ربما كان الأمر اقل مرارة بالنسبة للحركات الدارفورية المسلحة التي أخرجها الجيش السوداني تماماً من المعادلة في الميدان الدارفوري، فهي على أي حال وصلت إلى النهاية واستسلمت الآن لواقعها -شاءت أم أبت- وعليها ان تعد نفسها بهذه المعطيات لمرحلة ما بعد الهزيمة وتتعايش مع هذه الحقيقة المفجعة.
غير أن الحركة الشعبية قطاع الشمال التى تنتظرها منازلة لا مناص منها مع الجيش الذي نجح في إلحاق الهزيمة بثلاثة حركات مسلحة هي الآن وبلا منازع الأكثر تعاسة وشعوراً بالخوف المربك جرياً على المثل الدارج الشهير (من جوك جوك أخير كتلوك)!
الحركة الشعبية قطاع الشمال في الأصل لم تكن سوى الفرقتين 9 و 10 المتخلّفتين عن الجيش الشعبي الجنوبي الذي انسحب جنوباً عقب الانفصال مخلفاً إياهها وراءه بغية اعادة استخدامها لإقلاق السودان عسكرياً ومحاولة تكرار نيفاشا -اذا تيسر ذلك- أو على الأقل إضعاف السودان وعدم تركه وشأنه!
قطاع الشمال في السنوات الست الماضية فقد الآلاف من منسوبيه في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق عبر انسلاخات متتالية، وفى ذات الوقت تأثر تأثيراً كبيراً جدا بالصراع الداخلي الذي اندلع بين قادة الحركة الشعبية في دولة الجنوب وإلتهم الآلاف من قوات الجيش الشعبي الجنوبي للدرجة التي اضطر معها الرئيس الجنوبي سلفا كير -بدون أدنى حياء- للاستعانة بالجيش اليوغندي لمعاونته على التغلب على خصوصه!
فإذا كان الجيش الشعبي الجنوبي نفسه -المتحكم في الدولة بكاملها- لم ينجح في حسم صراع داخلي لصالحه إلا بعد أن استعان بقوات يوغندية منحت صلاحيات واسعة، لنا أن نتصور كيف لبقايا فرقتين عسكريتين هما عماد قطاع الشمال أن تحسم صراع خاسر تقوده ضد الحكومة السودانية وضد جيش هزم الجيش الشعبي الجنوبي نفسه سواء في صيف العبور في تسعينات القرن الماضي حتى لجأ إلى يوغندا؛ أو في المواجهة التى جرت في هجليج العام 2011 حين احتلت قوات دولة الجنوب مناطق البترول السودانية!
فإذا أضفنا إلى كل ذلك ان الجيش الشعبي قطاع الشمال ونتيجة لشعوره بالضعف لجأ إلى حيلة تكوين ما كان يعرف بالجبهة الثورية للاستفادة من الحركات الدارفورية المسلحة لتوسيع الماعون العسكري، ثم ما لبثت الحركات الدارفورية المسلحة هي نفسها ان تلقت هزائماً مريرة أخرجتها من ميدان القتال، فإن الجيش الشعبي قطاع الشمال هو دون شك الآن في أسوأ حالاته. فهو ينتظر (مجبراً) حرباً لا يستطيع تفاديها قط!
ومن جانب ثاني هو ينتظر حرباً لا يملك حيالها سوى تكتيك دفاعي يصفه كل الخبراء العسكريين بأنه عصيّ على الصمود إلى نهاية المعركة، ففي النهاية لابد من أن يضطر الجيش الشعبي إما للإستسلام أو الانسحاب غير المنظم، بكل ما تعنيه من اضطرابات وبلبلة ومرارة.
من جانب ثالث فإن الدعم الجنوبي في حالة قطاع الشمال الراهنة لن يكون مجدياً، لأن معركته ستكون دفاعية ولن يدعها الجيش السوداني تطول ومن ثم لن يجدي الدعم مهما كان كبيراً، كما أن الدعم الجنوبي -أيا كانت الظروف في جوبا- سوف يكون على استياء لأن جوبا نفسها وبحكم الصراع الجاري في أمس الحاجة إلى ما تقدمه للقطاع. وهكذا فإن دوران الدائرة على قطاع الشمال وساعات الترقب الانتظار، والمخاوف والتفكير المضني في ما بعد الهزيمة كلها أمور هي الآن تغض مضاجع القادة الثلاث عرمان وعقار والحلو وتدفعهم دفعاً للتفكير في (حل ثالث) وما من حل ثالث!







0 التعليقات:
إرسال تعليق