتمالاً لقرارات جديدة؟

من الناحية النظرية المجردة فإن جعبة مجلس الأمن الدولي لا تخلو في العادة من القرارات الدولية المؤثرة حينما يتعلق الأمر بالأوضاع فى السودان، فعلى مدى عقدين ونيف اصدر مجلس الأمن الدولي ما يجاوز الـ20 قراراً دولياً بشأن السودان فى سياق إستراتيجيته التي تتحكم فيها الولايات المتحدة لاحتواء هذا البلد المثخن بالجراح والأزمات.
وحتى على صعيد هذه القرارات الدولية التي صدرت تباعاً بحق السودان، فإن الناتج الإجمالي والمحصلة النهائية لهذه القرارات أنها -حتى الآن- لم تستطع كسر النواة الصلبة للدولة السودانية حيث ما يزال السودان رغماً عن كل ذلك بلداً فاعلاً فى محيطه الإقليمي والدولي قادراً على التفاعل مع القضايا الدولية المختلفة، يدير أزماته بنسبة كبيرة من عناصر السيادة الوطنية الخاصة به ولهذا فإن إمكانية إصدار مجلس الأمن لقرارات إضافية وصلاً لتلك القرارات تبدو من الناحية العملية عديمة الجدوى ولو في سياق التهويش أو محاولة الإرباك التي درجت الولايات المتحدة على ملاحقة السودان بها، وهذا فى الواقع يكشف عن أمرين أساسيين من الضروري أن ينتبه إليهما مجلس الأمن وأن يوليهما كامل اهتمامه، الأمر الأول: أن مجلس الأمن كان يعتمِد في إصدار قراراته السابقة على أن مجرد  إصدار القرار، أن يصبح القرار فى حد ذاته مكمن مخاوف السودان وانصياعه لإرادة القوى الدولية .
تكرار القرارات من هذه الزاوية أعطى السودان قدرة جدية على مواجهة هذه القرارات وهي خاوية الأثر والتأثير، فعلى سبيل المثال حين أصدر مجلس الأمن الدولي قراره الخاص بإحالة الأوضاع فى إقليم دارفور إلى مجلس الأمن الدولي قبل سنوات وبدا له للكافة أن قراره هذا قاصمة ظهر الحكومة السودانية، فإن صمود السودان واحتماله للقرار فى النهاية إلى أن يعود الملف من جديد -إلى نقطة البداية- بحيث ردت المحكمة الملف إلى المجلس ومن الطبيعي أن يسقط فى يد المجلس لأنه ما من قرار إضافي آخر، ومن ثم ما من نتيجة!
الأمر الثاني، أن قرارات مجلس الأمن -بكاملها- بدت بمثابة (صناعة أمريكية محضة) بمعنى أن واشنطن اتخذت من آلية مجلس الأمن وسيلة لتصفية حساباتها مع السودان، والسودان سرعان ما يدرك هذه الحقيقة ومن ثم ينجح فى التعامل مع القرار بكل مكايدة ولضحة، فقرار الإحالة إلى محكمة الجنايات الدولية لم يكن سوى مكايدة أمريكية محضة أرادت من خلاله واشنطن الضغط على السودان لمصالحها الخاصة هي وليس لأي مصلحة دولية، فقد كانت واشنطن ولا تزال رافضة لمبدأ القاضي الجنائي الدولي وليست عضواً في المحكمة، بل عمدت إلى استثناء جنودها استثناءاً شاذاً إذ كيف لمن يناهض شيئاً ويرفضه، أن يرغم به الآخرون؟
على سبيل المثال أيضاً فإن القرار الدولي الأخير 2046 بالتفاوض مع قطاع الشمال، أرادت به واشنطن الضغط على الحكومة السودانية لتكرار تجربة نيفاشا 2005, لكن واشنطن هي نفسها عادت (من النافذة) وجلست مع قطاع الشمال لتمنعه من المضي قدماً في التفاوض! واشنطن تخشى من أن تنتصر حجج المفاوض السوداني على مفاوضة قطاع الشمال!
الأمثلة عديدة في واقع الأمر ولهذا فإن مجلس الأمن الدولي -من ناحية الموضوعية- لم يعد لديه القدرة على إحكام قراراته ضد السودان، والمعطيات المتاحة حالياً في السودان وفي المنطقة لم تعد تتيح -كما في السابق- إصدار القرارات الأمريكية ذات الطابع الدولي فى مواجهة السودان. الأمر بات أعقد بكثير من السابق ولهذا فإن مجلس الأمن لم تعد لديه ذات الإمكانيات لبدايات جديدة.

قطاع الشمال .. ماركسيين رأسماليين ومناضلين رجال أعمال!

كما أن لكل شيء فى كافة مناحي الحياة ثمن، فإن الثمن في مضمار السياسة وألاعيبها في بعض الأحيان قد يكون أكثر من كونه باهظاً وفادحاً. الثمن في بعض ألاعيب السياسة قد يكون ريحاً عاتية تقتلع اللعبة السياسية نفسها! أو تنزع ثياب السياسي عنه وتدعه هكذا نهباً للسخرية والهزء ومشيئة الأقدار والتصاريف.
ياسر سعيد عرمان، عرف فى المضمار السياسي السوداني باعتباره شباباً نشأ نشأة ماركسية حادة وآمن بمجمل النظرية الماركسية بحيث لم يدع تكتيكاً من تكتيكاتها إلا واتبعه، وهو فى هذا الخضم ارتكب جريمة قتل موثقة ومعروفة فى جامعة القاهرة بالخرطوم منتصف ثمانينات القرن الماضي فى سياق نزاع سياسي طلابي مألوف، ولكن عرمان أحاله بسرعة إلى نزاع مسلح وتلك كانت مقدمة سياسية باكرة على أن ذلكم الشاب لا يعرف العمل السياسي إلا من خلال السلاح وإصابة خصومه.
وللمفارقات؛ فقد تطور هذا الشعور لاحقاً ليصبح الرجل -حتى بعد بلوغه سن النضج السياسي- خصماً لوطنه بكامله ليس مهماً أن يتمزق أو أن يتضرج فى دمائه أو أن ينزاح تماماً عن سطح الكرة الأرضية ويفارق الحياة.
هاجس الجريمة الجامعية الأولى ما فتئ يلازم عرمان وإن ارتدى حلة زاهية وربطة عنق أنيقة وفاح من حلته العطر الأخاذ. غير أن الثمن حان الوقت لكي يدفع عرمان ورفاقه فاتورته الباهظة. إن قطاع الشمال الذي أعاد به عرمان إنتاج أزمة جنوب السودان يوشك أن يتضعضع وينهار ويصبح أثراً بعد عين، كان يمكن للقطاع مستنداً إلى القرار الدولي 2046 الذي ألزم الحكومة السودانية بالتفاوض معه أن يحقق سلاماً سودانياً معقولاً قبل عام مضى.
عرمان ربما اعتقد أن هذا الوضع يزيد من عناء الحكومة السودانية أو يغيظها أو يدفعها لرفض المفاوضات، فينفتح الطريق واسعاً أمام مجلس الأمن الدولي لاتخاذ القرارات المدمرة للسودان. أو أن يستسلم المفاوض الحكومي بسرعة ويقر للقطاع بكل طلباته! غير أن ما لم ينتبه إليه عرمان، انه كان قد غالي فى المواقف! ومضى بعيداً في اللعبة واستسهل الملعب بكامله واستهان حتى بفريقه واعتمد على مهارته الفردية وحدها.
لقد خسر قطاع الشمال وعلى نحو مباغت ومؤلم غاية الألم 14 قيادياً مؤثراً من أنباء النوبة خرجوا نهاراً غاضبين على تكتيكات عرمان والذي لا تجمعهم به -لا من قريب ولا من بعيد- صلة حقيقية ولا يدرون -وهم في غاية الدهشة والاستغراب- من الذي نصب عرمان قائداً وزعيماً للقطاع ورئيساً لوفده المفاوض!
لقد اتضح أن عرمان المتشرّب بالنظرية الماركسية حتى الثمالة لم يتبق له منها سوى (الجانب المتعلق بالدين) فقط! فهو الآن فى ركاب الولايات المتحدة ونظامها الرأسمالي المصادم تماماً للأطروحة الشيوعية المعروفة. عرمان الآن شيوعي إذا تعلق الأمر بالتعاليم الدينية، ولكنه فيما يخص السياسة والاقتصاد أمريكي ورأسمالي حتى النخاع! ترى ما هي درجة المبدئية فى شاب مثل عرمان، فعل كل شيء طوال ما يجاوز الثلاث عقود باسم الماركسية الشيوعية بأجنحة أمريكية إسرائيلية!
لقد كشف المنشقون عن قطاع الشمال كيف أن عرمان وعقار والحلو ليسوا سوى شيوعيي الديانة، وفى الوقت ذاته رجال أعمال من طراز فردي يملكون اليخوت الفاخرة، والفلل الأنيقة والحسابات المصرفية الفائضة بالعديد من العملات الأجنبية . تكتيكات قطاع الشمال فى التفاوض كلفته ثمناً باهظاً للغاية حين بدأ أبناء النوبة الذين يشكلون العمود الفقري فى القطاع فى تكون جسم مغاير ولن تمر أسابيع قليلة وحين يحين أوان الجولة القادمة فإن عرمان والحلو وعقار سيكونوا (وحدهم) هم الجمعية العمومية لقطاع الشمال ولجنته التنفيذية ولا يدري احد -حينها- كيف سيتعامل واشنطن مع القرار 2046؟

تابت .. إنقلاب السحر على السحرة!

لم يكن أمراً غريباً أن راديو دبنقا الذي تولى مهمة إطلاق مزاعم الاغتصابات فى قرية تابت، لزم الصمت، ولم يعد له ذات الحماس السابق لتداول المزاعم. فقد فشل الراديو فى المهمة قبل ان تبدأ وقبل أن تصبح مادة سياسية متداولة على الموائد الدولية. وتشير متابعات (سودان سفاري) فى هذا الصدد إلى أن المسئولين المشرفين على إذاعة دبنقا أبدوا تخوفاً مهنياً واضحاً من أن تتسبب الحادثة فى خسارة الراديو لمستمعيه فى إقليم دارفور، وفى الوقت الذي فيه تم إنشاء الإذاعة خصيصاً لتوجيه الرأي العام في الإقليم والتأثير عليه، حيث بدا واضحاً من خلال استقصاءات تم التكتم عليها أن مستمعي إذاعة دبنقا في الإقليم فى تناقص مضطرد ليس بدواعي سياسية أو لاتخاذ هؤلاء المستمعين لمواقف منحاز ة للحكومة السودانية ولكن لأن طبيعة المستمع السوداني لا تستسيغ المبالغة فى الأكاذيب خاصة إذا كنت تلك الأكاذيب تمس صميم شرف الإنسان السوداني.
راديو دبنقا الآن -للمفارقات- يبحث عن وسائل سريعة مؤثرة للحصول على مصداقية إعلامية بصرف النظر عن الغرض الدعائي الذي من أجله انشأ. الأمم المتحدة من جانبها، فقدت هي الأخرى عنصر الحماس لركوب موجة القضية، فقد مرت حتى الآن أكثر من 6 أسابيع على هذه المزاعم، وبداهة فإن مرور الوقت يحبط تماماً أية فاعلية لأي تحقيقات يمكن تجري. كما أن الأمم المتحدة منذ البداية ولسبب ما ترددت فى التفاعل مع هذه المزاعم، ربما لإدراك بعض منسوبيها أن المزاعم مفبركة أو لإحاطة بعض هؤلاء المسئولين بطبيعة الأوضاع فى قرى دارفور واستحالة وقوع جريمة كهذه بالحجم الموصوف وجريان الأمور جريانها العادي في القرية!
ولهذا فحين طلبت الأمم المتحدة زيارة القرية للمرة الثانية كانت تعلم أن الأمر لا جديد فيه وأن إمكانية فبركة أدلة جديدة تبدو مستحيلة وهذا ما دفع مجلس الأمن إلى أن يلزم الصمت على الأقل فى هذه المرحلة. وعلى ذلك يمكن القول إن مزاعم الاغتصاب فى تابت لم تتسبب في أضرار فادحة على السودان بقدر ما تسببت بأضرار جسيمة للغاية بالمنظمة الدولية وبمجموعات الضغط المعروفة في نيويورك وبراديو دبنقا الذي اهتزت تماماً الإستراتيجية الإعلامية له وأصبحت مصداقيته على المحك. فعلى صعيد راديو دبنقا فإن من الصعب إن لم يكن من المستحيل ابتداءاً من تاريخ إطلاقه تلك المزاعم أن يأخذ المستمع الدارفوري ما يورده هذا الراديو مأخذ الجد. إذ على الأقل ستكون أخبار راديو دبنقا تحت التساؤلات والشك من قبل المستمع الدارفوري البسيط إلى حين ثبوتها وهذه أفدح الأضرار الإعلامية التي تصعب معالجتها.
على صعيد راديو دبنقا أيضاً فإن الراديو أعطى انطباعاً للمستمع العادي انه (راديو مدفوع القيمة) وهنالك من يقوم بتمويله لأغراض بعينها، وهذه النقطة فى الأعراف الإعلامية بمثابة آلة مدمرة لرسالته الإعلامية لا تمكنه من بسط سيطرته على المستمع الدارفوري. أما على صعيد الأمم المتحدة فإن زيارة مسئوليها للقرية فى المرة الأولى كان كافياً –مهما كانت الظروف– لانجلاء الحقيقة وحين طلبت الزيارة للمرة الثانية أساءت لنفسها إساءة بالغة، فهي وضعت مصداقيتها الدولية أمام فرضيتين: إما أنها ليست مؤهلة للقيام بالتحقيق سواء لضعف مهنية خبرائها، أو لإهمالها؛ وأما أنها قامت بمهمة التحقيق تلك فى المرة الاولى بمهنية ولكنها إرتضت لنفسها -عند طلب الزيارة الثانية- أن تحقق أغراضاً لجهات أو قوى دولية معينة طلبت منه فبركة أدلة بأي وسيلة!
فى الحالتين فإن الفرضيتين يقدحان في مصداقية الأمم المتحدة . هذا إذن أحداث تابت قلبت السحر الأسود على سحرته!

دبلوماسي دولي أم مسلح دارفوري؟

هيرفي لادسو، موظف دولي بالمنظمة الدولية يشغل حالياً منصب رئيس عمليات حفظ السلام فى الأمم المتحدة، وهو بهذا الصدد تنفيذي يشرف على عمليات حفظ السلام التي يقررها مجلس الأمن الدولي، ومن جانب آخر فهو بهذه الصفة الدولي مسئول دبلوماسي، مطلوب منه -كما هو مطلوب من كل الذين يعملون في السلك الدبلوماسي- أن يتحرى الدقة والموضوعية فى تصريحاته وألاّ يبدي شططاً أو انحيازاً سافراً ضد أو مع طرف من الأطراف.
لادسو فى مقابلة أجرتها معه (رويترز) الأسبوع الماضي أصدر قراراً بعدم خروج قوات البعثة المشتركة (اليوناميد) العاملة فى مهمة حفظ السلام فى إقليم دارفور. وقال الرجل لرويترز ودون أن يطرف له جفن (لقد طلبوا منا وضع إستراتيجية للخروج وكان هذا هدفاً دائماً لهم، ولكنهم يفعلون ذلك بإصرار معين ودعاية خاصة بعض الشيء، ولكن البعثة لن تغادر فى وقت قريب).
ولا شك أن من البديهي لكل المراقبين والمحللين السياسيين أن رسم سياسة البعثة والمدى الزمني لإقامتها وإنهاء وجودها ليس بيد هيرفي لادسو على الإطلاق. ففضلاً عن أن الأمر يقتضي التشاور مع الجانب الأفريقي أولاً باعتبار أن البعثة (أممية افريقية) مشتركة، فإن القرار النهائي -استناداً إلى قرار إيفاد البعثة- إنما هو بيد مجلس الأمن الدولي.
والحكومة السودانية حينما أعلنت رسمياً أنها طلبت من البعثة المشتركة -رسمياً- وضع إستراتيجية خروج إنما مارست حقها القانوني المحض الذي تكفله لوائح وأنظمة المنظمة الدولية فى هذا الصدد، بل كانت تسنتد على ذات منطق وقرار ابتعاث البعثة إلى دارفور الذي نصَّ صراحة فى أحد بنوده على حق السودان فى التقدم بطلب لوضع إستراتيجية خروج، يتم النظر فيها والتأكد من أن الأوضاع قد تحسنت.
ولهذا فإن تصريحات لادسو -للأسف الشديد- بدت كـ(تصريحات سياسية) بأكثر من كونها تصريحات لمسئول دولي دبلوماسي. فمن جهة أولى فإن قوله إن (هذا كان هدفاً دائم لهم) قول غريب للغاية يثير الدهشة حقاً إذ من الطبيعي أن يكون هدف السودان هو أن يتخلص من قوات أجنبية ابتُعثت خصماً على سيادته الوطنية من جهة، وأصبحت عبئاً أمنياً على أمنه القومي من جهة أخرى لأن قوات اليوناميد ظلت (تطلب الحماية) من القوات السودانية، كما ظلت هدفاً للحركات المسلحة طوال مدة وجودها فى الإقليم وحتى هذه اللحظة! ما هو المأخذ على السودان حين يكون هدفه هو التخلص من هذا العبء المقيت؟
من جهة ثانية فإن المطلب المشروع هذا ليس فيه أي وجه (للدعاية) كما يقول لادسو الذي بدا وكأنه (سياسي سوداني معارض)! إذ لا يمكن لحكومة بلد أن تطالب بإستراتيجية خروج فقط على سبيل الدعاية! لقد كتبت عشرات التقارير التي رفعت إلى مجلس الأمن طوال الأعوام السابقة تؤكد انتهاء العنف وتحسن الأوضاع فى إقليم دارفور ولعل أسطع دليل على ذلك تخفيض البعثة الذي يبدأ فى الأعوام القليلة القادمة.
لادسو يظهر الأمر كأن السودان يطالب بخروج البعثة هكذا دون مؤشرات ودون معطيات واضحة، وهذا أمر يؤسف له من جانب دبلوماسي دولي يفترض فيه أنه رجل موضوعي ومرموق! ومن جهة ثالثة فإن الرجل حين يقطع وعلى نحو جازم -وهو أمر نادر في مضمار الدبلوماسية- بأن الخروج لن يكون قريباً فإنه يفارق وقار منصبه تماماً ويخالف مخالفة صريحة أدبيات وتقاليد الدبلوماسية؛ إذ أن الخروج كما تفهمه الحكومة ونفهمه ليس غداً أو بعد غد أو الشهر القادم، فالكل يعلم أن البعثة تم التجديد لها لعام قادم، ولكن إستراتيجية الخروج لها مسار مستقل يتم التوافق حوله عبر جداول زمنية واضحة بصرف النظر عن مداها الزمني.
حتى هذه الجداول ومدها الزمني حرص لادسو حرصاً (غريباً) على حرمان السودان منها وكأن البعثة المشتركة (مجرد أنفار) يعملون فى مزرعة خاصة بالرجل! أما الأسوأ من كل ذلك فإن لادسو أدلى بتصريحاته هذه دون حتى أن يتشاور مع الجانب الإفريقي! والأكثر سوءاً أنه قال سوف يتشاور مع الجانب الإفريقي! أي أن الرجل (أصدر قراره الشخصي) ثم مضى للتشاور مع الجانب الإفريقي.
ولا شك أن القضية ليست سهلة في مجملها ويبدو أن الخرطوم قد أعدت العدة جدياً لخوض غمارها منذ فترة كافية، ولكن يظل السؤال المركزي المحير فى القضية السودانية بأكملها، ما الذي ظل يدفع الموظفين الأمميين -باستمرار- لرسم (سياسات خاصة بهم) واتخاذ مواقف دفاعية عنيفة ضد السودان وهم ليسوا أصحاب قرار؟ سؤال محير حقاً فى حاجة إلى إجابة!

تأجيل الإنتخابات .. مطالبة تكشف خواء المعارضة

منذ فترة بدأت الأصوات المنادية بتأجيل الإنتخابات تعلو بعض الشيء بجانب تردد بعض الأحزاب في مواقفها من المشاركة أو عدمها تلك الأحزاب الرافضة قيام الإنتخابات أو المترددة في المشاركة حال قيامها تتحجج بأن قانون الانتخابات جرت فيه تعديلات لديهم اعتراض عليها، وأن الحزب الحاكم أجراها دون علمهم، وتارة تتحجج بأن الحوار الوطني هو من يحسم أمر إجراء الانتخابات من عدمها..ولعمري كلها حجج واهية تشير إلى خواء هذه الأحزاب، فهي تنقصها الإستراتيجية العميقة تجاه التعاطي مع الراهن السياسي، المحزن إن بعض نواب البرلمان صاروا يتبنون (أفكار) هذه الأحزاب ويطالبون بتأجيل الانتخابات، مبررين ذلك بعدم استقرار الأوضاع في البلاد!! ويقول مراقبون بأن الأفضل في مثل هذه الحالات أن تمضي إجراءات الانتخابات كما تم التخطيط لها حتى لا يحدث فراغ دستوري حال لم يتم التوافق بين الأحزاب والحكومة للمضي قدماً بالحوار الوطني، والذي من أهم أهدافه التواثق على وفاق وطني تشارك فيه كل الأحزاب والقوى السياسية والحركات المسلحة.. بينما يقول أخرون أن تأجيل الانتخابات يتطلب مرونة من النظام كحزب حاكم لتعديل الدستور، حتى لا يحدث فراغ دستورى ويقبل الراى العام بتأجيل الانتخابات الى اجل تتم فيه المراجعة الوطنية لكل القوى السياسية فى اطار الحوار الوطنى.فمشروع الحوار الوطني للحكومة هدف استراتيجي وليس تكتيكاً مرحلياً.وبما أن هذا الحوار تواجهه الكثير من العثرات بسبب تعنتات بعض الأحزاب خاصة تلك الرافضة للحوار، فكلما تضيق شقة الخلاف تأتي هذه الأحزاب (بتقليعة) جديدة ترجع قضية الحوار إلى المربع الأول، كما حدث بأديس أبابا اذ اجتمعت بعض الأحزاب مع الحركات المسلحة ووقعت ما يسمي اتفاق نداء السودان مما زاد (الطين بلة) تم على إثره توقيف فاروق أبو عيسي رئيس هيئة تحالف الأحزاب المعارضة، فارتفعت نغمة التراجع عن تهيئة الأجواء للحوار الوطني. فحزب الأمة القومي يشكك في مغزي الحوار وأنه لن يصل إلى نهاياته.بجانب تصريحات من قادة بعض الأحزاب بنعت الحوار أنه (مات وشبع موت) وآخرين يرون أن هدفه فقط تحالف بين الوطني والشعبي وعودة الإسلاميين إلى سابق عهدهم، وأنهم لن يشاركوا فيه.. لذا فعلي الأحزاب إن تتهيأ لخوض الانتخابات بدلاً من الضجيج الذي لا طائل له، فالانتخابات على ما يبدو لن تتأجل كما يحلم هؤلاء، فكل الإجراءات التي تقوم بها مفوضية الانتخابات تشير إلى انها ستجري في مواعيدها، وكما يؤكد بذلك المسئولون في المفوضية، فالتأجيل الذي تم الآن هو فقط ما يخص المرشحين لرئاسة الجمهورية والبرلمان من 31 ديسمبر إلى الحادي عشر من يناير القادم، فيما عدا ذلك فكل الأمور تسير كما ينبغي .. بينما آخرون يصطادون في الماء العكر ليجدوا مسوغاً قانونياً يدعم أهواءهم بتأجيل الانتخابات حينما صرح البعض بأن اللجنة الطارئة للتعديلات الدستورية لن يسعفها الوقت لاستكمال عملها لذا طالبت المفوضية بتأجيل موعد الانتخابات، ولكن بنفي هذه اللجنة هذا الحديث وإنها على وشك الفراغ من التعديلات وسيتم تقديمها للبرلمان في الثالث من يناير المقبل للقراءة الثانية، تكون قد قطعت الطريق أمام أية تكهنات بتأجيل الانتخابات..

فالانتخابات استحقاق دستوري، والحكومة الحالية والمجلس الوطني بعد العام 2015 تكون غير شرعية وهو ما يستدعي قيام الانتخابات في موعدها المحدد، إذا من الصعب على الحكومة أن تؤجل الانتخابات إلا في حال حدوث توافق مع الأحزاب المعارضة وتقديم مقترح بالتأجيل على المجلس الوطني الذي يجوز له أن يمدد لنفسه وللحكومة والسلطة التنفيذية، وهذا قطعا أمر فيه مغامرة والضامن الوحيد للاستقرار السياسي هو قيام الانتخابات في موعدها.ولذا فإن الأسلم والأوفق أن تقوم الانتخابات في تاريخها المحدد، فقيام الانتخابات يعود بالفائدة على العملية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

جوبا وحركات التمرد السودانية ... دعم وإيواء تؤكدانه القرائن ..!!

التحذير الذي جدده المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات السوداني محمد عطا المولى عباس ت لدولة جنوب السودان من مغبة الاستمرار في دعم وإيواء المتمردين، وخاصة قوات حركة العدل والمساواة، التي كشف عن وجودها بخور (شمام) و(ديم جلاد) بشمال بحر الغزال. يعيد ملف دعم جوبا لحركات التمرد الدارفوري إلى دائرة الضوء الإعلامي من جديد ،خاصة وأن المدير العام لجهاز الأمن الوطني أكد في تصريحاته الاخيرة "أن أي تحركات عدائية لحركة العدل والمساواة أو أي مجموعة مسلحة أخرى من داخل الأراضي الجنوبية، ستكون بمثابة اعتداء من قبل دولة الجنوب".وانتقد موقف بعثة الأمم المتحدة بالدولة الوليدة التي قال إنها عملت مع حكومة جوبا على إنكار وجود هذه القوات التي تقوم بعمليات عسكرية بالسودان انطلاقاً من داخل أراضي الجنوب.ودعا عباس حكومة الجنوب لإعمال حسن الجوار والمعاملة بالمثل، وتجريد كل الحركات من السلاح حلاً مقبولاً لجميع الأطراف، مشيراً في هذا الخصوص إلى أن السلطات السودانية جرَّدت متمردي جنوب السودان من الأسلحة وآليات العسكرية عند دخولهم الأراضي السودانية بمنطقة هجليج.

وفي السياق كشفت الحركة الشعبية (مجموعة التغيير) المنشقة عن الحركة الشعبية قطاع الشمال عن استمرار دعم دولة جنوب السودان للتمرد بالمنطقتين لوجستياً وفنياً، مؤكدة أن الفرقتين التاسعة والعاشرة تتلقيان تدريباً في بعض المعسكرات بدولة الجنوب.

وفى تصريح صحفي له قال القيادي بمجموعة التغيير المنشقة حديثاً عن الحركة الشعبية مبارك رحمة كافي إن العلاقة القديمة قبل الانفصال مازالت مستمرة بين الحركة الشعبية في الجنوب والحركة الشعبية قطاع الشمال، موضحاً أن القطاع يستمد قوته من الدعم العسكري المقدم من دولة الجنوب المتمثل في السلاح والمؤن.وأبان كافي أن هناك مطامع في القضية من قبل دولة الجنوب من أجل بناء دولتهم الوليدة بالتعاون مع قطاع الشمال لتحقيق أغراضهم المشتركة.

وكشف تقرير راصد أعدته جهات الإختصاصأن دولة جنوب السودان تقوم بدعم حركات التمرد ضد السودان أو ما تسمى بالجبهة الثورية وذلك عبر هيئة الإستخبارات العسكرية تحت إشراف اللواء ماك بول ، وكانت العناصر التي اعتمدت علي ابو كرشولا والمناطق المجاورة لها ، قد تحركت من منطقة فنجاك ( 18 كلم شمال فارينق ) وكان الدعم علي النحو التالي: فصيل العدل والمساوأة (55) عربة لاندكروز مسلحة و(400) فرد . وفيصل مناوي (32) عربة لاندكروز و(200) فرد وفيصل عبدالواحد (22) عربة (200) فرد ، والفرقة التاسعة للجيش الشعبي بجنوب كردفان ، كتيبة مشاه ، (35) عربة لاندكروز .

وزود الجيش الشعبي لدولة جنوب السودان لتلك القوة (2) تانكر وقود و(7) عربات محملة بمواد تموين قتالية و(2) راجمة (40) ماسورة و(2) مدفع ثنائي (14،5مم).

كما تأوي دولة جنوب السودان عناصر فصيل العدل والمساوأة في مناطق ( جوبا ، بانتيو ، ربكونا ، ييدا ، فنجاك ، الرنك ) وتكفل لهم حرية التنقل والاقامة والدورات التدريبية المختلفة وخدمات علاج الجرحي داخل دولة جنوب السودان وفي دولة اثيوبيا باشراف سفارتهم هنالك .

وأما فصيل مناوي فيتمركز في منطقة ( راجا ، وطمبرة ) وحتي 29/3/2013م دخلت إلي دولة جنوب السودان (35) عربة لاندكروزر قادمة من جنوب دارفور قامت بإخلاء جرحي إلي راجا وعادت ثانية بعد أن استلمت مواد تموين من ضابط برتبة العقيد يدعى (ريقان) وهو ضابط استخبارات بالجيش الشعبي، ويتولي التنسيق مع الحركات المسلحة بدارفور وراجا ، وتكررت نفس العملية ( اخلاء الجرحي وتسيلم الدعم ) بتاريخ 25/4/2003م ، وقدم الاستخبارات العسكرية بالقيادة العامة للجيش الشعبي للمتمرد مني مناوي لحضور اجتماع انعقد بجوبا 2/5/2013م ، وتسلم فصيل مناوي (150) برميل وقود عربة كبيرة من الجيش الشعبي وتسلمها ابراهيم تقلات ورجب جو .واما دعم دولة جنوب السودان لفصيل عبدالواحد فتمثل في التدريب في معسكرات ( بندلة) بأويل ، ونيوسايت وقودلي غرب جوبا . حيث تم تدريب الف عنصر في تلك المعسكرات علي المدرعات والاستخبارات بجانب توفير مبالغ مالية .

مجلس الأمن الدولي وإستراتيجية إلحاق الظلم بالسودان!

إذا أحصينا مظاهر الظلم المتعمد التي ظل مجلس الأمن الدولي يلحقها -عن قصد وسبق إصرار- ضد السودان فإن من الصعب إحصاءها إحصاء جامع. ففي غضون العقود الثلاث المنصرمة فإن مجلس الأمن الدولي فى الواقع لم يكن يفعل سوى العمل على إلحاق أقصى درجات الظلم والإضرار بالسودان.
وحين نقول إن مجلس الأمن ظل يلحق الظلم بالسودان فإنما نعني ذلك بدقة، إذ أن مجرد الاعتقاد أن المجلس يوجه قراراته المعيبة والظالمة ضد الحكومة السودانية لإضعافها أو إرغامها للاستجابة لما يطلبه وأنه يفعل ذلك وهو يفصل بين الحكومة والسودان كدولة أرضاً وشعباً، هو اعتقاد واهي وخاطئ ومن العسير أن ينطلي على أحد. فعلى سبيل المثال فإن مجلس الأمن أصدر قراره الشهير 1593 الخاص بإحالة الأوضاع فى دارفور إلى محكمة الجنايات الدولية قبل حوالي 8 أعوام .
محكمة الجنايات الدولية زعمت أنها -استجابة لقرار المجلس- حققت فى الأمر ووجدت أن كبار المسئولين فى الحكومة السودانية وفي مقدمتهم الرئيس البشير متورطين فى جرائم حرب! في العام 209 اصدر المدعي العام للمحكمة حينها لويس اوكامبو مذكرة توقيف بحق الرئيس البشير فى سابقة قضائية دولية كانت تؤذن بفشل مدوّي كمحكمة للجنايات الدولية ضاربة عرض الحائط بالعلاقات الدولية  والقواعد المرعية فيها، ومنتهكة للقانون الدولي الذي هو مجموعة أعراف وتقاليد دولية اكتسبت قوة القانون بمرور الوقت وأصبح من الصعب المساس بها دون نقض غزل القانون الدولي.
وكنتيجة لهذا الوضع فإن مذكرة التوقيف لم تسفر عن نتيجة ايجابية، بل على العكس دفعت دولاً عديدة باتجاه محاولة التراجع عن ميثاق روما المنشئ للمحكمة. مجلس الأمن الدولي حين أحال هذه الأوضاع فى دارفور إلى المحكمة لم يكن يدرك انه بهذا المسلك ينشئ تهديداً جدياً للأمن والسلم الدوليين ، فلو أن دولة ما قررت إنفاذ المذكرة التوقيفية ضد الرئيس البشير فإن من المحتم أن تنشب الحرب ما بين تلك الدولة السودان، لأن من شأن المساس برئيس دولة من قبل أي دولة -بلا أدنى شك- الإفضاء إلى مواجهة عسكرية لأن الرئيس -أي رئيس- هو رمز سيادة الدولة الوطنية ومن المستحيل أن تدع دولة رمز سيادتها نهباً لتصرفاتها خرقاء من دولة أخرى مهما كانت مكانتها الدولية أو قوتها.
وجه الظلم في تصرف مجلس الأمن هذا أنه فعل ذك فقط لأغراض المكايدة السياسية وإشانة سمعة السودان -وليس فقط السلطة الحاكمة- ولهذا وبعد مرور أكثر من خمسة سنوات على هذه المذكرة فإن المحكمة -وبصرف النظر عن نواياها الخاصة- أعادت الأمر من جديد إلى مجلس الأمن مفصحة عن عجز المجلس والمحكمة معاً عن إنفاذ قراراته الظالمة.
مجلس الأمن أشان سمعة السودان طوال هذه المدة لينتهي الأمر برد الأمر إليه! مجلس الأمن أيضاً اصدر القرار 2046 الذي ألزم فى إحدى فقراته الحكومة السودانية بالتفاوض مع قطاع الشمال! الحكومة السودانية لم ترفض القرار وإنما أبدت كامل احترامها للقرار وشرعت فى التفاوض مع القطاع.
كانت المفاجأة الصاعقة أن قطاع الشمال ظل يعرقل بدأب ومثابرة كل جولات التفاوض والعرقلة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، ففي كل مرة يقترب فيها الطرفان من تحديد إطار التفاوض، تتدخل الولايات المتحدة عبر مناديبها القريبين من قاعة التفاوض لتعيقها!
عرمان من جانبه وبإيعاز من واشنطن ظل يلقي بمطالب تعجيزية لا تحتاج  إلى عبقرية لكي يُفهم منها أنها بقصد عرقلة التفاوض.
مؤدى قرار مجلس الأمن بالتفاوض مع قطاع الشمال -وهو مقترح أمريكي بامتياز- أن لا يتم أي تفاوض جدي! ولا شك أن هذا الوضع فيه ظلم لا أول له ولا آخر بالنسبة للسودان، فالقرار يتلاعب بعملية الأمن والسلم في السودان بطريقة واضحة، ففي كل مرة تستعد فيها الحكومة السودانية لجولة تفاوض تشرئب أعناق أهل المنطقتين -جنوب كردفان والنيل الأزرق- إلى أديس أبابا وفي أذهانهم أن هذه الجولة ربما تجلب لهم سلاماً ولكن سرعان ما يخيب رجاؤهم حين يمارس عرمان هوايته الاستخبارية المعروفة، يطلق سهماً مسموماً يفسد مناخ التفاوض، ليتم تعليق العملية التفاوضية لأجل غير مسمى قبل أن تنعقد مرة أخرى لذات الهدف فيتم تعليقها وهكذا.
أليس مثل هذا المسلك المعروف بعمق لدى مجلس الأمن ظلماً فادحاً  ومقصوداً بالسودان؟ وإن لم يكن هذا هو الظلم بعينه فما هو إذن الظلم؟

الأوضاع في دولة الجنوب وأثرها الخطير على الأمن القومي السوداني!

