لم تبذل الحكومة السودانية وشركائها من الحركات الدارفورية المسلحة الموقعة على اتفاقية الدوحة والسلطة الاقليمية جهداً كبيراً في توعية انسان دارفور بمفهوم ومغزى الاستفتاء الإداري بالإقليم. الذكاء الفطري الطبيعي -رغم بساطة غالب أهل الإقليم- تكفل بإيضاح الفكرة، كونها شأناً إدارياً محضاً يختار بخصوصه أهل دارفور -عبر الصناديق الخاصة بالاقتراع- ما اذا كانوا يفضلون ان يصبح الإقليم إقليماً واحداً، أو عدد من الولايات.
الرئيس البشير لدى زيارته للإقليم الاسبوع الماضي لم يزد على ان يحث اهل الاقليم لاختيار ما يريدونه مع تعهد قاطع بإنفاذ إرادتهم كما هي. ولا شك ان عملية الاستفتاء التى تجري لهذا الغرض يمكن اعتبارها قيمة سياسية مضافة لإقليم هو بالكاد يتعافى الآن من جراحات لم يتسبب فيها سوى بعض أبنائه الذين ربما يدركوا الآن -وبعد فوات الأوان- ان السنوات المظلمة التى قضوها في الحرب وتخريب ديار أهلهم كان من الممكن ان تكون اضافة حقيقية لتنمية الاقليم وترقية خدماته!
وبحسب ما توفر من معلومات فإن من المتوقع -وكما كانت نسبة التسجيل مائة بالمائة- ان تقارب نسبة الإقتراع ذات نسبة التسجيل إن لم تحاذيها تماماً و يرجع ذلك لعدة اعتبارات: أولاً، هنالك مزايا عديدة تحققت فى العامين الماضيين فى وجود سلطة اقليمية ووجود سلطة ولائية.
في وجود المستويين تم إنجاز مشروعات تنموية وخدمية عديدة لا نبالغ إن قلنا انها غير مسبوقة و تحقق استقرار أمني نسبي وسياسي ملموس بلغ ذروته بالزيارة التى قام بها الرئيس البشير وطاقم حكومته الى الاقليم وطاف بكل ولاياته. هذا الوجود لاثنين من مستوى من السلطة للاقليم -باعتباره أمراً خصوصياً- أوجد حماساً لدى اهل دارفور ما بين مؤيد لسلطة اقليمية وآخر مؤيد للسلطة الولائية، وهي جدلية ديمقراطية لها بعد موضوعي عظيم الفائدة هو الذي دفع بمواطني الاقليم للحماس والحرص على التسجيل للإستفتاء وهو الذي سيزيد من حماسهم للإقتراع.
ثانياً، أهل دارفور هم وحدهم الآن -دون بقية بقاع السودان الذين يمارسون هذا الحق- و هو ما يعرف بـ(التمييز الايجابي) ولا شك ان ممارسة أي حق ديمقراطية كهذا، تجذب الكثيرين، لأنه يعطي دافعاً للكل للإسهام فى بلورة الطريقة المثلى التى يتم إدارة شأنها بها.
ثالثاً، ممارسة الحق في تحديد مستوى الحكم الاداري المطلوب يمنح الفرصة للذين كانوا وما يزالون يطالبون بإيلاء الاقليم خصوصية ومعالجة قضاياه ومظالمه، لممارسة حقهم بحرية كاملة في ظل وجود آخرين لا يشاطرون دعاة الاقليم والواحد رأيهم. هذا التنافس الحر -لصالح المجموع وليس لصالح شخص أو حزب أو فئة- قمين بإشعال حماس الدارفوريين، فهم أمام سانحة تاريخية نادرة يحددون فيها الطريقة المثلى لإدارة اقليمهم (بمحض إرادتهم).
رابعاً، وجود مراقبين دوليين وصحافة واعلام اقليمي ودولي ومنظمات أجنبية اثناء عملية الاستفتاء هو في حد ذاته ترسيخ لمفهوم الممارسة الديمقراطية و الحرية، فالاقليم الذين اشتهر ظلماً بمآس وجرائم حرب وإبادة جماعية، هو الآن يمارس حقاً ديمقراطياً فى اختيار طريقة حكمه الادارية.
وهكذا فمن أي زاوية نظرنا إلى الحدث وجدناه يصب لصالح مجمل الحراك الديمقراطي في السودان عامة، وفي دارفور بصفة خاصة و سيلح علينا تساؤل ملح، باستمرار، ماذا يريد العالم من دارفور طالما هي بهذا الاستقرار وهذه الممارسة السياسية الديمقراطية الحرة؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق