بقلم / د. خالد التيجاني النور
ليست السياسة، على أهمية الصراعات المحمومة حولها كعامل استقطاب حاد استثنائي أقعد السودان- مع كل موارده المتنوعة الضخمة الكامنة - لأكثر من ستة عقود بعد الاستقلال؛ بل الاقتصاد الذي شهد تردياً مستداماً خلال السنوات السبع الماضية على وجه الخصوص،
ليست السياسة، على أهمية الصراعات المحمومة حولها كعامل استقطاب حاد استثنائي أقعد السودان- مع كل موارده المتنوعة الضخمة الكامنة - لأكثر من ستة عقود بعد الاستقلال؛ بل الاقتصاد الذي شهد تردياً مستداماً خلال السنوات السبع الماضية على وجه الخصوص،
بكل تبعاته الاجتماعية التي ولّدت
احتقاناً شعبياً مكتوماً، هو ما يجعل السودان على مفترق طرق في لحظة فاصلة
بين تلمس لبعض طرق الإصلاح قد تقود إلى شيء من الأمل في تدارك أزماته
المتلاحقة نحو الاستقرار، وبين الانزلاق إلى فورة انفجار احتقان اجتماعي
كامن لن تبقي ولن تذر.
غداة تقسيم السودان، بفعل ضغوط غربية وغيبوبة استراتيجية محلية أنتجت دولتين تعانيان من الفشل، استقل جنوبه الغني بالنفط (حوالي ثلاثة أرباع الاحتياطيات النفطية في السودان الموحد)، لتنتهي معها حقبة النفط القصيرة العمر في السودان التي لم تدم سوى عقد واحد حققت خلاله له معدل نمو سنوي يفوق الـ 7%، ولكن ما إن انفصل الجنوب وذهب بنفطه، حتى بدأت رحلة المعاناة الطويلة والقاسية للاقتصاد السوداني الذي اعتمد على ريع العائدات النفطية، مهملاً موارده المتجددة الأخرى، ليُصاب بالمرض الهولندي المعروف، ولتصبح السنوات السبع الأخيرة عجافاً حقاً، حيث شهدت تدهوراً مريعاً في مؤشرات الاقتصاد الكلي كافة، وارتفاع معدلات التضخم، وانهيارات لقيمة العملة الوطنية أفقدها خلال هذه الفترة خمسة وعشرين ضعف قيمتها (تراجعت من جنيهين مقابل الدولار إلى نحو خمسين جنيهاً).
كانت موازنة العام الجاري كارثية بكل المعايير، وقد تنبأ أكثر الخبراء بأنها ستفضي إلى عام رمادة، وقد كان، فلم تصمد ولا لشهر واحد، حيث بدأت تتعثر من أول أسابيع لها في مطلع العام الجاري، وقد كانت الموازنات السابقة تتحمل الضغوط حتى منتصف العام، وزاد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية على خلفية فشل رهانات السياسة الخارجية التي انحازت لمحور الرياض - أبوظبي في حرب اليمن دون أن تجني من ذلك دعماً اقتصادياً كانت تنتظره الخرطوم في وقت عصيب مرت به البلاد في الأشهر الماضية.
فضلاً عن ضعف الحكومة التي شكلها الرئيس عمر البشير منتصف العام الماضي والتي أسند فيها منصب رئاسة الوزراء المستحدث لنائبه الأول الفريق أول بكري حسن صالح، وضمت تشكيلتها المترهلة عشرات الوزراء من الأحزاب الخفيفة الوزن التي شاركت في الحوار الوطني الذي دعا له، قادت سلبية الأداء الحكومي وضعفه في مواجهة الأزمة الاقتصادية، مع تزايد الكلفة السياسية لبقائها مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الرئاسي في 2020، الرئيس البشير إلى حل حكومة بكري، والفصل بين منصب النائب الأول ورئيس الوزراء الذي عهد به إلى رئيس وزراء جديد في الخمسين من العمر هو معتز موسى وزير الكهرباء في الحكومة السابقة، وهو تطور لفت الأنظار إلى حدوث انتقال هو الأول من نوعه إلى جيل جديد، بعد أن ظل الجيل الذي يكبره بعقدين مسيطراً على سدة السلطة.
