خلاف تقديرات الكثير من الأصوات فى الساحة، فإن مشاركة السودان ضمن “التحالف العربى” بقيادة المملكة العربية السعودية ضد توسع المشروع الإيرانى الى تخوم شبه الجزيرة العربية ممثلا فى تهديد الحركة الحوثية باليمن، تعتبر بمثابة تأكيد على علاقات أزلية ربطت السودان واليمن السعيد.
تمتعت القيادة السودانية بعلاقات جيدة مع القيادة اليمنية ممثلة فى الرئيس المخلوع على عبدالله صالح فى مرحلة ما قبل زحف ثورات الربيع العربى وانطلاق ثورة الشباب اليمنية او ثورة 11 فبراير التى قادها الشباب للمطالبة باسقاط حكم صالح، ولم تكن تلك العلاقات محصورة عند مستوى رئيسى البلدين بل كانت هناك علاقات جيدة بين المؤتمر الوطنى الحاكم فى السودان والمؤتمر الشعبى العام الحاكم فى اليمن وهو حزب الرئيس المخلوع صالح، حث كان الحزبان يتبادلان التواصل والمشاركة فى المناسبات الحزبية والسياسية المختلفة.
لقاءات الخرطوم
لذا راجت مؤخرا فى بعض وسائل الاعلام اليمنية معلومات مؤداها أن الخرطوم تشهد لقاءات ما حول الازمة اليمنية أطرافها: ممثلون عن صالح والحوثيين من جهة وممثلون عن الشرعية التى يمثلها عبدرب منصور هادى رغم عدم وجود تأكيدات رسمية من الجانب السودانى حتى الآن.
وبنظر بعض المراقبين فإن تلك المعلومات -إن صحت- فهى تؤشر للعلاقات المتميزة بين السودان واطياف المسألة اليمنية الكبرى( الاطراف المحلية كالشرعية وصالح والحوثيين من جهة، والتحالف العربى بقيادة المملكة العربية السعودية من الجهة المقابلة).
كما أن الحديث عن تواصل ما يجرى فى الخرطوم حول مستقبل اليمن تؤكده مؤشرات عديدة، أولها: تعثر المفاوضات التى تجرى تحت إشراف مبعوث الامم المتحدة الى اليمن اسماعيل ولد الشيخ وكنت آخر جولات تلك المفاوضات قد جرت بدولة الكويت ولم تسفر عن أى نتائج ذات بال وربما تحتاج الاطراف الى مشاروات غير رسمية فى أكثر من مكان. ثانيا: اقرار الاطراف بضرورة الحل السياسى- وليس العسكرى الذى اضطرت اليه دول التحالف مسنودة بمطالي الحكومة الشرعية لليمن- للنزاع فى اليمن يقوم على قرارات مجلس الامن الدولى وثوابت القوى الوطنية التى تتمثل فى مخرجات الحوار الوطنى قبل أن ينقلب عليه الحوثيون؛ ثالثا: ربما يكون السودان مكانا مناسبا لتفاهمات ما بين القوى الفاعلة فى الأزمة اليمنية الراهنة لعدة اعتبارات.
التزام عربى
قبل تطورات الأحداث فى أرض اليمن وحتى وصولها الى سيطرة الحوثين على السلطة من خلال القوة العسكرية، ظلت علاقات السودان مع المنظومة العربية آخذة فى التحسن بعد عقود من البرود فى ظل تطورات داخلية اقليمية أنعكست على العلاقات العربية-العربية.
ونجح السودان فى إحداث استقرار مع مصر حتى بعد قيام نظام عبدالفتاح السيسى والانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسى من منطلق احترام سيادة مصر ومبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للبلدان الاخرى.
وبالمثل، نجح السودان ايضا فى تطبيع علاقاته بدول الخليج لاسيما المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة، وذلك قبل الاعلان- لاحقا- عن تشكيل تحالف العربى الذى قاد التدخل العسكرى ضد الحوثيين والتصدى للنفوذ الايرانى الذى بات يهدد استقرار وأمن “الحرمين الشريفين”.
عاصفة الحزم
انطلقت عمليات “عاصفة الحزم” فى26 مارس2015 ، وفي 21 أبريل 2015 أعلنت قيادة العملية عن توقف عملية عاصفة الحزم وبدء عملية “إعادة الأمل” بعد ان تكنت قوات التحالف من تحقيق الاهداف المرحلية للعملية العسكرى من فرض حظر الطيران ومراقبة حركة النقل بين اليمن والخارج وتدمير الأهداف العسكرية للحوثيين..الخ.
أعلنت السعودية انطلاق عملية “عاصفة الحزم” بقيادتها الى جانب مجلس التعاون الخليجي الست ( الإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والكويت عدى سلطنة عمان)، وبمشاركة كل من الأردن ومصروالمغرب والسودان وباكستان.
جاء تشكيل التحالف العربى وإنطلاق عمليات “عاصفة الحزم وإعادة الأمل” ضد التمرد المسلح الذى قادته جماعة الحوثى ضد إرادة اليمنيين بعد إنقلابها على مخرجات الحوار الوطنى اليمنى وقبيل الوقيع على وثيقة لمخرجات الحوار، وتعمدها تهديد أمن دولة مجلس التعاون الخليجى لاسيما المملكة العربية السعودية مدفوعة بالتحريض الايرانى، ليشكل ذلك فرصة أمام السودان لتأكيد التزامه بمبادئ العمل العربى المشترك من جهة، و إعادة تاسيس علاقاته مع الاشقاء إنطلاقا من التحدى فى اليمن، وقد أوفى السودان بكافة التزاماته التى تعهد بها امام حلفاءه العرب فيما يتصل بالمشاركة فى التحالف العربى.
علاقات أزلية
ربطت السودان باليمن علاقات تبادلية كبيرة لاسيما فى مجال التعليم، حيث كان المعلمون السودانيون يُعارون للعمل فى الجمهورية اليمنية بعد تحقيق الوحدة بين شطرى البلاد والتى جرى اعلانها فى 22 مايو 1991( كان هناك يمنان: اليمن الشمالى واليمن الجنوبى)، وبذات القدر، ظل الطلاب اليمنيين يلتحقون بجامعة الخرطوم ومؤسسات التعليم العالى الاخرى وتبوأ هؤلاء بعضهم بعد رجوعهم الى بلادهم مناصب قيادية فى مختلف قطاعات الدولة اليمنية وتركوا انطباعات طيبة تجاه السودان.
إن مرحلة علاقات السودان واليمن فى مرحلة مابعد “عاصفة الحزم” بعد دحر التمرد-المدعوم ايرانيا- و الذى يهدد بالتمدد الى بقية الدول العربية يجب أن تكون للبناء على الإرث المشترك من علاقات الأزلية بين البلدين لمصلحة الشعوب كافة لاسيما وأن التحدى الذى مر به اليمن أظهر ان ما من سبيل سوى التضامن والتنسيق بين الدول العربية حكومات وشعوب.
سيناريوهات المسقبل
لايبدو ان الارث التاريخى لعلاقات الشعبين الشقيقين فى اليمن والسودان سوف تتأثر بأى تداعيات سالبة قد تترتب على التطورات الجارىة فى اليمن حاليا والتى سوف تشكل مستقبل هذا البلد، حيث ظل السودان يحافظ على علاقات ممتازة مع اليمن ولن يفرط فى تلك العلاقات بل سيعززها أكثر فأكثر نحو الافضل لكونها تندرج فى إطار مبدأ عام يحكم توجهات السودان تجاه محيطه العربى وهو التضامن والعمل المشترك.
فى هذا الإطار تفهم مشاركة السودان فى “عاصفة الحزم” والتى تأتى لتأكيد التزامه بمبادئ العمل العربى المشترك فى مواجهة التهديدات والتى تمثلت فى الوقت الراهن فى الحركة الحوثية والتى تعتبر ذراعا لاستراتيجية شاملة للتوسع تتبعها ايران بهدف زعزعة أمن واستقرار الدول العربية وتوسيع نفوذها الى أبعد مدى ممكن.
يعتبر اليمن اليوم ساحة مشتركة للعمل الاقليمى على صعيد أمن البحر الاحمر حيث لا يمكن لأى طرف من اطراف هذه المعادلة الاقليمية الاستغناء على طرف، إذا ما أُريد تحقيق منظومة فعالة تضمن استقرار وإزدهار هذه المنطقة المهمة من العالم، فضلا عن إمتداد مصالح البلدين الى بقية دول القرن الافريقى وهو ما يحتم عليهما نوعا من التواصل والتنسيق عال المستوى بين قيادتي البلدين.







0 التعليقات:
إرسال تعليق