اشتهر الزعيم السياسي السوداني السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي بإستدراكاته السياسية التى دائماً ما تأتي متأخرة وتفضي إلى نتيجة مزدوجة تثبت سوء تقديره للمسألة المعينة في وقتها، وتثبت صحة موقف خصمه.
من ثنايا التاريخ العاصر لدنيا نموذجين؛ اول حدث عام 1988 في وقت كان حزب المهدي مؤتلفاً مع الاتحاد الديمقراطي في حكومة واحدة وعقد السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الإتحادي وقتها ما عرف باتفاقية الميرغني قرنق. وعلى الرغم من أن الأمر كان يجري فى سياق وقف الحرب وإحلال السلام -بغض النظر عن محتوى الإتفاقية وبنودها- إلا ان السيد الصادق ظل شديد التردد حيال الموافقة عليها ثم لما لبث ان أطلق موافقة مشروطة على تتضمن ما أسماها (توضيحات)، فسَرَت على الرجل عبارة (بتوضيحاتها) التى جمعت بين التندر والفكاهة السياسية، وإنتقاد المسلك الترددي للرجل الذي عرف عنه.
النموذج الثاني نموذج اتفاقية جيبوتي التى عقدها المهدي مع الحكومة السودانية وجاء بموجبها إلى الخرطوم وقال حينها إنه (ذهب ليصطاد أرنباً فإذا به يصطاد فيلاً)! كناية عن حصول الرجل على ما كان يريده ويزيد! في هذا النموذج الاخير اقر الرجل بتواضع سقف مطالبه وتوقعاته، إذا أن سقف توقعته لم يكن يتجاوز حجم الأرنب، فكيف لمن وجد فيلاً كان من المرجح ان يكفيه كمؤونة سياسية لبقية عمره، أن يترك كل ذلك، ويخرج خارج البلاد للبحث -من جديد- عن ذات الارنب!؟
أما الانموذج الطازج لطريقة استدراكات المهدي المحيرة، فهو (تفويته) لفرصة التوقيع على خارطة الطريق في أديس أواخر مارس الماضي واعلان تحفظات مبهمة وغير مفهومة. المهدي في استدراكه الاخير قال إن (أمبيكي استعجل)! وأنه كان من الممكن بقليل من الوقت ان تصبح خارطة الطريق مقبولة، مشيراً إلى ان تحفظاتهم (بسيطة)!
هذا الإستدارك هو الآخر مثير لدهشة فالوسيط الافريقي الذي ظل لأعوام طويلة يلهث بين العواصم لا يمكن لعاقل ان يقول انه (متعجل) أو يستعجل بل على العكس؛ واحدة من أكثر وجوه إنتقاد أمبيكي أنه ترك الامر يتطاول ويتمطى ويثير الملل! كما أن المهدي الذي طار من القاهرة إلى أديس لهذا اللقاء التشاوري من المفترض انه جاء وفى جعبته أطروحات جادة وموضوعية، ويعرف طريقة التفاوض وكيفية إدارته، بل ويعرف مسبقاً الموقف التفاوضي للحكومة والموقف التفاوضي لقوى المعارضة، فيا ترى ما الذي حال بينه وبين ان يغتنم الفرصة طالما أن القدر أهداهم خارطة الطريق هذه؟
هل كان الرجل يريد من الوسيط المشترك ان ينتظر حتى يقدح المهدي ذهنه جيداً ويخرج (بفكرة جديدة)؟ هل كان الرجل جاء إلى أديس وهو يتطلع لاصطياد ذات فيله ذاك فوجده هذه المرة (فأراً)؟ لا أحد يعلم لكن من المؤكد ان استدراك المهدي ورميه اللوم على أمبيكي لكون الأخير استعجل، استدراك متأخر مماثل تماماً لاستدراكاته التى تمثل السمة الغالبة لتاريخه السياسي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق