بقلم: جمال محمد إبراهيم
(1)
فيما يغلي الشرق الأوسط وتتململ بلدانه العربية، وبلدانه الأفريقية العربية، بين نزاعاتٍ هنا وصراعاتٍ هناك، فإنّ الجوار الأفريقي يقف حذراً إزاء ذلك الغليان، وأكثر خشيته أن تصيبه عدوى الصراعات والنزاعات والإرهاب الدولي. تلوح رايات التطرف
الإسلامي عند "بوكو حرام" في نيجيريا، وفي عمائم الإسلامويين في دولة
مالي. نسمع، في الأخبار، عن رغبة رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين
نتنياهو، في القيام بجولةٍ أفريقية، يأمل عبرها في استعادة المواقع
السياسية في القارة الأفريقية، والتي فقدتها إسرائيل منذ أكثر من ثلاثة
عقود.(1)
فيما يغلي الشرق الأوسط وتتململ بلدانه العربية، وبلدانه الأفريقية العربية، بين نزاعاتٍ هنا وصراعاتٍ هناك، فإنّ الجوار الأفريقي يقف حذراً إزاء ذلك الغليان، وأكثر خشيته أن تصيبه عدوى الصراعات والنزاعات والإرهاب الدولي. تلوح رايات التطرف
(2)
حدّث المفكّر جمال محمد أحمد، الذي كان يوماً وزيراً لخارجية السودان، أنه قدِمَ مبعوثاً من رئيس السودان، جعفر نميري، في أوائل سبعينيات القرن الماضي، إلى الرئيس الجزائري في حينه، هواري بومدين، يطلب سنده لتكون الخرطوم مقراً للمصرف العربي للتنمية في أفريقيا الذي اقترحه العرب لعون بلدان تلك القارة. كان السودان يعلم بسعي الجزائر إلى استضافة ذلك المصرف. قال الرئيس الجزائري للسفير جمال: تقدّر الجزائر دور السودان الإيجابي بين العرب والأفارقة، وتؤيد الخرطوم مقراً له، ثم أضاف، وكـأنه يهذر: إن الجزائر ستضمن لكم موافقة كلّ "العرب الأفارقة". ولكن، عليكم في السودان السعي إلى الحصول على موافقة "عرب آسيا". بقي المصرف العربي للتنمية في أفريقيا حاضراً في العاصمة السودانية إلى الآن، يقدّم عونه للبلدان الأفريقية من دون منٍّ أو أذى، يموّل أكثر مشروعاته الإسهامُ العربي القادم أكثره من "عرب آسيا"، أولئك الذين حدّث عنهم بومدين وجمال في سنوات السبعينيات تلك.
(3)
لنا أن نسأل: ما الذي حاق بأطر التعاون العربي الأفريقي، حتى نرصد رغبة الكيان الإسرائيلي التي عبر عنها رئيس حكومته نتنياهو، في اجتراح مبادرةٍ تهدف إلى استعادة العلاقات الإسرائيلية مع الدول الأفريقية، عبر جولة غير مسبوقة في عدد من البلدان الأفريقية؟
ثمّة اعتباران نقف عليهما، يفسران طرفاً من أسباب إعلان نتنياهو عزمه القيام بجولة في القارة الأفريقية. هنالك اعتبار شخصي، يخصّ المذكور وأسرته، وهو حلول الذكرى الأربعين لمقتل شقيقه الأكبر الكولونيل جوناثان نتنياهو في "عملية عنتيبي" في يوليو/ تموز من عام 1976. كان فصيل من المقاومة الفلسطينية المسلحة قد اختطف طائرة "إيرفرانس" في طريقها إلى باريس من مطار اللد الإسرائيلي، وقاموا بتحويلها إلى مطار عنتيبي في أوغندا. قامت إسرائيل بإنقاذ الرهائن في عمليةٍ جريئة، تجاوزت فيها أعرافاً دولية كثيرة، واخترقت طائرتها أجواء عدد من البلدان، لتصل، بتواطؤ كيني مفضوح، إلى المطار الأوغندي. الضابط الإسرائيلي الوحيد الذي لقى حتقه في تلك العملية، قائدها الكولونيل جواناثان نتنياهو، شقيق بنيامين نتنياهو. ويشكل إحياء ذكرى مقتله فرصة يعزّز خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي مكانته السياسية في الداخل.
