ربما كانت قوى المعارضة السودانية نفسها لا تدري لماذا ظلت دائماً تختار الخيار الخاطئ، فى التوقيت الخاطئ ثم لا تستفيد بعد كل ذلك من التجارب! فلو تركنا كل تاريخ خياراتها منذ أيام التجمع فى تسعينات القرن المنصرم وكيف انسربت من بين يديها الحركة الشعبية وتركتها وحيدة فى صقيع القاهرة وزمهرير أسمرا ثم أوغلت الحركة الشعبية فى مشروعها الانفصالي وأقامت دولة خاصة بها فإن آخر الخيارات المعقولة التى كان المراقبين – وبعضهم لا يزال يعتقد – أن بوسع قوى المعارضة اختيارها بسرعة، فهي الخيارات التى أعقبت هزيمة الثورية فى أبو كرشولا.
قد يظل الراهن قائماً على أن الثورية ربما خسرت معركة ولم تخسر الحرب، وقد تؤمل المعارضة فى أن يأتي المزيد من الدعم للثورية فتعاود نشاطها، وقد تراهن على سوء العلاقة بين جوبا والخرطوم بما قد يفضي الى تدخل دولي يضعف الخرطوم. ولكن مع كل ذلك فإن أبو كرشولا بمثابة (علامة فارقة) ومنعطف تاريخي بالغ الأهمية -ولو أن قوى المعارضة تعي وتعقل- كان قميناً بأن يجعلها تتخذ خيار الجلوس الى الوطني دون قيد أو شرط.
لماذا؟ ببساطة شديدة لأن سياسياً عاقلاً يتمتع بأهلية سياسية لا يمكنه أن يتحدى إرادة شعبية عامة وكاسحة . السودانيون جميعهم أقشعر بدنهم وثارت ثائرتهم جراء اعتداءات الثورية. أدرك الكثيرين حتى من ألد خصوم المؤتمر الوطني انه إذا كان الوطني بالنسبة لهم –كخصوم سياسيين– سيئاً، فإن الثورية بالنسبة للسودان ككل الأكثر سوءاً.
فالجميع موعودون بحمامات دماء على شاكلة ما جرى فى أبو كرشولا لا تفريق بين هذا وذاك، إلا بالعامل العنصري والمسافة السياسية بينهم وبين الآخرين قرباً أو بعداً. والجميع موعودون (بشمولية عنصرية) يسود فيها منحى اثني حتى على مستوى الجيوش والقوات، فكل فصيل من فصائل الثورية له جيشه ورايته ولكَ أن تتصور بلداً جيشها من مكونات اثنية صارخة وكل مكون ينتمي لقائد معين ولكل فصيل رؤيته وسلاح وتمويل.
مشهد لا يمكن أن تحتمله ساحة سياسية كالساحة السياسية السودانية. هذه المحاذير المقلقة والمثيرة للمخاوف لو طاف ولو نذر يسير منها بذهن قادة المعارضة لحددوا خيار وطني جليّ لا يكلف كثيراً.
نحن هنا لسنا بصدد تحديد هذا الخيار فلسنا بالطبع (مسئولين) عن مصالح قوى المعارضة ولا نمارس دور (المرشد) لهم. ولكن الخيارات السياسية فى مثل هذه المواقف سهلة التحديد، فلطالما أن هناك فرصة للعب دور فى الساحة السياسة بالأسس والقواعد المتاحة، وطالما أن جزء من هذه الفرصة قد يقود الى اقتراب المعارضة من هدفها فى الوصول الى السلطة؛ فإن من المنطق كان ولا يزال يحتم أن تقترب من الوطني بمسافة أكبر من اقترابها من الثورية، فعلى الأقل هي خبرت الوطني -طوال عقدين ونيف- بل وبعضها شاركه السلطة وعلى الأقل فإن الوطني لا ينظر الى البلاد نظرة ذات مضامين اثنية يمكن أن تقودها الى جحيم عرقي لا ينجو منه أحد.
وأيضاً على الأقل فإن الوطني له سند داخلي -مهما كابر البعض- وأنه، أي الوطني حاز خبرة سياسية وإدارية كبيرة، وعلى الجانب الآخر فإن الثورية (صناعة أجنبية بالكامل) ومدينة بفواتير سياسية مؤجلة، وذات توجه عنصري مفارق تماماً للممارسة السياسية الراشدة، وغير مقبولة داخلياً والأكثر فجيعة ولا تملك رصيداً شعباً يملأ فصلاً مدرسياً متوسطاً من مدراس الأساس.
نقول ذلك مع أنها تبدو كمقارنة فارقة أو هي كما يقول علماء الأصول (قياس مع الفرق) ولكننا اضطررنا لها لكي نوضح سوء تقدير قوى المعارضة فى اختيارها لمعسكر لا مستقبل له ومتصادم تماماً مع روح التسامح السودانية المتعارف عليها ويحمل أضغان وأحقاد لا أول لها ولا آخر.
قوى المعارضة نتيجة ضعفها لم تملك خيار ثالث وإلا لكانت قد عملت على تفعيله وفى ذات الوقت متاح أمامها خيارين أحدهما ثبت فشله، فما الذي يجعلها – بعد كل ذلك – على ذات الخيار الذى لم يعد خياراً؟
قد يظل الراهن قائماً على أن الثورية ربما خسرت معركة ولم تخسر الحرب، وقد تؤمل المعارضة فى أن يأتي المزيد من الدعم للثورية فتعاود نشاطها، وقد تراهن على سوء العلاقة بين جوبا والخرطوم بما قد يفضي الى تدخل دولي يضعف الخرطوم. ولكن مع كل ذلك فإن أبو كرشولا بمثابة (علامة فارقة) ومنعطف تاريخي بالغ الأهمية -ولو أن قوى المعارضة تعي وتعقل- كان قميناً بأن يجعلها تتخذ خيار الجلوس الى الوطني دون قيد أو شرط.
لماذا؟ ببساطة شديدة لأن سياسياً عاقلاً يتمتع بأهلية سياسية لا يمكنه أن يتحدى إرادة شعبية عامة وكاسحة . السودانيون جميعهم أقشعر بدنهم وثارت ثائرتهم جراء اعتداءات الثورية. أدرك الكثيرين حتى من ألد خصوم المؤتمر الوطني انه إذا كان الوطني بالنسبة لهم –كخصوم سياسيين– سيئاً، فإن الثورية بالنسبة للسودان ككل الأكثر سوءاً.
فالجميع موعودون بحمامات دماء على شاكلة ما جرى فى أبو كرشولا لا تفريق بين هذا وذاك، إلا بالعامل العنصري والمسافة السياسية بينهم وبين الآخرين قرباً أو بعداً. والجميع موعودون (بشمولية عنصرية) يسود فيها منحى اثني حتى على مستوى الجيوش والقوات، فكل فصيل من فصائل الثورية له جيشه ورايته ولكَ أن تتصور بلداً جيشها من مكونات اثنية صارخة وكل مكون ينتمي لقائد معين ولكل فصيل رؤيته وسلاح وتمويل.
مشهد لا يمكن أن تحتمله ساحة سياسية كالساحة السياسية السودانية. هذه المحاذير المقلقة والمثيرة للمخاوف لو طاف ولو نذر يسير منها بذهن قادة المعارضة لحددوا خيار وطني جليّ لا يكلف كثيراً.
نحن هنا لسنا بصدد تحديد هذا الخيار فلسنا بالطبع (مسئولين) عن مصالح قوى المعارضة ولا نمارس دور (المرشد) لهم. ولكن الخيارات السياسية فى مثل هذه المواقف سهلة التحديد، فلطالما أن هناك فرصة للعب دور فى الساحة السياسة بالأسس والقواعد المتاحة، وطالما أن جزء من هذه الفرصة قد يقود الى اقتراب المعارضة من هدفها فى الوصول الى السلطة؛ فإن من المنطق كان ولا يزال يحتم أن تقترب من الوطني بمسافة أكبر من اقترابها من الثورية، فعلى الأقل هي خبرت الوطني -طوال عقدين ونيف- بل وبعضها شاركه السلطة وعلى الأقل فإن الوطني لا ينظر الى البلاد نظرة ذات مضامين اثنية يمكن أن تقودها الى جحيم عرقي لا ينجو منه أحد.
وأيضاً على الأقل فإن الوطني له سند داخلي -مهما كابر البعض- وأنه، أي الوطني حاز خبرة سياسية وإدارية كبيرة، وعلى الجانب الآخر فإن الثورية (صناعة أجنبية بالكامل) ومدينة بفواتير سياسية مؤجلة، وذات توجه عنصري مفارق تماماً للممارسة السياسية الراشدة، وغير مقبولة داخلياً والأكثر فجيعة ولا تملك رصيداً شعباً يملأ فصلاً مدرسياً متوسطاً من مدراس الأساس.
نقول ذلك مع أنها تبدو كمقارنة فارقة أو هي كما يقول علماء الأصول (قياس مع الفرق) ولكننا اضطررنا لها لكي نوضح سوء تقدير قوى المعارضة فى اختيارها لمعسكر لا مستقبل له ومتصادم تماماً مع روح التسامح السودانية المتعارف عليها ويحمل أضغان وأحقاد لا أول لها ولا آخر.
قوى المعارضة نتيجة ضعفها لم تملك خيار ثالث وإلا لكانت قد عملت على تفعيله وفى ذات الوقت متاح أمامها خيارين أحدهما ثبت فشله، فما الذي يجعلها – بعد كل ذلك – على ذات الخيار الذى لم يعد خياراً؟






0 التعليقات:
إرسال تعليق