الأحد، 10 مايو 2015

حركات مسلحة تحت التصفية (حركة جبريل نموذجاً)!


الهزيمة الماحقة التي تعرضت لها حركة العدل والمساواة التي يقودها جبريل إبراهيم في منطقة "قوز دنقو" بولاية جنوب دارفور قبل أيام ليست مجرد هزيمة عسكرية عابرة تعرضت لها حركة دارفورية مسلحة تخوض حرباً منذ سنوات ضد الدولة السودانية، ولكنها بالمعايير الإستراتيجية يمكن اعتبارها بداية سقوط مشروع العمل المسلح كعمل معارض كان سمة بارزة في التاريخ الحديث للدولة السودانية، وتحول إلى مشروع استثماري مربح لبعض القادة السياسيين الذين فشلوا في مضمار الممارسة السياسية المتحضرة، وضاقوا بمواعين العمل السياسي السلمي.
وإذا أردنا -في عجالة- تعداد مزايا هذه الهزيمة فإن بإمكاننا أن نلاحظ: أولاً، سقوط نظرية (شد الأطراف) القائمة على إنهاك قوة الدولة العسكرية وتشتيت جهودها والحيلولة دون إمكانية مواصلة بناء الدولة. فقد جاءت الهزيمة المريرة والسودان فرغ لتوّه من عمليات الاقتراع التي جرت منتصف ابريل الماضي أفضت إلى واقع سياسي مسنود شعبياً.
المفارقة الكبرى هنا أن الممارسة السياسية السلمية والممارسة الديمقراطية بدت وكأنها أصرت على إسقاط العمل السياسي المسلح جنباً إلى جنب مع الرهان على فشل العملية الانتخابية. السودان بدا في هذه المشهد قوياً وقادراً على بناء نفسه وفي ذات الوقت قادر على تحطيم الذين يسعون إلى تحطيمه. هذه النقطة من الأهمية بمكان إذ أن المراهنين على السلاح -ومهما كانت حساباتهم- مخطئون بنسبة مائة بالمائة، الأمر الذي يتطلب أن يراجعوا حساباتهم وينفضوا أيديهم من هذا العمل الأخرق قبل فوات الأوان.
ثانياً، التجربة أثبتت أن من الممكن -وليس من الصعب ولا من المستحيل- تصفية مشروعات العمل المسلح هذه طالما أنها أصبحت مشروعات تخريب لصالح جهات معادية للسودان. إذ لا تستطيع قيادة حركة جبريل أن تزعم أن العتاد الحربي الباهظ الثمن الذي خسرته في (قوز دنقو) من جيبها الخاص ومن حر مالها! فإذا كان المشروع أجنبياً والممولين أجانب والأيدي العاملة ليس لها قرارات ولا ترقد على وازع وطني، فإن من المحتم أن تتم تصفية مثل هذه المشروعات تصفية تامة طال الزمن أو قصر.
ثالثاً، فات الأوان تماماً وربما إلى الأبد على هذه الحركات المسلحة لكي تجلس -بوزن سياسي معقول- إلى التفاوض، فهي الآن وفي هذه اللحظة أصبحت هدفاً سهلاً للجيش السوداني وقوات الدعم السريع ويستلزم جلوسها للتفاوض الآن أحد أمرين، إما أن تقبل بمقتضيات الواقع وترضى بما هو متاح، وإما أن تنتصر على الدولة السودانية بكاملها!
رابعاً، ثبت أيضاً أن بؤس تدبير الممولين سواء تمثل ذلك في النظام الجنوبي في جوبا أو نظام الرئيس موسيفيني، كلاهما لم يدركا حتى الآن استحالة كسر الإرادة السودانية مهما كانت ظروف السودانيين ومهما خاصم بعضهم النظام الحاكم. فمثل هذه التحركات المسلحة تستهدف السودانيين عموماً، وهذا سبب كاف لفشلها حتى ولو منحت هذه الحركات عتاداً كاملاً لحلف شمال الأطلسي.
خامساً، ثبتت أيضاً هشاشة العقيدة القتالية للذين تستخدمهم هذه الحركات المسلحة. لقد كان أمراً مفجعاً لا يصدق ما بدت عليه معنويات القوات المهزومة في (قوز دنقو) . لم يكونوا -للأسف الشديد- سوى أنفار جرى إغراء بعضهم بالمال، وبعضهم جرى انتزاعه انتزاعاً من عائلته وزج به في المعسكرات.
وهكذا يتضح بجلاء أن لا مستقبل مطلقاً لهذه الحركات المسلحة فقد جرى إنباتها بواسطة قوى أجنبية في أرض لا تصلح لزراعتها، ولهذا فقد بدأت تعاني الأمرّين؛ صعوبة النمو والإنبات، وصعوبة البقاء داخل التربة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق