السبت، 18 يونيو 2016

قضية ترحيل “الجنرال” الأريترى….أين الحقيقة؟


حظيت عملية ضبط وترحيل الاريترى المدعو ميراد مدهانى والمطلوب لدى السلطات الايطالية والذى يلقب أيضاً بـ”الجنرال” زخما اعلامية كبيرا فى وسائل الإعلام المحلية والدولية على حد سواء، وذلك لأن قضية تهريب البشر وتنامى نشاط الشبكات العاملة فيها باتت فى الوقت الرهن الشغل الشاغل للمجتمع الدولى بصفة عامة والاتحاد الاروبي بصفة خاصة.
وتشير المعلومات أن السلطات السودانية كانت قد ألقت القبض على هذا الشخص المطلوب في 24 مايو الماضي، قبل ترحيله إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث سيخضع هناك لاستجواب مكثف لتأكيد هويته اولا قبل تقديمه للمحكمة فى حال ثبوت التهم الموجهة اليه.
وأكد بيان مشترك لسفارتي بريطانيا وإيطاليا بالخرطوم صحة نبأ إعتقال مدهانى والذى يبلغ من العمر 35 عاما وأن العملية تمت بتعاون متعدد الأطراف ضم الشرطتين السودانية والإيطالية وزارتى الداخلية فى البلدين، و”وكالة المملكة المتحدة الوطنية للجريمة”.
زخم إعلامى
على الرغم من أن الحادثة عادية جدا روتينية فى إطار العلاقات والتعاون المتعدد الاطراف، مع غُيبت عدة حقائق فى خضم التضارب فى تناول هذه القضية نظرا للأجندة التى تحرك كل الاطراف المختلفة فى الساحة و يحاول كل طرف تجيير الزخم المصاحب لهذه القضية لصالحه.
وعلى هذا المنوال، سارعت بعض الاطراف السياسية المعارضة والوسائط المرتبطة بها –كعادتها فى مثل هذه الحوادث- الى تصوير المسألة وكانها “فشل” أو “فضيحة” للأجهزة الأمنية فى السودان، حيث تم الترويج على نطاق واسع لمزاعم القبض على “الشخص الخطأ”.
وحتى اللحظة، فإن الحديث عن “الشخص الخطأ” لم يصدر عن الجهات الرسمية فى ايطاليا أو السودان، وإنما من الدوائر الإعلامية المغرضة.
شبكة مدهانى
وأتت عملية القاء القبض على المتهم والمطلوب لدى الادعاء فى ايطاليا فى إطار تعاون روتينى بين السودان والشرطة الايطالية تحت مظلة الشرطة الدولية (الانتربول)، إذ توجد إتفاقيات ومعاهدات تحكم عمل هذه المؤسسة الدولية خاصة فى مجالات تبادل المعلومات و القبض على المطلوبين وتسليمهم فى حال صدور مذكرات توقيف بحقهم فى أى بلد يعمل ضمن نطاق الانتربول الدولى ل ويعتبر (الانتربول) أكبر منظمة شرطية في العالم ويضم 190 بلدا.
إن ما جرى مع الاريترى “مدهانى”، ماهو إلا مرحلة ضمن سلسلة خطوات يقوم بها الأروبيون، لاسيما أن مؤسسات المعنية بمناهضة الجريمة المنظمة- خاصة شبكات تهريب الأشخاص والاتجار بهم- قد كثفت مؤخرا من نطاق التنسيق والتعاون فيما بينها من جهة و بينها وبين الأطراف الخارجية المعنية خارج أروبا ومنها السودان.
بحسب المعلومات المتداولة، فى أوائل العام الجارى، أبلغ مكتب (الانتربول) بالخرطوم أن المطلوب “مدهانى” تمكن من مغادرة ليبيا حيث كان مطاردا هناك وأنه يتواجد الآن فى الخرطوم، ويستخدم رقم هاتف خاص (تم تسليمه للسلطات المعنية بالسودان) والتى باشرت-فى إطار التعاون الروتينى فى عمليات الأنتربول- عملية جمع المعلومات وتتبع “الخطوط” التى قادت فى النهاية الى القبض على المذكور.
وقد تم توقيف عدد من المشتبه بهم وعدد من المتورطين فى الاتجار بالبشر كانوا على صلة بمدهانى وهؤلاء سيكونون بمثابة “الشاهد الملك” للتحقق من صحة هوية “الرجل الخطأ”-كما زُعم- أهو مدهانى او غيره، وكذلك التهم الموجه اليه؟
هوية المطلوب
كما أوردنا سابقا، أثير لغط كثيف حول ما اذا كان الشخص الذى تسلمته ايطاليا هو المطلوب فعلا أم تم اعتقال وترحيل شخص آخر عن طريق الخطأ؟ فالشخص المطلوب حسب نشرة الانتربول هو الأريترى “مدهانى” والذى يعتبر أكبر مهربي البشر المطلوبين في العالم، و قد يكون المسؤول عن مأساة مصرع نحو 356 شخصاً كانوا على متن مركب غرقت قبالة سواحل جزيرة لامبيدوسا الايطالية فى العام 2013.
وأكدت شهادات لناجين وكذلك إفادات أعضاء شبكات تهريب الأشخاص التى نشطت فى الاراضى الليبية خلال السنوات الأخيرة أنه-أى الشخص المعنى- ضالع فى تلك الأنشطة، كما أنه ظل يتنقل باستمرار بين ليبيا والسودان وإثيوبيا وإريتريا والإمارات وبلدان أخرى فضلا عن نشاط لشبكته فى دول القرن الافريقى.
إن التشابه والإختلاط- وحتى الخطأ- فى عمليات القبض على المطلوبين وتسليمهم وتبادل المعلومات بشأنهم عملية معقدة يحتمل فيها الخطأ والصواب.
وفى حالة هذه المتهم يبدو ان أجندة خاصة ببعض الدوائر هى التى حاولت تصوير المسألة وكأن السودان قد قايض تسليم الجل الخطأ مقابل أموال تلّقاها من الأروبييين من دون إنتظار عملية التحقيقات التى ستكشف فى نهاية المطاف الحقيقة كاملا: فإما إن يكون الشخص المقبوض عليه هو المطلوب فعلا وبالتالى تتم محاكمته إو أن يخلى سبيله وتبرأ ساحته وتتم تسوية قضيته.. فمثل هذه القضايا فى مجال عمل الانتربول شائعة جدا.
“عملية الخرطوم”
هناك سؤال جوهرى هنا فى ضوء الجدل حول تسليم الاريترى مدهانى: ما هى الدوائر أوالجهات التى حاولت التشويش على هذه القضية إلباسها أبعادا سياسية؟
أبتداءا هناك معارضة قوية لأى تعاون بين السودان والاتحاد الاروبى فى مجال مكافحة الهجرة غير المشروعة، لاسيما فى إطار “عملية الخرطوم” التى يقدم من خلالها الاتحاد الاروبى “حِزم” من الدعم الفنى والمالى لدول القرن الأفريقى من بينها السودان وربما يكون السودان من أكثر الأطراف أستعداد وتأهلا من بين تلك الدول.
وتحاول مجموعات الضغط المعادية للسودان جاهدة عرقلة أى تعاون بين السودان والاتحاد الأروبى أى تحسن فى علاقاته مع دول هذه المنظومة.
عمل روتينى
ويدرك الطرف الأروبى أن عملة تسليم المطلوب الأريترى التى جرت مؤخرا هى عمل روتينى للانتروبول ومسئوليات السودان كطرف فى هذه المنظمة، ولو افترض وقوع خطأ ما فيها فإن ذلك لن يقدح فى فاعلية وأهلية أجهزة الدول وقدرتها على القيام بواجباتها المهنية من جهة والمشاركة فى تنفيذ التعهدات المتعددة الأطراف اقليميا ودوليا.
كما يدرك الأروبيون أيضا أن تقييم مدة فاعلية “عملية الخرطوم” كإطار للتعاون بين الاتحاد و دول القرن الافريقى والسودان تحديدا، يكون عبر الأطر والقنوات المعتمدة بين أطراف “عملية الخرطوم”، لاسيما وأن الإتحاد الأروبى أعتمد معايير وآليات صارمة لضمان نحاج العملية وتحقيق الأهداف التى رسمت لها.وبالتالى فإن محاولات دق إسفين بين السودان والاتحاد الأروبى بناءا على حادثة الأريترى “مداهانى” لن تحقق أهداف تلك الدوائر.

0 التعليقات:

إرسال تعليق