الأربعاء، 22 يناير 2014

الثورية لم تكن طرفاً في الحرب ولكنها خسرتها!

فى الصراعات والحروب في بعض الأحيان تصيب طلقة طائشة طرفاً ثالثاً لا صلة له بمجريات الحرب والصراع، أو تنتقل الحرب دون تخطيط مسبق من قبل المتحاربين الى أرض ثالثة لا شأن لها بالصراع، ولكنها رغماً عن ذلك تنال نصيبها من الخسائر!
إذا شئنا نموذجاً حياً لمثل هذه الحالات التى يصفها خبراء التاريخ بأنها ناجمة عن (سوء حظ) فإن ما يسمى بالجبهة الثورية التى تضم أشتات من قطاع الشمال والحركات الدارفورية المسلحة وتلوذ بمدن ومناطق جنوبية وتنطلق منها بهجماتها على المدن والمناطق السودانية هي نموذج حيّ ولا جدال حوله لمن يجد نفسه خاسراً فى صراع وحرب لم يخوضها بل ما كان يتوقعها مطلقاً إذ من المؤكد أن الجبهة الثورية لو كانت تعلم الغيب بأن صراعاً ضارياً وحرب مصيرية ستدور رحاها بعنف بين القادة الجنوبيين وتقاتل الحركة الشعبية الجنوبية نفسها بهذه الوحشية لما تأسست على الإطلاق ولما وضعت بيضها بكامله فى سلة الحركة الشعبية والحكومة الجنوبية.
ولهذا فقد بدا واضحاً أن الثورية قد فوجئت وأصابتها صدمة سياسية قاتلة وهي ترى فوهات المدافع تحصد أرواح المواطنين الجنوبيين داخل المدن الجنوبية، ويتحول الجيش الشعبي بكامله إلى جيوش قبلية متناحرة تفتك ببعضها بحيث تحصد أرواح بعضها دون أن يكون من وراء ذلك طائل.
ففي مثل هذه الصراعات الداخلية لا رابح ولا خاسر وإنما خاسر الوطن بكامله كما يصعب تماماً حين  ينجلي غبار المعارك إعادة رتق ما انفتق مهما كانت قدرات وبراعة الراتقين ومن ثم فإن ظروف ومعطيات كهذه قمينة بأن تسبب احباطاً بالغاً لدى الكثيرين وفى مقدمتهم بطبيعة الحال قيادة الجبهة الثورية لأنها على الأقل وجدت (ظهرها يهتز) ويتأرجح بعنف وقوة وكان ملاحظاً فى هذا الصدد مدى ومقدار الارتباط الكبير الذي وجدت نفسها فيه.
أولاً، لم تستطع منذ لحظة اندلاع القتال وحتى الآن ترجيح كف أي طرف من الطرفين حتى يمكنها المراهنة عليه ومن ثم تحديد موقفها، هل تقاتل الى جانبه أم تقاتل الى جانب الطرف الآخر. وهذا الموقف فى حد ذاته ألحق بها خسارة فادحة فهي دون شك ستدفع عاجلاً أم آجلاً فاتورة هذا الموقف السلبي؛ حيث لأنه إذا ما دانت الأمور لطرف من الطرفين فإن الطرف المنتصر سوف ينظر إليها نظرة ارتياب، والطرف المهزوم هو الآخر سينظر إليها ذات النظرة. هنا تدور أزمة الثورية الحقيقية، فهي فى تحديد موقفها.
الأمر الثاني أن بعض مكونات الثورية -مثل حركة العدل والمساواة- قاتلت لصالح مصالحها حين ارتكبت أعمال النهب والسرقات مستغلة المناخ غير الواضح وهذه دون شك سيطالها عقاب آجلاً أم عاجلاً من الطرفين لأن سوء حظ الحركة هنا أنها نسيت أنها (طرف ثالث) وأنها أجنبية وليست جنوبية ومن ثم لا يحق لها مطلقاً التدخل فى الصراع ومن باب أولى لا يحق لها انتهاز الفرصة والقيام بأعمال نهب وسرقات.
الأمر الثالث إن ترجيح  كفة الرئيس سلفا كير -وهي الأكثر رجحاناً- فى ظل الموقف الرائع الذى وقفه السودان حيال الصراع يجعل الرئيس كير مديناً بدرجة كبيرة للحكومة السودانية، وواحدة من أهم مطلوبات الخرطوم تجاه جوبا هو طرد الثورية وإيقاف نشاطها المسلح نهائياً وبالطبع لن يجد الرئيس الجنوبي -الذي علمته الأحداث ما لم يعلم- مناصاً من الاستجابة للطلب السوداني استجابة فورية فى ظل وضع يسعى الرجل لكي يحوله الى وضع آمن ومستقر سواء داخل بلاده أو بينه وبين السودان.
وهكذا فإن الجبهة الثورية بتوابعها (قطاع الشمال والحركات الدارفورية المسلحة) تبدو كمن لم تدخل حرباً، ولكنها -لسوء حظها- لحقت بها هزيمة ماحقة تكاد تقتلعها من جذورها، دون أن تكون طرفاً فى هذه الحرب!

0 التعليقات:

إرسال تعليق