على الرغم من أن وعود الرئيس البشير بإعادة هيكلة مؤسسات الحكم، وتقليص ترهل التوظيف السياسي لم يتحقق على بشكل جذري على نحو ما بشرت به بعض الخطابات الرسمية، حيث لم تتم إلا بقدر ضئيل، ولعل ذلك ما فرضته طبيعة توازنات حساباته بين يدي الاستحقاق الانتخابي، الذي يدخله وسط جدل داخل الحزب الحاكم حول مشروعيته القانونية وقد انقضى أجل العهدتين المأذون بهما دستورياً، إلا أن رئيس الوزراء الجديد معتز موسى يبدو مصمماً على تجاوز إكراهات الحسابات السياسية وتعقيداتها، والتركيز على إنجاز برنامج إصلاح اقتصادي محدد الأهداف في فترة الستة عشر شهراً المقبلة، هي عمر حكومته قبيل الانتخابات المقررة في أبريل 2020، صحيح أنه يصعب تصور حدوث إصلاح اقتصادي في غياب إصلاح سياسي، ولكنه يريد على الأقل الاستفادة من حرص البشير على نجاح رئيس وزرائه الشاب لأكثر من اعتبار، ليس أقلها أنه مطالب بتهيئة أجواء سياسية مناسبة تمكن من تحقيق بعض الاختراقات في الجبهة الاقتصادية قبيل الانتخابات.
سارع موسى إلى تبني برنامج إصلاح توسعي لإنعاش الاقتصاد، بديلاً عن السياسة الانكماشية التي سلكتها حكومة سلفه، وأدت إلى تزايد تدهور الأوضاع الاقتصادية مع تراكم الأزمات في العديد من السلع والخدمات الأساسية، مما وسع من دائرة السخط الشعبي، ويبدو أن من حسن حظ رئيس الوزراء الجديد أن موسم الأمطار جاء مبشراً للغاية مما أدى إلى التوسع في زراعة أكثر من خمسة وخمسين مليون فدان من المحاصيل المختلفة، أي أكثر بنحو ثلاثين بالمائة من متوسط الموسم الزراعي الصيفي، كما أن الموسم الشتوي أيضاً على الأبواب مما يرفع من تقديرات حجم المساحات المزروعة هذا العام، تطلب هذا الإنتاج الوفير المنتظر سياسات حكومية جريئة لاستيعابه، لا سيما لضمان حصاد هذا الإنتاج الوفير وتسويقه.
وبخطوات متسارعة سارعت حكومة معتز إلى طرح سياسات جديدة مشجعة لتصدير المحاصيل السودانية النقدية، حيث أعلنت عن تحرير شبه كامل للعملة الوطنية فيما يخص الصادرات، خرج بموجبه البنك المركزي من تحديد سعر الجنيه السوداني تاركاً المهمة للجنة محايدة من المصارف والخبراء لتحديده وفق مؤشرات السوق، وهو عامل مهم لتشجيع التصدير، وجلب عائداته لتباع للبنك المركزي بسعر مجزٍ، ويقدر رئيس غرفة الصادرات العائدات المتوقعة من تصدير المحاصيل لهذا العام بأربعة مليارات دولار، أي أربعة أضعاف متوسطها السنوي. كما تشجع هذه السياسة تصدير الذهب الذي ينتج السودان منه سنوياً أكثر من مائة طن يتم تهريب معظمها عبر دول الجوار، وتقدر عائداتها المنتظرة بأربعة مليارات دولار أخرى. هذا فضلاً عن الصادرات الأخرى لا سيما الثروة الحيوانية.
