من المؤكد ان قرار السلطات المصرية في الاول من يوليو الماضي والقاضي بمنع زعيم حزب الأمة القومي السيد الصادق المهدي من دخول القاهرة شكل صدمة قوية لعضوية الحزب.
كما أن قرار الإبعاد المفاجئ بدا صاعقاً للغاية للمهدي وأربك حساباته تماما لما هو معروف من ان القاهرة بالنسبة له بمثابة نقطة ارتكاز ظل الرجل يعيد استخدامها مراراً كلما عنت له فكرة الخروج وممارسة العمل المعارض من الخارج!
هذا الواقع انعكس بلا شك على تكتيكات واستراتيجية حزب الامة فيما يبدو يظل وطوال السنوات الماضية يتخذ من تكتيك الفر، تكتيكاً سياسياً عانى منه الحزب جراء وجود قيادته باستمرار خارج سياق الأحداث الداخلية ولكن قاهرة كانت بالنسبة للحزب وزعميه (محطة قريبة) من السهل تتبع الأحداث فيها، ومن السهل متابعة ما يجري في الخرطوم ومن السهل عقد اللقاءات والمشاورات فيها!
المهدي فقد هذه الميزة التفضيلية البالغة القيمة والأهمية وبدلاً من ان تدفعه هذه النقطة الحرجة إلى اعادة النظر في مجمل أداؤه السياسي و حالة الصراع المكتوم داخل هياكل حزبه فضل ان يتمادى في خطأ التكتيكي، فمضى ينشد منافي أكثر بعداً في أوروبا وأنحاء العالم القصية!
حزب الامة تاريخياً ليس على ما يرام مع القاهرة وهي أمور تحكمها معطيات وظروف سياسية مشت بها صحائف التاريخ ولكن كان الاعتقاد ان الحزب قد استوعب دروس وعظات الماضي و سطور التاريخ وأدرك ما يحيط بهذ الواقع.
بنظرة سريعة إلى الوراء قليلاً بوسع أي مراقب ان يلاحظ ان حزب الامة لم يكترث كثيراً لطبيعة العلاقات بين الخرطوم والقاهرة القائمة على المصالح الاستراتيجية المتبادلة وحاجة كل بلد للآخر واستقراره، وأمن محيطه الداخلي.
القاهرة تعرف خطورة الأوراق التى يمتلكها السودان اذا أراد ان يلعب على أوراق الضغط. القاهرة تعرف أيضاً ان السودان بوصفه عمقاً استراتيجياً للقاهرة من الممكن ان يفعل الكثير بما قد ينغص على القاهرة و يغض مضجعها!
غير ان الوحيد الذي لم يدرك ما أدركته القاهرة و استوعبته جيداً هو السيد الصادق المهدي. ولهذا لم يستجب قط لا هو ولا قيادات حزبه. و نسي ما كان من ماضي العلاقات بين حزبه والقاهرة وكان محتماً عليه ان يدفع هذا الثمن الغالي.
أن ازمة العلاقة بين القاهرة و حزب الامة هي في واقع الأمر أزمة سوء تقدير عرفت عن السيد الصادق وبحيث يمكن القول ان السيد الصادق وحزبه – حتى وهم في المعارضة، وحتى وهم يتمتعون بقدر كبير من المناورة والتكتيك، فشلوا في مهارة اللعب السياسي الذكي باستخدام هذا الجوار الاستراتيجي بما يحقق بعض طموحات الحزب. ويمكن اعتبارها (ضربة سياسية) شديدة الإيلام سدت على الحزب المنافذ و الأكسجين!
ويبقى الدرس ان يستفيد حزب الأمة من هذا الدرس الغالي التكلفة و ان يوطن نفسه على العمل الداخلي وما يطلق عليه المهدي نفسه – نظرياً – بالجهاد المدني! إذ ليس جهادا مدنياً ذلك الذي يعتمد على العمل الخارجي و التنقل بين العواصم العالمية و إتخاذ المنافي مقراً لإدارة العمل المعارض.







0 التعليقات:
إرسال تعليق