الثلاثاء، 16 يوليو 2013

واشنطن والتلاعب بمستقبل جوبا والخرطوم

مهما كان ما تقوله جوبا وما تدعو إليه واشنطن من حوار بينها وبين الخرطوم لحل الخلافات المتصاعدة بينهما؛ فإن الحل بسيط وشديد الوضوح: أن تكف جوبا وعلى نحو عمليّ عن دعم متمردين سودانيين ضد الخرطوم.
والغريب أن واشنطن هي أكثر إحاطة ودراية بما تفعله جوبا ولكنها تسعى -بخبث سياسي ماكر- للإحتفاظ لجوبا بالكيكة وأكلها فى ذات الوقت!
لا يمكن لعاقل أن تصور صعوبة إلتزام واشنطن لجوبا بوقف دعم المتمردين السودانيين، كما لا يمكن لعاقل أن يتصور أن جوبا تدعم حملة السلاح السودانيين من واقع سياسة خاصة بها وحدها. حتماً هذا المسلك يصادف هوى فى نفس واشنطن، فبقدر ما تريد واشنطن أن تمضي الأمور كلها بين الخرطوم وجوبا سلسة؛ تريد أيضاً بذات القدر أن ترى الخرطوم ضعيفة أو واقعة تحت قبضتها!
والأمرين ومهما كانت قدرات واشنطن وجوبا معاً غير ممكنيّ التحقق، فكما قلنا وظللنا نردد واشنطن تعرف هذه الحقيقة جيداً، أن السلطة الحاكمة الآن فى الخرطوم ليست مجرد نخبة صفوية منبتة الصلة بصميم الواقع السوداني.
السلطة الحاكمة حالياً فى السودان هي سلطة نابعة من إرادة شعبية وقد جربت واشنطن لما يجاوز العقدين محاولات شتى للإطاحة بها أو إضعافها ولكنها لم تنجح لأن جذور هذه السلطة عميقة ومسنودة جماهيرياً، كما أن البدائل المفترضة لها منفصلة عن الواقع السوداني تماماً ومنبوذة فكل الأحزاب السياسية التى تملأ الساحة السودانية ضجيجاً هذه الأيام ليس لديها أي سند جماهيري حقيقي وواشنطن على إدراك وعلم تامين بهذه الحقيقة منذ سنوات، إضافة الى أن هذه السلطة تحظى بشرعية انتخابية وفق الانتخابات ابريل 2010م.
إذن السؤال هو أيهما أسهل وأيسر، إقناع جوبا وإلزامها بحلحلة الملف الأمني لتحصل على عائدات نفطها الذي ليس له من منفذ آخر غير الموانئ السودانية، أم محاولة إضعاف السلطة السودانية الحاكمة فى الخرطوم -وهي لا تضعف إن لم تكن تزداد قوة-؟
وأيهما أفضل سياسياً، خلق علاقة جيدة بين جوبا والخرطوم ومن ثم بينهما وبين واشنطن بذات المسافة لكي تنساب المصالح الإستراتيجية بين الثلاثة بسلاسة، أم المضي قدماً فى محاولات بدت كلها فاشلة وفيها إهدار للمال والوقت الجهد؟
إن من المستغرب حقاً أن تقف واشنطن (حائرة) فى حين أن بإمكانها أن تحل الأزمة فى ثواني ولا نقول دقائق. وإن من المستغرب أن يتطاول أمد الأزمة بين الدولتين -لكل هذه المدة- والمتضرر الأكبر هي جوبا؛ وواشنطن لا تهتم بذلك وإنما تدعو للحوار!
فى الواقع ليست هناك حاجة الى جلوس وحوار وتفاهم بين جوبا والخرطوم، فقد جفت الصحف ورفعت الأقلام منذ التوصل الى المصفوفة الأخيرة ولم يتبق سوى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. إن جوبا وإن بدت غير عابئة -ظاهرياً- بما يجري فهي واصلة لا محالة لمحطة أخيرة تجعلها فى مأزق لا مجال لحله فى لحظات، وجوبا وواشنطن ومهما إمتلكتا من قوة لا تستطيعان على الإطلاق إسقاط الحكومة السودانية أو حتى إضعافها، وإذا كانت واشنطن تعمل على تأجيج الخلاف بين الدولتين ليصل الى مرحلة الحرب الشاملة فالخاسر الوحيد فى حرب كهذه هي جوبا التى جربت المواجهة بينها وبين الخرطوم ووعت ولا تزال تعي العديد من الدروس فى هذا الصدد.

0 التعليقات:

إرسال تعليق