الثلاثاء، 9 يوليو 2013

الخطأ الاستراتيجي الأمريكي فى التعامل مع السودان!

ربما كانت الولايات المتحدة قوية بما يكفي بحيث تتصدر مصاف القوى الدولية العظمى، ولكنها بالمقابل ليست ذكية بما يكفي. ولكي لا نذهب بعيداً فإن مجرد انخراطها فى محادثات مع حركة طالبان فى الدوحة بعد كل هذا السنوات التى قاربت على العقد ونصف من الزمان دمرت فيها أفغانستان وأعادتها الى الوراء يعني أنها -منذ البداية- لم تحسب حساباتها جيداً، إذ ليس من الطبيعي والمنطقي أن تظل تضرب خصمك بعنف بالغ بغية التخلص منه نهائياً ومساواته بالأرض تماماً ويجري ذلك طوال 13 عاماً، ثم تعود فى آخر المطاف لتجلس إليه مفاوضاً!
هذه النقطة مهمة جداً عندما نحاول قراءة مواقف الولايات المتحدة مع السودان، الفرق الوحيد فى هذا الصدد أن واشنطن تستخدم فى ضرباتها للسودان (وكلاء محليين) بجانب عقوبات اقتصادية شديدة الوطأة، وتحريض مستمر لجيران السودان ومعارضي النظام الحاكم.
هذه حرب (من نوع آخر) تشنها واشنطن على الحكومة السودانية مع أنه لا يخفى عليها قط أن الحكومة السودانية قوية جماهيرياً أو على الأقل هي الأفضل من بين المجموعات السياسية الأخرى قاطبة وهذا بدوره فيه إشارة الى استحالة اقتلاع نظام حكم قائم على تقاليد راسخة ومتجذرة فى وجدان عامة الناس.
ففي نموذج طالبان أدركت واشنطن –بعد فوات الأوان – أن طالبان لها جذور فى أفغانستان وأنها لا تجف ولا تسقط، قد تتساقط منها أغضان وأوراق ولكن الجذع ظل باقياً ولهذا فإن التردد الأمريكي الواضح حالياً حيال تعاملها مع الوطني بدعوة مساعد الرئيس الدكتور نافع ثم تأجيل الدعوة ثم إلغائها مع عدم وجود منفذ لحل الخلاف السوداني الجنوبي؛ يشي بأن واشنطن حائرة، والحيرة على الطريقة الأمريكية معناها ببساطة فقدان القدرة على فعل شيء إما لسوء الخيارات، أو سوء المعطيات، وفى الحالين فهي لا تعرف كيف تتصرف والواقع إن هذا هو ما لا تحسن قوى المعارضة فهمه.
حتى جوبا نفسها ومع كل المزايا التى تجدها من واشنطن لا تعرف كيف تستفيد منها في خلافها مع السودان، فلو أن الدولتين –جوبا وواشنطن– تركتا الشأن السوداني الداخلي المتعلق بالحكم جانباً وركزتا على إيجاد صيغة إستراتيجية للتعامل مع الخرطوم لكان ذاك أجدى وأنفع ذلك أن أيِّ نظام حكم يتم استهدافه بهذه الطريقة وبهذه الغلطة من المؤكد تنشأ لديه قدرة وقوة موازية للقوة التى تضغط عليه.
والحزب الوطني الحاكم الآن فى السودان اكتسب مناعة طبيعية وقوية جداً فى مواجهة الألاعيب الأمريكية والجنوبية، واستفاد من زخم الدعم الشعبي فى التصدي لأي تآمر يحاك هنا، وتخطيط يخطط هناك.
وهو ما يجعلنا نجزم بأن واشنطن لم تعد متحمسة بالقدر الكافي لإسقاط الحكومة القائمة الآن لا بالقوة ولا بأي طريق آخر كل هذا الذى يجري إن هو إلا محاولات للضغط على الخرطوم ضغطاً شديداً لكي يسهل قيادتها وهي أمور تتعلق بالسياسة ولكن قوى المعارضة تعتقد أنها متعلقة بها هي، أي أن واشنطن تعمل من أجل قوى المعارضة! وهو اختلال كبير فى الإدراك السياسي الصحيح.
ومن الممكن أن تلاحظ هنا أن كثرة الألاعيب الأمريكية بالتعاون مع جوبا ضد الخرطوم بدأت تفرز صراعات حادة وخطيرة فى جوبا. القادة الجنوبيين بدئوا يروحون ضحايا لصراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل مع الخرطوم وما شكوى أموم المريرة من فشل بلاده فى إنشاء مشروعات خدمية وتنموية وإشاعة الأمن والاستقرار إلا وجه واحد من وجوه عدة دفعت جوبا ولا تزال تدفع ثمنها نتيجة لانخراطها -دون رويّة- فى صراع حاد ولا مبرر له وغير مجدي مع الخرطوم.
بالمقابل فإن كل جهود واشنطن بدأت تبدو كهشيم تذروه الرياح إذ ليس من المنطق ملاحقة الأنظمة ذات الخلفية الإسلامية لمجرد الزعم بأنها إرهابية! هنالك عشرات الأنظمة الديكتاتورية في العالم والأكثر دعماً للإرهاب ولا تلقى لهم واشنطن بالاً.
إذن لم يعد أمراً معقولاً ومنطقياً أن تلاحق واشنطن الخرطوم طالما أنها فى النهاية ستضطر للجلوس إليها!

0 التعليقات:

إرسال تعليق