يغفل الكثير من الساسة السودانيين الناشطين فى صفوف القوى المعارضة عن البرنامج الشامل الشديد الأثر والأهمية الجاري حالياً في السودان ومضي عليه اكثر من عام والمعروف بـ(برنامج اصلاح الدولة).
هذا البرنامج لو جد دعماً وتشجيعاً من قوى المعارضة السودانية منذ بدايته وعلى نحو موضوعي متجرد لكونه يتعلق بالدولة ككيان شامل لوصل الآن الى غايته المنشودة. المؤسف في الأمر ان برنامج اصلاح الدولة والذي بادرت به الحكومة السودانية فى سياق سعيها للإصلاح العام ما يزال مجهولاً من قبل القوى المعارضة، وربما كان البعض يتعمد تجاهله جرياً على العادة السياسية المعروفة، ذم كل ما تقوم به وتبادر به الحكومة!
برنامج اصلاح الدولة يمكن اعتباره -إجمالاً- برنامج اصلاحي شامل، تقوم فيه الحكومة بمراجعة مكامن الخلل، والنقص فى كل مناحي الحياة، سواء فى مجال الاقتصاد او الخدمة المدنية أو العدالة، أو المجال السياسي والمجالات الحقوقية وتلك الاجتماعية والثقافية ومجالات العلاقات الدولية.
ووفقاً لمتابعات (سودان سفاري) فإن عشرات اللقاءات والاجتماعات تم عقدها خلال الاشهر المنصرمة، كما تم رفع مئات التقارير المهمة المشفوعة بتوصيات لاستكمال عمليات الاصلاح فى مناحي عديدة، وقد ترأس النائب الاول للرئيس، الفريق بكري حسن صالح عشرات الاجتماعات بمكتبه فى هذا الصدد وصدرت عشرات القرارات الجمهورية المستجيبة لتوصيات بعض اللجان في عدد من المجالات، ويبدو ان الاهتمام المتعاظم لهذا البرنامج من قبل الرئاسة السودانية بلغ ذروته تماماً حين عقد النائب الأول، الفريق بكري فى حالة توصف بأنها نادرة، مؤتمراً صحفياً محضوراً بالأمانة العامة لمجلس الوزراء السوداني المطل على النيل والذي لا يبعد كثيراً عن القصر الرئاسي (ظهيرة الاثنين 3/8/2015م) استعرض فيه بصورة مفصلة جهود الحكومة الرامية لإنفاذ الاصلاح الشامل لأجهزة الدولة.
الفريق بكري اشار الى قضية الحوار الوطني والشوط الذي قطعته بهذا الصدد، وأن الحكومة حريصة عليه وماضية باتجاه إنفاذه كما أشار الى جهود الاصلاح في علاقات السودان الخارجية ومحيطه الاقليمي والعربي الافريقي والمدى الايجابي الكبير الذي وصلت اليه هذه العلاقات وتطرق ايضاً الى المجال الاقتصادي والجهود التي بذلت وكيفية الوصول بهذه الجهود الى الغايات المنشودة وهي تحقيق الرفاه للشعب السوداني وإخراج الاقتصاد من وهدته وأزماته المتطاولة.
النائب الاول للرئيس طوّف بتأني وتفصيل على كافة القضايا الملحة والعاجلة التى يطالها الاصلاح حالياً مستشهداً بالعديد من الامثلة والنماذج والوثائق التى ربما كان الاكثر منها غائباً عن الكثير من المراقبين محلياً وعالمياً. غير أن الامر المحوري والأكثر اهمية بهذا الصدد والذي نحن بصدده الآن ان برنامج اصلاح الدولة في هذا الظرف تتجلى أهميته في عدة أمور:
أولاً، ان برنامج اصلاح الدولة يمكن اعتباره في الواقع أحد أهم عناصر قضية الحوار الدائر الآن. برنامج الاصلاح هو العامل الأساسي المساعد ولا نغالي إن قلنا إنه ربما كان العامل الاساسي الأوحد المتاح الآن والذي بإمكانه انه يهيئ الساحة السودانية ويسهل عملية الحوار، إذ أن الحوار في جوهره ما هو إلا سعي الدولة للإصلاح والارتقاء بها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والإجتماعية، فإذا تم قطع شوط مقدر في هذا البرنامج الاستراتيجي فإن ما يتبقى من الحوار سوف يقتصر على (إصلاح العلاقات بين القوى السياسية والقوى المجتمعية) ووضع قواعد مشتركة للعمل في مضمار مشترك واحد.
ثانياً، برنامج اصلاح الدولة -على اقل تقدير- يمكن أن يقلل من حدة الخلافات على طاولة الحوار حال انعقاده، إذ من المؤكد ان بعض المحاورين سوف يتطرقون لجوانب سالبة فى الدولة في أي مجال من المجالات، ولهذا فحين تكون عملية الاصلاح قد طالت تلك المجالات مسبقاً، فإن الخلاف في الرؤى حولها يكون في أقله.
ثالثاً، برنامج الاصلاح يتيح ثبات اجهزة الدولة وسيرها على مسار موحد يستفيد منه الجميع، دون ان يتأثر بطبيعة النظام الحاكم، وهذا من شأنه ان يحقق الاستقرار المطلوب وهو بدوره ما يجعل من قضية التداول السلمي للسلطة أكثر مرونة وثباتاً لأنها تقوم على دولة راسخة.
وهكذا، فإن اصلاح الدولة فى الواقع هو الوجه الآخر لعملية الحوار الوطني.







0 التعليقات:
إرسال تعليق