السبت، 11 يونيو 2016

بيان عرمان للخارج.. ثمن تفويت فرص السلام


هناك عبارة تقول (لم يفوتوا فرصة لتفويت فرصة).. ينطبق مضمون هذه العبارة فى الوقت الراهن على موقف “قطاع الشمال” وياسر عرمان الذين وجدوا انفسهم فى مأزق كبير ثمن الخروج منه باهظ جدا، فعلى المستوى السياسى تحوز وثيقة “خارطة الطريق” التى رفضوها التأييد السياسى والدبيلوماسى يوما بعد يوم، وأما على المستوى الميدانى فعمليات (الصيف الحاسم)- فى هذه المرحلة- ستقضى حتما على آخر رهاناتهم فى المنطقتين.. ومن هنا تأتى الدوافع الحقيقة وراء التحركات التى يقوم بها متمردو قطاع الشمال هذه الأيام والجزع الذى يتملكهم وهم الذين لم يفوتوا فرصة لتفويت فرص تحقيق السلام.
“تجريب المُجرّب”
بعد أن جربوا مختلف أنواع الحيل للحصول على التعاطف والتأييد من قبل الدول والمجموعات بالخارج التى كانت تقدم لهام الدعم وتوفر لهم الغطاء ولم يحصلوا عليه، ومع ذلك لم يكفوا عن تجريب المجرب، ففي الثانى من يونيو الجارى وجه الأمين العام لما يسمى بـ”قطاع الشمال” ياسر عرمان رسالة باللغة الانجليزية وقصد توجيهها الى الرأى العام العالمى تحديدا وهذه المرة غيرعابئ بالداخل على خلاف المرات السابقة وأختار مخاطبة هذا الداخل ولكن من نافذة الخارج!.
وأختار كاتبوا الرسالة المنسوبة لعرمان مصطلحات وتعابير مدروسة بعناية، فضلا عن تحريف حقيقة الصراع باضفاء أبعاد تهويلية عليه الغرض منها إستدرار العطف.
وأتت الرسالة بعد وصول قوات “الدعم السريع” الى ولاية النيل الأزرق فى إطار عمليات الصيف الحاسم والتى تهدف للقضاء على التمرد بالبلاد لاسيما “المنطقتين” (جنوب كردفان والنيل الأزرق) عقب فشل عدد من جولات التفاوض كان آخرها لقاء التشاور الاستراتيجى فى مارس الماضى الذى دعت اليه الوساطة الأفريقية رفيعة المستوى التى يقودها ثامبو امبيكى وجمعت وفدى الحكومة عن المنطقتين ودارفور من جهة ومتمردى قطاع الشمال وفصيلى “تحرير السودان”- مناوى و “العدل والمساواة” – جبريل ابراهيم ووحزب “الأمة القومى” بزعامة الصادق المهدى….
حمالة أوجه
قصد عرمان من توجيه هذه الرسالة باللغة الانجليزية دغدغة مشاعر بالخارج سعيا وراء التحرك لنجدته بعد أن تقدمت القوات النظامية فى العديد من المحاور فى المنطقتين.
استخدم البيان كلمات رنانة وحمالة أوجه منها: “مجازر”، “تطهير عرقى”، “جرائم حرب”، “تغيير ديموغرافى”….ألخ وكلها تندرج فى إطار التكيتكات الدعائية التى يقوم بها المتمردون والتى تهدف الى إثارة الرأى العام العالمى وتحريف حقيقة ما يجرى فى مناطق المتأثرة بالتمرد فى المنطقتين من كونه سياسة دولة أو حكومة تهدف لمكافحة التمرد من منطلق الواجب والحق السياديين الذين يكلفهما القانون الدولى وكافة الشرائع بتصوير هذا الوضع وكأنه إستهداف ضد مجموعات سكانية بعينها. وكل ذلك بهدف إشاحة الأنظار عن حقيقة أن التمرد يستهدف بالدرجة الأولى مصالح المواطن ومشاريع الدولة وبالتالى يعتبر مصدر كل هذه الأزمات. وأن قادة التمرد أستمرأوا التكسب والإنتفاع من إستطالة أمد الصراع ويرفضون التفاوض كخيار وحيد للحل.
توظيف سياسى
فى البيان المنسوب إليه آنف الذكر، سارع عرمان الى ربْط ما يجرى فى ولاية النيل الأرزق من تدابير حكومية تهدف للقضاء على التمرد بتصويرها كحرب تطهيرعرقى ضد السكان الأصليين! مدعيا أن الحكومة وعدت مقاتلى قوات (الدعم السريع) بتمليكهم الأراض بع طرد أصحابها منها وهى اراض خصبة وغنية بالمعادن!!.
إن إستخدام تعبير “سكان أصليين” يتضمن قدرا كبيرا من التضليل وتحريف الحقائق، فابتداءا إستخدامه فى حالة النيل الازرق غير مطابق للسياق العالمى له حيث تكون له دلالات إنسانية وأخلاقية، فالعمليات ضد التمرد فى النيل الأزرق تنحصر فى شريط ضيق جدا يمتد من شمال غرب الولاية وحتى الحدود مع دولة جنوب السودان وغالبية السكان التاريخيين-إن جاز التعبير- يعيشون فى مناطق الولاية الأخرى الأكثر إستقرار جنبا الى جنب مع بقية المواطنين. لذا فاستخدام تعبير سكان إصليين يكمن وراءه هدف سياسى محض باعتباره أداة من ادوات التوظيف السياسى لتمردى قطاع الشمال.
تفنيد المزاعم
تضمن بيان عرمان جملة من الأكاذيب والمغالطات.. أولا: قوات “الدعم السريع” قوات نظامية تعمل فى إطار التقديرات وسد الاحتياجات الأمنية وفق توجيهات القيادة العليا للبلاد فى كافة أرجاء القطر لاسيما التصدى لفصائل التمرد على راسها قطاع الشمال فى المنطقتين كما حدث مع فصائل التمرد بدارفور.
ثانيا: لاصحة إطلاقا لمزاعم عرمان لتغيير ديموغرافى فى النيل الأزرق فهذه القوات تتحرك فى إطار تفويضها فقط وهو مواجهة التمرد وتميره، وقد سبق لها وأن خاضت نفس هذه القوات معارك ضارية ضد متمردى “الجبهة الثورية” منهم قطاع الشمال إبتداءا من معركة ابوزبد وما تلاها من معارك حتى بحيرة الأبيض ومن ثم عادت الى دارفور لتطهيرها من التمرد.
ثالثا: رغم أن عرمان يحاول مداراة هزائمه العسكرية والظهور بمظهر المنتصر بزعمه أن القوات الحكومية قد فشلت فى تحقيق أى انتصار فى المنطقتين فى الوقت الذى تقول الحقيقة عكس ذلك تماما.
رابعا: لم يثبت أى تجاوز من هذه القوات تجاه المواطنين وذلك خلاف حملة التشويه والتخويف الممنهج ضدها والمقصود بها التشويش على حقيقة ووظيفة قوات الدعم السريع بل عكست الصور المتداولة مدى حرارة الاستقبال الذى حظيت به عند عبورها لبعض مدن سنار والنيل الأزرق.
خوف وهلع
حاول بيان عرمان تشويه قوات “الدعم السريع” وهى قوات نظامية تعمل جنبا الى جنب تشكيلات القوات النظامية والقوات المساندة الأخرى فى كافة مسارح العمليات وتنفذ المهام الموكل اليها فى مختلف أصقاع البلاد وذلك بربطها بعبارة (الجنجويد) وهى التى أرتبطت فى مخيلة الراى العام العالمى بصورة سالبة نتيجة الحملات الدعائية من قبل المجموعات الغربية المعادية للسودان والمتحالفة مع عناصر التمرد.
ذلك أن متمرد قطاع الشمال ظلوا يتبجحون بأن طبيعة المنطقتين تحوؤل بينهم والمصير الذى آلت اليه فصائل التمرد الدارفورية التى رفضت موائد التفاوض وراهنت على السلاح والحرب وإنتظار الدعم الخارجى وأنتهى بها الأمر الى خسارة الحرب والسلام معا، ولم تعد الآن ذات وزن يذكر و الآن تعيش اسوأ الفترات منذ بروز التمرد فى دارفور.
وما إن وطأت أقدام عناصر قوات الدعم السريع أرض ولاية النيل الأزرق حتى بدأت تظهر النتائج على الأرض وبصورة درامية، حيث إستطاعت القوات المتقدمة فى جبهات القتال السيطرة على عدة مناطق هامة منها جبل “كلقو” الحصين وإندحر المتمردون بشكل سريع، وكذلك دب الخوف والهلع فى نفوس قادة قطاع الشمال الذين يعرفون حقيقة قوات “الدعم السريع” فى ميادين القتال.
كشف المستور
وبين السطور تضمنت بيان عرمان عبارة تستوجب التوقف عندها، وهى قوله مخاطبا الغربيين الذين لم يهبوا لنجدته رغم صرخاته التى لا تكاد تتوقف فقال (فى بعض المناسبات تلومون الضحايا) وهو يشير هنا تلميحا الى الضغوط التى تمارس على فصائل التمرد ومنها قطاع الشمال للتوقيع على وثيقة “خارطة الطريق” التى قدمها الوسيط الافريقى ثامبو أمبيكى ووقعت عليها الحكومة فيما لاتزال الأطراف التى شاركت فى لقاء التشاور الاستراتجى ترفضها.
فالدول الغربية تغيرت لديها طبيعة الأولويات -بعد أن فشلت فى حمل الحكومة على تقديم تنازلات او تغيير مواقفها – كما أنها أدركت أن مجاميع المعارضة السودانية وخاصة فصائل التمرد فى المنطفتين ودارفور ليست لديها مطالب اوقضايا سياسية، وأنها عاجزة هن تحقيق أى نصر سياسى أو عسكرى على الرغم من الدعم المهول الذى قدم لها على مدار سنوات طويلة وأن الطريق الوحيد لحل المشكلات فى السودان هو وثيقة الواسطة الافريقية.
باتت الدول الغربية ترى فى “قطاع الشمال” عقبة أمام تحقيق السلام والاستقرار بسبب أجندته التى لايمكن تحقيقها بأى حال من الأحوال.
جرى تداول البيان المنسوب لعرمان بشكل سريع عبر مواقع التواصل الاجتماعى وتصدرته العبارة التالية (إذا كنت تعيش فى اوبا وتخشى من تكرار (دارفور) فى منطقة النيل الأزرق قم بارسال هذا البيان لنائبك البرلمانى لتوعيته بما يحدث ليخاطب حكومته بدوره).. حيث أعيد توجيه البيان عبر مناصرى للتمرد وآلته الاعلامية وتكشف هذه الجملة مدى لهاث المتمردين للإستقواء بالخارج بأى طريقة كانت.

0 التعليقات:

إرسال تعليق