من الواضح أن ثمة تحوّلاً «براجماتي» مهماً يشهده السودان باتجاه الاقتصاد أولاً، فمع صراع سياسي غير منتج على السلطة عجزت فيه المعارضة عن تحقيق شعارها الداعي إلى إسقاط النظام، وعجز فيه النظام الحاكم عن إثبات أن أطروحاته الأيدولوجية للإسلام السياسي قادرة على تحقيق نموذج تنموي مقنع، وفي ظل علاقات خارجية غير مثمرة، باتت الفرصة الوحيدة المتاحة تعزيز الجبهة الاقتصادية بحلول وطنية في بلد لا تنقصه الموارد، وإن غابت عنه لعقود بصيرة القيادة، وتوفر الإرادة السياسية، وكفاءة الإدارة.
غداة تقسيم السودان، بفعل ضغوط غربية وغيبوبة استراتيجية محلية أنتجت دولتين تعانيان من الفشل، استقل جنوبه الغني بالنفط (حوالي ثلاثة أرباع الاحتياطيات النفطية في السودان الموحد)، لتنتهي معها حقبة النفط القصيرة العمر في السودان التي لم تدم سوى عقد واحد حققت خلاله له معدل نمو سنوي يفوق الـ 7%، ولكن ما إن انفصل الجنوب وذهب بنفطه، حتى بدأت رحلة المعاناة الطويلة والقاسية للاقتصاد السوداني الذي اعتمد على ريع العائدات النفطية، مهملاً موارده المتجددة الأخرى، ليُصاب بالمرض الهولندي المعروف، ولتصبح السنوات السبع الأخيرة عجافاً حقاً، حيث شهدت تدهوراً مريعاً في مؤشرات الاقتصاد الكلي كافة، وارتفاع معدلات التضخم، وانهيارات لقيمة العملة الوطنية أفقدها خلال هذه الفترة خمسة وعشرين ضعف قيمتها (تراجعت من جنيهين مقابل الدولار إلى نحو خمسين جنيهاً).
كانت موازنة العام الجاري كارثية بكل المعايير، وقد تنبأ أكثر الخبراء بأنها ستفضي إلى عام رمادة، وقد كان، فلم تصمد ولا لشهر واحد، حيث بدأت تتعثر من أول أسابيع لها في مطلع العام الجاري، وقد كانت الموازنات السابقة تتحمل الضغوط حتى منتصف العام، وزاد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية على خلفية فشل رهانات السياسة الخارجية التي انحازت لمحور الرياض - أبوظبي في حرب اليمن دون أن تجني من ذلك دعماً اقتصادياً كانت تنتظره الخرطوم في وقت عصيب مرت به البلاد في الأشهر الماضية.
فضلاً عن ضعف الحكومة التي شكلها الرئيس عمر البشير منتصف العام الماضي والتي أسند فيها منصب رئاسة الوزراء المستحدث لنائبه الأول الفريق أول بكري حسن صالح، وضمت تشكيلتها المترهلة عشرات الوزراء من الأحزاب الخفيفة الوزن التي شاركت في الحوار الوطني الذي دعا له، قادت سلبية الأداء الحكومي وضعفه في مواجهة الأزمة الاقتصادية، مع تزايد الكلفة السياسية لبقائها مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الرئاسي في 2020، الرئيس البشير إلى حل حكومة بكري، والفصل بين منصب النائب الأول ورئيس الوزراء الذي عهد به إلى رئيس وزراء جديد في الخمسين من العمر هو معتز موسى وزير الكهرباء في الحكومة السابقة، وهو تطور لفت الأنظار إلى حدوث انتقال هو الأول من نوعه إلى جيل جديد، بعد أن ظل الجيل الذي يكبره بعقدين مسيطراً على سدة السلطة.
على الرغم من أن وعود الرئيس البشير بإعادة هيكلة مؤسسات الحكم، وتقليص ترهل التوظيف السياسي لم يتحقق على بشكل جذري على نحو ما بشرت به بعض الخطابات الرسمية، حيث لم تتم إلا بقدر ضئيل، ولعل ذلك ما فرضته طبيعة توازنات حساباته بين يدي الاستحقاق الانتخابي، الذي يدخله وسط جدل داخل الحزب الحاكم حول مشروعيته القانونية وقد انقضى أجل العهدتين المأذون بهما دستورياً، إلا أن رئيس الوزراء الجديد معتز موسى يبدو مصمماً على تجاوز إكراهات الحسابات السياسية وتعقيداتها، والتركيز على إنجاز برنامج إصلاح اقتصادي محدد الأهداف في فترة الستة عشر شهراً المقبلة، هي عمر حكومته قبيل الانتخابات المقررة في أبريل 2020، صحيح أنه يصعب تصور حدوث إصلاح اقتصادي في غياب إصلاح سياسي، ولكنه يريد على الأقل الاستفادة من حرص البشير على نجاح رئيس وزرائه الشاب لأكثر من اعتبار، ليس أقلها أنه مطالب بتهيئة أجواء سياسية مناسبة تمكن من تحقيق بعض الاختراقات في الجبهة الاقتصادية قبيل الانتخابات.
سارع موسى إلى تبني برنامج إصلاح توسعي لإنعاش الاقتصاد، بديلاً عن السياسة الانكماشية التي سلكتها حكومة سلفه، وأدت إلى تزايد تدهور الأوضاع الاقتصادية مع تراكم الأزمات في العديد من السلع والخدمات الأساسية، مما وسع من دائرة السخط الشعبي، ويبدو أن من حسن حظ رئيس الوزراء الجديد أن موسم الأمطار جاء مبشراً للغاية مما أدى إلى التوسع في زراعة أكثر من خمسة وخمسين مليون فدان من المحاصيل المختلفة، أي أكثر بنحو ثلاثين بالمائة من متوسط الموسم الزراعي الصيفي، كما أن الموسم الشتوي أيضاً على الأبواب مما يرفع من تقديرات حجم المساحات المزروعة هذا العام، تطلب هذا الإنتاج الوفير المنتظر سياسات حكومية جريئة لاستيعابه، لا سيما لضمان حصاد هذا الإنتاج الوفير وتسويقه.
وبخطوات متسارعة سارعت حكومة معتز إلى طرح سياسات جديدة مشجعة لتصدير المحاصيل السودانية النقدية، حيث أعلنت عن تحرير شبه كامل للعملة الوطنية فيما يخص الصادرات، خرج بموجبه البنك المركزي من تحديد سعر الجنيه السوداني تاركاً المهمة للجنة محايدة من المصارف والخبراء لتحديده وفق مؤشرات السوق، وهو عامل مهم لتشجيع التصدير، وجلب عائداته لتباع للبنك المركزي بسعر مجزٍ، ويقدر رئيس غرفة الصادرات العائدات المتوقعة من تصدير المحاصيل لهذا العام بأربعة مليارات دولار، أي أربعة أضعاف متوسطها السنوي. كما تشجع هذه السياسة تصدير الذهب الذي ينتج السودان منه سنوياً أكثر من مائة طن يتم تهريب معظمها عبر دول الجوار، وتقدر عائداتها المنتظرة بأربعة مليارات دولار أخرى. هذا فضلاً عن الصادرات الأخرى لا سيما الثروة الحيوانية.
من الواضح أن ثمة تحوّلاً «براجماتي» مهماً يشهده السودان باتجاه الاقتصاد أولاً، فمع صراع سياسي غير منتج على السلطة عجزت فيه المعارضة عن تحقيق شعارها الداعي إلى إسقاط النظام، وعجز فيه النظام الحاكم عن إثبات أن أطروحاته الأيدولوجية للإسلام السياسي قادرة على تحقيق نموذج تنموي مقنع، وفي ظل علاقات خارجية غير مثمرة، باتت الفرصة الوحيدة المتاحة تعزيز الجبهة الاقتصادية بحلول وطنية في بلد لا تنقصه الموارد، وإن غابت عنه لعقود بصيرة القيادة، وتوفر الإرادة السياسية، وكفاءة الإدارة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق