الخميس، 23 يناير 2014

حين تصبح الخرطوم مهبط جوبا الآمن الوحيد!

ربما يصح تطبيق المثل السائر (من لم تعلمه المواعظ، تؤدبه الحوادث) على الحالة الجنوبية الراهنة، إذ ليس سهلاً علينا كمراقبين أن نتجاوز حقيقة ما يجري وجرى في الدولة الجنوبية، بعيداً عن سوء تقدير القادة الجنوبيين وسوء فهمهم السياسي لماهية وطبيعة العلاقات، وما ينبغي أن تكون عليه بينهم وبين الدولة الأم فى السودان.
أكثر من عامين أهدرها القادة فى جوبا فى صراع ليس له أدنى مبرر مع السودان بحيث جرت عملية تعميق للخلافات، وتباعد فى المواقف، بل كلنا يتذكر كيف كانت نذر الحرب الشاملة قد بانت بوضوح وبدأت تلوح فى سماء الدولتين فى وقت من الأوقات.
وكلنا يذكر ويتذكر كيف انخرط قادة الحركة الشعبية بكاملها -دون أن يكون من بينهم رجل رشيد- فى دعم الحركات السودانية المسلحة الهادفة لخلخلة بنيان الدولة السودانية وإسقاط حكومتها وإشاعة أجواء الفوضى فيها تحت مزاعم إقامة دولة السودان الجديد.
لم يعاني السودان طوال تاريخه من معاملة سيئة من دولة جارة وشقيقة كما عانى -فقط فى العامين الماضيين- من تلاعبات وعبث قادة الحركة الشعبية، فالحدود بين الدولتين كانت قد إمتلأت بالسلاح والنشاط المسلح. الجبهة الثورية كانت تجد ملاذاً آمناً فى دولة الجنوب. قطاع الشمال يوجه فوهات بنادقه نحو المدن ويسقط ضحايا من المدنيين ثم يفر جنوده الى داخل دولة الجنوب.
منطقة هجليج النفطية المهمة داخل الحدود السودانية تعرضت لاعتداء غاشم من الجيش الجنوبي قبل أن يتمكن الجيش السوداني من طردهم منها فارين مذعورين. مئات الملايين من الدولارات أحرقتها نيران الجيش الجنوبي فى حقول هجليج. مئات الآلاف من النازحين فى جنوب كردفان خلفتهم هجمات الثورية على مناطق أبو كرشولا وأبو زبد و أم روابة .
كل هذا يجري وبعضه ما يزال يجري بواسطة الحكومة الجنوبية إمعاناً في معاداة السودان. ولم يكن من أحد يدري الى أين كانت ستفضي هذه التوترات والعلاقات المضطربة بين الدولتين فيما كان المتوقع -عقب الانفصال- أن يتكامل جهد الدولتين ويؤسسا لعلاقات إستراتيجية قوية لصالح شعبيهما.
وعلى قدر ما أسدى السودان النصح للقادة الجنوبيين ومد لهم حبال الصبر، ومد يديه بيضا إلاّ أنهم ظلوا حينها سادرين فى غيهم لا يأبهون لشيء سوى مصالحهم الذاتية. وهنا تدخل الحوادث التى لم تكن فى الحسبان لكي تعطي الدرس البليغ لقادة الدولة الوليدة، ففي لحظة تاريخية فارقة، اندلع الصراع بين الفرقاء الجنوبيين ليقضي على أي أمل فى نسيج سياسي قيادي موحد فى جوبا، وقد كاد الصراع أن ينزلق الى أتون حرب قبلية طاحنة. وهو مرشح لذلك ما لم يتم احتواؤه. واضطر القادة فى جوبا وقد اشتعل الحريق المدمر في بيتهم الجديد للجوء الى الخرطوم.
فى السابق كان كل توجه القادة الجنوبيين نحو الغرب وأوروبا والولايات المتحدة وبعض دول الإقليم مثل كينيا ويوغندا؛ غير أن الحقيقة المريرة التي غابت طويلاً عن أذهان القادة فى جوبا أن السودان هو (المهبط الآمن) لكلا الطرفين سواء بحكم إدراكه العميق لطبيعة أخوة الأمس وإمتلاكه لشفرة الحل بحكم الارتباط القديم أو بحكم أن السودان –وهذا هو الأهم– هو الشريان (التاجي) للقلب الجنوبي حيث لا مجال للدورة الدموية الجنوبية أن تدور وتبلغ منتهاها دون الشريان السوداني.
هذا التطور الدراماتيكي الكبير وإن جاء بعد هذه الحوادث المؤسفة وبعد أن سال الدم الجنوبي انهاراً نافست أنهار الجور وبحر الغزال إلا انه فى الواقع هو الأساس المتين الذي سوف تنبني عليه علاقات الدولتين.
ولربما كانت هذه هي المرة الأولى التى يدرك فيها القادة الجنوبيين -سواء هذا الطرف أو ذاك- أن الملاذ الآمن الوحيد لهما هو السودان، فقد أستطاع أن يحتفظ السودان بحياد ايجابي بامتياز، واستمر النفط فى التدفق فى أنابيب التصدير، واستقبل السودان مئات النازحين الجنوبيين الذين رفض السودان معاملتهم كلاجئين وإنما اعتبرهم نازحين، وحافظ على استمرار تدفق السلع والبضائع المهمة ولم يفكر فى إغلاق حدوده كما تفعل الدول المجاورة عادة فى مثل هذه الحالات.
باختصار لقد فرضت حوادث دولة الجنوب على القادة الجنوبيين أن  ينتبهوا -لأول مرة- الى ضرورة محافظتهم على أفضل علاقة مع جارهم السودان، وهذه لعمري كلفتهم الكثير؛ والكثير جداَ.

0 التعليقات:

إرسال تعليق