الخميس، 19 مايو 2016

واشنطن تنصِّب نفسها أمماً متحدة!

لم تعرف العلاقات الدولية طوال تاريخها قوة دولية شديدة التناقض والتأرجح في سياسياتها ومواقفها الخارجية -على نحو صارخ- مثل الولايات المتحدة . كثيرة هي ولا تقع على حصر الأمثلة والنماذج التى تؤكد على هذه الفرضية، إذ أن واشنطن وبعد مقاطعة شرسة ومؤلمة لدولة كوبا -منذ الخمسينات- عادت الآن لاستعادة علاقة عادية معها.
ما كانت طبيعة اسباب سوء العلاقة، وما هي محصلة النتائج وما الذي تغير؟ هذه كلها لا تملك لها واشنطن أي نوع من الاجابات، موضوعية كانت أم مزاحية. الأمر نفسه مع إيران ثم التقلبات في سوريا، ثم الخطأ الاستراتيجي الشنيع في غزوها للعراق في العام 2003 دون غطاء دولي، ومع أنها حشدت تحالفاً دولياً قبل ذلك في العام 1991 لإخراج العراق من الكويت!
نهت واشنطن عن (خلق) ثم أتت بمثله وبالطبع لم تكن لتهمنا هذه التناقضات و التقلبات غير القائمة على أسس موضوعية لولا انها فعلت ما هو أسوأ منها بشأن علاقاتها مع السودان. ولسنا هنا بصدد الحديث عن حنث واشنطن بوعودها المتكررة المبذولة للسودان منذ مفاوضات نيفاشا 2005 مروراً بإتفاقية الدوحة 2011 و تنفيذ استفتاء تقرير مصير الجنوب.
عشرات الوعود المشفوعة بتأكيدات من كبار مسئولي الإدارات الأمريكية المتعاقبة كانت تذهب أدراج الرياح. و بالمقابل -للمفارقات وسخريات القدر- تطالب واشنطن السودان باستمرار الوفاء بتعهداته! قبل أشهر قلائل من الآن بدأت واشنطن في التعامل بقدر من العقلانية بشأن علاقاتها بالسودان. قللت من بعض القيود الاقتصادية. رفعت جزئياً بعض الحظر. بدأت تحث بعض القوى المعارضة على الالتحاق بالعملية السلمية و قبول خارطة الطريق، وكان واضحاً ان واشنطن ليس لديها أسباب قوية تجعلها تعادي الخرطوم وتغلظ عليها في المعاملة، ولهذا كان أمراً مفاجئاً ومستغرباً ان تمنع واشنطن منح تأشيرة دخول لوزير الداخلية السوداني لحضور مؤتمر دولي خاص بمكافحة المخدرات ينعقد في مدينة نيويورك.
المؤتمر وإن كان ينعقد على ارض امريكية إلا انه ينعقد تحت لافتة دولية و ضمن أنشطة الامم المتحدة التي تتخذ من مدينة نيويورك مقراً لها. ومن المعروف -وفق القانون الدولي- ان الولايات المتحدة ليست سوى (دولة مقر) في كل ما يتعلق بأي شأن يخص الأمم المتحدة وتقضي إتفاقية دولة مقر بينها وبين الامم المتحدة بأن تسهل دولة المقر دخول وإقامة القاصدين للأمم المتحدة القادمين من مختلف دول العالم بغض النظر عن موقف أو (رأي) دولة المقر في هؤلاء الضيوف، الأمر الذي يعتبر بمثابة خرق صريح من قبل الولايات المتحدة للإتفاقية الموقعة بينها وبين الامم المتحدة في هذا الصدد ومخالفة صريحة للقانون الدولي، وليس أدل على ذلك من ان الأمم المتحدة لو كان لديها أي تحفظ أو استثناء بشأن مشاركة السودان أو أي دولة في مؤتمر لما قدمت الدعوة من الاساس للسودان أو لغيره لحضور المؤتمر.
ومقتضى هذه المخالفة -غير المبررة- أن واشنطن بهذا المسلك تجعل من مقر المنظمة الدولية -الذي تصادف أنه على ارضها- مقراً خاصاً بها تمارس إنتقائية مزاجية في السماح لمن تود ومنع من لا تود ان يحضر اليه، على الرغم من قضية مكافحة المخدرات من القضايا الدولية البالغة الاهمية التى لا تتواني دول العالم في العمل الحثيث على التعاون من اجل وضع حد لها.
إنها دون شك واحدة من تناقضات الدولة العظمى في تطبيقها -بوجهة نظرها الخاصة- لقواعد القانون الدولي، ومحاولة فرض سيطرتها على المنظمة الدولية!

0 التعليقات:

إرسال تعليق