الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

جوبا.. لعبة المعاهدات


يبدو أن نتائج رحلة السيد تعبان دينق قاي نائب رئيس جنوب السودان الأخيرة إلى واشنطن لم تكن بالضبط متوقعة ولا في حسبان السياسي الجنوبي المخضرم فقد جاءت النتائج عكسية تماماً ولم تستجب حتى لتوقعات الحد الأدنى للضيف القادم من دولة صديقة للولايات المتحدة لطالما تلقت الدعم المالي والسياسي وكانت محط آمال الإدارات الأمريكية وصانعي الخرائط السياسية الدولية في واشنطن.

عندما وصل السيد دينق إلى واشنطن كان يسعى لتسويق أحدث معاهدة للسلام بين حكومة جنوب السودان والجماعات المتمردة، السياسية والعسكرية. وربما كان تقديره أن نجاح المعاهدة الأخيرة في الصمود لأسابيع من دون أن تشهد خروقاً خطيرة أو تنهار مرة واحدة مثل سلسلة المعاهدات الفاشلة السابقة، قد تصلح لأن تكون بضاعة يسهل تسويقها لدى الأصدقاء. كان السيد نائب الرئيس يطمح في استعادة ثقة الحلفاء التي تبددت عبر مراحل الحرب الأهلية الضارية والوحشية. لكنه قبل كل شيء كان يسعى للحصول على التمويل والدعم المالي مقابل المعاهدة الأخيرة للسلام في جنوب السودان. لكن الأصدقاء كان لهم رأي آخر الأمر الذي جعل الزيارة تنتهي بنتائج مخيبة للآمال والتوقعات.
لقد تجاوزت حرب جنوب السودان الأهلية كل الخطوط الحمر، خاض المتقاتلون في دماء آلاف الضحايا ونشروا الرعب والموت على امتداد الرقعة الجغرافية ولم توفر عجلة العنف حتى قوات الأمم المتحدة التي كانت تحمي المشردين وتكافح المجاعة. تسبب انتشار الفساد واستهتار القادة والزعماء بالحياة البشرية وقواعد النزاهة والحكم الرشيد في إحباط وغضب عارم في صفوف الدول والجماعات التي كانت تعلق الآمال العريضة على الدولة الجديدة بعدما ساعدت على ولادتها ودعمتها بمليارات الدولارات كيما تنمو وتتطور وتقدم النموذج الناجح والصالح لدول القارة والعالم الثالث بأكمله.
وكشفت مجلة فورين بوليسي الأمريكية كواليس الاجتماع الذي انعقد بقاعة «اتلانتيك كاونسل»، بين السيد تعبان دينق من جهة ونخبة من الخبراء والسياسيين الأمريكيين الذين كرسوا سنوات طويلة من حياتهم لضمان استقلال جنوب السودان وتقديمها للعالم ديمقراطية متطورة ونموذجية ثم لم يحصلوا في نهاية المطاف إلا على دولة فاشلة، وقالت المجلة أن دينق أكد أن حكومة جوبا تعلمت الدرس ولن تكرر فشلها السابق لكنه اكتشف خلال اللقاء أن المزاج الأمريكي إزاء الدولة الجديدة تغير كثيراً.
وقال مراسل المجلة روبي غرامر، إن ضمانات الضيف لم تقنع أياً من الحاضرين في القاعة، حيث بقي الجميع يسأله إن كان سيتم إطلاق السجناء السياسيين، وكيف ستحاكم البلد مرتكبي جرائم الحرب، وكيف ستعالج الفساد وقضايا الحكم. وأضاف، أن الحاضرين واجهوا ادعاءاته بأن بلده يطور حكم القانون ويعالج الفساد، وأن المدنيين، وليس الجيش، هم من يرتكبون الجرائم ضد الشعب، بالاستغراب والسخرية وإيماءات التكذيب.
وكان المشهد الختامي للاجتماع مأساوياً فبعد أن أنهى السيد دينق تعليقاته، غادر المشاركون وهم يطلقون التعليقات الساخرة ويهزون رؤوسهم، فيما مر آخرون بالقرب من وفد جنوب السودان دون التسليم على زعيم بلاد ساعدوا على إيجادها. لم تنجح لعبة حفلات التوقيع فقد وضع الأصدقاء اتفاق السلام في فترة اختبار مصداقية وتقديم المال بات رهناً بالنجاح.

0 التعليقات:

إرسال تعليق