السيد الصادق المهدي، سياسي سوداني طبقت شهرته الآفاق. غير أن أكثر ما زاد شهرة الرجل سوء تقديراته السياسية وأخطاؤه الحسابية المدوية. آخر تعثرات المهدي السياسية انه عقد مؤخراً لقاء مع حلفائه في الجبهة الثورية وخرج اللقاء بالمطالبة بمنبر تفاوضي موحد خارج السودان تحت وصاية مجلس الأمن الدولي وبإشراف الآلية الإفريقية الرفيعة برئاسة ثامبو أمبيكي.
ومؤدى هذا الموقف الأخير أن المهدي ربط مصيره تماماً بمصير الجبهة الثورية وجوداً وعدماً. كما أن الرجل -بهذا الموقف المحزن- أثبت للكافة انه (حليف لحملة السلاح)! ومن ثم فهو حالياً –ومن الناحية العملية– يمكن اعتباره حاملاً للسلاح.
خطورة موقف السيد الصادق المهدي الأخير إنما تكمن في عدة نقاط تؤكد أن الرجل ما يزال يمضي في ذات توجهاته الخاطئة التقدير، السيئة الطالع. النقطة الأولى، أن المهدي اتخذ لحزبه معسكراً بالخارج هو ذات معسكر الجبهة الثورية التي تقاتل الدولة السودانية بضراوة وهذا يعني أن الرجل يربط مصيره ومستقبله بمدى نجاح الجبهة الثورية -بقوة السلاح- فيفرض رؤاها على الجانب الحكومي السوداني، بمعنى أن المهدي يراهن على تأثير السلاح الذي تحمله حليفته الثورية في الميدان ليؤثر مدى مدفعية الثورية في الميدان على مساحة طاولة التفاوض، فإذا نجحت الثورية في احتلال مدن سودانية مؤثرة وأصبحت تهدد فعلياً بإسقاط الحكومة؛ فإن التفاوض يصبح لصالحها ومن ثم يستفيد منه المهدي تبعاً لذلك.
وأما إذا ما تلقت الثورية هزائم متوالية، فإن التفاوض لا يصبح في صالحها! هل رأيتم رجلاً سياسياً قضى ثلثيّ حياته في العمل السياسي ويقود حزباً عريقاً يرضى بهذا المصير البائس!
النقطة الثانية أن الجبهة الثورية هي بالفعل الآن -ولسوء حظ الرجل الذي اشتهر بسوء التقدير- في حالة تراجع واضحة، فقد تلقت حركة جبريل إبراهيم مؤخراً وربما بالتزامن مع لقاء المهدي بقيادة الثورية ضربة موجعة من قبل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منطقة (النخارة) إلى الجنوب من مدينة "تلس" في ولاية جنوب دارفور.
ضربة حركة جبريل وهي واحدة من المكونات الرئيسية للثورية، سرعان ما ألقت بظلالها السالبة على مجمل الأداء العسكري بل والمستقبل العسكري القريب والبعيد للجبهة الثورية. وهذا يعني ببساطة أن الجبهة الثورية لن تستطيع أن تصبح مؤثرة في الميدان، الأمر الذي يفقدها تماماً مزايا بأي قدر في طاولة المفاوضات.
المدهش في الأمر أن المهدي رغم كل هذا التطور السالب الكبير لم يكترث كثيراً للمصير المحزن الذي ينتظره، لا يزال الرجل يضع يده على يد الثورية وينتظر قرارات مجلس الأمن!
النقطة الثالثة أن الحزب الذي يقوده المهدي بالداخل سوف يعاني من (حالة نزيف داخلي) شديد في الفترة المقبلة فالجبهة الثورية لا تقاتل فقط أعضاء وقادة المؤتمر الوطني كحزب حاكم، هي تقاتل كل مكونات الدولة السودانية، ومن المؤكد أن المناطق التي تمارس فيها أنشطتها العسكرية سواء في جنوب كردفان أو دارفور بها منتمون لحزب الأمة وبلا شك أن أية أضرار تلحق بمنسوبي حزب الأمة هناك سوف تخصم وعلى الفور من ما تبقى من رصيد الحزب في تلك المناطق، والمؤلم في الأمر أن حزب الأمة القومي أصلاً يعاني اختلالاً بداخله فشل المهدي منذ سنوات في معالجته.
هكذا إذن يدير المهدي أموره السياسية، يحمل في يده اليمنى كتابه السياسي وفي اليد اليسرى مسدساً، ثم ما يلبث أن يطلق من يده اليسري طلقات على كتابه السياسي في يده اليمنى!







0 التعليقات:
إرسال تعليق