(4)
الاعتبار الثاني، وظني هو الأهم، أن جولة نتنياهو ستمهّد لاستعادة الوجود الإسرائيلي المفقود
"إسرائيل طرفٌ طامعٌ في استعادة خسائره من تضامن الأفارقة مع القضايا العربية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي"
في القارة الأفريقية. ولأن إسرائيل تقرأ جيداً كتاب الأحوال في الشرق الأوسط، فإن "عرب آسيا" و"عرب أفريقيا"، على وصف جمال محمد أحمد، هم في انشغالٍ، منذ عام 2011، بأمرين، أولهما ملاحقة تداعيات "الربيع العربي"، ما قد يراه بعضهم نذر فوضى خلاقة، أكثر منه ربيعاً حميداً. تؤمّل أطراف عديدة في المجتمع الدولي أن تجني ثماراً في ذلك "الربيع"، قبل احتراق بساتينه. إسرائيل طرفٌ طامعٌ في استعادة خسائره من تضامن الأفارقة مع القضايا العربية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، ولن تترك السانحة تفلت من بين أصابعها. الأمر الثاني هو انشغال المنطقة بالحرب على الإرهاب الدولي الذي شوّهه إسلاميون متطرفون في الغرب.
وقد تدافعت الدول العربية لتعزيز التعاون العربي الأفريقي، وعقدت بشراكةٍ مع الاتحاد الأفريقي، مؤتمرات قمّة ناجحة آخرها القمة العربية والأفريقية الثالثة في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2013 في الكويت. لكن، لإسرائيل مطامع، والسوانح مغرية.
(5)
لو نظرنا إلى خارطة العلاقات العربية الأفريقية، لن نجد أبرز من المصرف العربي للتنمية في أفريقيا وجهوده في تمويل مشروعات تنموية في بلدان أفريقية عديدة، ثم بعض المساهمات المالية والقروض على مستوى العلاقات الثنائية. أقرت القمم المشتركة خططاً طموحة لترسيخ التعاون العربي الأفريقي، لكنه ما زال دون التوقع، وأدنى من المأمول. لعلّ المؤمل أن تتحقّق شراكاتٌ حقيقيةٌ ترتقي بالعلاقات بين الكتلتين، إلى آفاق أرحب من مساحة التعاون المحدود الحالي. على الرغم من سخاء المصرف العربي في منح قروضٍ لمشروعاتٍ تنموية في بلدان أفريقية عديدة، فإن النظرة الأفريقية لا تراها إلا مكافأة مادية لمواقف سياسية، تجاه القضايا العربية في عمومها، والقضية الفلسطينية خصوصاً.
(6)
لربما يشكل بطء وتيرة الشراكات العربية – الأفريقية عاملاً يفتح الثغرة المطلوبة لتلج منها الدولة العبرية، لكن العامل الرئيس الذي أعانها هو انشغال البلدان العربية، والعربية الأفريقية، بالنزاعات الناشبة في سورية واليمن وليبيا وأيضاً السودان، واضطراب الأحوال في كل بلدان الربيع العربي. ليس ذلك فحسب، بل إن جامعة الدول العربية، وقد كانت رأس الرمح في تعزيز أطر التعاون مع المنظمة الأفريقية، تضاءل دورها حتى في معالجة القضايا التي تخصّها. يكفي أن نرى النزاع السوري يعالجه وسيط دولي في جنيف، والصراع اليمني يعالجه ممثل دولي يحاول أن يجد له مخارج في الكويت، والتنازع في ليبيا، وقد بانت أنياب "داعش" فيه، أوكل إلى وسيط دولي ثالث من الأمم المتحدة.
(7)
أمام العين الأفريقية، لا تبدو الصورة مشجّعةً لتعاونٍ ملموس مع أطرافٍ عربية في المشرق وفي المغرب، تحاصرها الاضطرابات والزعازع. يملك المارد الإسرائيلي، في نظر الأفارقة، القدرات السياسية والمالية والعسكرية. إن جولة رئيس الوزراء الإسرائيلي، والتي تتعمّد الصيد في الماء العكر، ستحقق لإسرائيل أكثر ما خسرته في علاقاتها الأفريقية منذ سنوات السبعينات.
وفيما قررت القمة العربية الأفريقية الثالثة في الكويت أن تعقد قمتها الرابعة قبل نهاية عام 2016، فإن على أمانتي جامعة الدول العربية والمنظمة الأفريقية أن تستذكرا ذلك التاريخ المضروب، فتعدا عدتهما لقطع الطريق على المطامع الإسرائيلية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق