ربما أصابت البعض الدهشة جراء عدم احتفاء احد بالقرار الأحادي الجانب الذي بادرت به ما كانت تعرف بالجبهة الثورية بوقف العمليات العسكرية في مناطق النيل الازرق وجنوب كردفان اعتباراً من ابريل وحتى اكتوبر 2016م!
قرار الثورية لم يأبه له أحد، حتى رئيس الآلية الافريقية الرفيعة، ثامبو أمبيكي لم يبد أي ترحيب بهذا القرار! ما السر وراء رد الفعل البارد الذي قوبل به القرار؟ الأمر ببساطة شديدة للغاية يرجع الى أن القرار غير جاد ولا يحمل أي بعد استراتيجية حقيقية لماذا؟ لأن خارطة الطريق التى وقعتها عليها الحكومة السودانية مؤخراً ورفضتها –بلا مبررات موضوعية– قوى المعارضة، كانت بلا شك تتضمن بنداً لوقف الطلاق النار، فإذا كانت هذه القوى (جادة) وراغبة بوقف اطلاق النار بغية إفساح المجال للتفاوض والتوصل إلى اتفاق سلام، فلماذا إذن رفضت خارطة الطريق؟
وكيف لمن يرفض خارطة أشمل وأوسع للحل الشامل ان يعود (من خلف النافذة) ويدعي انه يرغب في وقف اطلاق النار للتفاوض؟ كيف يتم اسقاط استراتجي لصالح التكتيكي؟
لقد بدا واضحاً ان القوى المعارضة تناور وتحاول يائسة العمل على كسب الوقت ولو للمرة الأخيرة علها تنجح في تغيير المعادلة تعينها على المضي قدماً في برنامجها الحربي إلى نهاية الشوط، ولهذا فإن اعلان ما يسمى بالثورية هذا من السهل ان نستخلص من ثناياه عدة أهداف رمت إليها مفترضة (قلة ذكاء) الآخرين:
أولاً، الظهور بمظهر الحمل الوديع الرامي لوقف العمل العسكري لتجنيب المدنيين والابرياء ويلات الحرب وهذه بدورها تعيد تحسين وجه حملة السلاح إقليمياً ودولياً كونهم لا يريدون الحرب من أجل الحرب ومن ثم يحصدون تعاطف القوى الدولية التى فقدوا تعاطفها جراء الهزائم المتتالية الاخيرة من جهة؛ ورفض خارطة الطريق المطروحة من قبل الوساطة الافريقية من جهة أخرى! الثورية حاولت التظاهر بأنها ذكية وماهرة ولكن الوساطة الافريقية لم يدعها تهنأ بذكائها!
ثانياً، إعادة تسوية صفوفها القتالية، إذ من المعروف ان الثورية لم تجد ولو لحظة لالتقاط الأنفاس منذ بداية المشروع الحكومي المعروف إصطلاحاً باسم (الصيف الحاسم). عانت القوى المسلحة انقسامات وهزائم وخلافات جعلها موضع استياء القوى الدولية الممولة والراعية لها وليست هنا من وسيلة مثلى لمعالجة هذه التعقيدات إلا عبر ضمان (جبهة قتال باردة) يمتد الهدوء فيها لستة أشهر وهي كافية لاستعادة قوتها والعودة مجدداً لمسارح القتال. ولا شك ان أيّ (مبتدئ) في مجال التحليل السياسي وقارئ مواظب لمواقف الاطراف قادر على إدراك هذه الحقيقة بمجرد إطلاعه على بيان الثورية المبكي المضحك!
ثالثاً، وهذه نقطة بالغة الاهمية ومؤثرة، فإن الثورية بعد هزيمة الحركات الدارفورية الواحدة تلو الاخرى وآخرها حركة عبد الواحد في جبل مرة لم تعد سوى الحركة الشعبية قطاع الشمال، وهي تعلم ان الدور سوف يحلّ عليها لا محالة وهي مهزومة مهما كانت قدراتها ولهذا فهي -وكما يفعل الأسرى عادة في الحرب- ترفع قطعة بيضاء للحيلولة دون حلول الدور عليها.
رابعاً، فإن تحسن الاوضاع الأمنية -على الاقل في الوقت الراهن- بدولة جنوب السودان وتشكيل حكومة انتقالية إيذاناً بعملية سلام شاملة معناه أن الحركة الشعبية قطاع الشمال لن تتمتع بذات المزايا التى كانت تتمتع بها من قبل من دعم غير محدود من قبل جوبا ومعسكرات إيواء وتدريب. الأمر اختلف تماماً ولهذا فهي في حاجة ماسة لشيء من الوقت لكي تحافظ على وجودها أو تراهن على المعجزات






0 التعليقات:
إرسال تعليق