الآن بدأت واضحة ورطة السياسيين الذين اتخذوا من الحركات السودانية المسلحة جسراً لمآربهم السياسية. فقد انقضت عملياً حقبة الجبهة الثورية سواء بالخلاف الشهير بين قادتها بشأن من يتولى القيادة، أو بحكم خروج حركة جبريل ابراهيم -عملياً- من مضمار اللعبة بعد هزيمتها الداوية في (قوز دنقو) والتى لشدة قصمها لظهر الحركة جعلت جبريل في الآونة الاخيرة يدلي ببعض التصريحات التى يمكن القول إنها بدت (عاقلة)! أو حتى بحكم الانهيار الكبير لحركة عبد الواحد محمد نور في جبل مرة، وفقدان الرجل لأهم معاقل تمركزه إلى الابد واستحالة إمكانية استعادة هذا المعقل.
فسواء لهذا العامل أو ذاك -مع كثرة عوامل انهيار الثورية- فإن الساسة الذين تبعوها ودخلوا وراءها (جحر الضب الخرب)، الآن هم في ورطة لا تدانيها ورطة. وبطبيعة الحال فإن الدائرة لا محالة دائرة على قطاع الشمال عاجلاً أم آجلاً وحين تدور تلك الدائرة -وهي مسألة وقت فقط- فإن السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي ونائبه نصر الدين الهادي وفاروق أبو عيسى والعديد من الساسة الذين (ربطوا) مصيرهم بهذه الأكذوبة المسلحة سيجدون أنفسهم ما بين عشية ضحاها، محض ساسة بارت بضاعتهم السياسية فلا هم باعوها (برأس مالها) في الوقت المناسب لصالح الوطن، ولا هم حصلوا على (سعر تشجيعي) وربح إضافي في حين عرضوها في سوق الحركات المسلحة!
العظة السياسية المستنبطة من هذا الوضع المحرج أن المراهنة على حركات جهوية ذات آيدولوجية عرقية تقاتل أهلها أو تحيلهم إلى نازحين ولاجئين هي مراهنة خاسرة. السياسي الذكي صاحب القاعدة الجماهيرية الحقيقية (إن وجد) هو الذي يجيد الاستفادة مما هو متاح أمامه من معطيات سياسية مهما بدت ضئيلة و يحولها الى مكاسب وطنية.
لقد تعنت المهدي تعنتاً لم يكن موفقاً على الاطلاق حيال الحوار الوطني وكان متاحاً أمامه ان يكون (نجم الحوار الوطني) وان يطرح بقوة أطروحاته ولكنه ولسوء حظ لازمه طوال مسيرته المتقلبة آثر الخروج والمراهنة على حفنة من حملة السلاح إرتباطهم بالخارج وبأموال أجنبية لا يحتاج إلى دليل.
ويعجب المرء حقاً كيف فات على ذوي خبرة وتجربة -حتى ولو كانت مختلفاً حولها- مثل المهدي وأبو عيسى وغيرهم ان السلاح لا يحقق هدفاً سياسياً مهما كان قوياً ومدمراً؟ ويعجب المرء أيضاً كيف نسي المهدي ورفاقه تجربتهم المريرة في التجمع الوطني الديمقراطي في تسعينات القرن الماضي؛ تلك التجربة المخجلة التى انتهت بعودتهم (فرادى وعلى استحياء) من الخارج وقد فعلت بهم سنون الغربة وإذلال الغرباء ما فعلت!
إن مصير القوى المسلحة قد بدا الآن واضحاً، فهي مهزومة لا محالة، والمهزوم على موائد الميدان ليست له إرادة يعتد بها في موائد التفاوض، وقادة الحركات المسلحة ربما يكابروا أو يحظوا بحق لجوء سياسي في الخارج لأنهم من الاساس لم يكونوا سوى صنيعة استخبارية أجنبية، ولكن أين يلجأ ويذهب المهدي ورفاقه؟ ولئن تحملت الحركات المسلحة الهزيمة العسكرية، فإن القادة السياسيين عليهم هم أيضاً أن يتحمّلوا و يحتمِلوا الهزيمة السياسية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق