الخميس، 1 أغسطس 2013

الدولة الجنوبية ولحظة الحقيقة التاريخية الفارقة!

ستأتي حتماً اللحظة الفارقة فى علاقات السودان ودولة جنوب السودان، ففي سطور التاريخ كلها، هنالك دائماً (لحظة حقيقة ما) تقع كما الصاعقة على الطرف الذي تغيب عنه حقائق الأوضاع على الأرض. فنحن الآن أمام مشهد يمكن وصف بأنه عبثي.
دولة منفصلة حديثاً باختيار تاريخي تقاتل الدولة الأم بدون أسباب! وحين تقول بدون أسباب نعني ذلك بمعنى الكلمة؛ إذ ليس السودان عدواً مفترضاً لجوبا. وليس لجوبا (شيء ما) يحبسه عنها السودان ولم يجرد السودان سيفه ليقاتل جوبا.
صحيح هناك قضايا خلافية عالقة ولكنها قضايا (عادية) بمنظار العلاقات الدولية تحدث عادة إذا ما وقع انفصال في دولة وأصبحت دولتين. قضايا حدود، قضايا ديون، قضايا أمنية، قضايا اقتصادية وكيفية حلحلة أي خلافات جراء الانفصال.
وصحيح أيضاً ان جوبا (لديها بقايا) من متمردين وعدتهم وأجزلت لهم الوعود والأمنيات ولكنها نسيت أنها لم تعد مسئولة عنهم منذ انفصلت بإقليمها وصارت دولة أخري أجنبية.
وصحيح أيضاً ان جوبا وبحكم ارتباطها بإسرائيل والولايات المتحدة تلعب لعبات لصالح هاتين الدولتين وهي (صاغرة) سواء بحكم فاتورة الدعم التى ظلت تجده بحكم (رد الجميل) على الانفصال التاريخي، ولكن كل هذه لا يمكن اعتبارها أسباباً كافية ومنطقية لعلاقات متوترة وصلت بعضها حد الحرب والمواجهة الشاملة.
إن جوبا الآن تضع كل اعتبارات الماضي والتاريخ المشترك مع السودان والمصالح الحاضرة والمستقبلية وراء ظهرها فهي فيما يبدو مشغولة باللعبة واللعبة لها أصول وقواعد أقلها ان يكون في بوسعها احتمالها وعدم إصدار أي أنين أو ألم جراءها.
جوبا بدت تصدر أنيناً خافتاً ما لبث ان تحول الى أنين بصورة عالية جراء وقف ضخ النفط وأصبح اقتصادها في (يد السودان) والاقتصاد هو المحرك الحقيقي للحياة.
نسيت جوبا أنها بتفريطها فى مصالحها في السودان قد تضطر للدخول فى مواجهة مع مواطنيها وشعبها ونسيت كذلك ان الجوع ربما يطيح بحكومة الحركة الشعبية إذ ليس من المعقول ان يظل حوالي 10 مليون مواطن جنوبي خرجوا من حرب أفضت الى حصولهم على دولة خاصة بهم ليعودوا لاحتمال تلاعب حكومتهم بالدولة الجديدة.
فأهواء وأمزجة القيادة الحاكمة فى جوبا مفارقة ومتقاطعة مع مصالح المواطنين دون شك وقد بدأت إرهاصات هذا الصراع بصراعات قيادية في طاقم القيادة، ومن المؤكد انه وكلما مرّ الوقت فإن نطاق الصراع سوف يمتد ويتسع، وهناك قوى سياسية حية وأحزاب جنوبية مدركة لطبيعة الأزمة لن تقف متفرجة هي الأخرى.
أكثر ما تتجاهله جوبا الآن غضبة الشارع الجنوبي في اللحظة الحقيقية الفارقة، حين يستولي الجوع على العقول وتجن البطون وتستنفر الأيدي لكي تنزع حقوقها. السودان من جانبه دخل في حيرة من أمر جوبا فهو منحها دولة كاملة السيادة. دولة على الأقل تمتلك اقتصاداً قابلاً للنمو، وعمليات كاملة للبترول وعائدات مجزية ولكنه ما يزال يعاني من ما يمكن أن نسميه (غباء) النخبة الجنوبية الحاكمة.
وعلى ذلك فإن مراهنة الخرطوم على صعوبة واستحالة احتمال المواطنين الجنوبيين لما تفعله حكومتهم تجاه الدولة الأم أمر وارد وهو ليس بمثابة ضرب بالغيب أو تنجيم، هو حقيقة فى انتظار قادة الحركة الشعبية في أحد منحنيات الطريق المظلم الذي تسير فيه بلا ضوء ولا رؤية ولا نظر ثاقب!

0 التعليقات:

إرسال تعليق