من المؤكد أن الاحتجاج الخافت المشوب بالحنق والخجل الذي أبدته الولايات المتحدة حيال الزيارة الإستراتيجية المهولة للرئيس السوداني، المشير البشير إلى جمهورية الصين الشعبية مؤخراً لم يكن محض احتجاج على (خرق) بكين للالتزامات الدولية المتعلقة بما يُعرف بالمحكمة الجنائية الدولية.
واشنطن في الواقع كانت كمن (تلطم) خدودها وتشق جيوبها دبلوماسياً وهي ترى الصين تعمل على تعميق شراكتها الإستراتيجية مع السودان، ذلكم البلد الذي عافته الإدارة الأمريكية وكرهت التعامل المنصف معه وعاقبته وما تزال تعاقبه بلا مبررات! واشنطن أدركت، وربما بعد فوات الأوان، أن الشراكة السودانية الصينية بلغت شأواً بعيداً للغاية وأن البلدان في طريقهما إلى مستقبل من المستحيل أن يثلج صدر اليانكي! ولا شك أن الزيارة التي اعتبرها الكثيرون زيارة تاريخية حققت للسودان أهدافاً إستراتيجية كبيرة للغاية.
أولاً، عززت مضمار الشراكة الاقتصادية والتجارية بين بكين والخرطوم بما يجاوز 5 أضعاف ما كان قائماً. الرئيس البشير وجد تفاعلاً كبيراً من الحكومة الصينية والمستثمرين الصينيين، مؤكداً لهم وعلى نحو قاطع أن استثماراتهم ومشاريعهم ستجد الحماية الكاملة. البشير وقع على اتفاقيات وعقودات في شتى المجالات، النقل الجوي، النقل البري، السكك الحديدية، وهي مجالات خدمية حيوية بدا واضحاً للخبراء الاقتصاديين إن السودان قرر أن يقوم بنهضة شاملة حقيقة في المرحلة المقبلة.
ثانياً، المباحثات التي أجراها البشير بمعية وفده الرفيع فتحت آفاقاً لاستكشافات نفطية جديدة وتعزيز اقتصاديات البترول القائمة أصلاً مع مختلف الشركات الصينية الرائدة في هذا المضمار ويكفي هنا أن الصين ظلت تعمل بجد في السودان منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي.
ثالثاً، المحادثات الثنائية بين الجانبين أقرت التشارك في المجالات الاقتصادية كافة دون الوضع في الاعتبار للإشكالات السياسية ذات الطابع الدولي، وهو أمر أثبتت من خلاله الصين أنها متفهمة له وبارعة في التعامل معه، إذ أنه وعلى مدى العقود الماضية لم تتأثر العلاقات الاقتصادية بين الطرفين بأيّ أزمة دولية ولم تستخدم الصين قط نفوذها الدولي للمساس بمصالح السودان، كما لم تتأثر بالأمور التي عادة ما يستخدمها الكبار -لمصالحهم الخاصة- ضد الدول الأقل.
الصين أثبتت أنها دولة موضوعية تهتم بالإرث الإنساني العام في الاستفادة من الموارد وتبادل المنافع، دون المرور بمحطات وتعاريج السياسة الوعرة.
رابعاً، المناسبة التي شارك فيها البشير -(مناسبة انتصار الصيني على اليابان)- في الحرب العالمية الثانية من المناسبات الوطنية العامة التي تحتفل بها الصين وجاءت مشاركة الرئيس البشير فيها بمثابة تعميق للعلاقات بين الدولتين، ولعل الرئيس الصيني كان دقيقاً للغاية حين قال مرحباً إن الرئيس البشير (صديق قديم) إذ أن الإشارة هنا إلى قدم الصديق، وفق الثقافة المحلية الصينية، وهي إشارة إلى معنى يفوق رابطة الإخوة والصداقة العادية.
خامساً، الزيارة أتاحت للرئيس البشير مخاطبة الجالية السودانية المقيمة في الصين، وهي نقطة اعتبرها المراقبون بمثابة ترسيخ أعمق للعلاقات (الشعبية) بين البلدين، فالجالية السودانية في الصين ليست سهلة وهم يعملون في مجالات هامة واستثمارات ضخمة، ولا شك أن لقاء الرئيس بهم في زيارة كهذه يعطي دفعة لترسيخ العلاقات الشعبية جنباً إلى جنب مع العلاقات الرسمية.
سادساً، الرئيس البشير لم يكتف في زيارته بالعاصمة بكين وإنما تضمن برنامج الزيارة، زيارة مدن صينية أخرى بما يعتبر فتحاً جديداً في طبيعة العلاقات البلدين. وعلى ذلك فإنه يمكن القول إن زيارة الرئيس البشير الأخيرة إلى الصين وبمعية وفد رفيع المستوى من شتى الخبراء والمسئولين ورجال الأعمال كانت أكبر بكثير من مجرد زيارة أو مشاركة في مناسبة تاريخية. كانت زيارة وضع خلالها الجانبان النقاط على الحروف بشأن تدبير قضايا الاقتصاد والتجارة وتثبيت دعائم الشراكة، وهو ما يجعل من نتائج الزيارة في الأرقام التي عادة ما يشير إليها الخبراء بشأن حجم التبادل التجاري أو المشروعات المتفق على تنفيذها مجرد غيض من فيض!







0 التعليقات:
إرسال تعليق