يرتكب قادة الحركات السودانية المسلحة وبعض قادة الأحزاب السياسية في السودان خطأ استراتيجياً بتشجيعهم للقوى والمنظمات الإقليمية والدولية للتدخل في الشأن السوداني الداخلي، وفي ظل توفر فرص جدية لحل النزاع بين الفرقاء السودانيين، فقد تلاحظ (احتفاء) بعض قادة هذه القوى السودانية بقرار مجلس السلم الإفريقي الأخير الذي يقلل من قيمة الحوار الوطني السوداني السوداني ودعا لمؤتمر في الخارج بإشراف دولي وإقليمي.
صحيح ألاّ احد يجادل بشأن عامل الثقة المفقود بين بعض الأطراف، وصحيح أيضاً أن العديد من النزاعات السودانية السودانية تم التفاوض بشأنها في عواصم خارجية وبإشراف إقليمي ودولي؛ ولكن الخيط الرفيع البالغ الدقة ما بين تلكم الحالات والحالة الراهنة التي نحن بصددها يكمن في عدة فوارق ونقاط جوهرية:
أولاً، أزمة الثقة بين الأطراف السودانية من المستحيل التغلب عليها لمجرد إسناد الأمر إلى أطراف دولية أو إقليمية. أزمة الثقة إنما تتبدد تلقائياً بقوة الطرح ومنطقيته داخل قاعة الحوار ومدى موضوعية الطرح، لأن المطلوب من عملية الحوار ليس انتصار طرف على آخر بقدر ما هي عملية ترسيخ لمناخ تعددي متنوع قادر على إدارة الخلاف وتدارك الفوارق في الرؤى والمواقف.
ولكي يكون الحوار موضوعياً وعملياً فإن أهم عنصر فيه أن يثق كل طرف -مهما كانت محاذيره ومخاوفه- في خصمه الآخر، والحوار بهذه الصفة كفيل وحده لإعادة اللحمة إلى الساحة السياسية السودانية، خاصة وأن الأعراف والتقاليد السودانية كما هو شائع ومعروف لديها القدح المعلى في إزالة الهواجس والشكوك وتجاوز الماضي.
ثانياً، على العكس تماماً من تجارب الحلول الخارجية التي جربت في الحالات السابقة فإن الإرادة الوطنية هذه المرة بدت أكثر تصميماً على التحاور في إطار مشروع وطني داخلي، وربما كانت هذه هي المرة الأولى التي تتنادى فيها القوى السودانية للحوار بهذا القدر من العزم والجدية وهو أمر ينبغي أن يؤسس -ولو لأول مرة في التاريخ- لإمكانية حل داخلي سوداني سوداني. والسياسة باعتبارها عملاً واقعياً مجرداً لا مجال فيه للفرضيات والافتراضات. الأمور في السياسة متجددة ومتنوعة وليس بالضرورة أن تتكرر الموقف والأحداث!
ثالثاً، إذا لم يلاحظ بعض قادة القوى السياسية المؤيدين للحوار في الخارج، أن القوى الإقليمية والدولية درجت على عرقلة الحلول الداخلية الوطنية باستمرار، وان وراء هذا الموقف (هدف ما) فإن من المؤكد أن هؤلاء القادة المعارضين لا يتمتعون بالقدر المطلوب من الحس الوطني، ومن ثم لن تنجح كل محاولات نقل الحوار إلى الخارج ولن يجدوا ثمرته مهما فعلوا.
رابعاً، لنفترض جدلاً أن القوى السياسية المؤيدة للحل الخارجي نجحت في مسعاها وبالفعل ونقلت الحوار إلى الخارج، هل من المتصور عقلاً ومنطقاً أن انعقاد الحوار في الخارج سوف يفرض حلولهم التي يتمنونها على شعب السودان؟ بمعنى آخر، هل (العمل الخارجي) بالنسبة لهؤلاء القادة المعارضين مطلوب لذاته لكي يكون (عاملاً فعالاً) في التغلب على حكومة منتخبة ومعترف بمشروعيتها وحائزة على ثقة ملايين الناخبين الذين منحوها أصواتهم من أجل برنامج محدد هم في إنتظاره؟
ومن جانب آخر ماذا سيكون موقفه هذه القوى من القوى الأخرى -غير المؤيدة للحكومة- الرافضة تماماً التحاور الخارجي وتدويل الشأن السوداني؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق