مضت أيام الاقتراع المحددة وفق الجدول الزمني الذي أعدته مفوضية الانتخابات العامة في السودان دون أن يكدر صفوها مكدر. قوى المعارضة السودانية التي كانت قد زعمت أنها أعدت خطة مضادة للعملية بإقامة انتخابات موازية لم يسمع أحد شيئاً عنها!
القوى التي قالت إنها سوف تنجح في دفع الناخبين السودانيين لمقاطعة العملية ذهلت حين بدا المشهد منذ منتصف اليوم الأول مربكاً وفاجعاً، فبعد أن أطمأنت لساعات خططها، سرعان ما تبين لها أن التراخي الذي حدث في ساعات اليوم الأولى لم يكن من عمل يدها. تحريك المدافع على جبهات القتال في جنوب كردفان في اليوم الأول في محاولة لإفشال العملية عبر أسلوب التخويف لم ينجح، إذ بالمقابل فإن السودانيون عادة لا يستجيبون إلى مثل هذه الأساليب التي تنزع عنهم شرفهم السوداني.
مواقع التواصل الاجتماعي التي استعدت (منذ أشهر) لعمليات الفبركة واللعب على (مصداقية الصور) خاضت معارك خاسرة وبعضها مضحك مع فرضيات الواقع التي استطاعت شاشات التلفزة أن تبرزها بوضوح. فالقنوت الفضائية السودانية على قلتها نجحت في رسم خارطة انتخابية واسعة النطاق لا مجال للعبث بحقائق الواقع فيها، ففي كل ولاية ومنطقة كانت الكاميرات التلفزيونية حاضرة، وأجريت آلاف الاستطلاعات عبر عينات عشوائية.
إن الأزمة الحقيقية في هذا الصدد أن قوى المعارضة ودون أن يكون لها رصيد سياسي لدى الجماهير السودانية سعت إلى تحريض الناخبين على المقاطعة! ولا يدري الناخب السوداني ما هي الفوائد السياسية المرتجاة من مقاطعة عملية ديمقراطية هي السبيل الوحيد للتداول السلمي للسلطة. حتى هذه اللحظة وبعد أن فشلت دعوات المقاطعة لم يدلي أي سياسي معارض بأي مبررات موضوعية تبرز دعوتهم للمقاطعة، كما لم يتبين بالمقابل ما هي مآلات الأوضاع إذا ما جرت عملية المقاطعة وحدث فراغ دستوري في ظل وجود جماعات مسلحة متحالفة مع المجموعات السياسية الداخلية للمقاطعة؟
إن نجاح الناخبين السودانيين في تفويت الفرصة على الذين راهنوا على الفوضى والفراغ هو في حد ذاته درس سياسي بليغ ولم يكن من أحد يتوقع من المواطن السوداني المتسلح بوعي سياسي متقدم على القادة السياسيين أكثر من أن يلتزم بهذا الوعي السياسي الرفيع، فالخلاف حول كم عدد الذين اقترعوا وعلى كم حصل هذا الحزب أو ذاك، هو دون شك اقل كلفة وأخف ضرراً من أن ينتظر الجميع فراغاً سياسياً عريضاً وتحرشات سياسية واشتعال في جبهات القتال.
إن مما لا شك فيه أن القوى المعارضة -سياسية أو مسلحة- لم تتحلّ بأي قد من المسئولية وهي تطلق دعواتها للمقاطعة هذه، فقد كانت تلمس العصب الأمني الحساس لنواة الدولة السودانية. كانت تعبث بشفرة الانسجام السياسي السودانية البالغة الحساسية دون أن يطرف لها جفن.
ولكن مع كل ذلك وعلى خطورة هذا الموقف المؤسف، فإن العملية قد جرت في مناخ مواتي ولم تنجح لا من قريب ولا من بعيد قوى المعارضة في مشروعها المدمر وهذا في حد ذاته يمكن اعتباره استفتاء موازي يوضح رأي وموقف السودانيون من قوى المعارضة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق