الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

الدستور الدائم والانتخابات العامة، الطريق الاستراتيجي الوحيد لاستقرار السودان!


 لدى لقائه مؤخراً رئيس الآلية الإفريقية رفيعة المستوى (ثامبو أمبيكي) متباحثاً معه حول كيفية أجراء المفاوضات المقابلة بشأن المنطقتين، دعا الرئيس السوداني عمر البشير قوى المعارضة السودانية أي المشاركة في وضع الدستور والمشاركة في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 2020م.

و تعتبر دعوة البشير للقوى السودانية المعارضة دعوة إستراتيجية واقعية ظلت تتكرر في كل محفل ومناسبة. بل ان كبار المسئولين السودانيين ما فتئوا يوجهون الدعوة تلو الدعوة لكافة القوى المعارضة، سياسية كانت أم مسلحة، للمشاركة في وضع دستور دائم للبلاد ومن ثم المشركة في الانتخابات العامة ولكن بالمقابل -ومع كثرة هذه الدعوات المتكررة- فان القوى المعارضة إلاّ قليلاً منها ظلت تعير الحكومة السودانية أذن صماء حيال هذا الأمر الاستراتيجي والحيوي. 
والسؤال إلي يطرح نفسه هنا، إلى اي مدى يمكن اعتبار قضية وضع الدستور الدائم وإجراء الانتخابات من القضايا الاستراتيجية التى يتعين الاهتمام بها ألان وإيلائها أهمية خاصة؟ لا شك ان قضية وضع الدستور الدائم من القضايا الاستراتيجية المهمة والملحة لبلد كالسودان، شاء حظه العاثر انه وبعد نيله استقلاله المبكر (يناير 1956) والسابق للعديد من دول المنطقة لم يستطع أنشاء دستور دائم يتميز بقدر من الثبات والاستقرار.
تقلب السودان في عدة حكومات وأنظمة مختلفة تراوحت ما بين التعددية و العسكرية ولكن أياً من تلك الحكومات لم تنجح في وضع دستور دائم. وأصيب السودان بمرض الدورة الخبيثة، حكم عسكري ثم ثورة وانتفاضة ثم فترة انتقالية ثم تعددية ثم عودة مجدداً للحكم العسكري وهكذا. 
والمؤسف في الأمر ان الجمعيات التأسيسية العديدة (حوالي 31 جمعية تأسيسية) التي أعقبت حكومات عسكرية فشلت في وضع دستور دائم. إذن الضرورة الاستراتيجية تقتضي ان يوضع هذا الدستور الدائم بصرف النظر عن الظروف والملابسات المحيطة، خاصة وأن الظروف الحالية –دون سواها – يمكن اعتبارها أفضل ظروف بالإمكان وضع دستور دائم خلالها، لماذا؟ 
أولاً: لان مشروعاً وطنياً هو مشروع الحوار الوطني كان قد سبقها قبل أشهر خلت. هذا المشروع الوطني هو الأول من نوعه في تاريخ السودان الحديث و هو الأكثر تعبيراً - بواقعية - عن الإجماع الوطني باعتبار ان الذين شاركوا فيه مثلوا غالب الطيف السياسي والاجتماعي و الثقافي الوطني في السودان. 
ما من نخبة او قوة سياسية او تيار فكري لم يدل بلوه في القضايا التى نوقشت باستفاضة في مشروع الحوار الوطني. ومع أن من الصعب ان لم يكن من المستحيل الحصول على إجماع شامل او توافق سياسي شامل، إلا ان ما أمكن التوصل اليه في مشروع الحوار الوطني يمثل أفضل إجماع وطني متاح يمكن الاعتماد عليه.
ثانياً: طبيعة القضايا التى نوقشت في مشروع الحوار الوطني أفرزت الملامح الأساسية الكبرى للدستور الدائم سواء في اعتماد النظام الرئاسي مع وجود رئيس وزراء او في شكل النظام السياسي والإداري المتمثل في الحكم الفيدرالي، أو فى الطريقة العادلة لتوزيع الثروة و الموارد وكيفية إدارة التنوع، وهي أمور تسهل إلى أقصى حد وضع دستور متراضي عليه.
وعلى ذلك فان دعوة الرئيس لوضع دستور دائم –باستصحاب هذه المعطيات– هي دون شك دعوة واقعية صادقة من المحير ألا تجد استجابة من القوى السياسية المعارضة!
أما الاستحقاق الانتخابي فان العديد من القوى المعارضة بدأت تصل إلى قناعات راسخة بان الاسلوب الأمثل للتغيير هو في الاستحقاق الانتخابي – لم تعد هناك –كما في السابقة– إمكانية اندلاع ثورة او انتفاضة و إسقاط حكومة.
لقد طالت المتغيرات هذه الطريقة التاريخية المنقرضة. المجتمع السوداني بمكوناته الحالية التى تفاعلت طوال ثلاث عقود ماضية لم يعد بالإمكان ان تستجيب لاى انتفاضة او الدخول في مواجهة بينية بين مكوناته المختلفة ، فوق كل ذلك فان الحكومة القائمة هي نفسها (حكومة وفاق) أي أنها حكومة عريضة تشمل على مكونات سياسية عديدة من عمق المجتمع السوداني العريض، لهذا فان التداول السلمي للسلطة و الحرص على عدم إقصاء احد يتطلب تداعي القوى السياسية السودانية قاطبة لعرض نفسها على الشعب ببرامجها وراؤها كي يتولى الشعب عبر صندوق الاقتراع اختيار الأصلح.

0 التعليقات:

إرسال تعليق