الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

وقف الحرب في السودان.. أغلى قرار استراتيجي!


من أهم وأبرز القرارات التي يمكن اعتبارها (تاريخية) في فعاليات اجتماعات الجمعية العمومية للحوار الوطني عشية الخميس 2 أغسطس 2015 قرار وقف الحرب، حيث أعلنت الحكومة السودانية -رسمياً- وعلى لسان الرئيس البشير استعداد الحكومة لوقف أي أنشطة عسكرية في مسارح العمليات لمدة شهرين دعماً للحوار الوطني وتأكيداً على إمكانية وقف الحرب.
وبحسب الأنباء فإن رئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم وهو في الطريق إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا (الجمعة الماضية) أعلن عن (قبول) حركته مبدئياً للقرار السوداني باعتباره يصب في مصلحة السلام والاستقرار. وما من شك أن مخرجات الجمعية العمومية للحوار الوطني هذه لو لم تتضمن شيئاً سوى قرار وقف الحرب من جانب الحكومة، فهي تضمنت -بهذا الصدد- كل شيء. ذلك إن المعضلة الرئيسية في الأزمة الدائرة حالياً في السودان هي موجة العنف ووجود أطراف ما تزال تحمل السلاح ترفض التفاوض وتعطل مسيرة التنمية وتكدر صفو الأمن والاستقرار.
السودان في راهنه الحالي -ونتيجة للحرب- يفقد يومياً ما يجاوز المليون دولار كانت كفيلة بأن تحل العديد من قضايا التنمية والخدمات والصحة والتعليم. كما أن الحرب نفسها رغم استمرارها لما يجاوز الـ10 أعوام لم تحقق في الواقع أي هدف لمن أشعلوها، إذ على العكس فإن العديد من الحركات السودانية المسلحة -خاصة حركات دارفور- أصبحت تعمل في مجال العديد من المقاولات الحربية، وتؤدي دوراً عسكرياً مدفوع الثمن فى دول أجنبية أخرى، كما هو الحال الآن في دولة جنوب السودان وليبيا.
صحيح إن مناطق إقليم دارفور في الآونة الأخيرة انحسرت عنها أنشطة الحركات المسلحة سواء بسبب ضربات قوات الدعم السريع أو لقلة عتاد وقدرات الحركات المسلحة؛ كما أن قطاع الشمال هو الآخر انحسر نشاطه في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق بشكل ملحوظ ربما لذات الأسباب أو جراء الحرب الجنوبية الجنوبية الطاحنة الدائرة حالياً بين الفرقاء الجنوبيين.
كل هذا صحيح ولكن بالمقابل، فإن هذه الحركات المسلحة بغير مستقبل وليس لها من سبيل سوى بالتفاوض. وعلى ذلك يمكن تعداد المزايا الايجابية التي من الممكن تتحقق الآن جراء قرار الحكومة الأحادي الجانب: أولاً، من شأن القرار أن (ينقذ) الحركات السودانية المسلحة من أن تتحول إلى قوات مرتزقة تعيش على فتات حروب المنطقة وتتسبب بذلك في القضاء على نفسها من جهة، وإثارة القلاقل في المنطقة.
القرار الحكومي يتيح لهذه الحركات دراسة أوضاعها وإعادة النظر في مواقفها وترجيح الجانب السياسي تمهيداً لأن تتحول إلى فصيل سياسي وهي مسألة واضحة في حركة جبريل التي سارعت بقبول العرض الحكومي وعكفت على دراسته.
ثانياً، القرار يعطي دفعة لمواطني المناطق المتأثرة بالحرب للعمل على استئناف حياتهم الطبيعية، ويتيح للنازحين العودة إلى مناطقهم لمزاولة حياتهم الطبيعية، ذلك أن الأنشطة المسلحة في تلك المناطق انحسرت ومن شأن قرار كهذا أن يعزز من فرضية توقفها، وهو ما يجعل أهل المناطق أكثر ثقة بأوضاع تلك المناطق واستقرارها.
ثالثاً، القرار يشجع بعض الحركات المسلحة -الأقل قوة وعتاداً- على دخول عملية الحوار والتفاوض ضمن آخرين دون التأثر بوضعها ووزنها على الميدان، وهي ميزة نادرة ومن الصعب الحصول عليها إذا ما فوتت هذه الحركات هذه الفرصة.
وعلى كل فإن وقف الحرب الذي هو بمثابة حل للأزمة في طول وعرض السودان يقتضي تشجيعاً من قبل القوى السياسية كافة، إذ أن وجود نزاع بين الفرقاء السودانيين -دون وجود نشاط مسلح- أفضل بدون شك من وجود نزاع ذي طابع مسلح، وبالإمكان بعد خوض تجربة وقف الحرب حلحلة أية خلافات سياسية حتى ولو تطاول بها الزمن!

0 التعليقات:

إرسال تعليق