الخميس، 23 يونيو 2016

وقف إطلاق النار.. متلازمة الحرج السياسي والعسكري للحركات المسلحة السودانية!


ليست هذه هي المرة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة التي تعلن فيها الحكومة السودانية وقفاً لإطلاق النار. كثيرة هي المرات التي أعلنت فيها الحكومة وقفاً من جانبها لإطلاق النار -بغض النظر عن حقائق واقع الميدان- أملاً في أن تقابل القوى المسلحة
من جهة، والقوى الدولية الداعمة لها من جهة أخرى الخطوة الحكومية بخطوة مماثلة والشروع فوراً في مفاوضات لإنهاء النزاع.
الحركات المسلحة في العادة لا تتفاعل مع الموقف الحكومي، فهي إما مهزومة تبحث عن دعم عاجل لتعيد بعضاً من وجودها في ميدان القتال، أو مأزومة تحاول أن إستمالة المجتمع الدولي ليوفر لها تنازلات سهلة ومجانية من الحكومة قبل حتى عقد أي مفاوضات!
هذا الوضع المتكرر فرض نفسه على الواقع السياسي السوداني وأفرز عدة مؤشرات ليست في صالح الحركات المسلحة على الإطلاق. أولاً، أثبت عجز وتقاصر قامة الحركات المسلحة في أن تصبح نداً للحكومة المركزية، ففي كل مرة تطلق فيه الحكومة هذا الوقف غير المشروط لإطلاق النار يتبين للجميع أن الحركات المسلحة ليست فقط عاجزة عن التأثير على ميزان القتال لصالحها، هي عاجزة حتى من أن تستفيد سياسياً على الأقل من وقف القتال، ذلك إن أي حرب مهما بدت حرباً ضروس لا هوادة فيها، لا بد فيها في خاتمة المطاف من قرار بوقفها من قبل الطرفين، ففي النهاية لا يكون حل النزاع إلا بالتفاوض.
ثانياً، قرارات وقف اطلاق النار الصادرة باستمرار في أوقات متفرقة من قبل الحكومة تسبب حرجاً حقيقياً لحلفاء الحركات المسلحة إقليمياً ودولياً. مكمن الحرج أن القوى الدولية التي ظلت تتهم الحكومة السودانية بقصف المدنيين ومهاجمة المدن والقرى، تجد نفسها محرجة غاية الإحراج كون إن الحكومة السودانية -طواعية ومن موقع ثقتها بنفسها- تعلن وفقاً لإطلاق النار، هذا الحرج يجعل أي مسعى دولي لوقف الحرب ممكناً، فالحكومة تعطي المجتمع الدولية (شيكاً على بياض) للقيام بمسئولياته وتدعوه لإقناع المسلحين باتخاذ موقف مماثل والركون للتفاوض! القوى الدولية التى لا تحبذ رؤية الحكومة السودانية وهي قوية واثقة من نفسها، يحمر أنفها خجلاً ولا تدري ماذا تفعل!
ثالثاً، ثبت أيضاً من خلال إعلانات وقف إطلاق النار العديدة التي أصدرتها الحكومة السودانية في السنوات العشر الماضية لم تكن مجدية للحركات المسلحة، فحتى لو كانت هذه الحركات في حاجة إلى هذا الوقف لاغراض إعادة تنظيم صفوفها وجلب الدعم والسلاح، فإن هذا الأمر لم يعد يتحقق ومن ثم أثبتت الأحداث انه حتى حين يتيسر لهذه الحركات الحصول على الدعم، فهي حين تعاود القتال أو تخرق وقف اطلاق النار لا تغير في واقع الميدان القتالي شيئاً!
 الحركة الشعبية قطاع الشمال عانت وما تزال تعاني من هذا الوضع المخجل! إذ لم تعد تجد أدنى فائدة من إعادة دعم قواتها -بإنتهاز وقف العمليات- فما تحصل عليه سرعان ما تخسره في أقرب معركة.
وهكذا، يمكن القول إجمالاً إن وقف اطلاق النار من جانب الحكومة السودانية مع فتح نوافذ وأبوابا التفاوض و تركها مشرعة في كل مرة هي في واقع الأمر هزيمة سياسية وعسكرية ونفسية للحركات المسلحة وإعلان عن عجزها ومن ثم فهي أيضاً إشارة واضحة للقوى الدولية الداعمة لهذه الحركات المسلحة أن دعمها هو أيضاً لم يعد مجدياً وما من خيار آخر سوى مائدة المفاوضات!

0 التعليقات:

إرسال تعليق