بلا شك فإن المجتمع الدولي ضالع بصفة أساسية فى الأوضاع المأساوية والمحزنة التي تعيشها دولة جنوب السودان منذ أكثر من عام ونيف، وهي أوضاع لا يمكن القول أنها (طبيعية) بحال من الأحوال وليس أدل على ذلك من أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فى أحدث تصريح وتوصيف لهذه الأوضاع قال إن الطموحات الشخصية لقادة الصراع هناك -كير ومشار- هي التي أدت إلى هذه الأوضاع ما بين سقوط الضحايا اليومي بالآلاف وفرار عشرات الآلاف وتدمير كل مقومات الحياة.
ولا أحد بوسعه المجادلة بشأن هذه الأوضاع كونها قد تفضي إلى التهاب بالمنطقة بأسرها. فهكذا هي الصراعات فى أفريقيا مثل النيران التي تشتعل في قرية مشيدة بالمكونات المحلية الهشة إذ من السهل أن تنتقل النيران إلى أرجاء واسعة منها وتأكل الأخضر واليابس.
غير أن بروز هذا الصراع وعجز المجتمع الدولي عن كبح جماحه حتى الآن بل وقعود الولايات المتحدة عن القيام بأي دور من أجل احتوائه رغم أنها صاحبة القدح المعلى فى ميلاد دولة جنوب السودان والتي اقتطعت اقتطاعاً من السودان بات يشكل تهديداً مباشراً وخطيراً على الأمن القومي السوداني من أي زاوية نظرنا إليه.
أولاً، الصراع الدائر فى دولة الجنوب ما زال يغذي الفصائل المسلحة التي تنشط ضد الحكومة السودانية (قطاع الشمال وحركات دارفور المسلحة)؛ فهي تستفيد من أجواء الصراع فى الحصول على المال والسلاح من خلال مناورتها بالوقوف مع أحد طرفيّ الصراع. هذا الوضع فاقم من قيام الحكومة الجنوبية بتقديم الدعم للفصائل المسلحة التي تقاتل الحكومة السودانية.
لقد غرقت الحكومة الجنوبية فى الواقع -بوعي أو بغير وعي- في دعم الحركات السودانية المسلحة ولم يستطع التخلي عن هذا الموقف، بل إن جوبا لم تعد تجد الوقت الكافي للتفكير فى مخاطر موقفها هذا كما أن المجتمع الدولي المدرك لهذه المخاطر والمخالفة الصريحة للقانون الدولي يبدو غير عابئ بما تقوم به جوبا.
من المؤكد أن استمرار هذا الوضع دون قيام جوبا بمراجعة موقفها واتخاذ خطوات حقيقية وجادة على الأرض من شأنه أن يفضي لاحقاً -وفي نقطة مفصلية ما- إلى اضطرار السودان مدفوعاً بحماية أمنه القومي باتخاذ تدابير من الممكن أن تفضي إلى مواجهة مع جوبا وحينها يصبح الصراع ذي طبيعة إقليمية بالغة الخطورة، وهي واحدة من أكثر سمات الحروب الأهلية الإفريقية، خاصة وأن الرئيس اليوغندي (موسيفني) أدخل بلاده طرفاً أصيلاً في الصراع.
ثانياً، الصراع الجنوبي الجنوبي حتى ولو تم إخراج الفصائل السودانية من مضماره، إذا استمر بهذه الوتيرة دون أن تلوح فى الأفق أية إمكانية لحلول إستراتيجية حاسمة من شأنه أن يفرز وضعاً إنسانياً يتحمل السودان -وحده- كل نتائجه الوخيمة المتمثلة فى استقباله لملايين المواطنين اللاجئين الفارين من جحيم الحرب والذي سيطول بقاؤهم فى السودان سواء لأنّ الصراع قد يتخذ منحى قبلياً مريعاً -أسوأ من تجربة رواندا وليبريا- أو لأن البنية التحتية –على هشاتها– في الدولة الجنوبية الوليدة ستحتاج إلى عشرات الأعوام لكي يتم إنشاؤها من جديد؛ ولن يغامر المواطنون الجنوبيون بالعودة قريباً طالما رأوا بأعينهم طبيعة الاوضاع وخطورتها، وهذا من شأنه أن يشكل ضغطاً اقتصادياً مهولاً على السودان فى ظل معاناته -من الأساس- من تعقيدات اقتصادية.
وهو أيضاً ما قد يفرز ظاهر إجرامية سالبة فى ظل عدم التوصل حتى الآن مع الحكومة الجنوبية إلى نقطة صفرية لترسيم حدود طويلة ومتداخلة، وفى ظل بقاء الحال على ما هو عليه بشأن القضايا المعقدة العالقة بين الدولتين.
ثالثاً تعنُّت الحكومة الجنوبية بلا أدنى مبررات فى حل القضايا العالقة وتنفيذ البرتوكولات الأمنية المهمة التي وقعتها مع الحكومة السودانية لن يتيح للسودان ترتيب بيته من الداخل. بمعنى أنه حتى ولو نجح السودان على المدى القريب فى حل المشكلة الداخلية مع المعارضين السودانيين وتم التوصل إلى صيغة سلمية فإن وجود إشكالات الحدود والنقاط الحدودية والنزاع فى أبيي بكل زخمه، مع استمرار جوبا فى تقديم الدعم لبعض حملة السلاح السودانيين من شأنها أن تجهض أية عمل استراتيجي من هذا القبيل في السودان.
وعلى ذلك فإن ترك المجتمع الدولي للنزاع الدائر فى دولة الجنوب في ظل ضغطه المتواصل على الخرطوم لتحل الأخيرة قضايا الحكم والسياسية مع معارضيها هو في الواقع مسلك غير استراتيجي وربما لا يخلو من سوء تقدير وسوء نية فى ذات الوقت، ومن الغريب أن المجتمع الدولي الذي شهد ميلاد الدولة الجنوبية وسيطر عليها يدعها هكذا متفرجاً على تطاير الدماء في حين أنه يضغط على السودان مع الفارق الشاسع في الأوضاع فى الحالتين.

مشار وباقان.... أولاد قرنق في مهب الريح .!!

كانت الخطوات التي اتبعها سلفاكير منذ ان بدا خطة الاستراتيجي في التقارب مع الخرطوم كانت كلها تشير الي شتاء قارس لأولاد قرنق في جوبا ومستقبل مظلم يواجه تلكم المجموعة ذات الخلفيات اليسارية اليت ما فتئت تثير المشاكل مع السودان وتتحين الفرص لحياكة المؤامرات ضد الدولتين معا السودان وجنوب السودان وقد بدا سلفاكير خطواته لعزل أولاد قرنق بعزلهم من مواقعهم في الدولة ثم اتبع ذلك بحل الهيئات المركزية للحركة الشعبية بحجة ان مدتها قد انتهت وتلكم الأجهزة لعلها كانت الوجهة الثانية لأولاد قرنق ليتحصنوا بها في مواجهة الرئيس سلفاكير فاسقط في أيديهم.. مما جعل حماقة الإقدام علي محاولة انقلاب عسكري في الجنوب هي الأرجح لاستعادة مواقعهم في الدولة والحزب وهو ما حدث في اليومين الماضيين ويبدو ان الرئيس سلفاكير كان متحسباً له كما اشرنا.
ويقول مراقبون أن ما يدور في دولة الجنوب له علاقة وثيقة بما تسمي بالجبهة الثورية فاهم مكون لهذه الجبهة ما يسمي بقطاع الشمال وهو لا يزال يرتبط سياسياً وعسكرياً بالحركة الشعبية الحاكمة في دولة الجنوب لكن يبدو ان الخط الجديد الذي انتهجه الرئيس سلفاكير بتهدئة الأوضاع مع السودان ، لم يأت بالرياح التي تشتهيها الجبهة الثورية فالاتفاق مع السودان وسير الأمور نحو التهدئة بين الدولتين يعني بصورة مباشرة ان الجبهة الثورية قد فقدت خطوط إمداداتها من الجنوب، وبعد الاتفاق الذي عقده السودان مع كل من تشاد وإفريقيا الوسطي فإن أطراف الكماشة قد بدأت تطبق علي الجبهة الثورية وما رحلة أوروبا الفاشلة لقيادات الجبهة الثورية الشهر الماضي الا تعبيراً عن فرفرة الذبيح التي تعاني منها الجبهة الثورية .. وتأتي التطورات الأخيرة اثر المحاولة الانقلابية الفاشلة في جنوب السودان لتزيد من تعقيد الأمور بالنسبة للجبهة الثورية .. وإذا كانت جولة أوروبا الفاشلة تعبيراً عن فشل الجانب السياسي لأعمال الجبهة الثورية فإن تجدد القصف علي مدينة كادوقلي هذا الأسبوع تعبير أخر عن الفشل العسكري للجبهة الثورية ومحاولة أخيرة تحاول ان تعبر بطريقة مأساوية ان لها وجوداً في الساحة.
وتصاعد الأحداث في عاصمة الجنوب يقودنا الي ان الصراع أضحي صراع قبلي بامتياز بين قبيله الدينكا ويمثلها سلفا وقبلية النوير التي تدين بالولاء الكامل للدكتور ريك مشار رجل النوير القوي،،، هذا اذا استصحبنا الاختلاف بين دينكا أبيي بقياده ما يسمون اولاد قرنق كدينق الور وادوارد لينو،الذين يرو ان سلفا لم يقدم شيئا لمنطقة أبيي بل لم يعترف بنتيجة الاستفتاء الأحادي الذي أجراه دينكا نقوك،وهناك أيضاً ربيكا قرنق ارملة قرنق والتي لها سند ومناصرين داخل قبيلة الدينكا أيضاً،،،،ولا ننسي باقان اموم المرتكز علي القبيله الثالثة وهي قبلية الشلك والتي بالقطع ستقف مع ابنها المبعد والمحارب من سلفا كير.هذا غير حنق القبائل الصغيرة كالمورو والانواك التي تري ان سلفا لم يقم بما يكفي لتحجيم هجمات قبيلة الدينكا علي مواشيهم والاعتداء علي مناطقهم مما ولد حنق علي الرجل وقبيلته.
عموماً لم يكن خافياً علي احد ان مجموعة اولاد قرنق بقيادة رياك مشار منذ ان تم عزلها من مناصبها في دولة جنوب السودان ستقدم علي عمل يعيدها الي مراكز السلطة ودوائر صنع القرار في دولة جنوب السودان، وإذا كان هذا معلوماً ومتوقعاً من المراقبين العاديين فإن الرئيس سلفاكير بخلفيته الاستخبارتية وبما تحت يديه من الة الدولة ومعينات التصدي لمثل هذه المؤامرات لابد انه كان يعلم بهذه المؤامرات من تلكم المجموعة؛ لكن لعله أراد ان يضبطها متلبسة بالجرم المشهود تتقدمهم أدلة لا يمكن إنكارها لتكون العقوبة انكي واقسي.

فاتو بنسودا .. حالة يأس تحاصر مكتب الإدعاء

لم يأت تقرير المدعي للمحكمة الجنائية الغامبية فاتو بنسودة الأخير امام مجلس الامن الدولي بجديد يقنع المجتمع الدولي بصحة الإجراءات التي ابتدرها سلفها المدعي السابق بالمحكمة الجنائية الدولية، فتقريرها أوضح حالة اليأس التي تحاصر مكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية من حيث عدم تجاوب المجتمع الدولي مع توجهات المحكمة الاستهدافية والانتقائية.

ولعل الصداع الدائم الذي يسببه السودان ونظامه الحاكم غير المروض أو الخاضع للنظام العالمي جعل طهاة المطبخ الصهيوامريكي لا يتحمسون لرجل ابيض أو حتي لاتيني لرئاسة المحكمة الجنائية الدولية فوقع الاختيار علي الإفريقية الغامبية ( فاتو بنسودا).ذات الأصول المسلمة المندفعة نحو حقوق الإنسان لم يكن لها تاريخ حافل في حقوق الإنسان اللهم إلا أنها كانت نائبة المعي (اوكامبو) رئيس المحكمة الجنائية والأرجنتيني الجنسية.

والمحكمة الجنائية نفسها ومنذ نشأتها عام 2002 بموجب اتفاقية روما لم تنجح إلا في تسجيل إدانة واحدة فقط ضد أمير الحرب الكونغولي (توماس لوبانجا) بتهمة تجنيد الأطفال وهو كل ما تحصلت عليه بنسودا خلال تاريخها وهو ما يهتبر اداء متواضع بالنظر الي حجم الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب في مختلف أنحاء العالم.والحقيقة ومثلما أسلفنا آنفاً فالمحكمة إنما هي مخلب قط واستعمار ناعم تود السياسات الصهيوأمريكية أو قل من يرعي الردع باسم القانون وتصفية الحسابات باسم الإنسانية ان يتمكن من فرض سياسة حشر الأنف في شؤون الدول الداخلية وهو أيضا استعمار نوعي.

السؤال الذي يلح علي فرض نفسه دائماً ما هو موقف المحكمة الجنائية ضد رؤساء أو وزراء دفاع الكيان الصهيوني منذ (قولدامائير)وحتي نتنياهو وليس هؤلاء فحسب بل كل المنفذين والناشطين في عمليات قمع وقتل وسجن وتشريد وترويع واغتصاب الأرض وتهجير الآمنين من الشعب الأعزل في فلسطين لبنان وسريا وكل محاولات التمدد اليهودي في الشرق الأوسط؟

فما يحدث في كواليس محكمة الجنايات الدولية يذكرنا بالقرون الحالكة التي شرّعت لتجارة الرقيق، و للتذكير هذا ما قاله الفرنسي فولتير، "الأب الروحي لحقوق الإنسان" لتبرير ممارسة العبودية في حق السود: (نحن لا نشتري العبيد سوى من عند التجار الزنوج... هناك من يلومنا على هذه التجارة لكن اعلموا أن القوم الذي يبيع أبناءه أجدر بالإدانة من المشتري) ...إذا هذا هو الدور المخول إلى فاتو بنسودا: تبيع الحق الإفريقي كما باع غيرها ككل الحق العربي للسماسرة الصهاينة والصليبيين.

ومع استعجال فاتو لمجلس الأمن بتحريك ملف دارفور فإن الواقع يذهب في اتجاه أن العلاقة بين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية فيما يخص إنفاذ قواعد ميثاقها تظل محل خلاف قانوني وسياسي دولي، فمجلس الأمن يعدّ جهازا سياسيا مرجعيته ميثاق الأمم المتحدة بينما توصف المحكمة الجنائية بأنها جهاز قضائي مرجعيتها ميثاق روما.

وفي السنين الأخيرة اضطرت المحكمة الجنائيَّة الدولية إلى مواجهة انتقادات كثيرة ، وقد وُجِّه معظمها إلى مدعيها العام لويس مورينو أوكامبو، الذي وُصف بالمثير للشفقة والمتكبر. يأمل الباحثون القانونيون أن يتبدّل هذا الوضع مع خلفه فاتو بنسودة، التي انتخبت أخيراً.

مقال من «شبيغل» حول أوكامبو وإخفاقاته...لعل المنصب الأكثر بروزاً وأهمية في هذه الهيئة مركز المدعي العام. تبوأ الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو هذا المنصب منذ شهر يونيو عام 2003. ثم خلفته نائبته، فاتو بنسودة (محامية من غامبيا)، في يونيو 2012. انتخبها الأعضاء المئة والعشرون في المحكمة الجنائية الدولية بالإجماع في 12 ديسمبر 2011م، واعتبرها المراقبون - حينها - خياراً جيداً، لا لأنها امرأة أفريقية فحسب، بل أيضاً لأنها تعلمت على الأرجح من أخطاء سلفها ( أوكامبو ) الذي لا يذكره ( أحد ) بخير أبدا ...

نصر الدين الهادي : حكاية نضال كذب

ظل نصر الدين الهادي مقيماً في لندن منذ التسعينات يمارس حياته بحرية كاملة وهو لا يعرف عن السودان شيء وحاول الرجل في اغسطس الماضي ربكة تنظيمية وسياسية داخل حزبه بإصداره لبيان من لندن وواجه حزبه بعنف وحدثت بغض المواقف المتشددة داخل الحزب بشأنه ومواقفه من مشاركته للجبهة الثورية وأصدر حزب الأمة القومي بيان والذي أكد من خلاله تبرؤه من توقيع نصر الدين الهادي مع الجبهة الثورية إلا أن موقف الحزب كان خجولاً ولم يتخذ موقف واضح من الرجل لمخالفته لوائح وقوانين الحزب ونظامه الأساسي وتبني حزب الأمة مبدأ رفض الحرب الحالية التي تقودها الجبهة الثورية بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ سياستها ضد السودان والتي تحقق مصالحها وأطماعها والضغط علي النظام القائم في السودان، رغم أنها تدرك أن هؤلاء ليس لديهم لباقة سياسية للصمود وخوض المعارك وقد فاتها أن السودان صامد في وجه الضغوط ويملك كافة وسائل السيطرة علي القلق الذي تسببه مجموعة المعارضة المسلحة فحزب الأمة القومي - ومنذ بداية إلتحاق منسوبه نصر الدين الهادي - بالثورية إتخذ موقفاً حاسماً وحازماً بوضع حاجز بينه وبين القيادي نصرالدين لا يتطرق إليه أدني شك.ولم تطفو إلى السطح غير تصريحات مقتضبة وهلامية في كثير أحايين لا تغني ولا تسمن من جوع ولا ترتقي لمصاف التعامل مع قيادي يشغل منصباً قيادياً رفيعاً فى الحزب.

وكثيرا ما نفى الصادق المهدي أن يكون حزب الأمة عضواً في تحالف الجبهة الثورية و برر التوقيع الذي تم بين نصر الدين الهادي والتحالف بأنه تصرف شخصي وتبرأ منه، وبعدها خرج نصر الدين الهادي بتصريحات أكد بأن حزب الأمة هو عضو أساسي في تحالف الجبهة الثورية وممثل في شخصي فأنا نائب رئيس حزب الأمة وفي نفس الوقت نائب رئيس الجبهة الثورية-علي حسب قوله-والموقف الذي أتخذه نصر الدين بالانضمام للجبهة الثورية لاقي تأييداً غير مسبوق من كل أعضاء الحزب في الداخل والخارج ويقول نصر الدين إن موقف حزب الأمة – حينها - هو مع موقف قوي الإجماع الوطني ومبادرة البديل الديمقراطي ويسعي الحزب في الجبهة الثورية إلي تجميع كل القوي المعارضة للنظام وقوي الإجماع الوطني وبعض منظمات المجتمع المدني التي كان لها دوراً أساسيا في أعمال الشغب الاخيره وكلها تعمل علي ميثاق البديل الديمقراطي للخلاص من النظام في السودان.

فالموقف المتطرف الذي اتخذه نصر الدين الهادي، وهو موقفه في خندق واحد مع قادة التمرد في ما يسمى بالجبهة الثورية، د سبب للصادق المهدي اشكالية كبرى أفزعته، فلجأ إلى نزع المنصب عنه.فانخراط نائب رئيس الحزب في حرب مسلحة لإسقاط النظام، بالتعاون مع دولة الجنوب، تعني أن ذلك هو خط الرسمي لحزب الأمة.ولا يغدو مقبولا، في أي منطق، القول بأن ذلك هو الموقف الشخصي لنصر الدين الهادي، وإنه إنما يتصرف باسمه لا باسم الحزب.

والشهر الماضي قطع الصادق المهدي رئيس حزب الامه الشك باليقين واصدر قرارا بعزل نصرالدين الهادي المهدي عن منصبه كنائب لرئيس حزب الامه في خطوة تعد مفاجئة للمراقبين, خاصة وان السيد نصرالدين الهادي كان قد وقع قبل يومين بيانا مشتركا مع الحركة الشعبيه والمؤتمر الشعبي كممثل عن حزب الامة.

عموماً فإن استمرار ذلك الموقف الخياني لنجل الزعيم الوطني الهادي المهدي، رحمه الله، وإقرار الحزب له، كان سيجعل الحزب برمته في موضع مساءلة في الخرطوم.وبالطبع لم يرد الصادق أن يدفع حينها هذا الثمن الباهظ.كما لا يريد أن يلجأ ليعيش في المنفى اللندني الذي اختاره ابن عمه لنفسه.فالصادق جرب العيش في هذه المنافي الاختيارية حيناً من الزمن ولم يجد من وراءه غير ضياع العمر .وإذن فالحل، اضطر إليه، ولم يجد عنه بديلا، هو أن يقوم بفصل ابن العم عن نيابة رئاسة الحزب.وقد اتخذ لذلك صيغة ملاطفة هينة، لا يغضب ابن العم، وهي صيغة اتضحت فيها كل مهارة الصادق المهدي، وتبدت فيها خبرته العريقة في مسك العصا من المنتصف.

تقرير إفريقي يحذر من تداعيات الصراع فى الجنوب على السودان

حذر مركز الدرسات الأمنية بجنوب أفريقيا (ISS)في أحدث تقرير له من تداعيات الصراع المستمر فى جنوب السودان على جواره، مشيراً الى عواقب ذلك الصراع على تلك الدول مع تبدد فرص التسوية.
واستند التقرير الذي صدر في ديسمبر الجاري، وتحصلت(smc) على نسخة منه إلى آخر تقييم لمجلس السلم والأمن بالإتحاد الإفريقي لمجريات الصراع بدولة جنوب السودان، كما تناول الأبعاد المختلفة لذلك الصراع.
وأشار التقرير الى أن دول جوار جنوب السودان تتحمل أعباءاً سياسية وإقتصلدية أمنية وبيئية، فضلاً عن العواقب التى تنجم عن هذه الأعباء، مبيناً أن السودان يأوي (500) ألف لاجيء جنوبي فروا إليه، وتتزايد أعداد هؤلاء مع إرتفاع وتيرة الصراع بين الفرقاء بجنوب السودان.
وصعّد السودان في الآونة الأخيرة من تحذيراته لدولة من جنوب السودان من مغبة الإستمرار فى إيواء ودعم الحركات المتمردة في السودان داخل أراضيه والسماح لها بإقامة معسكرات التدريب ومرور العتاد والأسلحة وأشكال الدعم اللوجستي إليها عبر الحدود.

دولة الجنوب تدعم الحركات

بقلم د.محيي الدين تيتاوي

*عجزت الآلية الأفريقية عن تحقيق أي تقدم أو اختراق لأجندة أمريكا وإسرائيل الموضوعة لمصير المنطقيتين، وكلما وضعت الآلية برنامجاً نرى فيه بريق أمل للحل السلمي لهذا الأمر خرج علينا عرمان وعقار والحلو بأمور مستفزة هم يعلمون تمام العلم أنها ليست مستفزة للحكومة والمؤتمر الوطني، وإنما للشعب السوداني في هاتين المنطقتين وعموم الشعب السوداني في أي مكان.. وها هم المواطنون يرفعون أصواتهم مستنكرين تصريحات عرمان وكل من عقار والحلو، بأن ثلاثتهم غير معنيين بالمنطقتين، ولا يمثلون الشعب فيهما ولا يحق لهم التحدث باسم جماهير النيل الأزرق وجنوب كردفان.
*أما مسألة قيام حكومة جنوب السودان بقيادة سلفاكير للتمرد سواء في المنطقتين أو متمردي دارفور، فذلك لا يحتاج إلى دليل أو وإثبات، فالعملية واضحة وضوح الشمس، فهم مثلهم مثل عرمان وصحبه موجهون ومأمورون لسداد الدين الذي على رقابهم، وما نالوه من أموال وتدريب وتأييد سياسي في مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي وتجمع دول الإيقاد، فعدم توقف دعم حكومة سلفا للمتمردين لم ولن يتوقف، لأن ذلك كما ذكرت ليس بإرادتهم، بل ولا يملكون ذرة إرادة ليتخذوا قرارا كهذا.
*ولذا، فإن هجرة نصف مليون مواطن جنوبي إلى الشمال ومكوثهم فوق أراضينا تلك أيضا في تقديري أمر فيه توجيه، لأن المستعمر لا يمكن أن يتركنا في حالنا لكي نستخرج مواردنا ونستغلها لصالح رفاهية شعبنا.. وإذا توقفت عمليات استخراج كنوز أرضنا، فإن كل شيء سوف يكون في التمام.. ولابد لنا أن نعلم أن هذه الحروب جميعها في أنحاء البلاد عملية مرتبة ومدعومة بهدف إيقاف مسيرة التنمية والإفادة من مواردنا من أراضٍ، وما في باطن الأرض ومياه يسعون لمحاصرتنا عبرها ولو وجدوا طرقا لتعطيل الأمطار القادمة من السماء لفعلوا.
*ولو نذكر بأن بلادنا عندما كانت مكتوفة الأيادي عاجزة عبر حكوماتها العسكرية والمدنية طيلة ما بعد الاستقلال.. فإن أي تهميش لم يكن يذكر على أفواه من يرددون تلك الكلمات، ولكن عندما جاءت الإنقاذ وفتحت أبواب العلم والجامعات والمناهج الوطنية.. وبدأت في وضع الخطط الاستراتيجية.. ظهر اليهود كما هو الحال الآن واتخذوا من بعض ذوي النفوس الضعيفة رأس حربة لإشعال نيران الفتن لإيقاف عملية التنمية والتطور.. ويكفي أن يطل علينا بالأمس من على شاشة قناة الجزيرة من يشكك في تصريحات لوزير المالية حول الإصلاح الاقتصادي كجزء من من حملة التبئيس والإحباط لدى المواطنين، وذلك أنموذج للمستقطبين لمعارضة كل شيء حتى الدعوة للحوار بدلا من الحرب لحل المشكلات التي تواجه بلادنا.. ولكن برغم كل التطفيف من هؤلاء الذين نعرفهم وجربهم شعب السودان مرارا وتكرارا، فإن مسيرة الإصلاح الاقتصادي أو إصلاح الدولة سوف تمضي قدما.. والله متم نوره ولو..

الجنوبيون والامتيازات المستحقة

بقلم/ محمد المعتصم حاكم
سيظل السودان مرحباً بالإخوة الجنوبيين في وطنهم الثاني بشكل طبيعي برغم تلك التصريحات السالبة والاتهامات التي أطلقها السيد (فيليب أقوير)، الناطق الرسمي باسم الجيش الشعبي والتي زعم فيها بان السودان يعد نفسه لإعلان الحرب ضد حكومة الجنوب لإسقاطها، ويقدم الدعم والسند لجماعة رياك مشار المنشقة عن الحكومة والحركة الشعبية، في وقت أعلن فيه السيد (محمد أدار) ممثل مفوضية الأمم المتحدة بشؤون اللاجئين عن سعادته بتوقيع مذكرة تفاهم مع معتمدية اللاجئين والإدارة العامة للجوازات والهجرة السودانية بخصوص تسجيل واستخراج الوثائق الثبوتية لمواطني الجنوب الموجودين في السودان وذلك وفقاً لتوجيهات السيد رئيس الجمهورية عمر البشير التي أشار فيها (بأن مواطني جنوب السودان هم إخوة لنا وأخوات، سيتمتعون بالمعاملة نفسها التي يتمتع بها المواطنون السودانيون)ن وإذا كان للسودان نوايا سيئة ضد الجنوب وحكومته لما صادق على ذلك الإتفاق وفتح أراضيه للجنوبيين الفارين من جحيم الحرب الأهلية هناك برغبته، وليس بضغط من أحد.. وكان في الإمكان إصدار قرار يمنعهم من دخول السودان لمزيد من التضييق على حكومة الجنوب، إذا كان هناك مخطط سوداني لإسقاطها كما يزعم السيد (فيليب) الذي أعتقد جازماً بأنه غير مستوعب لعمق العلاقة الإنسانية وصلة الرحم التي صنعت الدولة السودانية الموحدة لعقود طويلة.
والمتابع لمذكرة التفاهم التي تم التوقيع عليها ما بين السودان ومفوضية الأمم المتحدة للاجئين يكشف بأنها قد أوشكت أن تعطي الجنوبيين كل حقوق المواطنة الكاملة والمتساوية مع أهل الشمال حيث وفرت لهم حزمة من الحقوق لن يجدوها في أية دولة مجاورة بداية من إذن الدخول غير المشروط بأية معوقات ثم الإقامة الحرة وحق العمل والحصول على الخدمات كاملة، أسوة بأصحاب الأرض في الشمال، وتقول إحصائية مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إن عدد الجنوبيين الذين ظلوا في السودان بعد انفصال الجنوب يقدر بـ(350) ألف مواطن، وإن الوافدين الجدد بسبب الحرب قد بلغ عددهم (116) ألفا، وأنا أعتقد أن ضعف تلك الأعداد موجودة الآن في الكثير من ولايات السودان دون حصار وشعور بذلك الانفصال الذي حدث في عام 2011م.
ومن هنا أطلب من أشقائنا في جنوب السودان التمعن والتدقيق في كل تفاصيل الامتيازات الممنوحة لهم في السودان والتي تقارب تطبيق قانون الحريات الأربعة من جانب واحد، وهذا بالضرورة يبعد من عقولهم فكرة الحرب وغزو الشمال للجنوب كما يعتقد السيد (فيليب)، الذي نكن له الاحترام والتقدير ونطالبه بالتأني في إطلاق الاتهامات التي قوبلت في السودان بمذكرة تفاهم كادت لا تفرق  ما بين المواطنين الجنوبيين والشماليين في دولة السودان التي يتألم أهلها لتلك الصراعات المأساوية الدموية التي أصابت الجنوب بعد الاستقلال وأقعدته عن النهوض والتقدم للأمام، على طريق بناء الدولة الديمقراطية الحديثة التي نتطلع إلى استقرارها لتكون سنداً لنا في تعاون مشترك علي المجالات السياسية والاقتصادية كافة ولا بد من تهيئة الأجواء بوقف العدائيات والتراشقات والتصريحات الإعلامية السالبة من الطرفين كليهما في السودان ودولة جنوب السودان، ومسألة معالجة وجود بعض الحركات الدارفورية.
ومعالجة وجود بعض الحركات الدارفورية في الجنوب يمكن معالجتها بهدوء وبعيداً عن الإعلام حرصاً على استقرار العلاقات الثنائية وتطويرها بما يعزز المصالح المشتركة وأما تلك الامتيازات الممنوحة لأهلنا في الجنوب من أشقائهم في الشمال فهي واجب مستحق.

الأربعاء، 17 ديسمبر 2014

دول أفريقية مهددة تدعو الغرب للعمل على حل أزمة ليبيا

دكار (رويترز)
دعا زعماء أفارقة الدول الغربية، أمس الثلاثاء، إلى العمل على حل الأزمة الليبية التى أرسلت موجات صدمة إلى منطقة الساحل القاحلة، وهددت بزعزعة استقرار حكومات هشة بالمنطقة. وبعد أكثر من ثلاث سنوات على العمل العسكرى، الذى قام به حلف شمال الأطلسى للاطاحة بمعمر القذافى، تتنافس فى ليبيا حكومتان على الشرعية مما أثار مخاوف من نشوب حرب أهلية، بهدف السيطرة على الثروة النفطية للبلاد. وكان من المقرر إجراء جولة ثانية من محادثات السلام التى ترعاها الأمم المتحدة هذا الأسبوع. وتعهد عبد الله الثنى رئيس الوزراء المعترف به دوليا باخراج جماعة فجر ليبيا من طرابلس بعدما استولت الجماعة المسلحة على العاصمة فى أغسطس آب. وسمح الفراغ السياسى فى الشمال للجماعات الإسلامية بإعادة تنظيم صفوفها فى جنوب ليبيا القاحل الأمر الذى يهدد مالى وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد. وقال رئيس مالى إبراهيم أبو بكر كيتا لمنتدى أمنى فى العاصمة السنغالية دكار "ما دامت المشكلة لم تحل فى جنوب ليبيا فلن يحل السلام بالمنطقة." وأصبحت مالى واحدة من أولى ضحايا الفوضى التى اندلعت بعد الاطاحة بالقذافى عندما اجتاح مقاتلون إسلاميون -كثير منهم مسلحون بأسلحة استولوا عليها من ترسانة الحكومة الليبية- شمال البلاد فى عام 2012. وتمكن تدخل عسكرى قادته فرنسا من طرد الجماعات التى يرتبط بعضها بتنظيم القاعدة من المدن والبلدات لكنها تشن هجمات منتظمة على جنود من مالى وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة فى البلاد.

الـ«سي آي إيه»: باقية وتتمدد!

بقلم: نادين شلق
كثيرون اعتبروا أن تقرير الكونغرس بشأن أساليب التعذيب المتبعة من قبل الـ«سي آي إيه»، لم يؤتِ الغاية منه. هو كان وسيلة لتبييض صفحة الولايات المتحدة القادرة دائماً على «تحويل كل ما هو ضدها لمصلحتها»، فيما رد الفعل عليه لا يتعدى الشجب وبعض الإدانة.
الحكايات التي رويت عن «الشجاعة» التي تحلّت بها واشنطن لنشرها تقرير الكونغرس عن وسائل تعذيب الـ«سي آي إيه» للمشتبه فيهم بعد أحداث 11 أيلول، لم تنغّصها «ردود الفعل العنيفة والغاضبة في العالم العربي»، التي حذر منها الإعلام والإدارة الأميركيّان، والتي لم تحدث أصلاً، لأسباب كثيرة ليس أولها انشغال العالم العربي بـ«ثوراته» ولا آخرها أن هذا التقرير لم يقدم جديداً بالنسبة إليه.

بعض الوقاحة التي اتسمت بها تصريحات عدد من المسؤولين الأميركيين تكفّلت بتحويل التغنّي بـ«الاعتراف بالخطأ فضيلة»، إلى مسألة مثيرة للسخرية في سبيل حقيقة واحدة: «نحن لم نخطئ، وإن كان لا بدّ من ذلك فسنعيد الكرة، من أجل أمننا القومي!».
«الأمن القومي»، عبارة حمّالة أوجه، ولكن باسمها يُسمح للـ«سي آي إيه» أن تحرم المعتقل النوم، توهمه بالغرق، تعلّقه لساعات أو تحبسه في صناديق تشبه النعوش، وحتى أن تخضعه لـ«تزويد بالسوائل والطعام من طريق الشرج». كل هذه الوسائل وغيرها، يمكن اللجوء إليها مجدداً بحسب نائب الرئيس الأميركي السابق (إبان ولاية جورج بوش الابن)، ديك تشيني، الذي دافع بقوّة عن برنامج الاستجواب وأثنى على عناصر الوكالة الـ«أبطال» الذين أداروه.
وكل هذه البشاعة التي اعتبر الكونغرس في تقريره أنها لم توصل إلى معلومات مفيدة، لم تمنع مدير وكالة الاستخبارات، جون برينان، من التأكيد أنها «حالت دون وقوع اعتداءات أخرى بعد 11 أيلول 2001»، والقول إن «التحقيقات الداخلية التي أجرتها الوكالة كشفت أن الاستجوابات المتشددة مع مشتبه فيهم بالإرهاب سمحت بالحصول على معلومات أتاحت منع وقوع اعتداءات، واعتقال إرهابيين وإنقاذ أرواح بشرية». وهو لم يكتفِ بذلك، بل أكد أنه سيلجأ إلى صنّاع القرار في المستقبل، «عندما يكون هناك ضرورة لضمان أمان هذا البلد، في حال مواجهتنا نوعاً مماثلاً من الأزمات»، تاركاً الباب مفتوحاً، وبشكل واضح، أمام برنامج احتجاز، يتضمن استخدام أساليب الاستجواب القسرية.
ما الذي سيغيّره هذا التقرير؟ الإجابة عن هذا السؤال تولاها الإعلام الأميركي الذي وجد ثُغُراً كثيرة في الدراسة التي قام بها الكونغرس، انطلاقاً من حقيقة واضحة، هي أنها لم تخرج بتوصيات، وصولاً إلى أخرى، هي أنها لم توجّه أي اتهام إلى أي من المسؤولين في الإدارة الأميركية.
فلدى إعلان البدء بهذه الدراسة في عام 2009، رُوِّج لفكرة أن التحقيق سيتمحور حول طريقة إدارة الـ«سي آي إيه» لبرنامج الاستجواب، والأسس التي بناءً عليها يُعتقَل بعض الأشخاص، إضافة إلى الدعم القانوني للبرنامج نفسه وتقويم المعلومات التي حُصِل عليها من خلال استخدام أساليب الاستجواب المعززة.
واستناداً إلى هذه الأساسيات، أشارت صحيفة «ذي هافنغتون بوست»، إلى أن الدراسة التي قام بها الكونغرس لم تقدم أي توصيات من أجل تحسين المشاكل النظامية التي أضاءت عليها. كذلك فإنها لم تقترح أي إجراء قانوني ضد أي من الجناة، وأيضاً هي فشلت في تحميل المسؤولية بشكل واضح لمسؤولين كبار في إدارة بوش، قالوا علناً إنهم كانوا على اطلاع تام على ما تقوم به الوكالة، مؤكدين أنها لم تشوّه المعلومات عن برنامج التعذيب.
وبناءً عليه، اعتبرت الصحيفة أن «الفجوات التي حملتها الدراسة كانت لافتة للغاية، خصوصاً أن من الشروط الأساسية وراء القيام بها، هي الانتهاء بتغيير أسلوب الاستجواب المتبع. ولكن بدلاً من ذلك فقد شدّد تقرير الكونغرس، بشكل أساسي، على النقطة الأخيرة فقط».
هل سيكون هناك أي نوع من استجابة قانونية، يمكن أن تمنع حدوث هذا الأمر مرة أخرى؟ القانون الأميركي لا يتضمن أي قيود بشأن هذا الموضوع، و«بالتالي يمكن أيَّ رئيس أميركي مستقبلي الالتفاف حول قرار الرئيس، باراك أوباما، الذي منع التعذيب بقرار تنفيذي لدى توليه الرئاسة»، وفق صحيفة «ذي واشنطن بوست».
وما يسعى إليه عدد من المشرّعين يدخل في هذا الإطار. فقد أشارت الصحيفة إلى أن بعض الديموقراطيين يناقشون ما إذا كان بإمكانهم المضي قدماً في نوع من الاقتراحات التشريعية يجري ترسيخه في النظام الأساسي، وتكون فيه تقنيات التعذيب (المذكورة سابقاً) غير قانونية. ويشترط هؤلاء في اقتراحهم أن يكون للكونغرس، في المستقبل، رأي في ما إذا كانت هذه التقنيات ستُستأنَف، بدلاً من أن يكون الأمر منوطاً بالرئيس وحده.
يمكن أن تشكل دراسة الكونغرس صفعة قوية لسمعة الـ«سي آي إيه»، قد تصل إلى حد التساؤل إلى أي مدى يمكن الوثوق بالوكالة. ورغم ما حاول مسؤولو الإدارة الأميركية الترويج له عن أنها «مهمة من أجل مستقبل الديموقراطية» وأنها دليل على أن «الولايات المتحدة تواجه مشاكلها ولا تختبئ وراء إصبعها»، إلا أن ذلك لم يمنع عدداً من الصحف من الاستخلاص أنها لن تغيّر شيئاً، أي أن ما بعدها سيكون كما قبلها.
ففي تقرير آخر في صحيفة «ذي واشنطن بوست»، اعتبر الكاتبان، كريغ ميلر وديانا بريست، أنه «كما في الحالات السابقة التي سادها الغضب السياسي والعام، من المتوقع أن تخرج وكالة الاستخبارات من تحت أنقاض التحقيقات مع دورها وسلطتها السليمتين في واشنطن».
وبحسب ميلر وبريست، فـ«كل رئيس وكل كونغرس اعتمد على السي آي إيه، منذ تأسيسها في عام 1947، للقيام بما لا يمكن أن تقوم به أي وكالة أخرى: عمليات سرية في الخارج تشمل القتل والتجسس والسرقة والرشوة والابتزاز وغيرها مما يهدف إلى إضعاف الدولة الخصم».
إلا أن «الاعتماد على الوكالة بات أكبر من أي وقت مضى بعد هجمات 11 أيلول، حين لجأ الرئيس جورج بوش إليها من أجل ضرب القاعدة وحلفائها، وفي عهد الرئيس باراك أوباما جرى الحفاظ على الدور المركزي للسي آي إيه في محاربة الإرهاب».
«ما حصل قد حصل»، يقول مدير معهد الأمن القومي ومحاربة الإرهاب في جامعة سيراكيوز، وليام بانكس، لـ«ذي واشنطن بوست»، ويؤكد أن «لا شيء سيتغيّر، فوكالة الاستخبارات هي هناك، في كل مكان موجودة فيه الولايات المتحدة»، تقوم بضربات بالطائرات من دون طيار وتجمع المعلومات الاستخبارية... وغيرها من المهمات.

السودان يستفيد من تراجع أسعار النفط

الخرطوم ــ العربي الجديد
قال الجهاز المركزي للإحصاء في السودان أمس، إن معدل التضخم تراجع للشهر الرابع على التوالي في نوفمبر/تشرين الثاني ليسجل 25.6%، انخفاضا من 28.2% في أكتوبر/تشرين الأول، وذلك بفضل هبوط أسعار النفط العالمية.
وقفزت الأسعار في السودان منذ أن انفصل جنوب البلاد في 2011، آخذا معه ثلاثة أرباع إنتاج البلاد من النفط، الذي كان يشكل المصدر الأساسي لإيرادات السودان من العملة الأجنبية، التي يحتاجها لدعم الجنيه ودفع فاتورة الواردات.
وأثار قرار الحكومة السودانية في سبتمبر/أيلول الماضي خفض الدعم للوقود، إضافة إلى إجراءات تقشفية أخرى احتجاجات قتل فيها عشرات الأشخاص وأصيب المئات.
ويقول صندوق النقد الدولي، إن مخطط خفض معدل التضخم في السودان إلى 18% في عام 2014، من 41.8% في نهاية العام الماضي، يتسم بالواقعية.
ويستفيد السودان كبلد مستورد للنفط من تراجع الأسعار العالمية أكثر من 48% منذ يونيو/حزيران الماضي وحتي الآن.
وتراجع التضخم نبأ محل ترحيب في السودان؛ حيث يثير ارتفاع تكاليف المعيشة سخطا اجتماعيا أدى إلى إحداث قلاقل في أوقات متباينة.
وفقد السودان بعد انفصال جنوب السودان نحو 46% من إيرادات الخزينة العامة و80% من عائدات النقد الأجنبي، ويستهدف تحقيق معدل تضخم في المتوسط بنحو 20.9% بنهاية العام الحالي، وفقاً لموازنة 2014 التي تعمل على أساسها الحكومة.
ويقول المسؤولون في السودان إنهم يعوّلون على إنتاج الذهب كبديل استراتيجي للنفط الذي فقدته البلاد بانفصال الجنوب.
وأنتج السودان نحو 64 طنا من الذهب منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

قطاع الشمال.. انشقاق جديد

الخرطوم : نزار إبراهيم – مهند محمود
يبدو أن لعنة ما أصابت الحركة الشعبية قطاع الشمال من بعد وقوع انفصال جنوب السودان، وظهر ذلك جلياً في الانشقاقات التي ضربت أروقتها طوال الفترات الماضية، خاصة مؤخراً، في وقت يتعمد فيه قادة الحركة التعنت وعدم الوصول الى حلول سياسية سريعة لحسم الخلاف السياسي القائم، الأمر الذي خلق تياراً مناهضاً داخل الحركة الشعبية يصر على التعجل بحلول سياسية حاسمة ضد تيار القوة والنفوذ الذي يماطل، ليطفو صوت الخلاف إلى السطح بعد أن كان خلف الجدران وتحت الأسقف.
وقصة المناهضة السياسية ضد الحركة الشعبية من بنيها وقادتها، ليست الأولى فقد سبق وخرج عليها في نسختها الأولى – إبان السودان الموحد – د. لام أكول وتلاه قادة آخرون أمثال اللواء جورج أطور، كما أنحاز عدد من القادة إلى السلام في أعقاب الانفصال مثل اللواء دانيال كودي وغيره، وتواصل السيناريو حتى الانشقاق الأخير الذي تزامن مع أجواء سياسية حرجة، مما دعا الحركة الشعبية (مجموعة التغيير) للدخول إلى ساحة السلم والصلح، ونظمت أمس مؤتمراً صحفياً توضح فيه أسباب هذا الانشقاق بفندق كورنثيا حضره لفيف من السياسيين والإعلاميين.
اللواء محمد كدو رئيس لجنة السلام بالمجموعة، استعرض أسباب اندلاع الحرب منذ 2011م إثر الانتخابات التي فاز فيها المؤتمر الوطني على الحركة بالنيل الأزرق وجنوب كردفان، واعتبر أن هذه الحرب ليست إلا ذريعة اتخذتها الحركة لإشعال الحرب، وقال إن هذه النوايا لم تأت إلا من اليساريين والشيوعيين من أجل إيقاع فتنة بين أبناء جنوب كردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق.
وأكد كدو عدم اعترافهم بقيادة الحركة الشعبية من عبد العزيز الحلو ومالك عقار وياسر عرمان، وقال إنها ليست سوى قيادات تتبع مصالح شخصية في الداخل والخارج من ضمنها شركات طيران (جست فور يو) وتجارة عبر الحدود من ذهب وغيره وفنادق دولية. وتابع كدو أن الحركة الشعبية تنقسم الى مجموعات منها على بربر الذي يعمل لتأسيس حزب للحركة باسمها ومجموعة التغيير التي تضم عسكريين وسياسيين ومعتمدين سابقين ومحامين ومسؤولين، ونوه لمجموعات أخرى ترغب في العودة للبلاد.
من ناحيته تلا حماد كافي – معتمد سابق، بيان حركة التغيير الذي رأى أن الحرب الدائرة الآن في النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة، وتعنت القيادة الثلاثية في الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار وترتيبات أمنية تفضي إلى سلام عادل ودائم في المنطقتين، يعني استمرار الحرب وأكثر المتضررين منها المدنيين من الأطفال والنساء والعجزة والبيئة بصفة عامة، كما أن ذلك التعنت يعيق عملية تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين جراء الحرب واستمرار الضائقة الاقتصادية لعموم أهل السودان، وتساءل عن المسئول عن ذلك.
وأضاف البيان بأن قيادات سياسية وميدانية من الحركة الشعبية وجبال النوبة، ارتأت جدية الحكومة السودانية في تحقيق سلام عادل دون مزايدة، وتابع: نحن عدنا لنؤكد تلك الجدية في سلام مستدام ولم نأت من أجل المناصب ولا المواقع، ويظل الهم هو وطن آمن ومستقر يتسع للجميع، وزاد : استناداً على ذلك نوجز أسباب انشقاقنا عن الحركة الشعبية في عدم جدية القيادة الثلاثية (عقار والحلو وعرمان) في الوصول مع الحكومة إلى حلول توقف الحرب في المنطقتين وانحرافهم عن المسار الصحيح للقضايا والحقوق الخاصة بأهل المنطقتين والقابلة للحلول، الى قضية إيديولوجية يقودها تيار يعمل خلف الكواليس وهو تيار أهل اليسار من الشيوعيين وإتباعهم والتفافهم على القرار الأممي (2046) الخاص بحل النزاع في المنطقتين.
وأردف البيان: أيضا عدم شرعية هذه القيادة الثلاثية لإدارة الشأن العام للحركة الشعبية، فهذه القيادة تم اختيارها من قبل رئيس حكومة الجنوب بعد الاستفتاء مباشرة ولتكسب الشرعية كان عليها عقد مؤتمر عام للحزب فبدلا من ذلك قام الأمين العام للحركة الشعبية بحل كل مؤسسات الحزب المنتخبة، وابقوا على أنفسهم دون إرادة الجماهير وهم يتحدثون عن الديمقراطية كما وضعوا دستوراً للحركة وأجازوه بأنفسهم دون عرضه على المؤتمر العام واختاروا وفود التفاوض بمزاجهم الشخصي ومعظمهم من الكادر الشيوعي، واستطرد: انصراف القيادة الثلاثية الى شأنها الخاص فيما يتعلق بالاستثمارات الكبيرة بدول شرق أفريقيا كاستثمارات أم برارة وشركة طيران (JUST FOR YOU) بيوغندا والتجارة عبر الحدود للذهب وموارد المنطقتين. بجانب استغلال القصر وتجنيدهم بالجيش الشعبي تحت مسمى الجيش الأحمر وزجهم في المعارك، وقد استفادت من هذا الوضع بعض الحركات المسلحة بينما أبناء هؤلاء القادة يتمتعون برغد العيش والتعليم المتميز في بريطانيا وأمريكا وكينيا وأبناء المقاتلين في جبال النوبة والنيل الأزرق في خطوط القتال الأمامية، وليست تجربة معسكر أيدا للاجئين ببعيدة عن الأذهان فأي ثورة هذه التي لا يتساوى فيها الناس؟!!
وأضاف بيان التغيير الى الأسباب: بروز التوجه اليساري الديكتاتوري وبصورة واضحة وتحكمه في مفاصل الحركة الشعبية وبذلك تم تحويل الجيش الشعبي إلى جناح عسكري للشيوعيين، مما أدى إلى استبعاد القادة العسكريين والسياسيين والمؤسسين للحركة بالمنطقتين، وما تعنتهم في الجولة الأخيرة إلا خير دليل، فهم يعلمون علم اليقين إذا حلت مشكلة المنطقتين فإن مخططهم لن يتحقق وسينهار.
من جهتها، قالت تابيتا بطرس – جناح السلام، إن هؤلاء القادة العائدين إلى الصلح، عادوا إلى حضن الوطن رغم إنهم شاهدوا الصراع بالعين، وأضافت : ليس من رأى كمن سمع. وتابعت : إننا مجموعة واحدة ونحن أهدافنا ليست إسقاط النظام، وإنما هي أسباب تنموية وسلمية حتى تنعم جبال النوبة وجنوب كردفان بالأمن والأمان.
حليمة حسب الله – من المتوقعين في مجموعة التغيير، قالت إن النساء في جبال النوبة وجنوب كردفان والنيل الأزرق، هن أ:ثر المتضررين من الحرب الدائرة، وناشدت حليمة الجميع في دول المهجر ومعسكرات اللجوء، للوقوف وقفة تاريخية لاتخاذ القرار ضد ياسر عرمان والحلو وعقار.

جنوب السودان.. دولة بلا عقل

بقلم: جمال علي حسن
اشتعال المواجهات بين الجيش والمسلحين بجنوب كردفان وما يبدو من علامات الانتعاش الطفيف الذي قد حدث لهذه الحركات على أرض الواقع بعد فشل جولة أديس الأخيرة، يؤكد أن جرعات الدعم التي تتلقاها تلك الحركات تتناسب حجماً وتوقيتاً مع أجندات الضغط التي يخططون لها.. وهذا يؤكد سوء نوايا البلد الداعم لهم تجاه السودان، وأنه لا يقدم دعمه فقط من باب المجاملة لهم ورعاية العيش والملح و(المريسة) القديمة بينهم.
فالنظرية التقليدية التي تتبناها تلك الحركات هي نظرية إثارة ضجيج في ميدان القتال لتحسين أوضاعهم التفاوضية على الطاولة في المرة القادمة..
وهذه الخطة البدائية المتخلفة لا تتم بمجرد توفر النية أو العزم على تنفيذها، بل تتم بمساعدة خارجية وعون مؤثر وواضح ودعم وإسناد يجب أن يكون قد حدث في نفس التوقيت ومن جهة واحدة فقط هي دولة جنوب السودان..
الشيء الذي لم أتمكن من فهمه واستيعابه إلى الآن هو كيف تفكر دولة جنوب السودان.. ومتى تصدر قراراتها.. هل ليلا أم نهاراً.. ومن الذي يفكر لها.. وهي التي تعيش أوضاعا معقدة، بل بالغة التعقيد تجعل وجودها ومستقبلها كله على كف عفريت.. ماذا ستكسب أي دولة في وضع دولة جنوب السودان من مثل هذا النوع من التدخل العدائي.. أليس لهؤلاء عقل يفكرون به .؟؟
ألا يتوقعون أن يكون رد الخرطوم عليهم بنفس الأسلوب وذات النهج.. وهل هناك بنية مواجهة مؤهلة عندهم للتعامل مع أزمات جديدة؟.. لا أرى أنهم سيكسبون منها أي شيء، فخلق أزمة جديدة سيعقد عمل ترسيم الحدود بين البلدين المعقد أصلا ًوسيزيد من تعقيد كل القضايا العالقة ..
السودان استقبل مئات الآلاف من اللاجئين الجنوبيين الفارين من جحيم الحرب في دولة الجنوب.. والتزم بتطبيق  الاتفاق الثلاثي بين البلدين وبرنامج الغذاء العالمي.. ولايزال اللاجئون رغم كل الحديث حول نقلهم إلى الحدود.. داخل السودان..
لماذا كل هذا الغباء والجحود وقلة العقل عند هؤلاء.. لماذا لا يمتلكون القدرة على التمييز بين السلوك الذي يضرهم والسلوك الذي ينفعهم.؟
إنها قمة الغباء الحقيقي أقولها ليس بغرض الإساءة، لكن بغرض إطلاق الوصف الدقيق على هذه الحالة.
أنت تعيش في أسوأ حالة لك وتقدم أسوأ نموذج لأفشل دولة في تاريخ البشرية، ثم بعد كل هذا تحاول توجيه صفعات لمن يقف بجوارك ويعينك ويحاول المساعدة في التقاطك من بين نيرانك الداخلية التي أشعلتها بنفسك حول نفسك لتحترق بها.!!

الجن يجننك .. يا جنائية

بقلم/ آمة السيدح
في اليوم الذي حددته المحكمة الجنائية الدولية لإعلان التهم الموجهة للرئيس عمر البشير في العام 2009م، وكان ذلك (بعد تقريباً) عند الساعة الثالثة عصراً وكنت في حالة من القلق، لان تلك القرارات يمكن أن تدخل البلاد في نفق مظلم.. وكان الرئيس البشير حينها سيشرف على تخريج كلية كرري للتقانة، بساحات الكلية الحربية، ورغم أنني أعلم جيداً أن مثل هذه المناسبات لا تتم فيها مخاطبات، ورغم أن الذهاب لذلك التخريج ليس من صميم عملي، وان هناك صحفي آخر تم تكليفه بالمهمة..!
إلا إنني كنت مصرة على الذهاب لأنني أريد أن أري الرئيس بعد إعلان الجنائية.. كيف يبدو..؟!
وماذا تحمل ملامحه..؟
فالقرارات صادمة كيف لا وهو الرئيس والراعي للشعب .. ومن المفترض أن لا يتهم بمثل هذه الجرائم البشعة .. وأظن أن الغرض من الإتهام هو الجانب النفسي أكثر من كونه واقعاً .. المهم ذهبنا إلى هناك .. ووجدت الترتيبات في قمتها .. وقد وصل البشير، وتم استقباله، ولاحظت في الرجل ثباتاً مبالغاً فيه، وكأن شيئاً لم يكن، وكان ذلك الثبات مثار تعليقات الصحافيين وأنه الخبر الذي سنخرج به .. مرت تلك اللحظات وانتهي حفل التخريج .. وبدأت السيارات تتحرك من شال أمدرمان .. وفجأة تعطلت الحركة وتوقفت .. وكنا نتساءل عن السبب وأخذ التوجس يملأ صدورنا .. وعندما استقصينا الأمر وجدنا أن عدداً كبيراً من المواطنين أغلقوا الطريق على سيارات الرئيس، وهم يهتفون له ويعلنون وقوفهم معه..
وهم ينشدون امتلأت الطرقات بمسيرات عفوية لم أر مثيلاً لعددها من قبل حتى في المسيرات المرتب لها .. وكانت الجموع تخرج من كل فج عميق رجالاً ونساءاً واطفالاً شيباً وشباباً حتى اختلط الحابل بالنابل .. وافترقت سيارات المراسم عن سيارة الرئيس الذي خرج للمواطنين ملوحاً لهم .. ومنها عرفت جيداً أن الجنائية لن تهز رئيس يقف شعبه معه.. ولا اعتقد أن من خرجوا في ذلك اليوم من منسوبي حزبه فقد خرج الناس على طول الطريق وكانت أمدرمان أول من وقف مع البشير .. وأما القصة الثانية عندما قام (بلي) قرارات الجنائية، وسافر لقطر، وكان الخوف الذي لمسته عند كثير من الناس وانتظارهم لعودته وعندما عاد كانوا يتناقلون خبر عودته بفرحة، واعتقد أن القضية ليس (شعب ورئيس) .. القضية قضية (سودان وسودانيون) الداخل بينهم خارجاً، وإن طال الزمن، واعتقد ان هذا ما جعل البشير يؤكد أن تجميد التحقيق جاء بضغط من الشعب .. وظني .. إنه سر انهزام الجنائية التي لا تعرف ماذا تريد..!
ويكفي أنها تريد معاقبة ليبيا لأنها لم تسلمها سيف الإسلام الذي لم يفعل أكثر مما يحدث الآن في ليبيا وبدعم دولي.. وهذا جن الجنائية الذي أفرغها من مصمونها وهذا ما دفعنا للقول:- الجن يجننك .. يا جنائية..

إعلان الحرب على الوطن.. نداء السودان نموذجاً!!

واحدة من أكبر معضلات الممارسة السياسية في الراهن السياسي السوداني علاوة على افتقار اللعب السياسي للمهارة والقدرة على تمرير الكرة بعيداً عن حالات التسلل والمراوغة بذكاء بصرف النظر عن الوصول للمرمى من عدمه، استخدام أسلوب اللعب على الأجسام والركل ومحاولة إفساد الملعب بشتى السُبل. فعلى سبيل المثال فإن اعتقاد بعض القوى السياسية أن من قواعد اللعب الاستعانة بحملة السلاح واستخدامهم في المناورة والمزايدة السياسية هو داء عضال في الممارسة السياسية السودانية يوشك أن يحيلها من ممارسة سياسية إلى ميدان ضرب نار بالذخيرة الحية! والغريب في هذا الصدد أن التحالف مع القوى المسلحة – عبر التاريخ – أثبت بما لا يدع أدنى مجال للشك أنه عديم الجدوى، بل ربما كانت له خسائره الفادحة التي يصعب تعويضها ففي تجربة التجمع الوطني المعروفة في تسعينات القرن الماضي، فإن الحركة الشعبية التي كانت حينها تقاتل الحكومة السودانية بشراسة لم تهتم كثيراً حين دخلت في مفاوضات مباشرة مع الحكومة بحلفائها في التجمع. بل لم تلجأ حتى لاستشارتهم أو تنويرهم بمجريات التفاوض، وحرصت على إبرام اتفاقها مع الحكومة لوحدها ودون أدنى شريك رغم كونها ملتزمة سياسياً وقانونياً بميثاق التجمع!! ليس ذلك فحسب ولكن الحركة الشعبية – بمسلكها هذا في ذلكم الحين – أضعفت التجمع وجعلت منه أضحوكة وهي قصة معروفة لا تحتاج منا إلى كثير تفصيل. حامل السلاح دائماً يعطي لنفسه (ميزة خاصة) سواء بحكم احتماله لضريبة النار المباشرة والتي يسددها من حر دمه، أو بحكم كونه الأحق – بحسب اعتقاده- بنيل الجائزة الكبرى كاملة! وليس سراً في هذا الصدد أن حملة السلاح غالباً ما يعوزهم السند السياسي الجماهيري ولهذا فإن الفرحة لا تسعهم حين يجدون (غطاءً سياسياً) من أحزاب سياسية عريقة وذات وزن وقوى مختلفة يميناً ويساراً ووسطاً مهما كان وزنها ضئيلاً فالعبرة عندهم فقط بالأسماء والصفات السياسية لا الكم ولا الكيف!! القوى المسلحة كذلك غالباً ما تتعمد إحراج حلفائها عند مهاجمتها للمناطق المختلفة فإما يضطر هؤلاء الحلفاء إلى إدانتها وفي هذه الحالة يضعف وجود هذه القوى في التحالف، وإما أن تضطر للصمت وفي هذه الحالة يتناقص رصيدها الجماهيري وتضطر لدفع ثمن باهظ. والمقصد الرئيس للقوى المسلحة – في حالة قيامها بمثل هذه الهجمات – كما رأينا مراراً وتكراراً هو الحط من شأن هذه القوى السياسية على نطاق البلاد وتدمير سمعتها السياسية وتفتيتها حتى يسهل القضاء عليها لاحقاً حين تدين الأمور لحملة السلاح.
إن تجربة (نداء السودان) التي خاضتها القوى السياسية الموقعة على الميثاق في ديسمبر الجاري بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا تجربة مضحكة ومبكية في ذات الوقت لأنها (تجربة مجربة) إذا جاز التعبير، فقد نجحت ذات القوى المسلحة التي كانت في الحركة الشعبية الأم في تكرار ذات التجربة مع أحزاب التجمع الرئيسية (الأمة القومي، الشيوعي) مضافاً لها هذه المرة المؤتمر السوداني وبعض القوى الصغيرة التي بالكاد تُرى بالمجهر!!. بقايا الحركة الشعبية المتمثلة في قطاع الشمال نجحوا (بذكاء ومكر) في إعادة إنتاج التجمع الوطني بتعبئة جديدة في (لفافة جديدة) بتاريخ صلاحية جديد! إذ أن ما يُسمى بالجهة الثورية هي في الواقع (إعادة تركيب) للحركة الشعبية مع إضافة حركات دارفور المسلحة وفي ذهن قادة القطاع الاستفادة من هذا الزخم في طاولة المفاوضات في أديس أبابا!! وبهذا فإن الأمر ليس بجديد ولكن الجديد حقاً هو أن تقبل هذه القوى السياسية لأن تصبح غطاءً سياسياً لهذه القوى المسلحة في ظل ظروف ومعطيات طرحت فيها السلطة الحاكمة مائدة للحوار الوطني، مهما قيل عنها ومهما كانت المآخذ عليها هي دون شك أفضل (مئات المرات) من التحالف مع حملة السلاح.
إن أقل توصيف يمكن أن يوصف به ميثاق نداء السودان هذا هو أنه نداء للحرب ومحاولة بالغة الغباء من هذه القوى لتكرار ذات الخطأ التاريخي الفادح!!