الخميس، 2 مارس 2017

الجدال الدستوري في السودان. مزايا و محاذير!


الجدل الدستوري الساخن الدائر هذه الأيام في السودان المتعلق ببعض التعديلات المراد إدخالها في الدستور السوداني 2005 تعزيزاً للحريات واستناداً إلى إنفاذ مخرجات الحوار الوطني؛ يمكن اعتباره هو في حد ذاته وبصرف انظر عن مآلاته حراك
سياسي إيجابي وممارسة ديمقراطية ما ينبغي ان يقلل أحداً من شأنها، إذ ان الجدل الدائر بدا بمثابة (استفتاء دستوري) أوضح بجلاء ميول المجتمع السوداني وانحيازه نحو القيم الفاضلة والمحافظة على تقاليده السمحة.
ولا شك ان الدستور -أي دستور- هو ما يسميه خبراء القانون (أب القوانين)  هو الشجرة التى يتم قطف القواعد القانونية بتفاصيلها منه، ولهذا فإن السودانيين -عبر هذا الحراك- قاموا بالفعل بمناقشة قضية الدستور بحيث لم يعد هناك أي مبهم أو في حاجة إلى نقاش إضافي، ولهذا أيضاً يمكن حصروا استخلاص مزايا هذا الجدل الدستوري في عدة أمور:
أولاً، بدا واضحاً أن ملامح الدستوري السوداني الدائم واضحة وموجودة ولا مجال لأحد للمزايدة عليها. وكما سبق ان قلنا وقال الكثيرون، فإن الدستور الانتقالي 2005 الساري حالياً يمكن جعله أساساً مناسباً للدستور المقبل مع إضافة ما يتم الاتفاق حوله في مخرجات الحوار الوطني، وهذا ما يجعل من مهمة وضع الدستور الدائم للسودان مهمة سهلة.
ثانياً، مخرجات الحوار الوطني نفسها بدت ذات قيمة مضافة ايجابية صبت لصالح البناء الوطني، وهي عززت من فرضية الاختلاف والاتفاق ولكن باحترام ودون أن يفرض طرف رؤيته أو أن يصر على رؤية شاذة مخالفة لقيم المجتمع وتقاليده. فلولا مشروع الحوار الوطني لما تسنى للسودانيين معرفة آراء الآخرين ورؤاهم السياسية والفكرية ومواقفهم. الحوار الوطني إذن فتح الباب لاستيعاب رؤى الآخرين ولكن دون ان يتم فرضها فرضاً اذا لم تكن محل رضاء وتوافق جموع وعامة السودانيين.
 ولعل من المهم هنا الإشارة إلى مقولة الرئيس السوداني المشير البشير في حوار صحفي أجري معه إبان زيارته إلى الإمارات مؤخراً أن ليس من حق حزب أو جماعة حاورت أن تطرح رؤيتها للآخرين بمنطق خذوها أو أرفضوها! فالأمر هنا يتصل بالأخذ والرد، والنقاش الهادئ العميق، ومراعاة القيم الانسانية والأخلاق و التقاليد السودانية المرعية.
ثالثاً، ليست ممارسة ديمقراطية صحيحة تلك التى تجعل طارح الرؤية المعينة مصراً عليها، إما أن تقبل أو أن يرفض هو البقاء ضمن الإطار الوطني العام. والواقع هذه النقطة تكتسب أهيمتها من مشروع الحوار الوطني أساساً هو مشروع وطني داخلي يهدف لتنمية الممارسة الديمقراطية وتعزيز قيم الحوار والنقاش للصالح الوطني العام.
أنت تتحاور وتطرح رؤاك وتدافع عنها بالسند والمنطق ولكن ليس من حقك أن تفرضها فرضاً على الآخرين. ومن هنا ينبغي أن نتعلم ويتأسس أساس ديمقراطي يتيح النقاش وطرح الرؤى، مع الالتزام بالرأي و القرار الجماعي الأخير المستخلص من النقاش.
رابعاً، الجدل الذي دار والآراء التى طرحت زادت من نسبة الوعي والإدراك لدى العامة والخاصة معاً، إذ ليس المقصد هنا يتصل بتوصيفات لهذه الآراء، بقدر ما ان المقصد هنا يتصل بتوصيفات لهذه الآراء، بقدر ما أن المقصد هنا يرفع نسبة الوعي بالقضايا الفقهية الهامة التى تهم الناس مباشرة في حياتهم اليومية.
خامساً، الجدل نفسه أثبت أن منطق إطلاق الحريات -كل الحريات- هكذا إلى عنان السماء دون ضوابط دون نظر إلى القيم ودون مراعاة حقوق الآخرين، لا يتسق مع مقتضيات الممارسة الديمقراطية ولا يقود إلا إلى الفوضى وشيوع الخلافات والمخالفات وهذا أمر لا صلة له البتة بالديمقراطية الصحيحة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق