الحركات السودانية المسلحة لم تنتبه إلا مؤخراً أنها في مأزق تاريخي حقيقي. ففي الوقت الذي بات يتعين عليها أن تواجه الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بذات تكتيكات حرب العصابات التي لم تعد تتميز بها على القوات الحكومية؛ فإن عليها أيضاً -في ذات الوقت- أن تحافظ على بقائها في ظل ظروف لم تعد القوات السودانية -خاصة قوات الدعم السريع- تسمح لهذا بهذا البقاء.
وليس سراً في هذا الصدد أن كل من جبريل إبراهيم ومناوي عقدا مؤخراً لقاء في العاصمة اليوغندية كمبالا تركز جله حول كيفية (تأمين) مناطق ارتكاز حصينة لما تبقى من قواتهما ريثما تنجلي الأمور! اللقاء الذي جاء مثقلاً بالهموم والوساوس والمخاوف الحقيقية ولم يخلُ من عضّ بعض بنان الندم جراء إضاعة بعض هذه الحركات للسوانح والفرص السابقة التي كانت تتيح لهم التوقيع على معاهدة سلام على الأقل يحافظون بها على قواتهم وعتادهم.
جبريل إبراهيم الذي بدا ضعفه وهوانه ظاهراً حتى على تقاطيع وجهه وموجة السعال المتواصلة التي يبدو أنها ألمت به بسبب الإرهاق والأنباء السيئة التي ظل يتلقاها طوال الأسبوعين، ألمحَ أكثر من مرة في سياق الحديث الجاري بينه وبين مناوي إلى ضرورة التفكير في حل سياسي! ومع أن مناوي بدا محبطاً للغاية جراء شعوره بنبرة الأسى والهزيمة هذه، فإنه اكتفى بالصمت الرهيب.
الحركات الدارفورية المسلحة على وجه الخصوص بدأت تستشعر مؤخراً أن مآزقها بدأت في التمدد والتطاول، فهي لن تحصل على المزيد من الدعم إذا لم تستطع إثبات أنها مقاتلة صلبة وقادرة على تحقيق الأهداف؛ كما أنها لن تستطيع إثبات أنها مقاتلة وصلبة إلا إذا تسنى لها الحصول على جنود، ولا شك أن الحصول على جنود -بعد هزيمة (قوز دنقو)- أصبح أمراً مستحيلاً.
جبريل إبراهيم بات يتقلب على جمر من الخيارات الصعبة المحدودة، فقد اضطر للإفضاء إلى مناوي أنهم لم يكسبوا شيئاً -كحركات دارفورية- من وراء دخولهم إلى الجبهة الثورية فبحسب شكوى جبريل، انه وحتى الآن لم يتسن لهم رئاسة الجبهة الثورية على الرغم من أنهم يمثلون القوى الضاربة في الثورية، إذ أنهم كحركات دارفورية يتجاوز عددهم وقواتهم كل عدد قوات قطاع الشمال!
مع أن جبريل تعمد أن يترك لجليسه مناوي حرية التحليل والاستنتاج إلا انه وبلغة قبلية الزغاوة أوعز لمناوي أن الأمر لا يخلو من عنصرية ومحاولة استخدام لقوة وبأس مقاتلي أبناء الزغاوة. وعلى كل فإن مثل هذه (المراجعات اليائسة) وعلاوة على كونها جاء بعد فوات الأوان، وفى ظل ظروف ومعطيات أكثر إيلاماً لهذه الحركات المسلحة فهي في خاتمة المطاف إنما تعكس -بعمق- خلو وفاض الحركات المسلحة من الرؤى والنظرة السياسية السديدة، ولهذا فإن إصرار قوات الدعم السريع والجيش السوداني على ملاحقة هذه الحركات وإلحاق الهزيمة بها يمكن فهمه في سياق تخليص دارفور ومناطق جنوب كردفان من جرثومة العمل المسلح الذي بات يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي للمنطقة، فالحركات المسلحة لم تعد حركات سياسية مطلبية تحمل السلاح، ولكنها تحولت كما هو معروف إلى مشروعات أجنبية تعمل في مجالات المقاولات الحربية وتؤجج النزاعات الأهلية وتقتات على الدماء والأشلاء.







0 التعليقات:
إرسال تعليق