عملياً فإن من الصعب ولا نود القول من المستحيل أن ينجح أحد في الحيلولة دون استكمال علمية الاقتراع في السودان تتويجاً لجهد مطول وشاق بذلته وما تزال تبذله مفوضية الانتخابات العامة ليكون التداول السلمي للسلطة هو الآلية الديمقراطية الوحيدة في هذا البلد المنهك بالنزاعات.
صحيح هناك الكثيرون ممن هددوا -سراً أو علناً- بمنع قيام العملية الانتخابية أو تخريبها أو القيام بعمل مضاد في مواجهتها يحولون دون اكتمالها. وصحيح أيضاً هناك حملة سلاح على الأطراف الذين توغر صدورهم مثل هذه الممارسة الديمقراطية وتؤلمهم غاية الألم كونهم بعيدون عنها باختيارهم، وكونها تفرض عليهم الإقرار بشرعيتها في ظل فقدانهم هم الشرعية!
وتأسيساً على ذلك فإن المجموعتين -بالداخل وفى الأطراف- ربما لا تدع العملية تمضي بهدوء وسلاسة إلى غايتها لأن من المؤكد أن نجاح العملية الانتخابية يعمق جراحهم و يباعد بينهم وبين الوصول إلى كراسي السلطة عن طريق الفوضى أو السلاح.
ولكن بالمقابل فإن فرص نجاح العمل التخريبي أو عرقلة العملية الديمقراطية تبدو في حالة تلاشي تام، وإذا أردنا تبيان ذلك عبر مؤشرات موضوعية فإن بإمكاننا أن نلاحظ:
أولاً، أن الحكومة السودانية التي على علم بمخططات البعض أعدت خططاً مضادة لهذه التحركات سواء تمثل ذلك في تدريب شرطة متخصصة في هذا الصدد، أو تأمين المراكز، أو بث الوعي بين المواطنين أو بتقوية نقاط الدفاع في مناطق النزاعات واستمرار عمليات الصيف الحاسم بلا هوادة، المهم، وضعت الحكومة السودانية خططاً متكاملة ومنظمة لمواجهة أي حالة تفلت قد تضر بسير العملية.
ثانياً، الأوضاع التي استجدت على صعيد علاقات السودان الإقليمية والدولية والدور الذي بات السودان يؤديه وحصوله على علاقات أفضل هو أيضاً بمثابة قوة دفع ذاتية للعملية الانتخابية لأن الناخب السوداني الذي يرى هذا التطور الاستراتيجي الكبير سوف يحرص حرصاً بالغاً على أن يتوج اختياره الديمقراطي بمن يستطيع أن يطور هذه الأوضاع إلى الأفضل، فهي بمثابة مكاسب تاريخية لا مجال فيها للتفريط، وهذا بدوره سوف يقود إلى أن يحرص كل ناخب سوداني حتى ولو كان ينوي مقاطعة العملية على أن يدلي بصوته للمحافظة على هذا الاستقرار المفضي إلى استقرار أفضل.
وما من شك أن هذا التطور الكبير في الأوضاع الإقليمية والدولية للسودان -في هذا العام فقط- جاء خصماً على دعوات القوى المعارضة لعرقلة العملية وإسقاط النظام، وهي معطيات مهمة للناخب السوداني لكي يؤدي دوره المكمل للحكومة.
ثالثاً، القوى المعارضة نفسها -سلمية كانت أم مسلحة- مضطرة الآن في ظل هذه الظروف غير المواتية لها لكي تحني على الأقل رأسها للعاصفة ذلك أن أي عمل أخرق، أو تحرك ضد العملية الديمقراطية في ظل هذه المستجدات لن يكون مقبولاً محلياً وإقليمياً ودولياً، وهذا إن دل إنما يدل على أن القوى المعارضة منذ البداية أساءت التقدير حيال الممارسة الديمقراطية واستهانت استهانة غير مبررة بالعملية الانتخابية، مع أنه كان متاحاً لها دخول المضمار وخوض العملية بغض النظر عن النتائج، فالمهم هو ترسيخ الممارسة الديمقراطية.
وعلى ذلك فإن من حسن حظ الممارسة الديمقراطية في السودان أنها باتت الآن محمية حماية كاملة من الظروف والملابسات المحيطة، حيث انتعشت الجبهة الداخلية وسرها أن السودان عاد بقوة وفاعلية إلى محيطه العربي وتجددت فيه الثقة، كما أن المحيط الدولي تأثر هو الآخر بالدور الإقليمي للسودان، ومن ثم أصبح من الصعب أن يتعرض أحد للأوضاع في السودان بسوء.
إن الأمر المستخلص من كل هذه التداعيات السياسية أن تقلبات السياسة تستلزم دائماً أن يكون لكل لاعب سياسي استراتيجية يبني على أساسها مواقفه، إذ لا يمكن أن تظل القوى السياسية لمدة تناهز الـ25 عاماً تعمل بذات الإستراتيجية البالية، تتحالف مع حملة السلاح وتعقد معهم الاتفاقات، تبحث عن المنابر الدولية لكي تؤمن لها حلولاً داخلية! تنادي بالديمقراطية ولكنها تأبى تعريض نفسها لاختباراتها، لتدعي أنها صاحبة جماهير وأغلبية ولكنها حين يحين أوان الجد تهرب وتهرب بزعم التزوير!
إن العملية الانتخابية الجارية حالياً في السودان في الواقع لم تكن أكثر أمناً مما هي عليه اليوم، فقد نجح الناخب السوداني في اختياره للديمقراطية وهذا هم المهم.







0 التعليقات:
إرسال تعليق