تكرار الأخطاء والسير في ذات الطرق القديمة المهلكة ليست من شيم الساسة الحقيقيين، إذ أن المتمعن في تاريخ المنطقة سرعان ما يدرك أن العديد من قادتها -للأسف الشديد- يكررون باستمرار أخطاء حملتها سطور التاريخ أوردت من إرتكبوها موارد الهلاك، ومع ذلك لم يجدوا حرجاً قط في السير في ذات طريقهم وفعل ذات الشيء بذات الطريقة في انتظار نتائج مختلفة!
الجنرال خليفة حفتر أحد أبرز الأطراف التي ظهرت في المشهد السياسي الليبي في حقبة ما بعد القذافي، هو أحد من هؤلاء الذي أشرنا إليه لكونهم وإن قرءوا التاريخ إلا أنهم لم يأخذوا دروسه وعظاته في حساباتهم. فقد ثبت مؤخراً -من مصادر موثوقة متنوعة- أن (خلفية حفتر) متخذاً من منطقة طبرق مرتكزاً له، يدير حربه الخاصة لحساباته وحساب قوى إقليمية أخرى في المنطقة فيما بدا وكأنها محاولة من الرجل لإعادة سيرة الرجل الواحد والقائد الأممي!
وبالطبع لا شأن لأحد بطموحات القادة والساسة عسكريين كانوا أم ساسة في بلوغ ما يصبون إليه، فهذه أمور مشروعة، ولكن من المؤكد أن الوصول إلى الغايات وتحقيق الطموحات لا يتم بالسير على جثث الآخرين وإفساد مقتضيات حسن الجوار واستخدام المرتزقة.
الجنرال حفتر يسعى إلى إقامة جيش يصل به إلى السلطة في طرابلس، ومع صعوبة ولا نقول استحالة تحقيق حلمه الغريب هذا فإن الرجل أول ما فعله انه اقتفى أثر (قائده السابق القذافي) إذ من المعروف أن حفتر كان في يوم ما من تاريخه الغامض المتأرجح قائداً من قوات جيش القذافي وأحد أعوانه في إحدى حروبه العبثية المعروفة في أيام نزاعه الشهير مع تشاد على مثلث (أزوي) الغني بالنفط.
كانت المأساة المؤلمة حينها أنه تلقى هزيمة نكراء أجبرته على الهرب، لأن تلك الهزيمة المؤلمة كان سوف تترتب عليها هزيمة أكثر إيلاماً حين يواجه قائده القذافي والذي من المحتم أن يقوم بتصفيته! ولهذا فإن محاولة الرجل بعد كل هذه الهزائم التاريخية والسياسية إعادة تلميع نفسه مجدداً لصالح قوى إقليمية (خفية) أو قوى دولية أكثر (خفاءاً) هي محاولة يائسة بائسة دون أدنى شك وذلك لعدة اعتبارات:
أولاً، من المستحيل بناء مجد سياسي والوصول إلى سدة الحكم في أي دولة اعتماداً على (المرتزقة) وعبر شرائهم بالمال وحتى لو نجحت هذه الخطة، فإن من المستحيل الاستمرار فيها لما ترتبه من فواتير مؤجلة صعبة السداد.
ثانياً، القذافي نفسه جرب لعبة المرتزقة هذه لأكثر من 4 عقود من السنوات ولكن في النهاية مات في الطرقات على أيدي الثوار!
ثالثاً، دولة جنوب السودان هي الأخرى جربت ما يجربه حفتر الآن ولكنها في النهاية رضخت لذات إتفاق السلام الذي رفضته واضطرت للعودة -من جديد- لذات المربع القديم!
رابعاً، لو أن (حفتر) اكتفى بإكمال مشروعه القتالي دون أن يوجه اتهاماته المضحكة إلى السودان والزعم بأن الأخير يدعم مجموعات إسلامية، لربما كان الرجل عاقلاً وموضوعياً، ولكن توجيه الاتهام للسودان للتغطية على ما يفعله هو باستعانة بمرتزقة الحركات الدارفورية المسلحة أثبت أن الرجل ( فقير) في فهمه وفكره السياسي والاستراتيجي بصورة مذهلة.
وعلى كل فإن بعض دول المنطقة التي اختارت الصمت حيال بعض الأدلة التي ثبت من خلالها أنها تدعم الجنرال حفتر وتمده بالأسلحة والذخيرة عليها أن تنتبه منذ الآن إلى ما تفعله، فالأمر ليس أمر دعم جنرال ليبي لوضع حد لأي حراك سياسي في ليبيا يصب صالح الديمقراطية، ولكن الأمر هنا يتعلق بمخاطر سياسية وأمنية هائلة من المحتمل أنها تحيل أوضاع المنطقة إلى تقاطعات تقود بدورها إلى خلخلة أعمدة الأمن ومن ثم يصبح على الجميع أن يدفع الثمن باهظاً ونقداً!







0 التعليقات:
إرسال تعليق