الأحد، 10 مايو 2015

الحركات المسلحة السودانية.. مهن هامشية خاسرة!


الضربة القاصمة التي تلقتها حركة العدل والمساواة الدارفورية المسلحة التي يقودها جبريل إبراهيم في ولاية جنوب دارفور مؤخراً يمكن اعتبارها العلامة الفارقة ومفترق الطرق الحقيقي لجدوى العمل المسلح في السودان. سوء حظ حركة جبريل وسوء تقديراتها وسوء إدارتها -منذ سنوات- لصراعها المسلح ضد الدولة السودانية جعلها عبرة تاريخية لمن يعتبر، قد سجل التاريخ أن حركة جبريل أدركت ولو بعد فوات الأوان، أن القوات المسلحة السودانية أقوى وأكبر من أن تعبث معها.
والواقع إذا أردنا إجالة النظر في شأن جدوى ومآلات العمل المسلح في السودان، فإن الأمر قد يبدو صعباً على بعض الذين راهنوا على نجاح البندقية في تحقيق الأحلام وجلب المصالح. صحيح أن البعض ما يزال شديد الإعجاب بتجربة الحركة الشعبية في جنوب السودان كونها نجحت في مدى 20 عاماً في تحقيق انجاز وإقامة دولة ولكن المتأمل موضوعياً في تجربة الحركة الشعبية يجد أن الحركة الشعبية لم تحقق أية آمال وأحلام عن طريق البندقية.
كل ما حققته كان عبر مائدة التفاوض وحدها وليس سراً أن الحركة ما قبلت الجلوس إلى التفاوض –بعد أن ظلت تمانع لسنوات طويلة– إلا حين أدركت وعلى نحو قاطع وأدرك داعموها أنها لو استمرت في موقفها الرافض للتفاوض فإن الهزيمة المريرة ستكون من نصيبها، ولسنا هنا في حاجة للتذكير بالمشروع العسكري الشهير البالغ التأثير الذي أنجزته الحكومة السودانية في تسعينات القرن الماضي والذي عرف حينها بـ(صيف العبور) فهو المشروع العسكري الذي أدخل الفزع في قلوب قادة الحركة الشعبية وخلخل عقيدة القادة، وجعل زعيم الحركة وقتها الراحل قرنق يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على أي عمل عسكري ولو كان في حجم مهاجمة نقطة عسكرية طرفية!
لولا صيف العبور والتعبئة الإستراتيجية الشاملة التي قادها الجيش السوداني بحيث أثبتت للحركة الشعبية أن الوصول إلى الأهداف اقرب للمستحيل لما ركنت الحركة الشعبية للتفاوض. الآن عادت الحكومة السودانية وأنشأت مشروعاً عسكرياً أشد مضاضة من صيف العبور وهو ما عرف بالصيف الحاسم.
هذا المشروع الذي استهانت به القوى المسلحة في بدايته استطاع حتى الآن أن ينظف شريطاً طويلاً في مناطق جنوب كردفان للدرجة التي باتت معها قوات قطاع الشمال تتحسب ألف مرة قبل أن تفكر في مهاجمة منطقة من المناطق. وكلنا نلاحظ الآن كيف توقفت تماماً الهجمات البرية التي كانت تقوم بها قوات القطاع قبل سنين أو ثلاثة وتجتاح القرى والمناطق الطرفية وتحدث فرقعة إعلامية ثم تنسحب.
كلنا يلاحظ الآن كيف توقفت تماماً الهجمات البرية التي كانت تقوم بها قوات القطاع قبل سنتين أو ثلاثة وتجتاح القرى والمناطق الطرفية ثم تنسحب. كلنا يلاحظ الآن كيف اقتصرت عمليات قطاع الشمال على مدافع الكاتيوشا وفي نطاق محدود وبكلفة باهظة حيث يتم سحب المدافع بسرعة والهروب بها إلى أبعد نقطة مخافة أن يأتي الرد في المنطقة التي أطلقت منها!
إذن يمكن القول إن قوات القطاع من الناحية العملية لم يعد لها تأثير يذكر في جنوب كردفان، وهي أصلاً غير فاعلة في النيل الأزرق وقد رفض المتمرد عقار -منذ سنوات- المغامرة بأي عمل عسكري في النيل الأزرق حين أدرك أن الكلفة هناك أكثر بكثير من أي تصور.
وعلى ذلك يمكن القول إن عودة الجيش السوداني مدعوماً بالقوات النظامية المدربة على حرب العصابات (قوات الدعم السريع) إلى ميادين القتال وإمتلاكه لزمام المبادأة واستيعابه –بعمق لتكتيكات القوى المسلحة– بات عنصر رئيسي مؤثر في اجتثاث أي جدوى للعمل العسكري المسلح سواء في الحاضر أو المستقبل؛ ولعلنا إذا أردنا تلخيص الوضع الآن في السودان لنخرج بعدة نتائج ومؤشرات نرى الآتي:
أولاً، ثبتت استحالة كسر نواة الجيش السوداني باعتباره هو العمود الفقري المتين للدولة السودانية. شرف الجندية السودانية يأبى أن ينكسر أمام أي عمل مسلح منذ قيام الدولة السودانية الحديثة، فمنذ أول تجربة جرت في يوليو 1976 ثبت تماماً أن الجيش السوداني هو عظم الدولة السودانية وهو جيش لا يقهر إلا إذا سقطت بالكامل الدولة السودانية.
ثانياً، ثبت أيضاً أن العمل المعارض المسلح مرفوض ومستهجن من كل المواطنين السودانيين حتى أولئك الذين لا ينتمون لأحزاب معارضة للسلطة الحاكمة. وهذا ما يدعم وبقوة ظهر الجيش السوداني ويعطيه حافر اضافي على الأداء الرائع.
ثالثاً، ثبت أن العمل المعارض المسلح سرعان ما يسقط وينهار كما حدث لحركة جبريل إبراهيم إذا كان قائماً على نزعة عنصرية، وفي ذات الوقت صبغة ارتزاقية فإذا كان العمل المسلح القائم على تحالف سياسي بين عدة أحزاب (الجبهة الوطنية) في يوليو 1976 انهار وسقط سقوط مدوي فما بالك بحركة عنصرية وفى ذات الوقت تعتمد في تمويلها على تمويل خارجي مشبوه!
لا شك أن مستقبل الحركات السودانية المسلحة بات الآن أكثر وضوحاً فهي إما أن تسارع بالقبول بالتفاوض وترجع إلى رشدها؛ وإما أن تتقبل الهزيمة والتلاشي دون أن تجد من يذرف عليها الدموع.

0 التعليقات:

إرسال تعليق